توافق فرنسي - سوري على «تعميق العلاقات الثنائية ودعم استقرار سوريا»

عشاء عمل في باريس بين وزير الخارجية الفرنسي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية السورية)
عشاء عمل في باريس بين وزير الخارجية الفرنسي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية السورية)
TT

توافق فرنسي - سوري على «تعميق العلاقات الثنائية ودعم استقرار سوريا»

عشاء عمل في باريس بين وزير الخارجية الفرنسي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية السورية)
عشاء عمل في باريس بين وزير الخارجية الفرنسي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية السورية)

كثيرة هي الملفات التي بحثها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو في اجتماعهما، مساء الاثنين، في إطار عشاء عمل بمقر وزارة الخارجية الفرنسية، وذلك بمناسبة تواجد الشيباني ووفده المرافق في باريس لاجتماع خامس مع وفد إسرائيلي ومشاركة أميركية.

وبينما اكتفت الخارجية السورية ببيان مقتضب جاء فيه أن الجانبين بحثا في إطار القضايا «ذات الاهتمام المشترك»، سبل تعزيز الشراكات الاستراتيجية واستعداد فرنسا لعودة شركاتها للعمل في سوريا، فإن الخارجية الفرنسية أصدرت بياناً موسعاً يعكس تقييم باريس للاجتماع. وجاء في البيان أن الاجتماع وفّر الفرصة «لتعميق العلاقات الثنائية دعماً لاستقرار سوريا الجديدة».

لقاء وزير الخارجية أسعد الشيباني مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو في العاصمة الفرنسية باريس يوم الاثنين (الخارجية السورية)

تجدر الإشارة إلى أن باريس التزمت موقفاً إيجابياً إزاء السلطات الانتقالية الجديدة في دمشق، وكان الرئيس إيمانويل ماكرون أول زعيم أوروبي يستقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الإليزيه في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

وتتمثل الرسالة الفرنسية الثانية في التعبير عن ارتياح باريس لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش». وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي فرنسي إن باريس لعبت دوراً في تشجيع السلطات السورية للانضمام إلى التحالف المذكور، حيث تُعد محاربة الإرهاب أحد المحاور الرئيسية للعلاقات الفرنسية - السورية الراهنة.

القوات الجوية البريطانية تجهز طائرات تايفون شاركت بالهجوم على «داعش» في سوريا بالاشتراك مع القوات الفرنسية (إ.ب.أ)

يشار إلى أن فرنسا وبريطانيا نفذتا يوم 3 يناير (كانون الثاني) عملية جوية مشتركة ضد أحد مقرات «داعش» في وسط سوريا «بالتنسيق مع سلطات المرحلة الانتقالية».

أما الملف الآخر الذي يشغل فرنسا فيتناول الوضع الداخلي في سوريا من زاوية تمسكها بقيام بنى حكومية تفسح المجال لجميع مكونات الشعب السوري بأن تكون ممثلة فيها، وذلك بالتوازي مع حرصها على «كشف الحقيقة كاملة بشأن الانتهاكات التي استهدفت المدنيين والتي وقعت على الساحل وفي السويداء خلال شهري مارس (آذار) ويوليو (تموز) الماضيين». وبكلام آخر، فإن باريس حريصة على مبدأ عدم الإفلات من العقاب بالنسبة لكل مرتكب للجرائم مع تأكيد الوزير بارو «لعملية انتقالية تحترم جميع مكونات المجتمع السوري».

أما في الجانب الاقتصادي، فإن فرنسا، وفق ما جاء في بيان الخارجية، «عازمة على الإسهام في تعافي سوريا اقتصادياً وتنميتها». من هنا، جاء ترحيبها برفع الولايات المتحدة للعقوبات التي كانت مفروضة عليها في إطار «قانون قيصر». ومن الناحية العملية، أبدى الوزير الفرنسي استعداد بلاده «لمواكبة عودة الشركات الفرنسية إلى سوريا».

وترتدي الفقرة الأخيرة من البيان الفرنسي أهمية خاصة؛ إذ تتناول الجوانب الأمنية بما فيها العمليات المتواصلة التي تقوم بها إسرائيل في سوريا. وجاء في البيان أن الوزيرين «شددا على أهمية العمل من أجل إعادة ترسيخ سوريا مستقرة وموحّدة وذات سيادة، كما تطرقا إلى ضرورة التوصل إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل في جنوب سوريا. كذلك ناقشا تقدّم المفاوضات بين السلطات الانتقالية و(قوات سوريا الديمقراطية) بهدف التنفيذ الكامل لاتفاق 10 مارس 2025».

