مجزرة جديدة جنوب الخرطوم و«الدعم» يعلن إسقاط طائرة حربية

مالك عقار محذراً: أي انتكاسة للجيش ستؤدي إلى انهيار القرن الأفريقي

TT

مجزرة جديدة جنوب الخرطوم و«الدعم» يعلن إسقاط طائرة حربية

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)
حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

شهدت الخرطوم، صباح اليوم (السبت)، قتالاً دامياً واشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة. وأعلنت وزارة الصحة السودانية مقتل 17 شخصاً في مجزرة جديدة وقعت داخل سوق شعبية، جنوب الخرطوم، إثر قصف جوي، بينما قالت قوات «الدعم السريع» إنها أسقطت طائرة حربية تابعة للجيش السوداني.

وقالت الوزارة، في بيان، إن «التقديرات الأولية لمجزرة اليرموك (جنوب الخرطوم) تشير إلى سقوط 17 قتيلاً، من بينهم 5 أطفال ونساء ومسنّون، كذلك تم تدمير 25 منزلاً»، وتدمير سوق شعبية.

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وتشهد الخرطوم ومناطق سودانية عدة معارك بين الجيش، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوّات «الدعم السريع»، بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، فشلت في إيقافها كل مساعي الحلّ والغالبية العظمى من اتفاقات وقف إطلاق النار. وزاد النزاع من حدة الأزمات التي يعانيها السودان، ما أثّر على مجمل مناحي حياة السكان الذين يقدّر عددهم بأكثر من 45 مليون نسمة.

قصف جوي على اليرموك

وأفاد شهود و«لجان المقاومة» في جنوب الخرطوم عن تعرّض منطقة اليرموك لقصف جوي، سقط على إثره عدد من الضحايا المدنيين. وأكد الشهود وقوع «اشتباكات بكل أنواع الأسلحة» في جنوب العاصمة، و«قصف صاروخي، وبالمدفعية الثقيلة» مصدره ضاحية أم درمان، بشمال الخرطوم. وتأتي أعمال العنف هذه غداة تأكيد شهود عن تعرض وسط أم درمان لقصف جوي من سلاح الطيران التابع للجيش، طال خصوصاً حي «بيت المال». وتحدثت «لجان المقاومة» المحلية، الجمعة، عن وقوع 3 قتلى وأضرار في عدة منازل بالحي جراء القصف. من جهتها، اتهمت قوات «الدعم السريع» الجيش باستخدام الطيران لقصف «عدد من الأحياء المأهولة بالسكان»، منها «حي بيت المال الذي استشهد فيه أكثر من 20 مدنياً، بعضهم داخل مسجد».

تجمهر للناس بعد قصف إحدى الأسواق بمنطقة مايو، جنوب الخرطوم، 1 يونيو (أ.ف.ب)

ومنذ أكثر من شهرين، تتواصل أعمال العنف بشكل شبه يومي في الخرطوم، التي كان عدد سكانها يتجاوز 5 ملايين نسمة، إلا أن مئات الآلاف غادروها منذ بدء النزاع، في ظل نقص المواد الغذائية وتراجع الخدمات الأساسية، وخصوصاً الكهرباء والعناية الصحية. وتسبب النزاع في مقتل أكثر من 2000 شخص، وفق آخر أرقام «مشروع بيانات الأحداث وموقع النزاع المسلح» (أكليد). إلا أن الأعداد الفعليّة قد تكون أعلى بكثير، حسب وكالات إغاثة ومنظمات دولية. كذلك، تسببت المعارك في نزوح أكثر من 2.2 مليون شخص، لجأ أكثر من 528 ألفاً منهم إلى دول الجوار، وفق أحدث بيانات «المنظمة الدولية للهجرة». وعبر أكثر من 149 ألف شخص نحو تشاد المحاذية لإقليم دارفور، حيث تتخوف الأمم المتحدة من وقوع انتهاكات قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية»، خصوصاً في مدينة «الجنينة»، مركز ولاية غرب دارفور، إحدى الولايات الخمس للإقليم.

نقل جرحى إلى تشاد

وأشارت منظمة «أطباء بلا حدود» إلى أن زهاء 6 آلاف شخص فرّوا من «الجنينة» خلال الأيام القليلة الماضية فقط، مع تصاعد أعمال العنف في دارفور. وأوضحت المنظمة، في بيان، السبت، أن «ما لا يقل عن 622 جريحاً» أدخلوا مستشفى مدينة «أدري» التشادية الحدودية مع السودان خلال الأيام الثلاثة الماضية. وأشارت إلى أن 430 من هؤلاء يحتاجون إلى «عناية جراحية»، وأن غالبية الإصابات كانت «جراء إطلاق النار».

