هل دخلت «الحركة الشعبية» في حلف مع «الدعم السريع» ضد الجيش؟

خبراء: استغلت «وهن الدولة» ورفعت سقف طموحاتها

قادة «الحركة الشعبية ـ الشمال»: عبد العزيز الحلو (من اليسار) ومالك عقار وياسر عرمان في أغسطس 2017 (غيتي)
قادة «الحركة الشعبية ـ الشمال»: عبد العزيز الحلو (من اليسار) ومالك عقار وياسر عرمان في أغسطس 2017 (غيتي)
TT

هل دخلت «الحركة الشعبية» في حلف مع «الدعم السريع» ضد الجيش؟

قادة «الحركة الشعبية ـ الشمال»: عبد العزيز الحلو (من اليسار) ومالك عقار وياسر عرمان في أغسطس 2017 (غيتي)
قادة «الحركة الشعبية ـ الشمال»: عبد العزيز الحلو (من اليسار) ومالك عقار وياسر عرمان في أغسطس 2017 (غيتي)

فاجأ الهجوم الذي شنته «الحركة الشعبية لتحرير السودان» على مدينة كادوقلي، في ولاية جنوب كردفان، المراقبين والمحللين السياسيين، واعتبره البعض خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينها وبين الحكومة السودانية، واستغلالاً للأوضاع المترتبة على الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، ودعماً «مباشراً» لهذه القوات التي تقاتل الجيش، وذلك عبر إشغاله بمعركة غير معركته مع «الدعم السريع».

وكان الجيش السوداني قد قال، الثلاثاء، إن اللواء 54 مشاة التابع له في منطقة كادوقلي، تعرض لهجوم «غادر» من «الحركة الشعبية»، برغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي يجدد سنوياً مع حكومة السودان. وأضاف الجيش أن قواته تصدت للهجوم «ببسالة وردت المتمردين وكبدتهم خسائر كبيرة، واحتسبت عدداً من الشهداء والجرحى».

ولم يصدر من «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، أي بيان بشأن الهجوم المذكور، وهي تسيطر على منطقة «كاودا» الحصينة في إقليم جنوب كردفان، ولم توقع اتفاقية سلام مع الحكومة السودانية، وتشترط إعلان دولة علمانية وحكم فيدرالي كامل للدخول في أي مفاوضات مع الحكومة.

ما الحركة الشعبية؟

تتكون «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة الحلو، من شماليين انحازوا لجنوب السودان في الحرب الأهلية التي انتهت باتفاقية «نيفاشا». وبُعيد انفصال جنوب السودان، بقيت الفرقتان التاسعة والعاشرة التابعتان لـ«الجيش الشعبي لتحرير السودان»، وتسمتا بـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان - جناح الشمال»، ثم تعرضت هذه الحركة نفسها لانشقاق بين رئيسها مالك عقار ونائبه، آنذاك، ياسر عرمان، اللذين وقعا اتفاقاً مع الخرطوم. ويشغل الأول منصب نائب رئيس مجلس السيادة الحالي، وتوجد القوات التابعة له في إقليم النيل الأزرق، ولاحقاً انشق عنه نائبه ياسر سعيد عرمان وكون «الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري الديمقراطي»، التي تعارض القيادة العسكرية الحالية.

وتعد «الحركة الشعبية لتحرير السودان - جناح الحلو» تقليدياً «العدو اللدود» لقوات «الدعم السريع»، وقد أفلحت في التصدي لهجمات «الدعم السريع» عليها عندما حاول نظام الرئيس المعزول عمر البشير إنهاء وجودها عسكرياً، مثلما فعلت هذه القوات بالحركات الدارفورية المتمردة ملحقة بها هزائم كبيرة.

مخزن طبي مدمَّر في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بسبب القتال في السودان (أ.ف.ب)

ويتساءل المراقبون عن مقاصد «الحركة الشعبية» من الدخول في معركة مع الجيش في الوقت الذي يخوض فيه هذا الأخير معركة ضد عدوها التقليدي «الدعم السريع»، وما إذا كان هذا الهجوم دعماً غير مباشر لـ«الدعم السريع» في معركته ضد الجيش.