ويعكس البيان الفرنسي المحاور الأربعة التي ترتكز إليها العلاقات الفرنسية - السورية كما شرحتها مصادر في باريس. ويمثل المحور الأمني، من بينها، أولى الأولويات لأنه يتناول في المقام الأول محاربة الإرهاب الداعشي وحرص فرنسا، كما الولايات المتحدة ودول غربية وإقليمية، على محاربته بالتعاون والتنسيق مع السلطات السورية.

ويندرج في المحور الأمني، إلى جانب محاربة الإرهاب، حرص باريس على تخلص سوريا من الأسلحة الكيماوية، ووضع حد لعمليات التهريب إن للسلاح أو للمخدرات. ووفق باريس، فإن المبدأ الأول الذي يحكم رؤية باريس يقوم على اعتبار أن سوريا لا يجب أن تكون مصدر تهديد لاستقرار وأمن أحد، كما أنه لا يتعين لأحد أن يتسبب في ضرب استقرار وأمن سوريا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو الماضي (أ.ب)

ويتمثل العنوان الثاني بتمسك باريس بدعم السلطات الانتقالية. وتضع باريس دعوة الشرع للقاء رئيس الجمهورية في باب إسباغ الشرعية عليه. وبشكل عام ورغم عدد من المآخذ على أداء السلطات الانتقالية، فإن نظرة باريس لتطور الأوضاع في سوريا إيجابية.

من هنا، أتى تشديدها على ضرورة إحقاق العدالة ورفض التفلت من المساءلة مهما تكن الجهات المسؤولة عن الجرائم التي ارتُكبت. ودأبت باريس على تشجيع السلطات في دمشق على السير في هذا الاتجاه.

وتريد باريس، في المقام الثالث، توفير المساعدة لسوريا حيث ذلك أمر ممكن. وفي هذا السياق تدفع باريس باتجاه ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا كما تدعم الجهود الأميركية من أجل إبرام اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.

أما في الداخل، فإن باريس تحرص على تحقيق التفاهم والتعاون بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» التي دعمتها طيلة السنوات الماضية. وهي حريصة على أن ينفذ الطرفان بشكل كامل اتفاق 10 مارس الماضي. وأخيراً، فإن باريس تريد أن تلعب دوراً في إنهاض الاقتصاد السوري والمساعدة في عملية إعادة الإعمار التي لم تنطلق عملياً بعد، وتشجيع الشركات الفرنسية على المشاركة فيها ودعم المجتمع المدني والقطاعين التربوي والثقافي، فضلاً عن الدعم الإنساني.


مقالات ذات صلة

لبنان: أول مذكرة توقيف بتهم تعذيب وقتل في سوريا

المشرق العربي صورة تُظهر قصر عدل بيروت (متداول)

لبنان: أول مذكرة توقيف بتهم تعذيب وقتل في سوريا

خضع اللواء السابق في الجيش السوري عادل عيسى لجلسة استجواب أمام النائب العام التمييزي في لبنان القاضي أحمد رامي الحاج، على خلفية الاتهامات التي يلاحق بموجبها.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ضابط من عهد الأسد يعود «حراً» إلى سوريا بعد إدانته في النمسا

«هروب المقدم مصعب أبو ركبة بعد صدور الحكم بحقه وإدانته بجرائم التعذيب والإكراه الجنسي والإيذاء الجسدي الشديد، يظهر تقصير السلطات النمساوية بتقدير خطورته».

«الشرق الأوسط» (دمشق) «الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
المشرق العربي صورة عامة لمدينة دمشق من جبل قاسيون... 7 يناير 2025 (رويترز)

تقرير: ضابط من عهد الأسد يعود «حراً» إلى سوريا بعد إدانته في النمسا

أفادت مصادر بأنَّ ضابط أمن سورياً سابقاً، صدرت بحقه عقوبة بالسجن في النمسا بتهمة إساءة معاملة معتقلين إبان حكم الأسد، غادر النمسا وعاد إلى سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مدخل مبنى «الجهاز المركزي للرقابة المالية» (المكتب الإعلامي في الجهاز)

رئيس «جهاز الرقابة المالية» السوري لـ«الشرق الأوسط»: الفساد تراجع ونعمل وفق خطط آنية واستراتيجية تقلص العنصر البشري

