الكابينة الوزارية للزيدي: بين «الفيتو الأميركي» وخلافات «الإطار»

بعد 100 يوم على تشكيلها ناقصة 9 وزارات بينها «الدفاع» و«الداخلية»

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
TT

الكابينة الوزارية للزيدي: بين «الفيتو الأميركي» وخلافات «الإطار»

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

مع أن الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي الزيدي أنهت المائة يوم الأولى من عمرها الذي يمتد لنحو أربع سنوات، فإن عدم اكتمالها حتى الآن (ناقصة 9 حقائب وزارية بينها الدفاع، والداخلية) بدأ يثير العديد من الأسئلة والتكهنات بين القوى السياسية، لا سيما داخل الدائرة الضيقة للحكم، ممثلة في قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الذي يتحكم بالمشهد السياسي، كونه يملك الأغلبية في البرلمان والحكومة معاً.

وبينما أعلن «الإطار التنسيقي» في آخر اجتماع له الاثنين الماضي أن اكتمال الكابينة الحكومية «لن يتعدى الأسبوع المقبل»، أكد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «العديد من القوى السياسية التي لديها حقائب شاغرة حتى الآن، وبالذات الكرد، والسنة، قدمت بالفعل أسماء عدّة لمرشحيها للوزارات التي هي من حصتها، طبقاً لطلب رئيس الوزراء تقديم أكثر من مرشح لكي يتاح له الاختيار»، وإن «الإطار التنسيقي» طبقاً للمصدر المطلع ذاته «لم يحسم خياراته بشأن مرشحيه للحقائب الشاغرة العائدة إليه، وفي المقدمة منها وزارة الداخلية، فضلاً عن العقدة الأهم المتعلقة بمناصب نواب رئيس الجمهورية، والوزراء».

اجتماع لـ«الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

وكان البيان الذي أصدره «التنسيقي» خلال اجتماعه مساء الاثنين الماضي بمشاركة الزيدي أفاد بأن «النقاشات المتعلقة باستكمال التشكيلة الحكومية ستُستكمل خلال الأسبوع الحالي، تمهيداً لإرسالها إلى مجلس النواب الأسبوع المقبل للتصويت عليها». وأوضح أن «الإطار التنسيقي بحث أيضاً الوضع المالي والاقتصادي للبلاد، في ظل تداعيات الحرب بالمنطقة، وتعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز».

وقال المصدر المطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القوى السنية قدّمت أسماء مرشحيها للمناصب الوزارية، بما في ذلك منصب وزير الدفاع، بعد توافق القوى السنية على الأسماء المرشحة، ومن بينها وزير دفاع سابق، كما أن الكرد -وبالأخص (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، قدموا أسماء مرشحيهم للوزارات المتبقية لهم، وبخاصة وزارة الإعمار والإسكان والهجرة والمهجرين، إلاّ أنه لم يتم بعد حسم مرشحي وزارات الداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والعمل، والشؤون الاجتماعية، والثقافة، والرياضة والشباب» التي تدار بالوكالة حتى الآن.

وأشار المصدر إلى أنه «تظهر بين الحين والآخر أخبار تفيد بإمكانية أن يقدم بعض الوزراء الحاليين استقالاتهم من مناصبهم، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إسقاط الحكومة، والذهاب إلى انتخابات مبكرة».

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (أرشيفية-رويترز)

رسالة الصدر المشفرة

وفي موازاة ما يبدو تهديدات غير مباشرة تطول الزيدي من القوى السياسية المؤثرة -وفي مقدمتها «الإطار التنسيقي» الذي يعاني انشقاقاً واضحاً على صعيد ملف السلاح، بالإضافة إلى تشكيل الحكومة- التقى زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر نوابه المنسحبين من البرلمان وعددهم 73 نائباً في مقر إقامته في الحنابة بمدينة النجف الأسبوع الماضي... واللقاء بدا كرسالة مشفرة إلى قوى «الإطار التنسيقي»، ومنافسيه الرئيسين، أن عودته «باتت وشيكة» عند إجراء أي انتخابات مبكرة، الأمر الذي يعني حصوله على أغلبية برلمانية واضحة هذه المرة في ظل تفكك قوى «الإطار»، مما يتيح له مع حلفاء يختارهم تشكيل الحكومة ثانية، برئاسة الزيدي.

رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

الزيدي من جهته يريد استكمال أكبر ثلاثة ملفات طرحها عند بداية تشكيل حكومته، وهي الأكثر سخونة :أولاً: حصر السلاح بيد الدولة، ثانياً: محاربة الفساد المالي، ثالثا: الإصلاح الاقتصادي، ويريد في موازاة ذلك استكمال تشكيل حكومته التي تواجه الآن، بالإضافة إلى الخلافات على بعض الحقائب الوزارية، ملفاً لا يقل تعقيداً هو ملف نواب رئيس الجمهورية، والوزراء. وفي الوقت الذي لا يبدو أن هناك مشكلة بالنسبة إلى نائبي رئيس الجمهورية، وهما سني، وشيعي، فإن العقدة تكمن في منصب نواب رئيس الوزراء الثلاثة، حيث توجد خلافات صامتة داخل قوى «الإطار التنسيقي» بشأن المرشح الشيعي ليث الخزعلي شقيق زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي.

ولا يراد لهذه الخلافات أن تظهر إلى العلن، مستفيدة من الموقف الأميركي المتمثل في رفض تسليم هذا المنصب لواحد من قادة الفصائل المسلحة، مع أن «عصائب أهل الحق» كانت من بين أولى الفصائل التي سلمت أسلحتها ومقراتها إلى الحكومة الحالية.


مقالات ذات صلة

غضب شعبي ودعاوى قضائية عراقية ضد رئيس منظمة «بدر» هادي العامري

المشرق العربي من مظاهرات أكتوبر 2019 بالعراق (أرشيفية - متداولة)

غضب شعبي ودعاوى قضائية عراقية ضد رئيس منظمة «بدر» هادي العامري

تتواصل موجة الغضب والانتقادات الشعبية ضد رئيس منظمة «بدر» هادي العامري على خلفية تصريحات اعترف فيها بتورط ما سماها «المقاومة» بالأحداث التي رافقت «حراك تشرين».

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد وصول المزيد من ناقلات النفط إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام ساهما في تعزيز صادرات البلاد في أغسطس (رويترز)

ارتفاع صادرات النفط العراقية إلى 2.34 مليون برميل يومياً في أغسطس

كشف مسؤولان عراقيان، عن أن صادرات النفط العراقية ارتفعت إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بنحو 1.35 مليون برميل يومياً في يوليو الماضي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة متداولة لأحد عناصر الفصائل العراقية المسلحة (إكس)

فصائل عراقية تضع «قائمة شروط» لحصر السلاح

ينشط قادة بارزون في تحالف «الإطار التنسيقي» بالعراق، بالحديث عن «قائمة شروط» مقابل الانضمام إلى خطة حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)

السجن 15 عاماً لمدان بخطف صحافية أميركية في بغداد

أصدرت محكمة الجنايات العراقية حكماً بالسجن 15 عاماً بحق أمير رحيم جبار، المدان في اختطاف الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال مارس (آذار) الماضي...

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد منصات تحميل في ميناء البصرة في العراق (رويترز)

العراق يطلب علاوة على تحميل النفط في سبتمبر خارج مضيق هرمز

حدد العراق الأسعار الدنيا لخام البصرة المتوسط المعروض عبر عطاء للتحميل في سبتمبر (أيلول) خارج مضيق هرمز. حسبما نقلت «رويترز» عن وثيقة الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

ملك الأردن يقود جهداً دولياً لدعم استقرار لبنان وجيشه

ملك الأردن مستقبلاً قائد الجيش اللبناني بعمان في 30 أغسطس 2026 (الديوان الملكي)
ملك الأردن مستقبلاً قائد الجيش اللبناني بعمان في 30 أغسطس 2026 (الديوان الملكي)
TT

ملك الأردن يقود جهداً دولياً لدعم استقرار لبنان وجيشه

ملك الأردن مستقبلاً قائد الجيش اللبناني بعمان في 30 أغسطس 2026 (الديوان الملكي)
ملك الأردن مستقبلاً قائد الجيش اللبناني بعمان في 30 أغسطس 2026 (الديوان الملكي)

مع التطورات التي تشهدها المنطقة، بدأت عمان في حشد جهد دبلوماسي يقوده الملك عبد الله الثاني، ووزير خارجيته أيمن الصفدي، لـ«توفير دعم دولي للمؤسسات اللبنانية، والقيام بدورها، وفي مقدمة تلك المؤسسات الجيش اللبناني، من خلال موقف عربي أوروبي أميركي مشترك، يساعد في الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية، ودعم السيادة اللبنانية على أراضيها كافة. ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتمكين المؤسسات السياسية من القيام بدورها».