التكتيك أم الاستراتيجية؟

يقول محللون لـ«الشرق الأوسط»، إن خطوة «الحركة الشعبية» تعد نموذجاً لتفكير الحركات المسلحة بالسودان في «كيفية تغليب التكتيك على الاستراتيجية». وتابع: «الحركة حسبت أن كل أجهزة الدولة، بما فيها القوات المسلحة، مشغولة بالمعارك في الخرطوم، واعتبرت أن هناك فرصة سانحة للتقدم في هذه المناطق وكسب مساحات جديدة تضاف للمناطق التي تسيطر عليها».

ويوضح أحد المحللين أن «الحركة لم تحسب حسابات تأثير الخطوة على صورتها وعلى ما تنادي به من أفكار، فبدت كأنها تنسق مع قوات الدعم السريع لتفتح جبهة جديدة، بحيث تتوزع قدرات الجيش السوداني في أكثر من جبهة، بما يتيح لقوات الدعم السريع، التي يفترض أنها خصم استراتيجي وعدو رئيسي للحركة الشعبية، أن تتحرك بشكل أفضل وتحقق انتصاراً على الجيش السوداني».

طموحات الحركة

أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري، البروفسور صلاح الدومة، فيرى أن «طموحات الحركة الشعبية زادت بعدما وهن المركز»، وأن الأخطاء الغبية للانقلابين؛ الأول (25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021) والثاني (انقلاب 15 أبريل/ نيسان) ويقصد حرب الجيش و«الدعم السريع»، والإدارة السيئة للدولة والأزمة، زادت وهن الدولة الواهنة أصلاً، ما شجع «الحركة الشعبية» على رفع سقف طموحاتها لتتمدد في إقليم جنوب كردفان.

سكان يغادرون منازلهم في جنوب العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

ويعد الدومة أن هجوم «الحركة الشعبية» على قوات الجيش يشكل دعماً مباشراً لقوات «الدعم السريع»، العدو التقليدي لها، ويفسر ذلك قائلاً: «في العلاقات الدولية، هناك عدة مبادئ على رأسها مبدأ مصالح الصراع، وهو مبدأ يقلب العلاقات رأساً على عقب، ويتحول بموجبه أعداء الأمس إلى أصدقاء، وأصدقاء الأمس إلى أعداء». وتابع: «تعد الحكومة المركزية لسودان 1956 العدو اللدود للحركة الشعبية والدعم السريع، وعدو العدو صديق، فمتى توافقت المصالح يمكن أن يصبح الأعداء أصدقاء».

ويستشهد البروفسور الدومة لدعم فكرته بدفاع الولايات المتحدة الأميركية عن الثورة السودانية ومساندتها لها، ويقول: «من يسهر على مصالح الشعب السوداني والثورة السودانية؛ الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يمثل التقاء مصالح من كانوا أعداء في يوم من الأيام».

ويضيف: «الشعب السوداني يصف الولايات المتحدة بأنها دولة إمبريالية، وأنها لا تزال دولة إمبريالية، لكن لأن مصالحها في السودان لن تتحقق إلا في ظل حكومة ديمقراطية ليبرالية تشيع الحرية والعدالة والمساواة وتطبق القانون، فهذا من مصلحة الشعب السوداني».

وأشار الدومة إلى دعم الحكومة الأميركية للسودان منذ 19 ديسمبر (كانون الأول)؛ تاريخ انطلاق الثورة السودانية، وقال إنها دفعت نحو 3 مليارات دولار في شكل قروض ومساعدات لدعم الثورة، «ليس حباً بالشعب السوداني، لكن من أجل تحقيق الديمقراطية الليبرالية التي تتحقق بموجبها المصالح الأميركية».
وتابع: «هذه هي علاقات مصالح الصراع التي قد تجعل من الحركة الشعبية والدعم السريع اللذين يواجهان معاً عدواً مشتركاً، هو السلطة المركزية وممثلها الجيش، حليفين مرحليين».