حجم الفساد المورث من النظام السابق، كبير جداً، وتكوّن بشكل تراكمي على مدى 54 عاماً، منذ عهد حافظ الأسد واستمر في عهد ابنه بشار

المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع يستقبل اليوم الخميس في قصر الشعب بدمشق رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد المرافق له

الشرع يستقبل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، في قصر الشعب بدمشق، رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لبنان: أول مذكرة توقيف بتهم تعذيب وقتل في سوريا

صورة تُظهر قصر عدل بيروت (متداول)
صورة تُظهر قصر عدل بيروت (متداول)
TT

لبنان: أول مذكرة توقيف بتهم تعذيب وقتل في سوريا

صورة تُظهر قصر عدل بيروت (متداول)
صورة تُظهر قصر عدل بيروت (متداول)

في سابقة هي الأولى من نوعها، أصدر النائب العام التمييزي في لبنان القاضي أحمد رامي الحاج، مذكرة توقيف بحق اللواء السابق في الجيش السوري عادل عيسى، على خلفية الاتهامات التي يلاحق بموجبها في سوريا؛ ومنها «ارتكاب مجازر وجرائم قتل وتعذيب طالت مدنيين سوريين»، وبناء على ملفّ طلب استرداده الوارد من السلطات السورية، في وقت دخل فيه الملف مرحلة حاسمة تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن تسليمه إلى دمشق، أو إبقائه قيد الملاحقة أمام القضاء اللبناني.

واستغرق استجواب الضابط المطلوب استرداده، نحو ساعتين في مكتب القاضي الحاج، في حضور وكيله المحامي طوني شديد، الذي مثله في الجلسة بعدما تعذر حضور المحامي معتز سعد الدين، الذي كلّفه المجلس الإسلامي العلوي في لبنان للدفاع عن الضابط السوري السابق، طوال فترة خضوعه للإجراءات القضائية في لبنان. وفي ختام الجلسة، أصدر القاضي الحاج مذكرة توقيف وجاهية بحق عيسى، استناداً إلى التهم المنسوبة إليه من القضاء السوري.

مدخل النيابة العامة في بيروت (متداول)

شبهات بالقتل والتعذيب وإثارة الاقتتال

التحقيق مع الضابط المذكور تمحور حول ما ورد في محاضر التحقيقات التي أجرتها السلطات السورية مع أشخاص أدلوا باعترافات حول دور اللواء عادل عيسى و«الفرقة 17» التي كان يقودها، في أعمال قتل طالت مدنيين سوريين، وأوضح مصدر قضائي بارز أن مذكرة التوقيف التي أصدرها الحاج «استندت إلى مواد في قانون العقوبات اللبناني تتماثل من حيث طبيعتها ونوعها مع الجرائم موضوع الملاحقة في سوريا». وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أن التحقيق «لم يتعمّق في الأفعال التي يلاحق بها عيسى في سوريا، لأن هذا الأمر من مسؤولية القضاء السوري في حال حصول التسليم، لكن بناء على شبهات؛ منها القتل المتعمد والقتل القصدي والتعذيب الذي أفضى إلى الوفاة، إضافة إلى إثارة الاقتتال الداخلي والطائفي في سوريا»، مشيراً إلى أن المدعي العام اللبناني «استوحى الأسئلة التي طرحها على اللواء عيسى بحضور وكيله القانوني، من محاضر تحقيقات أجرتها إدارة مكافحة الإرهاب في سوريا وقاضي التحقيق بدمشق في مراحل سابقة، وتضمنت إفادات أشخاص - متهمين وشهود - تحدثوا عن دور الرجل في الجرائم المذكورة». وأفاد المصدر بأن الضابط المطلوب استرداده «نفى الاتهامات المنسوبة إليه، لا سيما تورطه بجرائم القتل، لكنه جدد الاعتراف بأن قوّة من (الفرقة 17) التي يقودها، كانت تؤازر المخابرات السورية في بعض المهام التي تولتها، وأنه نفذ ذلك بناء على أوامر صدرت عن القيادة العسكرية».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

حسم طلب الاسترداد مطلع الأسبوع

يعكف النائب العام التمييزي في لبنان على دراسة كامل معطيات الملف تمهيداً لاتخاذ القرار بطلب الاسترداد مطلع الأسبوع المقبل، فإما يوافق عليه أو يرفضه. وأشار المصدر القضائي إلى أن «الإجراءات تسير وفق أحكام اتفاقية التعاون القضائي اللبنانية - السورية الموقعة عام 1951، والتي ما زالت سارية المفعول، وهي تمنح المدعي العام مهلة 15 يوماً للبت في طلب التسليم، قابلة للتمديد مدة مماثلة إذا اقتضت الضرورة القانونية ذلك».

