السودان: الحرب تحاصر الصحافيين وتعطل مؤسساتهم

الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
TT

السودان: الحرب تحاصر الصحافيين وتعطل مؤسساتهم

الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام

يُجمع صحافيون وإعلاميون، عاملون في السودان، على تأكيد أن القتال بين الجيش و«الدعم السريع» عقّد مهمتهم، ومنعهم من الوصول إلى الحقيقة حول ما يدور في البلاد، وتحوَّل الباحثون منهم عن معلومات موثوقة، إلى ضحايا لـ«حرب الجنرالين»، التي اندلعت، منتصف أبريل (نيسان)، كما أن الحرب جعلتهم يعيشون أسوأ كوابيس حياتهم، إذ توقفت صحفهم بشكل كامل، وانقطع بث محطات التلفزة والإذاعة، وواجهوا حرباً لا هوادة فيها من قِبل طرفي القتال.

ويقول صحافيون إن عملهم في البحث عن معلومات حقيقية دفع أحياناً إلى تصنيفهم بأنهم «متمردون» من قِبل المُوالين للجيش، أو اعتبارهم «مُعادين» من قِبل «الدعم السريع»، وكل طرف يتوعدهم بـ«حساب قريب»، في حين أصبحت كتاباتهم وتعليقاتهم، حتى على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، مصدر تهديد ووعيد، ولا سيما إذا لم يعلنوا الانحياز لطرف من أطراف القتال.

وفي بداية القتال، احتُجز عدد كبير من الصحافيين والإعلاميين في مقارّ عملهم، خصوصاً في التلفزيون والإذاعة الرسميين اللذين استولت عليهما قوات «الدعم السريع»، وكذلك هناك صحافيون ومراسلون يعملون في قنوات وفضائيات محلية وعالمية، قُدِّر عددهم، بادئ الأمر، بنحو 30 صحافياً، ظل بعضهم عالقاً في مكتبه ومكان عمله لـ4 أيام وهم «صائمون» بالقوة، لا يُفطرون إلا ببعض التمر والماء، ومع ذلك فإن مكاتبهم واستديوهاتهم ظلت تتعرض للقصف بالأسلحة الثقيلة، لكنهم جميعاً خرجوا سالمين إلى منازلهم، إثر مطالبات زملائهم طرفي الصراع بإجلائهم.

ويتهم إعلاميون أنصار نظام الرئيس البشير بالاستثمار في «إعلام» المعركة لترهيب الصحافيين وإجبارهم على الانحياز للجيش، باتهامهم بأنهم داعمون للتمرد «الدعم السريع»، ومن ثم فهم عملاء وخونة، بل مرتزقة ينتظرون حسابهم بعد نهاية الحرب.

ويقول الصحافي شوقي عبد العظيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأطراف المتقاتلة لم تراعِ قواعد حماية الصحافيين أثناء الحروب، مما جعل الصحافة تواجه واقعاً شديد التعقيد.

ويضيف عبد العظيم: «جاءت الحرب بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول)، وكان هناك صحافيون يدعمون التحول الديمقراطي، وهو موقف استغلّه أنصار النظام البائد، ومارسوا، من خلاله، إرهاباً فكرياً، باتهامهم بدعم قوات (الدعم السريع) ضد الجيش، لتأتي بعد ذلك اتهامات الخيانة الوطنية».

وتابع: «صوت الصحافة، الآن، معدوم تماماً، وليس له تأثير يُذكَر، وتجري محاولات لإبعادها عن المشهد لصالح الدعاية الحربية»، لكنه يؤكد أن «الصحافيين واجهوا تحدياً كبيراً في أيام الحرب الأولى، غير أنهم امتصّوا الصدمة، وأصبحوا يعملون بشكل أفضل».

أما منسق منظمة «صحافيون لحقوق الإنسان»، المعروفة اختصاراً بـ«جهر»، الصحافي فيصل الباقر، فقد أكد، في حديثه، للصحيفة، أن طرفي القتال لهما مصلحة في تغييب الصحافة والإعلام عن المشهد؛ ليسود التعتيم الإعلامي. وتابع: «تغيب المعلومات الحقيقية عن أضرار الحرب وآثارها المدمرة، على الشعب، لتسود محلها البروباغاندا العسكرية وخطاب التضليل، بما يخلق اضطراباً معلوماتياً ينتشر من خلاله خطاب العنف والكراهية محلّ الحقيقة ونبذ الحرب وويلاتها».

