هل اقتربت قمة «السيسي - إردوغان»؟

مشاورات بين القاهرة وأنقرة لتحديد مكان اللقاء

مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

هل اقتربت قمة «السيسي - إردوغان»؟

مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تقترب العلاقات المصرية - التركية من منعطف جديد، يضيف إلى الحراك الإيجابي المتسارع على صعيد التقارب بين القاهرة وأنقرة، إذ وجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، دعوة إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لزيارة تركيا، حسبما أعلن القائم بالأعمال التركي في القاهرة، السفير صالح موتلو شان.

ولم يحدد شان في تصريحاته التي نقلتها صحيفة «زمان» التركية مكان انعقاد القمة المرتقبة، مكتفياً بالقول إن «الزعيمين سيحددان مكان الاجتماع، الذي سيعقد في أنقرة أو القاهرة».

وستكون تلك القمة، حال عقدها، ثاني لقاء مباشر بين الرئيسين المصري والتركي بعد مقابلتهما نهاية العام الماضي في العاصمة القطرية؛ الدوحة، على هامش حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم، وهي المقابلة التي كسرت جمود العلاقات الذي دام منذ عام 2013، عقب الإطاحة بحكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، الذي دعمته تركيا بقوة في إطار تبنيها لمشروع تمكين تنظيم «الإخوان» في عدة دول عربية منذ عام 2011، في أعقاب ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي».

ترفيع العلاقات الدبلوماسية

وكان الرئيس المصري قد هنأ في اتصال هاتفي نهاية الشهر الماضي، نظيره التركي، بإعادة انتخابه بعد نجاحه في جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية التركية، كما قرر الرئيسان البدء الفوري في ترفيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتبادل السفراء، وأعرب إردوغان عن «التقدير لهذه اللفتة الطيبة من الرئيس السيسي».

من جانبه، أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن «الأرض باتت مهيأة لعقد قمة مصرية - تركية»، مشيراً في هذا الصدد إلى جملة من التفاهمات التي شهدها ملف العلاقات الثنائية خلال الفترة الماضية.

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط»، أن «القمة نجحت قبل أن تنعقد»، مشيراً إلى أن «جملة من العوامل تدفع باتجاه اعتبار انعقاد تلك القمة (ضرورة ملحة) في توقيت يبدأ فيه الرئيس التركي ولاية جديدة، يريد خلالها تأكيد توجهات سياساته الجديدة نحو المنطقة، فضلاً عن تجاوب القاهرة مع هذه التوجهات الجديدة».

تفاهمات جادة

وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تفاهمات وصفها بـ«الجادة» في القضايا الثنائية، ولم تعد هناك «مناكفات» بين الطرفين، فضلاً عن توالي الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الجانبين، مشدداً على أن القمة ستكون «فرصة لترجمة ما يجري من إجراءات إيجابية وتحويله إلى خطوات عملية»، وهو ما اعتبره «أمراً مهماً» للطرفين المصري والتركي، على حد سواء.

وأعرب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن اعتقاده بأن القمة حال انعقادها سواء في القاهرة أو في أنقرة ستركز في المقام الأول على الأطر الثنائية، ثم تنطلق منه إلى الملفات الإقليمية، وستكون لها «انعكاسات إيجابية» على عدد من ملفات المنطقة التي تضطلع فيها القاهرة وأنقرة بأدوار فاعلة.

وبحث وزير الخارجية التركي الجديد، حقان فيدان، مع نظيره المصري سامح شكري، الأسبوع الماضي، سبل تطبيع العلاقات بين البلدين، وتناول الاتصال ملفات التعاون الثنائي وتبادل الزيارات على مختلف المستويات.