لاجئون سودانيون في كفرون بدولة تشاد بالقرب من الحدود (رويترز)

وتثير الأوضاع في دارفور قلقاً متزايداً، إذ حذّرت الأمم المتحدة هذا الأسبوع من أن ما يشهده الإقليم قد يرقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

 

«الدعم» يعلن إسقاط طائرة

من جانب آخر، أعلنت قوات «الدعم السريع»، في بيان، إسقاط طائرة حربية من طراز «ميغ» تابعة للجيش السوداني في جنوب العاصمة. ولم يذكر بيان «الدعم السريع» تفاصيل بشأن مصير طاقم الطائرة، لكنه اتهم طيران الجيش باستهداف أحياء سكنية. وقالت قوات «الدعم السريع»، على صفحتها بموقع «تويتر» اليوم: «هاجم طيران الانقلابيين صباح اليوم عدداً من الأحياء السكنية في جنوب الخرطوم (أحياء مايو، اليرموك، مانديلا) ما تسبب في مقتل وإصابة العشرات وسط المدنيين». ولم يتسنَ الحصول على تعليق من المتحدث باسم الجيش السوداني حول هذا الأمر.

أحد عناصر قوات الدعم السريع في موقع قيادة قوات الدفاع الجوي المدمر بالخرطوم (رويترز)

وقالت غرفة طوارئ منطقة «جنوب الحزام»، اليوم (السبت)، إنها ستواصل تحديث حصيلة ضحايا قصف اليرموك، الذين يعالج بعضهم حالياً في «مستشفى بشائر». وأضاف بيان غرفة طوارئ «جنوب الحزام»: «الفواجع والمآسي تتكرر على إنسان منطقة جنوب الحزام بنفس الملامح والمشاهد، إذ أدى القصف الجوي صباح اليوم إلى سقوط قذائف بمنطقة أنقولا غرب، إلى جوار منطقة حيوية وجنوب حي اليرموك».

«الدعم»: جاهزون لكل الاحتمالات

واتهم إبراهيم مخير، مستشار قوات «الدعم السريع»، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان «ومن معه» بالسعي إلى إثارة فوضى في الخرطوم. وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنهم يعملون على تمرير عمليات عسكرية «نحن مستعدون لها، ولأي أجندة أخرى خطيرة».

وأضاف: «هناك مجموعات للاغتيال تسربت إلى الخرطوم، وفي عمليات القتل التي تمت لجنودنا في غير أرض المعركة، تم ذبح جريح من (الدعم السريع)... ما يوضح أن ممارسات (داعش) بدأت تظهر للعيان». ودعا مخير السودانيين إلى إبلاغ قوات «الدعم السريع» أو فرق الطوارئ في حال الاشتباه «حتى أناس يلبسون ملابسنا أو غير ذلك، ونحن سنقوم بالواجب»، مضيفاً أن «هؤلاء أناس لا قلب لهم ولا يراعون الإنسانية». وأكد مخير أن المناطق التي تعرضت للقصف صباح السبت، لا يوجد فيها انتشار لقوات «الدعم السريع». إلى ذلك، دعا الجيش السوداني المواطنين إلى مغادرة منازلهم القريبة من مواقع تمركز قوات «الدعم السريع».

مالك عقار: الوضع كارثي

من جهته، وصف نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، اليوم (السبت)، الوضع في السودان بأنه «كارثي»، قائلاً إن العاصمة الخرطوم تشهد «دماراً كاملاً». وقال عقار، في مؤتمر صحافي خلال زيارته الحالية إلى القاهرة، إن هناك مواقع في الخرطوم تحت سيطرة «الدعم السريع»، فيما يسيطر الجيش على مواقع أخرى. وأضاف أن العاصمة السودانية تشهد «دماراً كاملاً»، متهماً «الدعم السريع» بأنه «يحتل» المناطق السكنية. وتابع قائلاً: «ما تبقى في السودان ليس كثيراً... البنوك نهبت، كل البيوت نهبت، والمواطنون قتلوا، وهناك عنف غير مبرر».

مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة (رويترز)

وحذّر عقار من أن «أي انتكاسة في السودان ستؤدي إلى انهيار القرن الأفريقي». وأضاف أن الجيش السوداني «سينتصر في هذه المعركة»، مؤكداً أن «الدعم السريع» لن يستطيع ذلك «مهما كانت قوته». وفيما يتعلق بمبادرات تسوية الأزمة السودانية، قال نائب رئيس مجلس السيادة إن الهدف من هذه المبادرات «احتلال السودان»، وإن «هناك مبادرات كثيرة، مثل مبادرة الاتحاد الأفريقي، لم يكن السودان طرفاً فيها... والسودان عضويته معلقة... وقلنا هذا غير مقبول... وفي جدة هناك مبادرة أميركية سعودية توقفت، ولا أرى هناك أي فرصة للنجاح فيها أو في مبادرة إيقاد. وهناك مشكلات وصراعات كثيرة داخل هذه المبادرات، والهدف هو احتلال السودان، والسودانيون لن يقبلوا بأي احتلال».


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

أكد القائد العام وزير الدفاع المصري، الفريق أشرف سالم زاهر، على «جاهزية الجيش المصري، واستعداده القتالي الدائم، لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات الاستراتيجية كافة.

وبعث زاهر برسالة طمأنة، خلال مشاركته في أحد الأنشطة التدريبية للقوات المسلحة المصرية، وأكد أن «المهام التدريبية تبعث برسالة طمأنة للمصريين على جيشهم واستعداده لمواجهة التحديات كافة»، حسب إفادة للمتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية العميد غريب حافظ، الأربعاء.

شهد الفريق أشرف سالم زاهر المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية، ومقره في محافظة السويس (شرق القاهرة)، وذلك بحضور رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء البرلمان.

وفي ختام المشروع، أكد وزير الدفاع المصري أن «القوات المسلحة المصرية، تعمل بكل جهد للحفاظ على ما تمتلكه من نظم قتالية وأسلحة ومعدات»، وأشار إلى «حرصها الدائم على بناء المقاتل الشامل الواعي وتدريبه وفقاً لأرقى أساليب التدريب الحديثة».

وشدد زاهر على أن «القوات المسلحة بما تملكه من إمكانات وقدرات بمختلف تخصصاتها قادرة على حماية البلاد، وصون مقدساته في ظل ما تموج به المنطقة من متغيرات وتحديات»، وأشاد في الوقت نفسه بـ«الجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة في المشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عالية»، عادّاً ما جرى تنفيذه من أنشطة تدريبية «يبعث برسالة طمأنة إلى الشعب المصري على قواته المسلحة واستعدادها القتالي الدائم لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات الاستراتيجية كافة»، حسب بيان المتحدث العسكري.

ودائماً ما تؤكد القوات المسلحة استعدادها الدائم لمواجهة التحديات الأمنية المحيطة بمصر، على وقع اضطرابات إقليمية في السنوات الاخيرة، شملت الحرب على قطاع غزة، والحرب في السودان، والأوضاع الأمنية في ليبيا، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير في إيران.

وحسب بيان المتحدث العسكري المصري، شهد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إحدى مراحل المشروع التي تضمنت تنفيذ أعمال القتال لاقتحام الحد الأمامي لدفاعات العدو بمعاونة القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات القائمة بالهجوم، وناقش عدداً من القادة والضباط بالمشروع في أسلوب تخطيط وإدارة المهام وكيفية التعامل مع المواقف التكتيكية الطارئة التي يمكن التعرض لها في أثناء مراحل القتال.


مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
TT

مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)

أجبر غلاء الوقود وارتفاع فاتورة تشغيل السيارات الخاصة شريحة واسعة من المصريين على تغيير نمطهم في التنقل، ليتصدر النقل الجماعي الحديث المشهد باعتباره خياراً يقلص النفقات، ويستفيد من البنية التحتية المتطورة التي دشنتها البلاد في السنوات الأخيرة.

من بين هؤلاء ليلى عبده، التي لم تعد تحمل همَّ الطريق الطويل الذي تقطعه ذهاباً وإياباً إلى العمل، أو تكلفة «تفويلة» البنزين التي كانت تلتهم جزءاً كبيراً من راتبها؛ فهي بدلاً من ذلك تدير محرك سيارتها لدقائق معدودة من مكان إقامتها في مدينة الشروق، بشرق القاهرة، إلى محطة القطار الكهربائي الخفيف (LRT) القريبة من مسكنها.

وبثقة، تترك سيارتها في ساحات الانتظار المجهزة التي وفرتها وزارة النقل مجاناً، وتتجه لركوب القطار الذي ينقلها إلى العاصمة الجديدة، حيث تعمل بوزارة التعليم العالي.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تقليل تكلفة استهلاك البنزين، وركن السيارة دون رسوم، كانا الحافز الأكبر لاستخدام القطار. كما أن المشروع قلل الزحام، ووفَّر مجهود القيادة اليومية. باختصار هذا هو أفضل مشروع في السنوات الأخيرة».