مقالات ذات صلة

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

شمال افريقيا صورة متداولة لمحولات بمحطة «شندي» للكهرباء التي أصابها الضرر بسبب الهجوم بالمسيرات

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

تواصلت حرب المسيّرات على منشآت الطاقة في السودان لليوم الخامس على التوالي، إذ تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل، لهجوم أدى إلى تدمير محطتها التحويلية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي 2025 (رويترز)

مصر تشدد على أهمية الدور الأميركي في تسوية قضايا المنطقة

بدر عبد العاطي يجدد «التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عمال يقيّمون الأضرار بمحطة للطاقة شمال أم درمان استهدفتها مسيّرة الأربعاء (أ.ف.ب)

هجمات بالمسيّرات تقطع الكهرباء عن ملايين السودانيين

استهدفت طائرة مُسيّرة، الخميس، محطة كهرباء «أم دباكر» بولاية النيل الأبيض، بعد ساعات من اتهام الحكومة السودانية نظيرتها الإثيوبية بالوقوف وراء سلسلة من الهجمات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية بالسجن المؤبد على 8 متهمين بينهم مسؤولون عسكريون وأمنيون سودانيون (الشرق الأوسط)

الإمارات: الحكم بالمؤبد على 8 متهمين سودانيين بتوريد أسلحة

قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية بالسجن المؤبد على 8 متهمين، بينهم مسؤولون عسكريون وأمنيون سودانيون.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

مصر: واقعة «اختراق اللوحة الإعلانية» تثير تساؤلات حول الأمن الرقمي

مطالبات في مصر بمراجعة تأمين شاشات الطرق الرقمية (الجهاز القومي لإعلانات الطرق)
مطالبات في مصر بمراجعة تأمين شاشات الطرق الرقمية (الجهاز القومي لإعلانات الطرق)
TT

مصر: واقعة «اختراق اللوحة الإعلانية» تثير تساؤلات حول الأمن الرقمي

مطالبات في مصر بمراجعة تأمين شاشات الطرق الرقمية (الجهاز القومي لإعلانات الطرق)
مطالبات في مصر بمراجعة تأمين شاشات الطرق الرقمية (الجهاز القومي لإعلانات الطرق)

أثارت واقعة «اختراق شاشة إعلانية إلكترونية»، بمحافظة الجيزة في مصر، تساؤلات حول إجراءات «التأمين الرقمي» للافتات الطرق العامة.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة الأمنية في مصر على خلفية واقعة بث «مقاطع غير أخلاقية» عبر شاشة إعلانية، مساء الخميس، يرى خبراء أمنيون ومتخصصون في الأمن السيبراني أن تأمين لافتات الطرق يجب أن يخضع لمنظومة متطورة تتشارك فيها عدة جهات حكومية.

وأشاروا إلى أن الاختراق الإلكتروني لهذه اللافتات يستلزم تحديث إجراءات الحماية والتأمين بصورة مستمرة، إلى جانب تشديد الرقابة عليها.

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت، مساء الخميس، أن «المتابعة الأمنية رصدت اختراقاً لإحدى شاشات الإعلانات على أحد الطرق بمحافظة الجيزة، وبث بعض اللقطات غير اللائقة عليها»، وقالت في إفادة لها إن «الفحص كشف عن أن الشاشة تتبع إحدى شركات الإعلان المتعاقدة مع شركة دولية لبث الإعلانات إلكترونياً».

وأضاف بيان الداخلية المصرية أن «موقع الشركة الدولية على شبكة الإنترنت تعرض للاختراق الإلكتروني، الأمر الذي أدى إلى بث تلك اللقطات على الشاشة الموجودة بالجيزة وشاشات مماثلة في عدة دول بالتوقيت ذاته».

وتخضع عمليات تشغيل إعلانات الطرق العامة في مصر لإشراف «الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات على الطرق العامة» التابع لرئاسة مجلس الوزراء، بالتعاون مع جهات الحق الإعلاني ومنها وزارة النقل.

«الداخلية» رصدت اختراقاً لإحدى شاشات الإعلانات على أحد الطرق في محافظة الجيزة (الجهاز القومي لإعلانات الطرق)

ورغم الإجراءات الأمنية السريعة للتعامل مع واقعة اختراق اللافتة الإعلانية، فإن مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء أشرف أمين، يرى أن «تأمين الطرق والشاشات الإعلانية يخضع لاختصاص جهات وإدارات مختلفة، من بينها الداخلية»، مشيراً إلى أن «احتمالات الاختراق السيبراني للتطبيقات أمر وارد في ظل التطور التكنولوجي المتسارع».

وشدد أمين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أهمية «تبني استراتيجية استباقية تستهدف منع الجريمة قبل وقوعها»، مؤكداً أن «كل جهة تتحمل مسؤولية تأمين الأنظمة والتطبيقات الواقعة ضمن نطاق اختصاصها».