توجيهات الملك

وأكدت مصادر أردنية رفيعة أن توجيهات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قضت منذ سنوات بأن تقوم المؤسسات المعنية -وعلى رأسها القوات المسلحة (الجيش العربي)- بـ«دور في إسناد لبنان من خلال إرسال المساعدات العسكرية، والإنسانية، والطبية». ووقوف بلاده «إلى جانب لبنان الشقيق، ودعم جهوده في الحفاظ على أمنه، وسيادته». وهو ما يفسر جانباً من التقارب الأردني اللبناني «غير التقليدي» خلال السنوات الأخيرة.

ويمتلك العاهل الأردني رصيداً من العلاقات الوثيقة مع القيادات اللبنانية رسمياً، وشعبياً. فقد التقى الملك عبد الله الثاني الرئيس اللبناني جوزيف عون في عدة اجتماعات رسمية، وغير رسمية. وأجرى الزعيمان 4 اتصالات هاتفية خلال الأشهر الماضية من العام الحالي.

كما يرتبط قائد الجيش اللبناني العماد رودلف هيكل -الذي زار عمان في الثلاثين من الشهر الماضي- بعلاقة متميزة مع نظيره الأردني اللواء محمد يوسف الحنيطي، الذي غادر منصبه اليوم ليحل مكانه اللواء مجدي الحراسيس. في وقت لم تنقطع قيادات سياسية وحزبية لبنانية عن زيارة عمان، ولقاء الملك عبد الله الثاني.

وأعلن الأردن في وقت سابق عن إرسال مساعدات عسكرية ضمت معدات عسكرية (62) ناقلة جند، للمساهمة في تعزيز القدرات الدفاعية للجيش اللبناني، وللمساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار. في حين التقى الملك الأردني نهاية الشهر الماضي في عمّان، قائد الجيش اللبناني العماد رودلف هيكل. في وقت تحدثت فيه مصادر عسكرية «عن استعداد المملكة لتلبية متطلبات الجيش اللبناني في مجالات الإدارة والتدريب».

ومن ضمن الجهود الأردنية في مساندة الأشقاء في لبنان، فقد كشفت إحصاءات رسمية عن تسيير 12 قافلة مساعدات منذ بداية 2026، وذلك في إطار الاستجابة المستمرة للأوضاع الإنسانية، كما تم إرسال 14 طائرة محملة بأدوية، وعلاجات، ومواد أساسية، وغذائية. في العام 2024.

وفي إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع التي شهدها لبنان خلال السنوات الخمس الأخيرة، فقد أرسلت عمان عشرات القوافل المحملة بالمساعدات الغذائية، والمستلزمات الدوائية، والإغاثية، وشاحنات تحتوي على بيوت متنقلة (كرافانات)، في حين أرسل الأردن خلال الظروف الصعبة التي عاشها لبنان بعد الانفجار الكبير الذي تعرض له مرفأ بيروت عام 2020 مستشفى ميدانياً متكاملاً يلبّي الاحتياجات الطارئة، والعمليات الكبرى والصغرى.

ويتذكر الأردنيون في العام 2006 إعلان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أمام حشد كبير من الشخصيات السياسية والنخب الأردنية في منطقة البحر الميت (30كم) جنوب عمان، وصول أول طائرة لسلاح الجو الأردني الملكي تقلّ مجموعات من سلاح الهندسة لإعادة فتح مطار بيروت، لتكسر بذلك الحصار الجوي بسبب الحرب وقتها، ليتبع ذلك وصول ثلاث طائرات تحمل مستشفى ميدانياً، ومعدات طبية لمعالجة ضحايا العدوان الإسرائيلي، وتواصل الجسر الجوي الأردني للإغاثة، خلال حرب يوليو (تموز) من العام 2006.