وقال الباقر، المتخصص في رصد انتهاكات حقوق الصحافيين، إن منظمة «جهر» وثّقت عدداً من الانتهاكات التي تعرَّض لها الصحافيون والصحافيات من قِبل طرفي النزاع. وأضاف: «سنظل نقوم بواجبنا، ويجب على الطرفين احترام حرية الصحافة، والتوقف عن استهداف الصحافيين والمؤسسات الصحافية والإعلامية».

وحثّ الباقر المجتمع الدولي والعالم على عدم السماح بالإفلات من العقاب في الجرائم المرتكَبة ضد الصحافيين والصحافيات. وأضاف: «من جانبنا، سنظل نرصد الانتهاكات، بما في ذلك الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون والصحافيات».

ويقول خبراء وإعلاميون إن الحرب أثّرت على الإعلام بشكل كبير، إذ لم تعد القنوات الفضائية والإذاعات تبث من استديوهاتها، وتوقف صدور الصحف اليومية وتوقفت طباعتها، وإن أجهزة الإعلام الوطنية توقفت جميعاً، ما عدا إذاعة واحدة تبث الدعاية الحربية، ولا يُعرَف من أين تبث، وهو ما أشار إليه مدير الأخبار السابق في التلفزيون السوداني، ماهر أبو الجوخ، بقوله: «يلجأ الناس إلى الفضائيات الخارجية، لمعرفة الحقيقة؛ لأن أجهزة الإعلام الرسمية تحولت إلى إعلام عسكري يبث الدعاية الحربية، ما أفقدها مصداقيتها».

وأوضح أبو الجوخ أن أجهزة الإعلام، المملوكة للدولة، اصطفّت معها، ما أفقدها الموضوعية، وتحولت إلى أداة دعاية عوضاً عن نقل المعلومات. وتابع: «هناك عدد كبير من المؤسسات الإعلامية موجودة في مناطق حرب، مثل الإذاعة والتلفزيون الرسميين، وجرت السيطرة عليهما من قوات (الدعم السريع)، ولم تعد تستطيع البث؛ لأنها واقعة في مناطق يدور فيها القتال، أما الصحف فقد توقفت بتوقف المطابع ومنافذ التوزيع».

وحذَّر أبو الجوخ من تأثير طويل المدى على الإعلام في السودان بشكل عام، وقال: «الحرب خلقت واقعاً جديداً أخشى أن يترتب عليه فقدان الثقة بالإعلام السوداني، خصوصاً إذا مارس الاصطفاف مع وضدّ، وفقَد الحياد». واستطرد قائلاً: «خطورة هذا الأمر على المستوى الاستراتيجي، أنه يجعل السودانيين يلجأون إلى وسائل الإعلام الأجنبية للحصول على المعلومات عن بلادهم».

بَيْد أنه بدا متفائلاً بعودة قوية للإعلام بنهاية الحرب، بقوله: «إذا نشأت أوضاع ديمقراطية، فإنها ستؤدي إلى نهضة إعلامية جديدة، كما حدث بعد ثورة ديسمبر 2019».

وانتقد نقيب الصحافيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، الأجواء التي نتجت عن الحرب وتأثيرها على الصحافيين، بقوله، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يستطيع الإعلاميون أداء عملهم؛ لأن مؤسساتهم تقع في منطقة الاشتباكات». وأكد توقف القنوات الخاصة، ما عدا قناتي «النيل الأزرق»، و«سودانية 24»، اللتين تبثّان من خارج السودان. وأضاف: «تلفزيون السودان كان يبث من مكان لا أستطيع تحديده، لكنه توقف منذ أربعة أيام».