ولم يكن فيدان بعيداً عن ملف العلاقات مع مصر، إذا كان بحكم منصبه كرئيس للاستخبارات التركية قريب الصلة بالتطورات التي شهدها مسار العلاقات بين البلدين خلال العامين الماضيين.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)

اللقاءات المباشرة

وشهدت الشهور الأخيرة عدداً من اللقاءات المباشرة بين وزيري الخارجية في البلدين، إذ زار وزير الخارجية المصري تركيا مرتين في أقل من 6 أسابيع، كانت أولاهما لتقديم الدعم للحكومة التركية في أعقاب زلزال 6 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما كان موضع إشادة من جانب السلطات التركية، كما قدمت مصر مساعدات إغاثية لضحايا الزلزال.

في المقابل، زار وزير الخارجية التركي آنذاك، مولود جاويش أوغلو، القاهرة في مارس (آذار) الماضي، وأشار في مؤتمر صحافي بمقر الخارجية المصرية، إلى أن ثمة ترتيبات للقاء رئيسي البلدين.

واعتبر كرم سعيد الباحث في الشأن التركي، أن انعقاد قمة مصرية - تركية قريباً «لن يكون أمراً مفاجئاً»، مشيراً إلى أن السياق الذي تتخذه العلاقات بين البلدين يؤكد وجود دفع نحو تلك الخطوة، التي ستكون على حد تعبيره، «انفراجة كبيرة تكلل ما شهده مسار العلاقات خلال العامين الماضيين».

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتصال الهاتفي بين السيسي وإردوغان عقب فوز الأخير بالانتخابات الرئاسية التركية جسد طبيعة الإرادة السياسية لقيادتي البلدين على الارتقاء بمستوى العلاقات وعدم تركه لمباحثات وزارية أو بين مسؤولي البلدين، وهو ما «يعكس رغبة في حسم الأمور على مستوى القمة».

زوال الحساسيات

وأعرب الباحث في الشأن التركي عن اعتقاده بأن القمة بالفعل يمكن أن تكون «قريبة» بالنظر إلى زوال «الحسابات أو الحساسيات السياسية» التي كان يمكن أن تثيرها خلال مرحلة الانتخابات التركية، وتوظيفها من جانب أحزاب المعارضة لمهاجمة إردوغان الذي تسببت سياساته ومواقفه في مرحلة سابقة بتدهور العلاقات مع مصر.

وتطرق سعيد إلى بعد آخر تعكسه القمة المصرية - التركية حال انعقادها، وهو تأكيد نجاح سياسات الدولة المصرية في إدارة علاقاتها الخارجية، وبخاصة مع الدول التي ساندت تنظيم «الإخوان» في مرحلة ما بعد الثورات العربية في 2011.

وأشار إلى أن لقاء السيسي مع إردوغان الذي كان أكبر داعمي التنظيم سيكون «رسالة ذات مغزى» لقوى الإسلام السياسي بخطأ حساباتها وعدم قدرتها على القراءة الصحيحة لاتجاهات العلاقات بين الدول، فضلاً عما يمكن أن تسببه تلك القمة المصرية - التركية من مفاقمة حالة التأزم داخل هياكل تنظيم «الإخوان»، الذي يشهد حالياً انقسامات بين عدة جبهات؛ أبرزها جبهتا إسطنبول ولندن.

«الإخوان»

وكانت السلطات التركية اتخذت على مدى العامين الماضيين عدداً من الإجراءات المشددة تجاه عناصر محسوبة على «الإخوان» ومنابرهم الإعلامية التي تنطلق من الأراضي التركية، وفرضت ضوابط للحد من تحريضهم ضد السلطات المصرية، وهو ما اعتبر وقتها إشارات تركية تؤكد جديتها في طي صفحة التوتر مع القاهرة.

ورغم أن كرم سعيد يرى أن ورقة الإخوان «لم تعد ذات قيمة أو جدوى في ملف العلاقات التركية مع مصر»، فإنه يرجح أن تكون القمة بين رئيسي البلدين في القاهرة، ليكون وقعها أكبر على قوى الإسلام السياسي، إذ سيكون استقبال إردوغان الذي دأب لسنوات على مهاجمة الدولة المصرية وشخص رئيسها، في القاهرة رسالة بالغة القوة، يمكن اعتبارها بمثابة «اعتذار ضمني» عن حملات الهجوم السابقة، فضلاً عن أن وزير الخارجية المصري بروتوكولياً كان المبادر بزيارة الأراضي التركية غداة زلزال فبراير الماضي.