الأردن يحشد في باريس

وأكدت مصادر سياسية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» الأنباء التي تناولها الإعلام اللبناني حول «دور أردني - فرنسي لدعم الجيش اللبناني خلال الشهر الحالي»، وأن عمان «تحشد دولاً عربية وأجنبية في باريس لدعم الجيش اللبناني. بعد أن لعب الأردن دوراً أساسياً في إقناع الأميركيين ودول أخرى بالمشاركة في المؤتمر».

اجتماعات العقبة

كما جددت المصادر التأكيد على أنه في السابع عشر من الشهر الحالي سيعقد في باريس جولة خاصة من «اجتماعات العقبة» حول دعم الجيش اللبناني، لتمكينه من أداء دوره كمؤسسة سيادية قادرة على بسط سيطرتها على كل الأراضي اللبنانية. وأضافت المصادر أن الأردن سيشارك في هذه الجولة التي سيترأسها بالشراكة مع فرنسا ولبنان قادة عسكريون من عدة دول عربية وأجنبية.

وعُرفت اجتماعات العقبة كـ«مبادرة أطلقها الملك عبدالله الثاني في عام 2015»، بهدف تعزيز التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات بين مختلف الدول حول التحديات الإقليمية والدولية، وعقدت اجتماعات العقبة جولاتها السابقة في الأردن، وفي دول إسبانيا، وألبانيا، وإندونيسيا، وإيطاليا، والبرازيل، وبلغاريا، ورواندا، وسنغافورة، والمملكة المتحدة، والنرويج، ونيجيريا، وهولندا، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، بالشراكة مع المملكة.


الرئيس اللبناني: خيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب

الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)
TT

الرئيس اللبناني: خيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب

الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «خيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب من دون أي نتيجة أخرى»، مشدداً على أن الوحدة الوطنية هي «أهم الخيارات المتاحة لمواجهة التحديات الراهنة»، ومؤكداً أن لبنان يحتاج إلى الاستقرار والأمن للانتقال إلى مرحلة النهوض.

كلام رئيس الجمهورية جاء خلال استقباله اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء»، برئاسة مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي. وفيما كان بحث في الأوضاع الداخلية والتطورات في الجنوب، أكد عون أن «اللبنانيين متفقون على الأهداف الرئيسية، وفي مقدمها تحرير الأرض وإعادة الأسرى والإعمار وعودة النازحين».

لا خيار إلا التفاوض

وقال عون: «هل يجب أن يدفع الجنوب ثمن الحروب بين الحين والآخر؟ لقد اتخذنا خيار التفاوض لأنه لم يكن لدينا من خيار آخر. فخيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب من دون أي نتيجة أخرى». وأضاف: «لطالما قلت إني منفتح على أي خيار يؤدي إلى تحقيق الأهداف الرئيسية من دون دم أو دمار». ورأى أن المسار القائم، رغم عدم تحقيقه إنجازاً كاملاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، أوجد «نوعاً من الضوابط نسعى من خلالها إلى تحقيق وقف إطلاق النار بشكل كامل، والانسحاب الإسرائيلي تمهيداً لإطلاق الأسرى».

الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات

وفي سياق حديثه، أثنى عون على كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، لا سيما لجهة «التأكيد على اتفاق الطائف والمحافظة على المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي». وشدد على أن «وحدتنا الوطنية هي أهم الخيارات المتاحة لمواجهة التحديات الراهنة»، داعياً إلى تغليب المصلحة الوطنية والحفاظ على الدولة ومؤسساتها.

وفي الشأن الداخلي، شدد رئيس الجمهورية على أهمية الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين، مؤكداً أنها «وحدها التي تحميهم وتؤمن مطالبهم، لا سيما أن مواطنيها يتفيأون علَمها ويشتركون في هويتهم الوطنية». وقال إن المسؤولية مشتركة في قيام الدولة وتعزيز حضورها في مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية.

فرصة لإعادة النهوض

واعتبر عون أن «البلد تعب من حالة الحرب والفساد والركود وسوء الإدارة التي سادت طيلة السنوات السابقة»، لافتاً إلى وجود فرصة لإعادة النهوض، خصوصاً مع انفتاح المستثمرين من الخارج على لبنان، شرط «أن نؤمن لهؤلاء الاستقرار الأمني والسياسي والإدارة السليمة».