وتراجعت الصحافة المطبوعة كثيراً بسبب الحرب، مما أدى إلى إضعاف دورها، وما يهدد بأن تغلق أبوابها إلى الأبد، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «أمر خطير جداً يسهم في انتشار صحافة لا تحتكم إلى ضوابط مهنية، تستغل الفضاء الرقمي في بث الشائعات والأخبار الكاذبة والدعاية السوداء»، وهذا ما أشار إليه المواطن السر أحمد بقوله إن غالب السودانيين لم يعودوا ينتظرون التلفزيون الرسمي، بل يتابعون القنوات الخارجية، بغض النظر عن سياستها. وأضاف: «على الأقل، هي تنقل صوراً واستطلاعات حول قضايا البلاد».

ويواجه الصحافيون، هذه الأيام، أوضاعاً استثنائية، إذ يحيط بهم الخطر، على مدار الساعة. ويقول مراسلو قنوات فضائية، طلبوا عدم ذكر أسمائهم، إنهم يعملون في ظروف معقّدة، وبعضهم احتُجزوا في مكاتبهم، في الأيام الأولى لاندلاع القتال، وكانوا يوجهون كاميراتهم نحو مقر القيادة العامة والقصر الرئاسي، لالتقاط صور، بداية المعركة، في حين تعرَّض آخرون للضرب من قِبل قوات عسكرية، وهم في طريقهم إلى أماكن عملهم.

وأصيب المصور الصحافي فايز أبو بكر، في 19 أبريل الماضي، بطلق ناري، أثناء قيامه بالتصوير في أحد شوارع الخرطوم، وأطلقت عليه قوات عسكرية النار، بحجة أنها اشتبهت بانتمائه للاستخبارات العسكرية للعدو، وهو بالضبط ما يواجهه المراسلون بشكل عام، إلى جانب المضايقات من طرفي القتال، فيما يحتمل أن يواجه عدد كبير من الصحافيين، الذين يحاولون الخروج إلى الميدان، ما واجهه فايز.

وبسبب شُح المعلومات، وخطورة محاولات الحصول عليها، فإن الصحافيين والمراسلين يضطرون لاعتماد البيانات الرسمية مصادر لهم، إلى جانب أحاديث المصادر الرسمية والأطباء والمستشفيات والخدمات، وشهادات المواطنين. ويقول مراسل فضائية «سكاي نيوز عربية»، خالد عويس، إن معاناته بدأت، منذ الساعات الأولى للحرب، حين حاول الوصول إلى مكتبه قادماً من الخرطوم بحري، عبر ثلاثة جسور، ولم يفلح في الوصول. وأضاف: «نجوت من الموت في الجسر الثالث (جسر كوبر)، حين حدث اشتباك قرب سيارتي تماماً، فعدت أدراجي، وظللت أعمل من البيت عبر الهاتف لتسعة أيام». وأضاف: «انقطاع الماء والكهرباء أجبرني على الخروج يومياً، للبحث عن شحن هواتفي، وعن ماء لأسرتي، مما عرَّضني لمواجهة الموت مرة ثانية، حين اعترضتني قوة من (الدعم السريع) قرب بيتي، فظنوا أنني ضابط في القوات المسلحة، فوجهوا مضاداً للطائرات نحوي، ونجوت منهم بعد لأْي وجدل طويل، وأقنعتهم بالهوية الصحافية التي كانت بحوزتي».

وأضاف عويس: «أعددت تقريراً مصوراً بكاميرا الهاتف بعد نزوحي وأسرتي لشمال الخرطوم بحري؛ لأن من المستحيل أن أستخدم كاميرا عادية ومصوراً». وتابع: «اضطررت للنزوح مرة ثانية بأسرتي إلى ولاية الجزيرة، بعد أن أضحت منطقة سكني منطقة عمليات حربية (شمبات الأراضي شمال)».

ويقول عويس إن والدته تُوفيت بسبب فقدانها السوائل، أثناء التنقل من مكان إلى آخر، مضيفاً: «والدتي مريضة، وتسبب فقدانها السوائل بهبوط في دورتها الدموية، وحاول الطبيب المحلي إسعافها، لكنها في النهاية تُوفيت. رحمها الله وأحسن إليها».