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية» تحذر من جر المنطقة لـ«مواجهات وحروب داخلية»

شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

«الجامعة العربية» تحذر من جر المنطقة لـ«مواجهات وحروب داخلية»

حذرت جامعة الدول العربية من جر المنطقة إلى مواجهات لا تخدم سوى المصلحة الإسرائيلية في تأجيج الصراعات وإذكاء الحروب والمواجهات الداخلية بما يهدد السلم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

دفعت الحرب الإيرانية إلى تساؤلات بشأن مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)

بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

لم يفكر علي إبراهيم، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص كثيراً بعد قرار زيادة أسعار المحروقات قبل أقل من أسبوعين، في تخفيض نفقات شراء «الكعك» هذا العام.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)

حملات ضبط الأسعار في مصر... «ضجيج بلا تأثير»

وقالت الحكومة المصرية، الجمعة، إنها «رفعت درجة الاستعداد القصوى للرقابة الميدانية على الأسواق والأنشطة التموينية خلال فترة إجازة عيد الفطر».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي داخل «مونوريل شرق النيل» الجمعة (الرئاسة المصرية)

مصر: «المونوريل» يدخل الخدمة لتخفيف «الاختناقات المرورية»

افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، الجمعة، مشروع «مونوريل شرق النيل» ليدخل «المونوريل» الخدمة مستهدفاً تخفيف «الاختناقات المرورية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«الجامعة العربية» تحذر من جر المنطقة لـ«مواجهات وحروب داخلية»

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«الجامعة العربية» تحذر من جر المنطقة لـ«مواجهات وحروب داخلية»

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

حذرت جامعة الدول العربية من جر المنطقة إلى مواجهات لا تخدم سوى المصلحة الإسرائيلية في تأجيج الصراعات وإذكاء الحروب والمواجهات الداخلية، بما يهدد السلم والأمن الإقليميين.

وأدان الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، في بيان السبت، الاعتداء الإسرائيلي السافر على بنى تحتية عسكرية بجنوب سوريا، وعدّه «استمراراً للانتهاكات الإسرائيلية لسيادة سوريا وزعزعة استقرارها وسلمها الأهلي، ومخالفاً للمواثيق الدولية».

وشدد المتحدث باسم الأمين العام على ما تتضمنه قرارات مجلس الجامعة في هذا الصدد من مطالبة مجلس الأمن بالقيام بدوره لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضي الجمهورية العربية السورية، ووقف توغلاتها في الداخل السوري في انتهاك واضح لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي، وردع هذا السلوك العدواني، وحملها على الانسحاب الفوري من الأراضي السورية التي احتلتها أخيراً.

كانت مصر قد أدانت الاعتداء الإسرائيلي السافر، الذى استهدف منشآت وبنى تحتية عسكرية في جنوب سوريا. وأكدت القاهرة في بيان صادر عن وزارة الخارجية، مساء الجمعة، أن هذا الاعتداء يمثل انتهاكاً صارخاً ومتكرراً لسيادة سوريا وسلامة أراضيها، وخرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل سيادة الدول ووحدة أراضيها. وشددت على «رفضها القاطع لتكرار هذه الممارسات الإسرائيلية الاستفزازية»، محذرة من أن «هذا التمادي يمثل استخفافاً خطيراً بالأمن والاستقرار الإقليمي، وينذر بانزلاق الشرق الأوسط نحو مزيد من الفوضى والتوتر».

وطالبت مصر بضرورة الانسحاب الفوري والكامل لكافة القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية المحتلة كافة، التزاماً بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. كما جددت مطالبتها للمجتمع الدولي، في مقدمته مجلس الأمن، بالاضطلاع بمسؤولياته، والتحرك الفوري لوضع حد لهذه الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وإلزام إسرائيل بالامتثال لقواعد القانون الدولي، صوناً للسلم والأمن الإقليمي والدولي.


الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)
الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)
TT

الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)
الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)

دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وحسب ما أورده تقرير لوكالة الأنباء الألمانية، فقد طالب الرئيس سعيد في مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة احتفال تونس بالذكرى السبعين للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي الموافق يوم 20 مارس (آذار)، بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وإنصافاً».

ولم يتضمن البيان، الذي نشرته الرئاسة التونسية، مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة الموقع منذ عام 1995، وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بنياتها التحتية في برامج تعاون. لكن تونس تشكو باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي.

وعلى النقيض من ذلك سمح التعاون في مكافحة الهجرة بخفض لافت في أعداد المغادرين إلى الاتحاد الأوروبي عبر السواحل التونسية، منذ تولي الرئيس سعيد السلطة في 2019، وتعزيز صلاحياته بشكل واسع في عام 2021.

ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غير النظاميين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء، موضحاً أن بلاده «قدمت الكثير، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً، لأن تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقراً».

وشملت رحلات العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين، انطلاقاً من تونس، أكثر من 8800 شخص في عام 2025. ووفق المنظمة الدولية للهجرة فقد استفاد 1760 مهاجراً من بين المغادرين من برنامج الإعادة الطوعية والمساعدة على الإدماج، الذي يموله الاتحاد الأوروبي، ودول النمسا والتشيك وإيطاليا وفرنسا وهولندا والسويد والمملكة المتحدة.


احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»
أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»
TT

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»
أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»

مع تواصل احتفالات الليبيين بعيد الفطر، تبدو المدن الليبية كأنها فتحت صفحة جديدة لواقعها المثقل بالأزمات منذ سقوط نظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي عام 2011.

ومنذ التحول السياسي الذي وقع قبل 15 عاماً، اعتاد الليبيون التعامل مع هذه المناسبة باعتبارها فرصة لتجاوز ثقل الانقسام السياسي والضغوط الاقتصادية. ففي هذه الأيام، يختار كثيرون تأجيل الخوض في الشأن العام، والانشغال بطقوس اجتماعية تُعزز الروابط العائلية، وتمنح مساحة للفرح.

ليبيون يحتفلون بالعيد في حديقة أبو سليم بطرابلس (منصة حكومتنا التابعة لحكومة «الوحدة»)

في مصراتة، الواقعة على بُعد نحو 200 كيلومتر شرق طرابلس، تتراجع مظاهر التوتر خلال العيد، رغم التعقيدات الأمنية وتداخل النفوذ بين قوى محلية متعددة.

وفي هذا السياق يقول سالم كرواد، أحد أعيان المدينة لـ«الشرق الأوسط»، إن العيد يُمثل فرصة «لإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية، وتغليب روح التضامن على الخلافات»، لافتاً إلى أن السكان يحرصون على إحيائه عبر تبادل الزيارات والتمسك بالعادات.

ويحرص الليبيون بعد أداء صلاة العيد على تناول أطباق مثل «العصيدة» في مشهد يعكس عمق الموروث الثقافي، وفي أجواء «ربما تخلو من النقاشات السياسية، في محاولة للحفاظ على طابع العيد بوصفه فسحة إنسانية للتقارب»، وفق مواطنين.

احتفاء بالعيد رغم الخلافات

يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، إن الليبيين دأبوا على الاحتفاء بالعيد رغم الأزمات المتلاحقة، موضحاً أن «المجتمع يميل خلال هذه المناسبة إلى وضع هموم السياسة جانباً، حتى في أصعب المراحل».

ويستعيد مخلوف، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مثالاً من سنوات المواجهات مع «التنظيمات المتطرفة» في بنغازي بين عامي 2014 و2017، حين تزامنت الاستعدادات للعيد مع اشتباكات في بعض أحياء المدينة، في مفارقة تعكس تمسك السكان بالحياة الطبيعية.