وقال عون: «المهم وسط كل ما نشهده اليوم، المحافظة على انتمائنا للوطن والولاء له، والتحدث بلغة مصلحته وخدمة شعبه، لا استغلال هذا الشعب والطوائف والأحزاب والمذاهب لمصالح شخصية»، مضيفاً: «ليس هناك من بلد مفلس بل بلد أساء نظامه إدارة مقدراته».

ودعا إلى الخروج من الزواريب الضيقة إلى رحاب المصلحة العليا، محذراً من أنه «إذا وقع البلد فلن ينجو أحد»، ومؤكداً أن لبنان لن ينسى الماضي بل سيأخذ العبر منه، وأن «حق الاختلاف مقدس، لكن الخلاف غير مسموح به، ويجب ألا يتعدى سقف الأمن الوطني ومصلحة الدولة».

المطارنة الموارنة

في موازاة ذلك، طالب المطارنة الموارنة المجتمع الدولي بالتدخل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية.

وجددوا في اجتماعهم الشهري برئاسة البطريرك الماروني بشارة الراعي، شجبهم للاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل لوقفها، وجميع الأطراف المعنيين بالالتزام بموجبات اتفاق الإطار.

اجتماع المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك بشارة الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

وأكد المطارنة، في بيان لهم، أنهم «يُعبِّرون عن أسفهم الشديد ويُكرِّرون شجبهم للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتعرّض لها قرى وبلدات ومدن في الجنوب»، مطالبين «القوى الدولية القادرة بوضع حدٍّ نهائي لذلك، والأطراف المعنيين جميعاً بالتزام موجبات اتفاق الإطار».

وتوقف البيان عند الانسحاب التدريجي لقوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب، والذي ينتهي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، داعياً إلى إيجاد بديل عنها. وقال المطارنة إنهم «يدعون إلى توافقٍ على قواتٍ دولية أو مُتعدِّدة الجنسيات بديلة منها، تتحلّى بصيغةِ عملٍ حازمة تسمح بإنجاح استرداد لبنان أراضيه حتى الحدود الدولية عبر قواه العسكرية الشرعية».

وفي ملف العدالة، رحب المطارنة بإلغاء عقوبة الإعدام، شرط أن يترافق ذلك مع تشدد في تطبيق القانون وتعزيز هيبة الدولة. وأكدوا أن إلغاء العقوبة يجب أن «يقترن بتشدُّدٍ في فرض هيبة القوانين التي تُرسِّخ الأمن والاستقرار في البلاد، وتحول دون اضطرار المعنيين إلى اللجوء إلى تسوياتٍ كالتي حصلت في قانون العفو العام».


دروز الجولان ينددون بتصريحات الهجري ويطالبون جبل العرب بوضع حدّ لها

جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

دروز الجولان ينددون بتصريحات الهجري ويطالبون جبل العرب بوضع حدّ لها

جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس يوليو 2025 (أ.ف.ب)

قوبلت التصريحات الأخيرة لشيخ العقل في السويداء، حكمت الهجري، بالرفض من قبل نخب سورية من دروز الجولان المحتل، الذين عدوها «تطاولاً على جوهر العقيدة التوحيدية»، بقوله إن الدروز «مشتركون العقيدة مع دولة إسرائيل»، وإنهم «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، مؤكدين أن كلامه «لا يستند على أي حيثية تاريخية، أو أخلاقية، أو وطنية»، مطالبين بصدور موقف مِن أعلى مرجعيات الدروز.

بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 التي احتلت على أثرها إسرائيل هضبة الجولان السورية، بقي سكان بلدات (مجدل شمس، ومسعدة، وبقعاثا، وعين قنيا) السوريين فيها، وهم من أتباع الطائفة الدرزية، ويبلغ عددهم 23 ألف نسمة.

بيان رجال الدين الموحدين الدروز في الجولان السوري المحتل

وأصدرت الهيئة الدينية في تلك القرى الواقعة شمال الهضبة، الاثنين الماضي، بياناً استنكرت فيه تصريحات الهجري التي أطلقها في مقطع مصور نهاية الأسبوع الماضي. وأدان ثلاثة من نخب مجدل شمس في حديث لـ«الشرق الأوسط» تصريحات الشيخ الهجري، وعبروا عن مخاوفهم حيال مصير السويداء، وقلقهم على سوريا الموحدة.