وقامت شركة الإعلان الدولية باتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة لإيقاف البث على الشاشات التابعة لها لحين التعامل مع الاختراق وإعادة البث الطبيعي مرة أخرى، وفق بيان وزارة الداخلية.

ويفسر خبير أمن المعلومات والأمن السيبراني، وليد حجاج، اختراق لافتات الطرق في أكثر من دولة، بسبب «ثغرات في اتصال هذه اللافتات بشبكة الإنترنت»، وقال إن «لوحات الإعلانات الإلكترونية المنتشرة في مصر والعديد من دول العالم، سواء أكانت موجودة على الطرق أم كانت تُدار محلياً، تعتمد في كثير من الأحيان على أنظمة متصلة بالإنترنت، وتخضع لإدارة شركات متخصصة تتولى التحكم فيها من خلال لوحات تحكم إلكترونية».

وأوضح حجاج في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ضعف أنظمة الحماية وعدم تأمين البنية التكنولوجية بشكل كافٍ قد يجعلها عرضة للاختراق والتلاعب بالمحتوى المعروض عليها»، وقال إن الواقعة «تعيد تسليط الضوء على أهمية مراجعة منظومة التأمين الإلكتروني لهذه الأنظمة، خصوصاً في ظل تحذيرات سابقة بشأن وجود ثغرات أمنية في بعض أنظمة تشغيل وإدارة تلك الشاشات».

وشدد حجاج على ضرورة التركيز على محورين أساسيين؛ أولهما مدى التزام الشركات المسؤولة عن إدارة شاشات الإعلانات بإجراء التحديثات الدورية للأنظمة والبرمجيات، وتوفير مستويات حماية قوية تمنع الوصول غير المصرح به، وثانيهما وجود رقابة فعالة من الجهات المختصة على هذه الشركات، وإلزامها بتحديث أنظمة التشغيل وسد الثغرات الأمنية بصورة مستمرة.


السيسي في بودابست... تعزيز للشراكة والتعاون الاقتصادي

محادثات بين الرئيس المجري أندراش باكا ونظيره المصري في بودابست الجمعة (الرئاسة المصرية)
محادثات بين الرئيس المجري أندراش باكا ونظيره المصري في بودابست الجمعة (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي في بودابست... تعزيز للشراكة والتعاون الاقتصادي

محادثات بين الرئيس المجري أندراش باكا ونظيره المصري في بودابست الجمعة (الرئاسة المصرية)
محادثات بين الرئيس المجري أندراش باكا ونظيره المصري في بودابست الجمعة (الرئاسة المصرية)

بدأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زيارة إلى المجر، وسط تطلعات مصرية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع اقتراب الاحتفال بمرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2028.

وفي مستهل الزيارة التقى السيسي، الرئيس المجري أندراش باكا، وشهدت المحادثات تأكيد الرئيس المصري «اعتزاز بلاده بالعلاقات التاريخية الراسخة التي تجمع البلدين، وحرصها على مواصلة تطويرها والارتقاء بها، لا سيما مع اقتراب الاحتفال بمرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2028».

كما أشار إلى المشروعات القائمة بين البلدين في عدة مجالات، من بينها السكك الحديدية، مشدداً على أهمية البناء على إعلان الشراكة الاستراتيجية الموقع بين البلدين عام 2023، بوصفه إطاراً مهماً لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

وأعرب السيسي عن تطلع مصر إلى ترجمة هذه الشراكة إلى مشروعات وبرامج عملية تعود بالنفع المتبادل على الشعبين الصديقين.

من جانبه، أشار الرئيس المجري إلى أن بلاده «تنظر إلى مصر بوصفها شريكةً غاية في الأهمية، وأن بلاده تثمن السياسة التي تنتهجها مصر في كل المجالات»، مؤكداً «تفهم بلاده لأهمية نهر النيل بالنسبة إلى مصر»، حسب بيان الرئاسة المصرية، الجمعة.

وتكتسب زيارة السيسي إلى العاصمة المجرية بودابست «أهمية سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، خصوصاً أنها تأتي عقب مشاركة الرئيس في القمة الروسية-الأفريقية الثالثة بموسكو، بما يعكس حيوية التحرك المصري وتعدد دوائر علاقاته الدولية، وحرص القاهرة على تنويع شراكاتها وتعزيز حضورها في مختلف التجمعات الإقليمية والدولية»، على ما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط».