معادلة التعاون القضائي

هذا الملفّ يضع القضاء اللبناني أمام تحدّيات؛ المواءمة بين مقتضيات التعاون القضائي مع السلطات السورية والضمانات القانونية التي تحكم قرارات تسليم المطلوبين، بما في ذلك التحقق من طبيعة الجرائم والأدلة والظروف القانونية المحيطة بالملاحقة. ويرجّح أن تدخل مؤسسات معنية بحقوق الإنسان على خطّ الضغط على لبنان لمنع تسليم هذا الضابط إلى بلاده، بالاستناد إلى المواثيق الدولية، إذا كان الشخص المطلوب تسليمه قد يتعرّض للتعذيب، لا سيما أن لبنان سبق له أن انضمّ إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. غير أن مرجعاً قانونياً أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن النائب العام التمييزي المخوّل وحده بالموافقة على طلب التسليم أو رفضه «يبقى محكوماً بالتقيّد بمقتضيات الاتفاقية القضائية بين لبنان وسوريا، التي لا تزال سارية المفعول»، مشيراً إلى المواثيق الدولية «لديها قوّة تأثير في منع التسليم إذا أثبتت أن الشخص المطلوب تسليمه سيتعرّض للتعذيب والتصفية الجسدية، لكن الوقائع تفيد بأن عدداً من المسؤولين السوريين السابقين، يخضعون في بلادهم لمحاكمات علنية، ويتمتعون بالحق الكامل بالدفاع عن أنفسهم»، مشدداً على أن المدعي العام «مقيّد بشروط محددة لعدم التسليم؛ منها عدم وجود عقوبات مماثلة بين الدولة التي تطلب التسليم (سوريا) والدولة المطلوب منها تسليمه (لبنان)، وهذا غير متوفر أقلّه حتى الآن».

لقاء عائلي بعد انتهاء الاستجواب

علمت «الشرق الأوسط» أنه بعد انتهاء الاستجواب، سمحت النيابة العامة التمييزية لنجلي عيسى بمواجهته في جناحها داخل قصر العدل. وبدا نجلا الموقوف في حالة نفسية صعبة، حيث أجهشا بالبكاء خوفاً من صدور قرار التسليم في وقت قريب.


«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
TT

«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

رفضت منظمة «بدر»، التي يتزعمها هادي العامري، توجُّه الحكومة العراقية نحو استخدام القوة لنزع سلاح الفصائل، في موقف يعكس تصاعد الخلاف داخل القوى السياسية المنضوية في «الإطار التنسيقي» بشأن مستقبل سلاح الجماعات المسلحة وعلاقتها بالدولة.

وقال محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة «بدر»، في بيان صدر الجمعة، إنَّ المنظمة ترفض التلويح باستخدام القوة لانتزاع سلاح الفصائل، محذِّراً من أن فتح ملف نزع السلاح بهذه الطريقة قد يقود إلى توترات وفتنة داخلية. واعتبر ناجي أنَّ حملة حصر السلاح بيد الدولة ترتبط، في نظر المنظمة، بضغوط أو اعتبارات تتصل بالعلاقة مع الولايات المتحدة.

وأضاف ناجي: «ما بلغنا من لهجة تلوِّح بفرض القوة - إن صح - فهو تجاوز كبير، ولا نسمح لرئيس الوزراء ولا لغيره بالوصول إلى هذا المستوى في التعامل مع الإخوة في المقاومة، لأنَّ ذلك يفتح الباب على فتنة داخلية، المستفيد منها أولاً وأخيراً هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومَن يتربص بنا».

يأتي موقف «بدر» في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية إلى تثبيت مبدأ حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، وسط نقاش متزايد داخل القوى السياسية والفصائل المسلحة حول آليات تنفيذ ذلك، والجدول الزمني المرتبط به.

رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

تباين داخل «بدر»

ويكشف موقف «بدر» عن تباين داخل المنظمة نفسها، إذ أعلن زعيمها هادي العامري تأييده لخطوات رئيس الوزراء علي الزيدي وعدم اعتراضه على ما خلصت إليه الاجتماعات الأخيرة لـ«الإطار التنسيقي» و«ائتلاف إدارة الدولة»، بينما جاء موقف ناجي أكثر رفضاً للجدول الزمني المطروح لنزع سلاح الفصائل.

ويرى الكاتب والصحافي، منتظر ناصر، أنَّ ملف حصر السلاح بيد الدولة كشف عن تناقضات داخل القوى المُشكِّلة لـ«الإطار التنسيقي»، امتدت إلى داخل بعض الأحزاب والفصائل نفسها.

ويقول في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن التباين يعكس صعوبة استمرار النهج القائم على الموازنة بين النفوذين الأميركي والإيراني في ظلِّ التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة.

وبحسب هذا التقييم، فإنَّ الخلاف لا يقتصر على آلية التعامل مع السلاح، بل يرتبط أيضاً بتحديد طبيعة علاقة العراق بكل من الولايات المتحدة وإيران، وبمدى استقلال القرار الأمني والعسكري عن القوى المسلحة المرتبطة بأطراف خارجية.

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

قاآني مرة أخرى

وتزامن التصعيد السياسي بشأن السلاح مع زيارة أخرى غير معلنة إلى بغداد أجراها إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، حيث التقى عدداً من قادة «الإطار التنسيقي». وأثارت الزيارة نقاشاً بشأن طبيعة اللقاءات التي عقدها قاآني، وما إذا كان قد التقى رئيس الوزراء علي الزيدي.

وبحسب مصادر عراقية متطابقة، فإنَّ طهران لا تزال تنظر إلى العلاقة مع بغداد في ضوء صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة، في حين تسعى الحكومة العراقية، وفقاً للمصادر، إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أساس التعاون الثنائي مع كل من واشنطن وطهران بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتقول المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن بغداد تريد إنهاء الذرائع التي استخدمتها جماعات لتبرير استمرار حمل السلاح، لا سيما تلك المرتبطة بوجود التحالف الدولي في العراق منذ عام 2014، مع الانتقال إلى علاقات ثنائية متكافئة مع الولايات المتحدة وإيران.

في المقابل، تشير المصادر إلى أنَّ طهران تفضِّل استمرار إبقاء ملف سلاح الفصائل مفتوحاً عملياً، مع إمكانية نقل السيطرة الشكلية على السلاح إلى الحكومة، وهو طرح قد يحظى بقبول بعض قيادات «الإطار التنسيقي»، لكنه لا يلقى قبولاً لدى الجهات الرسمية العراقية المعنية، وفقاً للمصادر نفسها.

ويضع هذا الخلاف الحكومة أمام اختبار سياسي وأمني حساس، إذ إن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تفتح مواجهةً مع فصائل تتمتع بنفوذ سياسي وأمني، بينما قد يؤدي تأجيل الملف أو الاكتفاء بإجراءات شكلية إلى إضعاف مساعي الدولة لتعزيز احتكارها للقرار العسكري والأمني.

ويأتي ذلك في مرحلة تستعد فيها بغداد لإعادة تعريف علاقتها بالتحالف الدولي والولايات المتحدة، بالتزامن مع استمرار التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران. ويجعل هذا السياق ملف الفصائل المسلحة جزءاً من نقاش أوسع حول سيادة العراق وطبيعة تحالفاته الخارجية، ومستقبل التوازنات داخل النظام السياسي.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الخلافات الحالية ستفضي إلى تسوية سياسية بشأن آلية حصر السلاح بيد الدولة، أم ستتحوَّل إلى مواجهة أوسع داخل «الإطار التنسيقي»، وبين القوى الداعمة لسلطة الدولة والفصائل التي تتمسَّك باستمرار دورها المسلح.


إسرائيل تضغط على جناحي الجنوب اللبناني... من المنصوري إلى علي الطاهر

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تضغط على جناحي الجنوب اللبناني... من المنصوري إلى علي الطاهر

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)

وسّعت إسرائيل ضغطها العسكري في جنوب لبنان الجمعة، بتكثيف الغارات على بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتوازي مع استمرار التصعيد على محور النبطية - تلال علي الطاهر، في مشهد يضع منطقتين مختلفتين جغرافياً وعسكرياً تحت ضغط متزامن، ويفتح الأسئلة حول حدود العمليات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، في ظل تعثر المسار التفاوضي.

