إغلاق المؤسسات المسيحية في القدس وسط اعتداءات المستوطنين

عشية الذكرى العبرية لاحتلال المدينة

يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
TT

إغلاق المؤسسات المسيحية في القدس وسط اعتداءات المستوطنين

يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)

عشية الذكرى العبرية لاحتلال القدس، شهدت المدينة المقدسة، اليوم (الخميس)، سلسلة اعتداءات استيطانية عنيفة، مدعومة من الشرطة الإسرائيلية، شملت اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى المبارك، واعتداءات على الحي الإسلامي في البلدة القديمة، وفرض أشبه بحظر التجول في حي النصارى، قرب باب الخليل، وإقامة حلقات رقص هستيرية بأعلام إسرائيل.

وقال شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» إن رجال الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود وقوات المخابرات احتلوا البلدة القديمة داخل الأسوار وخارجها من جديد، وأغرقوا المكان بالأعلام الإسرائيلية في مظاهرة استعراض عضلات، تبين كم هي فاقدة الثقة بسيطرتها. ومع أن قيادة الشرطة أعلنت أنها ستفرض النظام بالقوة وتمنع العنف، فقد هاجم عدد كبير من المستوطنين كل من صادفوه في طريقهم وكسروا عدداً من واجهات المحلات التجارية الفلسطينية. وعندما حاول مواطنون التصدي لهم، استلوا العصي التي حملوها وراحوا يعتدون بالضرب، وسط عدم اكتراث من رجال الشرطة، الذين راقبوا المكان بقواتهم على الأرض وعشرات الحواجز العسكرية في مداخل المدينة وبالكاميرات المنصوبة في كل قرنة وزقاق. واعتدوا على مجموعة من أنصار السلام اليهود الذين حضروا للتضامن مع الفلسطينيين والمشاركة في صدّ الاعتداءات.

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

ويقوم المستوطنون الإسرائيليون، تحت غطاء كامل من الحكومة، بما يعرف بـ«مسيرة الرقص بالأعلام (الإسرائيلية)»، في الذكرى السنوية لاحتلال القدس الشرقية (بحسب التقويم العبري)، بمشاركة عشرات الآلاف. وبسبب الاعتداءات «التقليدية»، حاول الفلسطينيون تفادي الصدام. فقررت جميع المؤسسات المسيحية إغلاق أبوابها ومتاجرها، وأغلق سائر الفلسطينيين في الحي الإسلامي متاجرهم، كما أصدرت سلطات الاحتلال بلاغات لتجار البلدة القديمة ومحيطها، تطالبهم بإغلاق محالهم التجارية عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، تزامناً مع مرور مسيرة الأعلام. لكن هذا لم يحمهم من الاعتداءات.

وقد تدفق نحو ألف مستوطن منهم إلى المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة، وأدّوا الطقوس والصلوات داخل باحاته، وذلك تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال. وذكرت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن المستوطنين أدّوا شعائر وطقوساً تملودية، بينها ما وصف بـ«السجود الملحمي»، في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، وتحديداً في محيط باب الرحمة. كما أشارت إلى أن عضو الكنيست، أرييل كيلنر، شارك في قيادة مجموعات المقتحمين خلال الاقتحام الصباحي.

شرطيتان إسرائيليتان تحتجزان امرأة في القدس القديمة الخميس (رويترز)

وبالمقابل، فرضت شرطة الاحتلال قيوداً مشددة على دخول المسلمين الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، من خلال التفتيش الدقيق واحتجاز الهويات على البوابات الخارجية، ما يحدّ من حرية الوصول إلى المسجد في هذه الفترة. كما فرضت الشرطة إجراءات مشددة تمنع بموجبها دخول الرجال دون سن 60 عاماً، والنساء دون 50 عاماً، منذ صلاة الفجر، إلى جانب اعتداءات بالضرب والدفع على عدد من المصلين عند بوابات المسجد.

كما أُجبر المصلون وموظفو الأوقاف وطلاب المدرسة الشرعية على المكوث داخل المصليات المغلقة فقط، ومنعهم من البقاء في ساحات المسجد، ما أدى إلى تقليص أعداد الموجودين إلى نحو 150 شخصاً، مقابل دخول أكثر من 200 مستوطن خلال الساعة الأولى من الاقتحام. وأفادت دائرة الأوقاف الإسلامية بأن 620 مستوطناً و78 طالباً يهودياً اقتحموا ساحات المسجد الأقصى، صباح اليوم، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.