جانب من استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في بودابست (الرئاسة المصرية)

والتقى وزير النقل كامل الوزير نظيره المجري دايفيد فيتيسي، في بودابست، وشهد اللقاء الاتفاق على استكمال توريد عدد 44 عربة ركاب جديدة جار تصنيعها في المجر، على أن يتم التوريد وفق جدول زمني محدد، بما يسهم في دعم أسطول السكك الحديدية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للركاب، حسب بيان لوزارة النقل المصرية، الجمعة.

وكشفت بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» بمصر عن ارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى المجر لتصل إلى 138.5 مليون دولار خلال أول 7 شهور من عام 2026 مقابل 105.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025 بنسبة ارتفاع قدرها 30.9 في المائة، بينما بلغت قيمة الواردات المصرية من المجر 101.6 مليون دولار خلال أول 7 شهور من عام 2026 مقابل 154.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025 بنسبة انخفاض 34.3 في المائة.

ويرى حجازي أنه على المستوى الاقتصادي، تمثل الزيارة فرصة للانتقال بالعلاقات من مستوى التفاهم السياسي إلى شراكة إنتاجية واستثمارية أكثر عمقاً، مضيفاً: «هناك تكامل واضح بين ما تمتلكه المجر من خبرات صناعية وتكنولوجية، وما توفره مصر من سوق كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي، وبنية تحتية متطورة، ومناطق صناعية ولوجستية، واتفاقيات تجارية تتيح النفاذ إلى أسواق أفريقيا والعالم العربي وأوروبا».

استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في بودابست (الرئاسة المصرية)

ويأتي قطاع النقل والسكك الحديدية، حسب حجازي، «في مقدمة نماذج التعاون القائم بين البلدين، إذ تمثل الخبرة المجرية في تصنيع عربات السكك الحديدية مجالاً مهماً لدعم خطة مصر لتحديث هذا القطاع»، مشدداً على أنه المطلوب أن يتحول هذا التعاون من علاقة بين مورد ومشترٍ إلى شراكة صناعية طويلة الأجل، تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري وتدعم قدراته الإنتاجية.


التقارب العسكري المصري - التركي يتجاوز خلافات «الاتفاق البحري» في «المتوسط»

السفير التركي لدى القاهرة صالح موطلو شن خلال احتفال سفارة بلاده بذكرى تأسيس الجمهورية التركية (السفارة التركية بالقاهرة)
السفير التركي لدى القاهرة صالح موطلو شن خلال احتفال سفارة بلاده بذكرى تأسيس الجمهورية التركية (السفارة التركية بالقاهرة)
TT

التقارب العسكري المصري - التركي يتجاوز خلافات «الاتفاق البحري» في «المتوسط»

السفير التركي لدى القاهرة صالح موطلو شن خلال احتفال سفارة بلاده بذكرى تأسيس الجمهورية التركية (السفارة التركية بالقاهرة)
السفير التركي لدى القاهرة صالح موطلو شن خلال احتفال سفارة بلاده بذكرى تأسيس الجمهورية التركية (السفارة التركية بالقاهرة)

جاء إعلان السفير التركي في القاهرة صالح موطلو شن، عن اتجاه البلدين لإنتاج صواريخ وطائرات وسفن، ليؤكد أن التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة يتجاوز الخلاف بشأن «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية الخاصة بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في المتوسط، التي صدَّق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، وعدَّتها مصر «باطلة».

وقال شن، في كلمته خلال الاحتفال بالذكرى الـ103 لتأسيس الجمهورية التركية بمقر السفارة بالقاهرة، مساء الخميس، إن «العلاقات العسكرية بين تركيا ومصر تتقدم وهناك مشاريع في مجال الصناعات الدفاعية»، معرباً عن ثقته في أنه «خلال عشر سنوات ستكون هناك صواريخ وسفن وطائرات، ومسيَّرات (طائرات من دون طيار) يتم إنتاجها بشكل مشترك بين البلدين».

وأكد السفير التركي، أن «العلاقات الاستراتيجية والشراكة بين تركيا ومصر ضرورة فرضتها متطلبات السلام والأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة»، مشيراً إلى أنه «منذ عام 2022، تم افتتاح ما لا يقل عن 50 منشأة إنتاج تركية جديدة في مصر، توفر فرص عمل لما لا يقل عن 100 ألف مصري»، متوقعاً أن يسجل حجم التجارة بين البلدين «رقماً قياسياً خلال العام الحالي يقترب من 9 مليارات دولار».