واحتُجز صحافيون في التلفزيون الحكومي، منذ بداية الحرب. وقال المخرج عادل عوض، لـ«الشرق الأوسط»، إنه احتُجز في 15 أبريل، ومعه 15 زميلاً، صبيحة بدء القتال، لكن قوات «الدعم السريع»، التي سيطرت على التلفزيون، سمحت لهم بالمغادرة بعد العصر. وأضاف: «اضطررنا إلى مغادرة مبنى التلفزيون إلى الإذاعة باعتباره أكثر أماناً، وعاوننا بعض أفراد (الدعم السريع). وأكثر ما أرعبنا، أثناء وجودنا داخل مبنى التلفزيون، هو إطلاق القذائف من دبابة محترقة بالقرب من مكاتبنا».

وأصدرت «نقابة الصحافيين السودانيين» بياناً وجّهته إلى منظمات حقوقية دولية، طالبت فيه بإجلاء العاملين في الإذاعة والتلفزيون، وخرج، يوم الخميس، آخِر الصحافيين المحتجَزين في مبنى التلفزيون بأم درمان، وهم: عادل فضل المولى، وعبد الحميد، وعبد القادر، وسامي عبد الحفيظ، وياسر البث، وصلاح عقيل، بعدما ظلوا محتجَزين منذ بدء الحرب.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

أكدت الولايات المتحدة التزامها بإنهاء النزاع في السودان، بالتزامن مع عقوبات جديدة على 5 أفراد وكيانات متورطين في تجنيد كولومبيين للقتال مع «قوات الدعم السريع».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)
جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)
TT

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)
جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

منذ أن وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، الأسبوع الماضي، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة، في حين أفصح البعض عن نيته التقدُّم بمشروعات قوانين إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، لكن هذا النشاط تحوَّل إلى خلاف، وسط ترقب لحوار مجتمعي مُوسَّع لإحداث التوافق المنشود.

وبرز خلاف بين حزبَي «الوفد» و«العدل» بشأن أسبقية إعداد مشروع قانون «للأحوال الشخصية»، وبعد أن أعلن حزب «العدل» طرح رؤى جديدة بشأن مشروع قانون يعده، ودعوته إلى حوار مجتمعي حول القضية، من المزمع عقده الأحد، عدّ حزب «الوفد» أن تلك الرؤية تعد امتداداً لمشروع قديم سبق طرحه عام 2018.

وأكد المتحدث باسم رئيس حزب «الوفد»، الدكتور عماد زكي، أنَّ «مشروع قانون الأحوال الشخصية، الذي يتحدَّث عنه حزب (العدل)، تمَّ إعداده في حزب (الوفد) بمعرفة (بيت الخبرة الوفدي)، وتمَّ عقد جلسات استماع لآلاف الأسر على مدار 3 سنوات بدأت منذ عام 2015، وهي مُسجَّلة لدينا ومحفوظة بالحزب صوتاً وفيديو». وقال في بيان صحافي، مساء الجمعة، إنَّ جلسات الاستماع «بلغت أكثر من 100 جلسة، وتمَّ تقديم مشروع القانون رسمياً إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) عام 2018».

وكان الرئيس المصري قد وجَّه الحكومة، الاثنين الماضي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية (الأسر المسلمة، والأسر المسيحية، وصندوق دعم الأسرة) إلى مجلس النواب، مشيراً إلى أنَّ هذه القوانين «تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشكلات الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها»، بحسب ما نشرته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية.

وتعكف الحكومة المصرية على إعداد مشروع قانون جديد، وسط زخم مجتمعي متصاعد. وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء، المستشار محمد الحمصاني، إنَّ الحكومة «تعمل على الانتهاء من صياغة مشروعات القوانين المُنظِّمة لشؤون الأحوال الشخصية، تمهيداً لإحالتها إلى البرلمان خلال الأيام القليلة المقبلة»، مؤكداً في مداخلة تلفزيونية، الجمعة، أن «الحكومة تلتزم بعدم الخوض في التفاصيل الدقيقة لهذه القوانين في الوقت الراهن؛ احتراماً للجهات المعنية والبرلمان».