تطوير منظومة النقل

ويعد القطار الكهربائي الخفيف إلى جانب الأوتوبيس الترددي (BRT) أهم وسائل النقل الجماعي الحديثة التي دشنتها الحكومة المصرية على مدار السنوات الماضية، إلى جانب التوسع في إنشاء مترو الأنفاق الذي يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى، ضمن خطط تطوير منظومة النقل في البلاد، بما يسهم كثيراً في تحسين التنقل، ودعم المدن الجديدة بمحاور ربط إضافية، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وفق بيانات صادرة عن وزارة النقل.

عشرات السيارات في إحدى ساحات الانتظار بمحطات القطار الكهربائي الخفيف (وزارة النقل المصرية)

ورفعت الحكومة الشهر الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وفي إطار التوسع في شبكة النقل الجماعي، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، بجولة تفقدية للأعمال الإنشائية لمشروع محطة «الأهرامات» بمحافظة الجيزة، في إطار المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق، حيث استمع إلى الخطة الشاملة التي تنفذها وزارة النقل لإنشاء شبكة من وسائل النقل الجماعي الأخضر المستدام، ووجَّه بأهمية ربط المناطق ذات الكثافة السكانية العالية بهذه الشبكة.

جودة الخدمة «العامل الحاسم»

ويرى أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، حسن مهدي، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي حل عملي لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف الصيانة، والترخيص، مضيفاً: «المواطن الذي كان يعتمد على سيارته الخاصة بات يجد في المترو والقطار الكهربائي، والأوتوبيس الترددي بديلاً آمناً، وأقل تكلفة، ويخفف عنه أعباء القيادة، والزحام، ويمنحه وسيلة أكثر استقراراً».

واستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «جودة الخدمة هي العامل الحاسم في تغيير سلوك المصريين؛ فالمواطن لن يترك سيارته إذا كانت وسائل النقل العام سيئة، أو غير منضبطة. لكن مع تحسين مستوى الخدمة، وتطوير الشبكات، أصبح الاتجاه إلى النقل الجماعي خياراً طبيعياً لا إجبارياً، حيث إنه يعكس ثقة متزايدة في هذه الوسائل».

مترو الأنفاق يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى (وزارة النقل المصرية)

وبحسب تصريحات أدلى بها وزير النقل، كامل الوزير، خلال الشهر الجاري، فإن وسائل النقل الجماعي «توفر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية، مما يسهل الوصول إلى الخدمات، والمرافق الأساسية، ويعزز من التنمية الاقتصادية المحلية من خلال تسهيل حركة الأفراد، كما تُحسن هذه الوسائل من جودة الحياة، وتدعم النمو العمراني المستدام، بتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، والقضاء على ظاهرة النقل العشوائي من خلال توفير وسائل نقل آمنة، وتنظيم حركة المرور، والحد من التكدسات، ورفع مستوى السلامة على الطرق، وتحسين الصورة الحضارية للمدن».

«أثر تنموي»

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي وربط المدن الجديدة بها «ليس مجرد مشروع خدمي، بل استراتيجية اقتصادية واجتماعية متكاملة».

وأضاف، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب وسائل النقل الميسّرة كان أحد أسباب عزوف المواطنين عن الانتقال إلى المجتمعات العمرانية الجديدة، بينما ربط هذه المدن بوسائل حديثة، وبتكلفة منخفضة يسهّل تحريك الكثافة السكانية، ويعزز فرص الاستثمار التجاري، والصناعي.

وواصل حديثه: «وزارة النقل شجعت المواطنين على ترك سياراتهم في ساحات الانتظار، واستخدام القطار الكهربائي، والمترو، والمونوريل؛ فهذه الوسائل الحديثة تتميز بسرعة الاستخدام، وانخفاض التكلفة، وتساهم في تخفيف الضغط المروري، ما جعلها خياراً عملياً لشرائح واسعة من المصريين، بعيداً عن الاعتماد على السيارات الخاصة».

وهو يرى أن الأثر الاقتصادي الأبرز لهذا التحول «يتمثل في تقليل فاتورة استيراد السيارات، والوقود، وهو ما يوفر العملة الصعبة، ويخفف الضغط على الموازنة العامة، إلى جانب تسهيل وصول العمال والموظفين إلى مواقع الإنتاج، ويكون لذلك أثر تنموي إيجابي».


تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».