وقال: «على الرغم من العلاقات العميقة والشاملة والمعقدة بين مصر وتركيا، فإنه لا يمكن توقع أن تكون الدولتان العظيمتان دائماً على رأي متطابق في كل قضية»، مشدداً على أنه «بينما تدافع تركيا عن مصالحها الخاصة، فإنها تضع أيضاً في الحسبان مصالح مصر».

وأضاف شن، أن «المصالح الاستراتيجية والوطنية لتركيا ومصر تتقارب في الواقع بشكل أصيل»، معرباً عن «تطلعه لزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تركيا في الفترة المقبلة استجابة لدعوة من نظيره التركي رجب طيب إردوغان».

احتفال سفارة تركيا في مصر بعيد تأسيسي الجمهورية التركية (السفارة التركية بالقاهرة)

ويأتي حديث السفير التركي متزامناً مع إعلان أنقرة، الخميس، أن مناورة «بحر الصداقة 2026» المشتركة بين القوات البحرية في البلدين، ستجري خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في مدينة الإسكندرية (شمال القاهرة)، وهي جزء من المناورات التي استؤنفت في سبتمبر (أيلول) عام 2025، بعد انقطاع دام 13 عاماً بسبب التوتر بين البلدين.

وشهدت السنوات الأخيرة تنامي التعاون العسكري بين مصر وتركيا عكسته تدريبات مشتركة واتفاقيات في مجال الصناعات الدفاعية وتوطين التكنولوجيا، وتبادل زيارات المسؤولين العسكريين من الجانبين، كان آخرها زيارة قائد القوات البرية التركية، متين توكل، لمصر يومي 26 و27 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

كما وقَّعت تركيا ومصر في يوليو (تموز) الماضي، «خطاب نوايا» بشأن التعاون الدفاعي المشترك، خلال زيارة وزير الدفاع المصري لأنقرة، وشارك البلدان في سلسلة من المناورات والتدريبات المشتركة، من بينها «النسر الذهبي»، و«نسر الأناضول 2026».

وأكد الخبير الاستراتيجي اللواء سمير فرج، لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون بين مصر وتركيا في المجال العسكري هو جزء مهم في تطور العلاقات بين البلدين والتي شهدت فترات من التوتر».

واتفق معه نائب رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية»، كرم سعيد مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقات بين مصر وتركيا تشهد تطوراً لافتاً في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والتجارية والعسكرية، مشيراً إلى «التعاون العسكري بين البلدين وتوقيع العديد من الاتفاقيات في مجالات عدة خلال العامين الماضيين، إضافة إلى التنسيق السياسي في قضايا إقليمية، مثل غزة وحرب إيران وغيرها».

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

وأشار اللواء سمير فرج إلى أن «التعاون بين مصر وتركيا في مختلف المجالات، لا سيما العسكرية يخفّف من حدة التوتر بين البلدين في ملفات أخرى، على رأسها الملف الليبي والاتفاق البحري معها»، مشيراً إلى أن «أنقرة حريصة على توسيع التعاون مع القاهرة وتجاوز أوجه الخلاف».

وكانت تركيا قد عرضت توقيع اتفاق لترسيم الحدود مع مصر يراعي المصالح المشتركة للبلدين، في أعقاب تأكيد القاهرة رفضها «مذكرة التفاهم» مع ليبيا.

بدوره، قال كرم سعيد إنه «رغم تنسيق المواقف بين القاهرة وأنقرة في مجالات عدة، فإن مواقفهما غير متطابقة في جميع القضايا»، لكنه أكد أن «أوجه التنسيق والتعاون قادرة على تجاوز الخلافات أو الحد منها».

وأشار إلى «تأكيد تركيا تفهمها للشواغل المصرية بشأن الحدود البحرية، وعرضها توقيع اتفاق معها»، وقال: «جملة المصالح المشتركة بين البلدين يمكن البناء عليها لحلحلة الخلافات»، متوقعاً «ألا تمضي تركيا في تنفيذ الاتفاق البحري مع ليبيا على الأرض إدراكاً منها لأهمية علاقاتها مع مصر، وأهمية التنسيق بين البلدين في الملفات الإقليمية».