وجاءت توجيهات السيسي عقب حادثة انتحار سيدة أربعينية من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية، بعد شكواها في بث مباشر من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، ما أثار جدلاً اجتماعياً وقانونياً.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (صفحة المتحدث باسم الرئاسة على «فيسبوك»)

ويرى خبير النظم والتشريعات البرلمانية، عبد الناصر قنديل، أنَّ الزخم السياسي والتسابق الحزبي يرجع بالأساس إلى التوجيهات الرئاسية. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخلاف بين حزبي (الوفد) و(العدل) معركة ذات طابع إعلامي، فلا يوجد لدى أي من الحزبين مشروع قانون متكامل، يجعلنا نعرف أوجه التشابه بينهما، بل مجرد أفكار عامة، كما أن معظم مشروعات القوانين الجديدة تتشابه في نحو 70 في المائة من موادها، بينما النسبة المتبقية تكون لها علاقة برؤية خاصة للحزب أو التيار السياسي».

وقال حزب «الوفد» إن مشروعه يقدم تصوراً شاملاً، يعيد ضبط العلاقة بين أطراف الأسرة في إطار من العدالة المتوازنة، ويعالج بعمق قضايا «الحضانة» و«الرؤية» و«النفقة» و«الولاية التعليمية»، إلى جانب تطوير آليات التنفيذ، بما يضمن الفاعلية والعدالة، مع إدماج البُعدين النفسي والاجتماعي بوصفهما عنصرَين حاكمَين في صياغة النصوص، بما يحقِّق استقرار الأسرة، ويحمي الأطفال من آثار النزاعات الممتدة.

وأوضحت القيادية في حزب «العدل» عضوة مجلس النواب المصري، فاطمة عادل، في تصريحات صحافية، أن مشروع القانون الذي يعدّه الحزب «يتسم برؤية متوازنة، تراعي حقوق الزوج والزوجة، مع إعطاء أولوية قصوى للمصلحة الفضلى للطفل»، موضحة أنها استعانت بعدد من مشروعات القوانين السابقة للبناء عليها في إعداد المشروع، وأنه يتضمَّن بنوداً جديدة لم يتم التطرق إليها من قبل، دون أن تذكرها.

بدوره أكد قنديل أن «الخلافات الحالية حدثت من قبل في قوانين عدة سابقاً... لكن الزخم الحالي سيؤدي إلى اتساع وعمق الحوار المجتمعي المرتقب، والذي سيكون حول مشروعات القوانين التي تعتزم الحكومة التقدم بها».

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات قانون الأسرة (مجلس النواب المصري)

وتسعى الحكومة المصرية عبر مشروعات القوانين، التي تقوم بإعدادها، إلى معالجة كثير من المشكلات التي تتعرَّض لها الأسرة ضمن منظومة الزواج؛ منها الطلاق، وحضانة الأطفال، وقضايا «النفقة» و«الرؤية»، و«تنظيم استضافة الأطفال في حالة الطلاق».

من جانبه تحدَّث أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور طارق فهمي، عمّا وصفه بـ«سعي الأحزاب إلى تأكيد سرديتها في القضايا السياسية والمجتمعية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن توجيهات السيسي بشأن قوانين الأسرة، وقبلها قوانين أخرى عدة، تدفع الأحزاب السياسية للدفاع عن تأكيد رؤيتها بشأنها».

ويعتقد فهمي أن «تحرك الأحزاب للتعاطي مع القضايا المطروحة قد يكون أمراً جيداً في سياق حياة حزبية قوية، لكن في الوضع الحالي يكون الاشتباك مع القضايا ربما لمجرد التأكيد على وجهة النظر الحزبية فقط... لكن في المطلق سيؤدي الاشتباك إلى نقاشات أكثر تنوعاً وشمولية بشأن القضايا المطروحة، ومنها مشروعات قوانين الأسرة».

وحظيت قضية تشريعات الأسرة، والأحوال الشخصية، باهتمام رئاسي واسع خلال السنوات الماضية، حيث سبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر، ومؤسسات المجتمع المدني، إلى «التكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية»، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون لـ«الأحوال الشخصية»، كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.


الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)
لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)
لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

كشفت سلسلة لقاءات عقدها رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في تركيا، السبت، عن تحرك دبلوماسي مكثف، بدا من منظور مراقبين «محاولة لإعادة تنشيط شبكة العلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الليبي، في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي وتعثر مسار التسوية».