ليبيون يحتفلون بالعيد في حديقة أبو سليم في العاصمة الليبية (منصة حكومتنا التابعة لحكومة «الوحدة»)

ومنذ «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011، تنقل الليبيون بين مراحل متباينة، من نشوة إسقاط النظام إلى سنوات من الحرب والانقسامات، وصولاً إلى حالة من الهدوء النسبي الهش. ومع ذلك، ظل العيد مناسبة جامعة تتجاوز في رمزيتها الخلافات، وتعيد تأكيد وحدة النسيج الاجتماعي.

ورغم جولات القتال التي شهدتها محاور طرابلس بين عامي 2019 و2020، وما خلّفته من تعميق للانقسام بين شرق ليبيا وغربها، فإن النسيج الاجتماعي لم ينفرط؛ حيث حافظت العائلات الليبية على تواصلها، خاصة في الأعياد، واستمرت الزيارات بين المدن، من طرابلس إلى بنغازي مروراً بمصراتة، مدفوعة بروابط القرابة والمصاهرة.

في هذا السياق، يُشير مخلوف إلى أن «الانقسام السياسي لم يتمكن من تفكيك العلاقات الاجتماعية بين الليبيين»، موضحاً أن «كثيرين نجحوا في تجاوز الحواجز النفسية التي فرضتها سنوات الصراع». ويؤكد أن التنقل بين شرق ليبيا وغربها لا يزال قائماً، لا سيما خلال المناسبات الدينية؛ حيث يحرص البعض على صلة الأرحام.

كما لفت إلى أن عدداً من الموظفين المقيمين في غرب البلاد يواصلون السفر إلى مدن الشرق، أو الجنوب لقضاء عطلة العيد مع عائلاتهم، متى توفّرت لهم الظروف القانونية والأمنية، فيما يعكس استمرار الروابط الإنسانية رغم تعقيدات المشهد السياسي.

العيد مناسبة لتوحيد الليبيين

يُقرّ الليبيون بتنوعهم الاجتماعي والجغرافي، وهو ما تنعكس ملامحه بوضوح على موائد العيد التي تزخر باختلافات لافتة في العادات الغذائية. ففي غرب البلاد، تتصدر أطباق مثل «الفاصوليا باللحم» و«طبيخة البطاطا» المشهد، في حين يميل سكان الشرق إلى أكلات تقليدية، من بينها «المقطع بالقديد» و«طبخة الحمص» و«البكيوي». أما في الجنوب، فتحظى «الفتات» بمكانة خاصة على المائدة.

حديقة الحيوانات التي تم افتتاحها قبل أيام في طرابلس شكلت فضاءً جديداً للاحتفاء بأجواء العيد «أ.ف.ب»

وفي الجنوب، وتحديداً في الكفرة، يرى الناشط المدني مراجع توكا أن «غياب السياسة عن أجواء العيد أمر طبيعي، بالنظر إلى طابعه الديني والاجتماعي». ويقول إن المناسبة تُمثل في الوعي الشعبي تتويجاً لشهر الصيام، ما يجعل التركيز منصباً على الفرح والتواصل، لا على الخلافات العامة، لافتاً إلى أن المهتمين بالشأن السياسي يشكلون نسبة محدودة مقارنة بعموم المجتمع.

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، وحكومة أسامة حماد المدعومة من البرلمان في شرق ليبيا، غير أن هذه الانقسامات تبدو مؤجلة خلال أيام العيد؛ حيث تحل محلها أجواء يغلب عليها التراحم والتواصل الاجتماعي.

وفي ظل هذه الأجواء، تتراجع النقاشات الثقيلة لتحل محلها الذكريات والتهاني، ويغدو العيد بالنسبة لكثير من الليبيين لحظة نادرة للتمسك بما يوحدهم: العائلة، والتقاليد، والذاكرة المشتركة.