وسُجلت منذ فجر الجمعة 8 غارات جوية استهدفت بلدة المنصوري ومشاعها، بعد ليلة شهدت تفجيرات وعمليات تمشيط في محيطها ومجدل زون، بالتزامن مع تحركات وقصف وتفجيرات إسرائيلية في مناطق أخرى من الجنوب، من قضاء بنت جبيل إلى مرجعيون.

ويطرح تزامن التصعيد على أكثر من محور سؤالاً حول طبيعة التحرك الإسرائيلي: هل يشكل الضغط على المنصوري وعلي الطاهر جزءاً من مسار واحد لتوسيع نطاق العمليات؟ أم أن لكل محور حساباته الميدانية المختلفة، وإن كانا يلتقيان ضمن مسار أوسع لزيادة الضغط العسكري قبل أي تقدم في المفاوضات؟

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على قريتي المنصوري ومجدلزون بالقرب من الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)

المنصوري... تصعيد بدأ من مجدل زون

يربط الخبير العسكري والاستراتيجي رياض قهوجي، التصعيد الإسرائيلي المتواصل في بلدة المنصوري، في جزء أساسي منه، بالتطورات الميدانية التي شهدتها منطقة مجدل زون سابقاً، فيما يرى أن الوضع في تلال علي الطاهر مختلف، بعدما بات يأخذ بعداً عسكرياً وسياسياً داخلياً في إسرائيل. وقال قهوجي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنصوري يمكن اعتبارها اليوم جزءاً من خط التماس في المحور الغربي»، مشيراً إلى أنه «عند النظر إلى تسلسل الأحداث، نلاحظ أن التصعيد الإسرائيلي على المنصوري بدأ مباشرة بعد عملية مجدل زون السابقة، حيث فجّر (حزب الله) منزلاً كان بداخله مجموعة من الجنود الإسرائيليين».

وأضاف أن «التصعيد على المنصوري بدأ بصورة واضحة ومباشرة بعد تلك العملية، وكأن الجانب الإسرائيلي يعتبر، أو لديه معلومات بأن رصد ما جرى في مجدل زون أو التحضير له انطلق من منطقة المنصوري». وتابع: «من هنا، يظهر في تسلسل الأحداث وجود رابط بين النشاط العسكري في المحور الغربي باتجاه مجدل زون وبين الرد الإسرائيلي الذي بات يتركز بصورة أكبر على المنصوري».

وتضع هذه القراءة التصعيد في المنصوري ضمن سياق ميداني مباشر في القطاع الغربي، بدلاً من اعتباره بالضرورة جزءاً من العملية نفسها التي تتعرض لها المرتفعات الواقعة في محيط النبطية.

سيطرة بالنار في القطاع الغربي

يلفت قهوجي إلى دلالة طلب إسرائيل إخلاء المنصوري سابقاً، رغم عدم احتلالها برياً، ويرى أن ذلك يعكس محاولة لفرض شكل مختلف من السيطرة على المنطقة. وقال إن «طلب إسرائيل إخلاء البلدة في وقت سابق، رغم أنها ليست محتلة برياً، يندرج في هذا السياق»، موضحاً أنه «في ظل المفاوضات وعدم توسيع إسرائيل حتى الآن خريطة احتلالها البري، لجأت إلى فرض نوع من السيطرة بالنار، عبر تكثيف القصف بما يتيح لها التحكم بالحركة داخل المنطقة بالنيران».

صورة تظهر آثار القصف على مرتفعَي علي الطاهر والدبشة جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

علي الطاهر تتحول إلى هدف إسرائيلي

في المقابل، يفصل قهوجي بين هذا المسار وما يجري في تلال علي الطاهر، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط الضغط الإسرائيلي في محيط النبطية.

ويقول إن «طبيعة العمل العسكري في تلال علي الطاهر مختلفة»، مضيفاً أن «علي الطاهر تحولت اليوم إلى ما يشبه العنوان الانتخابي في إسرائيل، في ظل تكرار ذكرها في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وزرائه».

وتوقع قهوجي «تصعيداً أكبر وتحركاً إسرائيلياً أوسع باتجاه علي الطاهر»، مشدداً على أن «هذا المسار يختلف في طبيعته عن التصعيد في المنصوري، إلا إذا رأت إسرائيل أن من مصلحتها لاحقاً توسيع نطاق سيطرتها في القطاع الغربي أيضاً».