وتوزعت هذه اللقاءات على أطراف رئيسية فاعلة في الأزمة الليبية، أبرزها روسيا وتركيا، بما يعكس محاولة ليبية لإعادة التوازن في العلاقات الخارجية، وفتح قنوات تنسيق متوازية، تدعم فرص الاستقرار، وتدفع نحو إعادة إحياء العملية السياسية.

وتناول اجتماع الدبيبة مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، السبت، «مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون المشترك، بما يخدم المصالح المتبادلة»، حسب بيان لمكتب الدبيبة.

محادثات الدبيبة مع سيرغي لافروف في مدينة أنطاليا التركية السبت (مكتب الدبيبة)

وخلال اللقاء أكد الجانبان «أهمية الدفع بالعلاقات الليبية - الروسية إلى الأمام، وتسريع معالجة عدد من الملفات العالقة»، بما يسهم في «تهيئة مناخ أكثر إيجابية للتعاون، ويفتح المجال أمام شراكة أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة».

كما شددا على «ضرورة استمرار التنسيق والتشاور المباشر، وتغليب المقاربات العملية التي تدعم استقرار العلاقات، وتضمن تطويرها على أسس واضحة ومتوازنة».

وتتزامن هذه المحادثات مع استمرار مناورات ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، وسط تقديرات غربية بأن هذه المناورات تهدف إلى احتواء النفوذ الروسي في ليبيا. كما أن محادثات الدبيبة-لافروف تأتي بعد أكثر من شهر من هجوم تعرضت له ناقلة غاز روسية قبالة الساحل الليبي، واتهمت موسكو كييف بالضلوع وراء هذا الهجوم «بطائرات وزوارق مسيرة».

كما بحث الدبيبة مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، السبت، جملة من الملفات الإقليمية والداخلية، حيث تركزت المناقشات على «تطورات الأوضاع في المنطقة، وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك».

وبرز ملف الهجرة غير النظامية بوصفه أحد أبرز محاور اللقاء، مع تأكيد «أهمية تعزيز التعاون الثنائي والإقليمي في مكافحتها، ودعم آلية الاجتماع الرباعي، بما يسهم في تحقيق نتائج عملية في هذا الملف». كما تناول اللقاء «استمرار التعاون العسكري بين البلدين، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، بما يعزز الاستقرار ويدعم مؤسسات الدولة»، إلى جانب التشديد على «أهمية استمرار التشاور والتنسيق في الملفات السياسية».

جانب من لقاء الدبيبة وبدر عبد العاطي في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

أما على الصعيد المصري، فقد عكست محادثات الدبيبة مع وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، السبت، تقارباً في الرؤى حيال ضرورة الحفاظ على الاستقرار الليبي، إذ جرى تأكيد «أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين ليبيا ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي».

وشدد الجانب المصري على «الموقف الثابت الداعم للدولة الليبية واستقرارها وسيادتها»، مع تأكيد «أهمية مواصلة تعزيز التعاون في مختلف المجالات، تأسيساً على الروابط التاريخية والشعبية».

كما تناول اللقاء «سبل تطوير العلاقات الثنائية بما يحقق المصالح المشتركة ويلبي تطلعات الشعبين»، إلى جانب بحث «التطورات الإقليمية والدولية، وأهمية استمرار التنسيق في ظل التحديات المشتركة».

على صعيد متصل، ناقش الدبيبة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، السبت، «مستجدات الأوضاع في المنطقة، وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي، خصوصاً ما يتعلق بأمن سلاسل الإمداد، واستقرار أسواق الطاقة والتجارة».

وأكد الجانبان «أهمية تكثيف التنسيق بين الدول الشقيقة، والعمل على دعم مسارات التهدئة، وتغليب الحلول السياسية»، مع التشديد على «ضرورة الحفاظ على انسياب الإمدادات، وعدم تعريض المصالح الاقتصادية لأي اضطرابات إضافية»، باعتبار أن «استقرار المنطقة يرتبط بضمان استمرار تدفق الطاقة وحركة التجارة».

