نفي لبناني «قاطع» لأي صلة بين جنود الجيش و«حزب الله»

وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية يرفضان الاتهامات الإسرائيلية

عناصر من الجيش اللبناني يعاينون السيارة التي تم استهدافها في بلدة عتقنيت (قضاء صيدا) وأدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم عنصر بالجيش اللبناني (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني يعاينون السيارة التي تم استهدافها في بلدة عتقنيت (قضاء صيدا) وأدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم عنصر بالجيش اللبناني (إ.ب.أ)
TT

نفي لبناني «قاطع» لأي صلة بين جنود الجيش و«حزب الله»

عناصر من الجيش اللبناني يعاينون السيارة التي تم استهدافها في بلدة عتقنيت (قضاء صيدا) وأدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم عنصر بالجيش اللبناني (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني يعاينون السيارة التي تم استهدافها في بلدة عتقنيت (قضاء صيدا) وأدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم عنصر بالجيش اللبناني (إ.ب.أ)

نفت قيادة الجيش اللبناني ووزارة الدفاع نفياً قاطعاً للاتهامات الإسرائيلية عن صلة بين جنود و«حزب الله».

فالغارة الإسرائيلية التي استهدفت، مساء الاثنين، سيارة قرب مدينة صيدا، عاصمة جنوب لبنان، لم تكن مجرّد حادث أمني موضعي، بل حملت أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز مكانها وتوقيتها، لتلامس مباشرة موقع الجيش اللبناني ودوره في المرحلة الراهنة، في ظلّ تكثيف الضغوط الدولية المرتبطة بملف الجنوب وتطبيق التفاهمات الأمنية.

إذ وبعد إقرار الجيش الإسرائيلي بمسؤوليته عن الغارة التي أدّت إلى مقتل ثلاثة أشخاص، سارع إلى طرح سردية تصعيدية قال فيها إنّ المستهدفين ينتمون إلى «حزب الله»، وزعم أنّ أحدهم «عنصر يخدم بالتوازي في الجيش اللبناني»، في محاولة لربط المؤسسة العسكرية اللبنانية مباشرة بالبنية التنظيمية للحزب، وإعادة إحياء خطاب اتهامي لطالما شكّل ركناً ثابتاً في الرواية الإسرائيلية تجاه لبنان، وهذا ما نفاه نفياً قاطعاً كل من قيادة الجيش ووزارة الدفاع اللبنانية.

رواية هجومية ووقائع ميدانية

وجاء في بيان الجيش الإسرائيلي، إنّ الغارة «قضت على ثلاثة عناصر، أحدهم كان يخدم في وحدة الاستخبارات في الجيش اللبناني، وآخر عمل في وحدة الدفاع الجوي لـ(حزب الله) في منطقة صيدا»، مضيفاً أنّ إسرائيل «تنظر ببالغ الخطورة إلى علاقات التعاون بين الجيش اللبناني والحزب». غير أنّ هذه الخلاصات قُدّمت من دون إرفاقها بأي مسار قضائي أو تحقيق مستقل، وبقيت في إطار الاتهام الصادر عن الجهة المنفّذة نفسها.

وزارة الدفاع والجيش يؤكدان: ولاء المؤسسة للوطن

وأعلن الجيش اللبناني في بيان رسمي «استشهاد الرقيب الأول علي عبد الله من لواء الدعم – الفوج المضاد للدروع، جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة كان بداخلها على طريق القنيطرة – المعمرية – صيدا»، محدِّداً مكان الاستهداف وزمانه، ومنظِّماً مراسم التشييع والتعازي.

وفي وقت لاحق صدر بيانان منفصلان، الأول عن مكتب وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسّى، والآخر عن قيادة الجيش يؤكدان عدم علاقة عناصر الجيش بأي أحزاب وتنظيمات.

وقال بيان وزارة الدفاع: «تتناول وسائل إعلامية ومواقع إخبارية محلية وخارجية في الفترة الأخيرة ما تسميه علاقة أفراد المؤسسة العسكرية بأحزاب وجهات وتنظيمات، وهذا كلام مغلوط واستهداف خبيث يطول الجيش ودوره وتضحياته ومهامه الحالية والمستقبلية. إنّ لجنود الجيش اللبناني ورتبائه وضباطه ولاءً واحداً وحيداً هو للوطن والشرعية والعلم اللبناني. إنّ الإمعان في تعميم هذا الافتراء والطعن بولاء أفراد المؤسسة هو خدمة لأعداء لبنان وطعنة في ظهر أبطال الجيش...».

وفي بيان لها نفت قيادة الجيش «هذه المعلومات نفياً قاطعاً»، مؤكدة «أن هذه الأخبار هدفها التشكيك بعقيدة الجيش وأداء عناصره، في حين أن انتماءهم ثابت وراسخ للمؤسسة والوطن».