الكاتب والصحافي السوري حسان شمس وهو من سكان الجولان المحتل (الشرق الأوسط)

الكاتب والصحافي حسان شمس، وهو من سكان «مجدل شمس»، يؤكد أن تصريحات الهجري ومشروعه الانفصالي «مرفوضين جملة وتفصيلاً»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن كل المواقف التي اتخذها «لا تستند على أي حيثية تاريخية، ولا أخلاقية، ولا منطقية، ولا وطنية».

ويصف شمس مشروع الهجري بأنه «مشروع دمار لسوريا بشكل عام، ولتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا كدروز»، مشدداً على أنه «لا يحق له المقامرة بمستقبل طائفة جذورها الوطنية ضاربة في عمق التاريخ».

وبرأيه، فإن الهجري بتصريحاته الأخيرة التي لاقت استنكاراً محلياً وإقليمياً «تجاوز المسموح له بكثير، وتطاول حتى على جوهر العقيدة التوحيدية الدرزية، فما قاله بأن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل هو تلفيقات، وهذيان... وعلامة إفلاس، وصرخة استغاثة لا تدل على أن هناك من الإسرائيليين من وعده بأي شيء».

للتذكير، أنه بعد أحداث السويداء في يوليو (تموز) 2025 التي ذهب ضحيتها مئات المسلحين من الفصائل الدرزية المحلية وعناصر الجيش والأمن، والمدنيين، سيطر الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له على أجزاء واسعة من المحافظة، وطالب بحق تقرير المصير لأهالي السويداء، وأعلن سعيه إلى إقامة ما يسميها «دولة باشان» في السويداء بدعم من إسرائيل.

شمس يوضح أن الهجري بنى مشروعه على «تخاريف»، وبالتالي «غير مسموح له بأن يدفّع الطائفة ثمن مواقفه»، مشيراً إلى أنه بغض النظر عن الأحداث التي جرت في السويداء -وهي مستنكرة، ومدانة، ويجب أن يحاسب كل إنسان شارك في هذه «المجازر»- فليس مسموحاً للهجري وغيره أن يحرّف ويشوه تاريخ منطقة، ويقامر بحاضرها، ومستقبلها.

ويذهب شمس أبعد من ذلك، مطالباً بإصدار موقف مِن أعلى مرجعيات الدروز الروحية والزمنية في كل مكان تتبرأ مِنه.

وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه الهجري، حسب شمس، هو اتفاق عمّان الثلاثي الذي أعلن عنه في سبتمبر (أيلول) 2025، وهو رفضه في حينها، «ولكنه حالياً سيقبله مرغماً»، معرباً عن عدم ثقته في أن يكون جزءاً من مرحلة قادمة «لأنه غير مؤتمن»، بحسب تعبيره، معتبراً أن أكثر ما تحتاج إليه السويداء «انتفاضة كرامة على مَن أهدر كرامتها، وطي هذه الصفحة السوداء مِن تاريخها، ومحو لطخة العار التي جسدتها فترة تسيُّد الهجري».

أفراد من الدروز يقفون بالقرب من السياج الحدودي في قرية مجدل شمس بمرتفعات الجولان التي ضمّتها إسرائيل (أ.ف.ب)

د. نزار أيوب -باحث متخصص في القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وقضايا العدالة الانتقالية، وهو من مجدل شمس أيضاً- يرى أن الهجري بتصريحاته تمادى في حشر نفسه في الزاوية، مختطفاً سكان محافظة كاملة من محافظات سوريا، ومعتمداً في ذلك على قمع كل من يبدي معارضة لنهجه المتمثل في إنكار تاريخ السويداء، ودورها الوطني.

ويبيّن أيوب لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات الهجري التي تتملق إسرائيل، وتستجدي حكومتها ليس لها سند في الواقع، ولا في القانون، ولن تكون السويداء ولا درعا ولا الجولان المحتل جزءاً من إسرائيل تحت أي ظرف، لأنها قوة احتلال».