تأتي هذه التحركات من «الوحدة» في وقت لا تزال فيه ليبيا تعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً بين حكومتين؛ الأولى في طرابلس برئاسة الدبيبة، والأخرى مكلَّفة من مجلس النواب في شرق البلاد، برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

مع مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، جدّدت الولايات المتحدة تأكيد التزامها بإنهاء النزاع في هذا البلد العربي الأفريقي، بالتزامن مع فرض عقوبات جديدة على 5 أفراد وكيانات متورطة في تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين للقتال ضمن صفوف «قوات الدعم السريع»، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (أوفاك) أن «هذه الشبكة أسهمت في تأجيج الصراع، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمجاعات في العالم». وأضاف أن «الحرب زادت من زعزعة استقرار منطقة هشّة أصلاً، وتهيّأت معها الظروف لتوسع الجماعات الإرهابية، وتهديد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، بما في ذلك سلامة ومصالح الولايات المتحدة».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنه «من غير المقبول أن قادة القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) لم يلتزموا بهدنة إنسانية لمعالجة المجاعة المدمرة التي خلفتها الحرب الأهلية في السودان. يجب عليهم التحرك لإنهاء هذه الأزمة الإنسانية فوراً». وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، في بيان أنه «منذ أبريل (نيسان) 2023، قُتل أكثر من 150 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، ولا تزال المجاعة مستمرة في المناطق المتضررة من النزاع».

وأكد التزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بـ«تحقيق سلام دائم في السودان، ويتجلّى ذلك في تقديم الولايات المتحدة 20 مليون دولار مساعدات غذائية طارئة في مارس (آذار)، و200 مليون دولار تبرعت بها أخيراً خلال نداء العمل لصندوق السودان الإنساني الذي استضافته الولايات المتحدة في فبراير (شباط) الماضي».

وأضاف بيغوت أن الولايات المتحدة تدعو كلاً من القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» إلى قبول هدنة إنسانية فورية لمدة 3 أشهر من دون شروط مسبقة بغية «تهيئة المجال لمفاوضات تهدف إلى وقف دائم لإطلاق النار». وتحضّ «كل الجهات الخارجية على وقف الدعم المالي والعسكري للأطراف المتحاربة».

وقالت وزارة الخزانة، في بيان، إن الإجراء العقابي الأخير اتّخذ بموجب القرار التنفيذي الذي اتخذته الرئيس ترمب لـ«فرض عقوبات على أشخاص معينين يزعزعون استقرار السودان، ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي».

وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت حميدتي على قائمة العقوبات في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، غداة اتهام قواته بارتكاب إعدامات ميدانية، وهجمات بدوافع عرقية، وأعمال عنف جنسي وتعذيب في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك الجنينة في غرب دارفور عام 2023، والفاشر في شمال دارفور خلال عامي 2024 و2025.

وفي يناير 2025، خلصت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن أفراداً من «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها «ارتكبوا إبادة جماعية في السودان». كما كانت قد توصلت، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إلى أن «أفراداً من (قوات الدعم السريع) ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى عمليات تطهير عرقي».

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد. ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وأفادت الوزارة بأن الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا «يلعب دوراً محورياً في تجنيد ونشر أفراد عسكريين كولومبيين سابقين في السودان». وأضافت كيخانو وزوجته، كلوديا فيفيانا أوليفروس فوريرو، أسسا وكالة الخدمات الدولية في كولومبيا، التي اعتمدت على شركة «تالينت بريدج» في بنما، لتوظيف المقاتلين الكولومبيين.

وأسس كيخانو وأوليفروس شركة «فينيكس» للتوظيف بديلاً لوكالة الخدمات الدولية. ويديرها المواطن الكولومبي خوسيه ليباردو كيخانو توريس.

أما الجنرال السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، فهو يملك شركة توظيف في بوغوتا. وقام من خلال شركته بتجنيد أفراد عسكريين كولومبيين سابقين للقتال في السودان ضمن «قوات الدعم السريع». كما قام خوسيه غارسيا باتي بتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين للمشاركة في النزاع الدائر بين روسيا وأوكرانيا.