من الحدود إلى النبطية... أحزمة متتالية

في قراءة أوسع لمسار العمليات، يرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن التحركات الإسرائيلية، وإن اختلفت دوافعها المباشرة بين محور وآخر، تندرج ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على الانتقال بين أحزمة جغرافية متتالية. وقال داود لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لا يمكن قراءتها بوصفها عمليات منفصلة، بل تأتي ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على محاور وأحزمة متتالية، بحيث تنتقل إسرائيل من شريط إلى آخر كلما أحكمت السيطرة على المرحلة السابقة».

وأوضح أن «المرحلة الأولى ترتبط بالمنطقة الأقرب إلى الحدود، حيث كان الهدف إبعاد مصادر التهديد المباشر، لا سيما القدرة على استخدام أسلحة مضادة للدروع ضد شمال إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا الشريط يشكل، في القراءة العسكرية، خط الدفاع الأول الذي عملت إسرائيل على السيطرة عليه وتوسيع نطاق تحركها داخله».

وأضاف أن «التركيز الإسرائيلي ينتقل حالياً بصورة أكبر إلى خط ثانٍ يمتد على مستوى النبطية ومحيطها شرقاً وغرباً، وتندرج ضمنه المواقع والمرتفعات التي يجري التركيز عليها ميدانياً، وفي مقدمتها تلال علي الطاهر ومنطقة الشقيف»، لافتاً إلى أن «أهمية هذه المواقع تكمن في كونها نقاطاً حاكمة تتيح الانتقال إلى مرحلة أوسع من العمليات».

تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)

وعن تكثيف الغارات على المنصوري، قال داود إن «ما يجري يندرج في إطار استئناف النشاط العسكري الذي كانت إسرائيل تنفذه قبل المفاوضات، وليس تحولاً منفصلاً عن المسار العام للعمليات».

وأضاف: «إسرائيل تعمل وفق ما يمكن وصفه بأشرطة أو أحزمة عريضة، تنتهي من الشريط الأول، ثم تنتقل إلى الثاني، وبعده إلى الثالث. ولذلك، فإن تكثيف النشاط الحالي يعكس عودة إلى نمط العمل الذي سبق مرحلة المفاوضات».

وأشار إلى أن «المنصوري تقع على مسافة قريبة نسبياً من الحدود، وبالتالي فإن تكثيف العمليات فيها يرتبط، من الناحية العسكرية، بالعمل الجاري في القطاع الغربي، وبمحاولة تثبيت السيطرة على المناطق التي تعدّها إسرائيل جزءاً من الحزام الأول، أو امتداداً له».

امتداد محتمل للعمليات

لا يستبعد داود امتداد العمليات إلى نطاق أعمق في حال استكملت إسرائيل أهدافها في محيط النبطية، قائلاً إن «الخط الثالث يرتبط بجبل الريحان وإقليم التفاح والمداخل الجنوبية إلى البقاع الغربي ومحيط جزين»، وهو ما من شأنه، وفق قراءته، أن يوسع نطاق السيطرة النارية والميدانية الإسرائيلية، ويتجاوز الطابع الحدودي للعمليات.

ورأى داود أنّ «المسار الإسرائيلي، وفق القراءة الميدانية الحالية، لا يوحي بأنها ستوقف عملياتها عند حدود الشريط الأول أو الثاني، بل إنها تسعى إلى تحسين موقعها العسكري إلى أقصى حد ممكن قبل الدخول في أي مفاوضات جدية»، معتبراً أن «إسرائيل تريد أن تدخل المفاوضات بعدما تكون قد أحكمت سيطرتها الميدانية على أكبر مساحة ممكنة ورفعت مستوى الضغط العسكري إلى أقصاه».

تحركات على محاور أخرى

امتد التصعيد إلى مناطق أخرى في الجنوب؛ فسُجل في قضاء بنت جبيل تقدم آليات ودبابات إسرائيلية باتجاه حداثا، تزامناً مع تمشيط بالرشاشات وسقوط قذيفة مدفعية، فيما دوّت تفجيرات في بيت ياحون وحداثا وكونين ووصل صداها إلى قرى الساحل، وألقت مسيّرة قنبلة على منزل في كفرا ليلاً. وفي قضاء مرجعيون، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في مركبا، بينما اندلعت حرائق في بني حيان جراء القصف المدفعي المتواصل.