شبان يهود يتجمعون في القدس القديمة الخميس (د.ب.أ)

يذكر أنه في نهاية عام 2024، بلغ عدد السكان العرب في القدس نحو 400 ألف نسمة، أي ما يعادل نسبة 40 في المائة من عموم سكان المدينة، ونحو 70 في المائة من سكان المدينة الشرقية المحتلة. وبحسب إحصائيات إسرائيلية رسمية، فإن 60 في المائة من الفلسطينيين في المدينة يعيشون دون خط الفقر (مقابل 39 في المائة في أوساط المواطنين العرب في إسرائيل). وأكثر من 90 في المائة منهم ينتمون إلى الشريحة الاجتماعية والاقتصادية الأولى، في أسفل الهرم. وهم يعانون من مخططات إهمال في جميع مجالات الحياة، ضمن السعي إلى ترحيلهم.

وأقيمت في المدينة 14 حياً استيطانياً يهودياً. لكن في السنوات الأخيرة تقوم ميليشيات يهودية استيطانية بتنفيذ اعتداءات عنيفة بغطاء من الشرطة وحرس الحدود، بشكل منهجي على مدار اليوم. وبحسب البروفسور يسكا هراني، وهي باحثة في شؤون المدينة، فإن الشرطة سجّلت 181 اعتداء على مسيحيين من هؤلاء المستوطنين خلال السنة المنصرمة، عدا الاعتداءات التي يتعرض لها رجال الدين المسيحيون، والراهبات بشكل خاص.


مقالات ذات صلة

تسجيل الأراضي بالقدس الشرقية «أداة» إسرائيلية لطرد الفلسطينيين

المشرق العربي عامل فلسطيني يستخدم مطرقة ثقيلة لهدم متجره قبل وصول فريق هدم تابع للجيش الإسرائيلي في بلدة العيزرية الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية المتاخمة للقدس الشرقية (أ.ف.ب)

تسجيل الأراضي بالقدس الشرقية «أداة» إسرائيلية لطرد الفلسطينيين

أظهرت النتائج الأولية لإجراءات تسجيل الأراضي في القدس الشرقية المحتلة «تصعيداً خطيراً» يهدف إلى تمكين إسرائيل من الاستحواذ على مزيد من الأراضي.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطيني يمرّ بجوار سياج من الأعلام الإسرائيلية نصبه مستوطنون بعد استيلائهم على محطة قطار تعود إلى العصر العثماني في قرية برقة شمال الضفة فبراير الماضي (أ.ف.ب) p-circle

سياسة الضم الإسرائيلية في القدس باتت أداة تهجير للفلسطينيين

كشف تقرير جديد لرصد «مخططات تهويد القدس» أن سياسة الضم الإسرائيلية في محيط القدس شهدت تحولاً جوهرياً خلال السنوات الأخيرة عبر عملية منهجية لتهجير الفلسطينيين.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي حجاج مسيحيون يزورون العلية في القدس في 1 مايو 2026 أثناء مرورهم بالموقع الذي تعرضت فيه راهبة لهجوم من قبل رجل يوم الأربعاء الماضي (أ.ب) p-circle

مسيحيو القدس بين الخوف والتحدي بعد اعتداء متطرف يهودي على راهبة

يعيش مسيحيو القدس بين الخوف والتحدي من أجل البقاء بعد اعتداءات استهدفتهم آخرها لمتطرف يهودي على راهبة فرنسية في القدس.

«الشرق الأوسط» (القدس)
شؤون إقليمية راهبة تمر بالقرب من البلدة القديمة في القدس (إ.ب.أ) p-circle

الشرطة الإسرائيلية تعتقل رجلاً بعد الاعتداء على راهبة في القدس

قالت الشرطة الإسرائيلية، اليوم الجمعة، إنها ألقت القبض على رجل (36 عاماً) تم التقاط مقطع مصور له وهو يهاجم راهبة.