ويلفت إلى أن إسرائيل توظف خطاب الهجري في سياق محادثاتها مع السلطة الانتقالية في دمشق للضغط عليها من أجل الوصول إلى تفاهمات أمنية في جنوب سوريا، ولتحصل على أفضل نتائج ممكنة، لكنها ستتخلى عن الهجري عندما تقتضي مصلحتها ذلك.

يعيد أيوب إلى الأذهان أن سياسة إسرائيل تجاه الدروز العرب -وبينهم دروز الجولان المحتل- تقوم على الاستغلال، إذ تنتهج منذ إقامتها سياسة فرق تسد في تعاملها مع العرب الفلسطينيين، وسكان دول المحيط العربي، ومن ضمنهم الموحدون الدروز.

ويصف أيوب «دولة باشان» التي رفع الهجري رايتها بأنها «وهم مطلق، فالمجتمع الدولي والمحيط العربي مع الإبقاء على وحدة سوريا، وضد تقسيمها إلى كيانات».

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

منذ سيطرة الهجري على المناطق الواقعة تحت نفوذه في السويداء لم يحقق أياً من الوعود التي أطلقها للأهالي، ويزداد سوء الأوضاع فيها بشكل يومي على كافة الصعد، وسط تساؤلات: إلى أين يسير الهجري بالسويداء.

أيوب يرى أن الهجري لا يستطيع الذهاب بالسويداء إلى أي مكان، حيث هنالك توافق وطني بين الوطنيين السوريين، ومن ضمنهم سكان السويداء، على وحدة سوريا، وسلامتها الإقليمية، وسيادتها على كامل أراضيها، ومن ضمنها الجولان المحتل، موضحاً أن إسرائيل لن تقبل بضم أي من سكان محافظات جنوب سوريا تحت أي ظرف، فعقيدتها تقوم على التوسع الاستيطاني الاحتلالي، والسيطرة على أراضي الغير بعد تهجير سكانها الأصليين.

وفي أحسن الأحوال، وفي حال بقيت إسرائيل تسيطر على مناطق في جنوب سوريا، فإنها ستقيم جيشاً من المرتزقة يساعدها على حماية الجبهة الشمالية، حسب أيوب الذي يوضح أنه في حالة سوريا، هنالك اعتراف دولي واسع بالسلطة الانتقالية السورية، وتوافق دولي واضح حول وحدة سوريا، وسيادتها على أراضيها، وتصريحات الهجري هي بمثابة حلم غير قابل للتحقيق تحت أي ظرف كان.

ظاهرة شاذة يجب وضع حد لها

الكاتب والباحث السوري د. ثائر كنج أبو صالح -من أهالي مجدل شمس- يذهب إلى ما ذهب إليه شمس، وأيوب، برفض تصريحات الهجري، ومشروعه.

ويعتبر أبو صالح لـ«الشرق الأوسط» أن تصريحات الهجري الأخيرة «تنم عن جهل فاضح بالتاريخ، والعقيدة، ويبدو أنه وبحكم اغترابه لسنوات طويلة يجهل تاريخ وعقيدة الدروز، ويظنها صفقة من صفقاته يستطيع أن يشكلها كما شاء لتخدم أغراضه، ومصالحه، ولذلك نحن ندين ونستنكر كلامه، ونعتبره ظاهرة شاذة يجب على أهل جبل العرب وضع حد لها بأسرع وقت».

مؤتمر بمبادرة «الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل» في بيت جن بالجليل الأعلى (مواقع عربية في إسرائيل)

ويوضح: «نعيش تحت الاحتلال منذ ما يقرب من الستين عاماً، ونعرف إسرائيل، وسياساتها، وما تضمره، وتخطط له، فهي تسعى لاستعمال الورقة الدرزية في سوريا للإبقاء على البلاد ضعيفة، وغير قادرة على النهوض...»، معرباً عن اعتقاده بأن الهجري «فقد البوصلة، ولا يعرف إلى أين يأخذ أهل السويداء تحت تهديد السلاح، وأصبح غير قادر على التراجع».

كما أعرب أبو صالح عن اعتقاده بأن السلطة في دمشق «تتحمل المسؤولية الأولى إلى ما آلت إليه الأحوال في السويداء، وهي التي يجب أن تجترح الحلول للخروج من الأزمة».