«الشرق الأوسط» ( رام الله)
الخليج أكدت 8 دول أن تصرفات إسرائيل في المسجد الأقصى تمثل استفزازاً غير مقبول للمسلمين في أنحاء العالم (أ.ف.ب)

إدانة عربية إسلامية لانتهاكات إسرائيل المتكررة في القدس

أدانت السعودية والأردن والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان ومصر وتركيا انتهاكات إسرائيل المتكررة للوضع التاريخي والقانوني في المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أسطول جديد لكسر الحصار على غزة يبحر من تركيا

سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)
سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)
TT

أسطول جديد لكسر الحصار على غزة يبحر من تركيا

سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)
سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)

أبحرت عشرات السفن من جنوب غربي تركيا، الخميس، ضِمن أسطول لإيصال مساعدات إلى قطاع غزة المدمَّر الذي تُحاصره إسرائيل، وفق ما أفاد أحد المنظمين «وكالة الصحافة الفرنسية».

قال غوركيم دورو، عضو فرع تركيا في «أسطول الصمود العالمي»، إن «نحو 50 سفينة أبحرت من مرمريس قبل نحو ساعة». وأضاف: «ستنضم إليها أربع أو خمس سفن من تحالف أسطول الحرية في المياه الدولية. وهي الآن تبحر إلى غزة».

وهذا الأسطول هو الثالث من نوعه في غضون عام لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة الذي يعاني نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

واعترضت القوات الإسرائيلية الأسطول الثاني في المياه الدولية قبالة اليونان، في 30 أبريل (نيسان) الماضي، واقتادت معظم الناشطين إلى جزيرة كريت، لكنها اعتقلت اثنين منهم واحتجزتهما لمدة عشرة أيام.

وقالت منظمات حقوقية إن اعتقال تياغو أفيلا وسيف أبو كشك غير قانوني وأنهما تعرضا لسوء المعاملة أثناء احتجازهما في إسرائيل.

من جهتها، نفت السلطات الإسرائيلية إساءة معاملة الناشطين اللذين لم توجه أي اتهامات رسمية لهما.


إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان قبل «تحييد» «حزب الله»

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان قبل «تحييد» «حزب الله»

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)

رفضت إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة قبل القضاء بصورة تامة على القدرات العسكرية لـ«حزب الله» وتأمين حدودها الشمالية، رداً على طلب لبنان خلال الجولة الثالثة من المفاوضات التي شهدتها واشنطن العاصمة بضيافة وزارة الخارجية.

وعقدت الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بضيافة وزارة الخارجية الأميركية التي تمثلت بمستشارها الرفيع مايك نيدهام والسفيرين الأميركيين في لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي. ولم يشارك وزير الخارجية ماركو روبيو بسبب وجوده مع الرئيس دونالد ترمب في الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)

وترأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم ترافقه السفيرة في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونائب السفيرة وسام بطرس والملحق العسكري أوليفر حاكمة. ومَثّل الجانب الإسرائيلي نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري رزنيك والسفير في واشنطن يحيئيل ليتر.

تمديد وقف إطلاق النار

وعرض المفاوضون في الاجتماع لتمديد الوقف الراهن لإطلاق النار الذي تنتهي مفاعيله الأحد المقبل، مع تشديد المفاوضين اللبنانيين على «أهمية التزامه بصورة كاملة» من كل من إسرائيل و«حزب الله». لكن المفاوضين الإسرائيليين يؤكدون أنهم يتصرفون عسكرياً لمواجهة تهديدات الحزب الموالي لإيران.

ولا يزال الوسطاء الأميركيون عند موقفهم من أن إسرائيل «يحق لها أن تدافع عن نفسها» بموجب اتفاق وقف الأعمال العدائية مع لبنان في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وما تلاه من تفاهمات لاحقة بين اللبنانيين والإسرائيليين. ويتوقع أن يتخذ الوسطاء الأميركيون خلال الساعات المقبلة قراراً في شأن تمديد وقف العمليات العدائية.

السفير الإسرائيلي

واعتبر السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر أن الجولة الثالثة من المحادثات «تمثل تحولاً» عن الجلستين السابقتين اللتين ركزتا على الانسحابات العسكرية الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، لأنه صار «مفهوماً» أن وجود الجيش الإسرائيلي إنما هو رد مباشر على ترسانة «حزب الله»، مؤكداً أن المناقشات مع مفاوضيه اللبنانيين تجاوزت مرحلة وضع المعايير الأولية للمحادثات، وأنها صارت تعتبر مفاوضات مباشرة لوضع إطار عمل فريد ذي مسارين، هدفه التوصل إلى معاهدة سلام رسمية وتفكيك الحزب الموالي لإيران «بشكل كامل».

وكان ليتر يتحدث مع وسائل إعلام خلال مناسبة في السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة، إذ قال: «يدرك الجميع اليوم أن وجودنا في لبنان نابع من وجود (حزب الله)، فهو مسلح حتى النخاع، ويرغب في إطلاق صواريخ على مدننا وبلداتنا وقرانا». وأضاف: «لن نسمح بحدوث ذلك بعد الآن».

وأمل ليتر في أن «ننتقل إلى وضع إطار عمل لفريقين»، الأول «سيتولى مهمة تحقيق السلام، أي معاهدة سلام شاملة، كما لو أن (حزب الله) لم يعد موجوداً»، موضحاً أن التركيز الآن هو على «التوصل إلى معاهدة سلام، كما لو لم يكن هناك (حزب الله)، ومحاربة (حزب الله) كما لو لم تكن هناك معاهدة سلام. وأعتقد أننا سنحقق كلا الأمرين».

صمت لبناني

وكان لافتاً استباق ليتر للجولة الثالثة بتأكيده أنه لا يمكن تحقيق انفراجة دبلوماسية ما لم تحصل عملية تحييد القدرات العسكرية لـ«حزب الله». وقال: «لن نتمكن من تنفيذ اتفاقية السلام التي سنوقعها ما لم ينفذ المسار الثاني، وهو تفكيك (حزب الله)». واعتبر أن «المصلحة المشتركة في تحرير لبنان من (حزب الله) هي التي ستنتصر في نهاية المطاف».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

وكذلك أكد أن إسرائيل «ليس لديها خطط فورية للانسحاب»، علماً بأنه «ليس لدينا أي مطامع في الأراضي اللبنانية». وعبّر عن تفاؤل حذر حيال إيجاد «شريك حقيقي» للسلام عند اللبنانيين، مستشهداً باستطلاعات تشير إلى تحول ملحوظ في الرأي العام اللبناني، حتى بين الشيعة. وإذ ادعى أن «الشيعة، الذين كانوا يؤيدون اتفاق السلام مع إسرائيل بنسبة تراوح بين 5 و10 في المائة فقط، صاروا الآن يعارضون (حزب الله) بنسبة تراوح بين 40 و50 في المائة». ومع ذلك، أقر بأن «هذه عملية لن تكون سهلة، لأننا عملنا على مدى 30 أو 40 عاماً بطريقة مختلفة»، علماً بأن «اللبنانيين مترددون للغاية في المضي قدماً، على رغم رغبتهم الشديدة في طرد (حزب الله) مثلنا تماماً».


بري يترك كلمة الفصل للنتائج في ملف المفاوضات مع إسرائيل

نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)
نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

بري يترك كلمة الفصل للنتائج في ملف المفاوضات مع إسرائيل

نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)
نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

استبق «حزب الله» انطلاق المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن برعاية أميركية بإعلان تبرئه من أي اتفاق يمكن التوصل إليه. ويكمن البديل، من وجهة نظره، برهانه على الاتفاق الإيراني - الأميركي واضعاً أوراقه في سلة طهران، برغم أن لا شيء نهائياً حتى الساعة، وهو يتأرجح تحت ضغط تبادل الشروط بينهما، ويتعامل مع هذا المسار على أنه يكاد يكون الأقوى لإيقاف العدوان الإسرائيلي، داعياً إلى خيار المفاوضات غير المباشرة والانسحاب من المباشرة التي تشكل، كما قال أمينه العام نعيم قاسم في بيانه الأخير، أرباحاً خالصة لإسرائيل، وتنازلات مجانية من السلطة اللبنانية.

فقاسم برفضه المفاوضات المباشرة، فاته الإجابة على سؤال غالبية اللبنانيين ما إذا كان لدى بلدهم القدرة على الصبر في حال طال أمد المفاوضات غير المباشرة برعاية باكستانية وتخلله تبادل الشروط بين واشنطن وطهران، التي توجّه إليها بالشكر سلفاً على اهتمامها بلبنان وشعبه؟ وهل يتحمل الجنوب إصراره على شراء الوقت إفساحاً في المجال أمام التوصل لاتفاق يبدو أن ظروفه ليست ناضجة حتى الساعة.

إيداع أوراق «حزب الله» بيد طهران

وفي هذا السياق، رأى مصدر وزاري أن ما أورده قاسم في بيانه الأخير لا يحمل جديداً، وكان سباقاً لإيداع أوراقه بلا أي تحفظ بعهدة إيران بدلاً من وضعها بتصرف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لتقوية الموقف اللبناني في المفاوضات، خصوصاً أنه يشترط ذلك أساساً لبدئها تثبيت وقف النار، وتمسكه بالثوابت الوطنية التي ضمّنها قاسم في بيانه، ولا أظن أنها تشكل نقطة خلاف بين القوى السياسية، وتكاد تكون جامعة وتحظى بتأييد اللبنانيين بمن فيهم «الثنائي الشيعي» المكون من «حزب الله» وحركة «أمل» بقيادة رئيسها رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

قنابل مضيئة أطلقتها المدفعية الإسرائيلية باتجاه بلدة أرنون في جنوب لبنان (رويترز)

وسأل المصدر الوزاري قاسم عن الأسباب التي تملي عليه رفضه التموضع خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي؟ وهل لم يحن الوقت لإعطاء الفريق اللبناني المفاوض فرصة لعله يتوصل لاتفاق مع إسرائيل وبعدها لكل حادث حديث؟ وقال لـ«الشرق الأوسط» إن لا مصلحة لـ«حزب الله» بحرق المراحل وإصداره الأحكام المسبقة على النيات قبل بدء المفاوضات لتبيان الخيط الأبيض من الأسود، ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه مع إصرار إسرائيل على تبرير عبورها لبلدتي زوطر الغربية والشرقية بذريعة إلحاقهما بجنوب الليطاني ومعهما بلدات أرنون ويحمر وكفرتبنيت، وهذا ما طالبت به لدى تثبيت الحدود الجغرافية لمنطقة جنوب نهر الليطاني وقوبل برفض لبناني، باعتبار أن جميعها تقع في شمال النهر وليست مشمولة بما نص عليه اتفاق وقف الأعمال العدائية في منطقة العمليات المشتركة التي تقضي بنشر الجيش بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في البقعة الممتدة من جنوبه حتى الحدود الدولية مع إسرائيل.

وتوقف أمام موقف بري، وقال إنه وإن كان لا يؤيد المفاوضات المباشرة فهو في المقابل يتصرف بواقعية ويمتنع عن إطلاق النار، بالمفهوم السياسي للكلمة، على الوفد المفاوض، وتبقى «كلمة الفصل» لديه على النتائج، شرط أن تحفظ الحقوق المشروعة للبنان وسيادته على أرضه، وهذا يكمن وراء إصراره على تثبيت وقف النار، لدى اجتماعه بالسفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، قبل توجهه إلى واشنطن للالتحاق بالوفد الأميركي الذي يرعى المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، ونقل عنه زواره قوله أمامه: «أعطونا وقف النار والباقي علينا».

تمايز بري عن «حزب الله»

فبري وإن كان يلتقي، بحسب المصدر، مع حليفه «حزب الله» برفضه المفاوضات المباشرة، فهو يتمايز عنه بعدم استباق نتائجها، وهذا ما ينسحب أيضاً على نواب كتلته النيابية، خلافاً لزملائهم النواب في كتلة «الوفاء للمقاومة» (حزب الله)، الذين أفرغوا ما في جعبتهم من تهديدات لرئيسي الجمهورية جوزيف وعون والحكومة نواف سلام، يغلب عليها طابع التخوين.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (رئاسة البرلمان)

ولفت المصدر الوزاري إلى أن «حزب الله» يتصرف، برفضه المفاوضات، وكأنه في الموقع الذي يتيح له فرض شروطه متسلحاً بالوعد الذي قطعه لقيادته عضو الوفد الإيراني المفاوض، وزير الخارجية عباس عراقجي، بأن لبنان مشمول بالاتفاق ولن نتخلى عنه. وقال إن «الثنائي الشيعي»، وإن كانت عينه مشدودة إلى إسلام آباد التي تستضيف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، يتصرف سلفاً بأن نتائجها مضمونة بشمولها لبنان، برغم أن بري وإن كان يواكب المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بحذر ويقاربها عن كثب بانتظار نتائجها، فهو في المقابل لن يكون منزعجاً إذا بقيت تحت سقف التمسك بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها.

واستغرب المصدر إصرار «حزب الله» على أن تحظى المفاوضات المباشرة بإجماع وطني، فيما تفرّد هو بإسناد غزة وإيران من دون عودته إلى الدولة، وهو يحمّلها الآن وزر ما حلّ بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية، امتداداً إلى البقاع، من نكبات وكوارث حوّلت الجنوب أرضاً محروقة لا يصلح العيش فيها وتكاد تخلو من سكانها بإصرار إسرائيل على إنذار المقيمين في البلدات الواقعة في شمال النهر على إخلائها.

ودعا «حزب الله» للتواضع، ولو مرحلياً، والكف عن اتباعه سياسة المكابرة والإنكار، والتفاته إلى مراجعة حساباته بدلاً من إقحام الجنوب بمزايدات شعبوية لا تُصرف سياسياً لتأمين عودة النازحين إلى قراهم. وقال إن قيادته تتباهى بما أحاطها به الوزير عراقجي من تطمينات، وهذا ما أبلغته طهران، على حد قول مصدر سياسي يدور في فلك الحزب، للدولة المضيفة؛ أي باكستان، وللدول المعنية بعودة الاستقرار إلى لبنان وخفض منسوب التوتر في المنطقة بالتوصل لاتفاق يشمل إيران.

رد «حزب الله» على التفاوض

وأكد المصدر نفسه أن بيان قاسم هو بمثابة رده المباشر على ما يمكن أن يتوصل إليه لبنان مع إسرائيل. وقال إن قيادة الحزب تثق بلا تردد بما تبلغته من عراقجي وترفض أن تتحضر منذ الآن للمرحلة السياسية، في حال تأخر الاتفاق مع الولايات المتحدة، وهذا يتطلب منها الحفاظ على قنوات التواصل مع عون، وامتناعها عن وضع كل أوراقها في السلة الإيرانية على نحو لا يسمح لها بتدوير الزوايا لتحتفظ لنفسها بخط العودة عن رهانها على الاتفاق الإيراني - الأميركي.

ولفت إلى أن قاسم في بيانه الأخير سعى لرسم الخطوط الحمر التي يتمسك بها في حال تم التوصل إلى اتفاق لبناني - إسرائيلي تحت سقف إنهاء حالة الحرب بين البلدين. وقال إنه استبق النتائج منذ الآن بإعلانه عدم موافقته على تسليم سلاحه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، مشترطاً أن يأتي تسليمه في إطار التوصل لاستراتيجية أمن وطني للبنان؛ استناداً لما تعهد به عون في خطاب القسم.

خيارات «حزب الله»

وشدد على أن الحزب ليس في وارد إخلاء شمال النهر الذي تصر عليه إسرائيل، بحسب قول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، وإلا لم تكن لتبادر للعبور إلى بلدتي زوطر الشرقية والغربية واعتبارهما جزءاً من الليطاني لمنع الحزب، في حال عدم التوصل لاتفاق قاعدته وقف النار، من استخدامهما ومعهما البلدات المجاورة كونها منصة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية.

فالدبلوماسي الغربي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، يرى أن لا خيار للحزب سوى وقوفه خلف الوفد المفاوض، طالما أنه يتفق وعون على الثوابت الوطنية التي حددها قاسم في بيانه، وأن عامل الوقت لن يكون لمصلحته بربط موافقته بالاتفاق الإيراني - الأميركي، وهو يدرك سلفاً أن واشنطن تأخذ بوجهة نظر لبنان الرسمي بفصل المسار اللبناني عن الإيراني وعدم ربطهما؛ لأن الانتظار سيرفع من منسوب الخسائر المترتبة على تمادي إسرائيل بتجريفها للقرى وتدميرها الممنهج للمنازل وطلبها من سكان شمال النهر، أسوة بجنوبه، بإخلاء قراهم. وسأل من قال إن واشنطن مستعدة لأن تعيد الاعتبار للنفوذ الإيراني في لبنان، وتوافق على ربط الاتفاق اللبناني بنظيره الإيراني، مع أن كليهما، أي واشنطن وطهران، بحاجة للتوصل عاجلاً وليس آجلاً لاتفاق على إعادة رسم المنطقة بخريطة سياسية جديدة؟