من جهتها، كتبت قوات«يونيفيل» على منصة «إكس»: «تجمع شراكة قوية بين (يونيفيل) والجيش اللبناني لدعم القرارين 1701 (2006) و2790 (2025). وتتركّز جهودنا المشتركة على استعادة الهدوء على طول الخط الأزرق، وتعزيز السيادة وبسط سلطة الدولة في الجنوب، وتهيئة الظروف لتحقيق استقرار مستدام».

أسماء الضحايا وتوظيف الحدث

وأدّت الغارة إلى مقتل حسن عيسى من حومين التحتا، والرقيب الأول علي عبد الله من مليخ مقيم في حومين، ومصطفى بلوط من حومين التحتا. غير أنّ التركيز الإسرائيلي لم ينصبّ على الحدث بحدّ ذاته، بل على توظيفه في إطار اتهامي أوسع، يوحي بوجود تداخل بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، وهو توصيف لا يستند إلى معطيات تحقيقية بقدر ما يعكس استنتاجات أحادية الجانب.

عناصر في الجيش اللبناني يعاينون السيارة التي تم استهدافها في بلدة عتقنيت ما أدى إلى مقتل 3 أشخاص بينهم عسكري (إ.ب.أ)

وتكشف القراءة المتأنية للبيان الإسرائيلي عن محاولة لإعادة تعويم خطاب سبق أن اصطدم خلال الأشهر الماضية بتحوّلات ملموسة في الموقف الدولي، ولا سيّما الأميركي، الذي بات أكثر تفهّماً لتعقيدات الواقع اللبناني وداعماً للجيش اللبناني. وفي هذا السياق، تبرز الغارة بوصفها جزءاً من حملة ضغط عسكرية بالنار، وإعلامية بالاتهام، هدفها إحراج المؤسسة العسكرية اللبنانية أمام شركائها الدوليين والتشكيك بصدقيتها في لحظة سياسية حسّاسة.

إشارات دعم أميركي

بموازاة ذلك، رأى نائب رئيس الحكومة طارق متري، أننا «دخلنا مرحلة جديدة في التعامل الدولي مع لبنان، لا سيما على صعيد الجيش»، كاشفاً عن «التحضير لزيارة قريبة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، ناهيك عن أن موافقة الولايات المتحدة الأميركية على إقامة مؤتمر خاص لدعم الجيش هو دليل أولي على الأقل أن موقف الجيش لم يعد كما كان». وعدّ أنّ «الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تتبنى الاتهامات الإسرائيلية والأحاديث التي راجت عن أن الجيش اللبناني متواطئ وعاجز ومقصر، بل على العكس أدركت أنه على رغم الإمكانات المحدودة يقوم بعمله».

دعم دولي

ويشكّل هذا المناخ الدولي أحد مفاتيح فهم التصعيد الأخير. فمع تزايد الاعتراف بدور الجيش اللبناني شريكاً في الاستقرار، تبدو تل أبيب كأنها تحاول استباق أي تثبيت سياسي أو مالي لدعم المؤسسة العسكرية عبر إعادة ربطها بمحور الاتهام. ومن هنا، لا يمكن فصل الغارة عن المساعي الجارية لعقد مؤتمر دعم الجيش ولا عن زيارة قائد الجيش المرتقبة إلى واشنطن، بما تحمله من دلالات تتجاوز البروتوكول.

تقاطع اتهامي

وفي قراءة أوسع، قال العميد المتقاعد خالد حمادة لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الاعتداء الإسرائيلي يندرج في سياق الاعتداءات المتواصلة على مناطق لبنانية عدة، إلا أنّ خطورة هذه الحادثة لا تكمن في بعدها الميداني فحسب، بل في توقيتها السياسي، وفي محاولة إسرائيل توظيفها إلى ما بعد الحدث العسكري نفسه».

وأضاف أنّ «الادعاء الذي أعلنه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي حول وجود عنصر من الجيش اللبناني بين المستهدفين يعيد إحياء السردية الإسرائيلية التي تتهم الجيش بالتعاون مع (حزب الله)، وتسعى من خلالها إلى نزع الثقة بالمؤسسة العسكرية وعدّها غير مؤهلة للقيام بمهمة نزع سلاح الحزب».

وأوضح أنّ «المعطيات حول هوية الأشخاص الثلاثة تُظهر أنهم ينتمون إلى قرية واحدة أو يقيمون فيها؛ ما يجعل وجودهم في سيارة واحدة أمراً طبيعياً، ولا يشكّل قرينة كافية لإدانة الجيش أو اتهامه بالتنسيق مع الحزب».

ورأى أنّ «الأشخاص الثلاثة الذين قضوا في الغارة ينتمون إلى بيئة اجتماعية واحدة، حيث إن اثنين منهم من بلدة حومين التحتا بينما الثالث يقيم فيها؛ وهو ما يجعل وجودهم في سيارة واحدة أمراً طبيعياً ومألوفاً في العادات الاجتماعية السائدة في قرى الجنوب، حيث تشكّل علاقات الجيرة والقرابة والتنقّل المشترك جزءاً من الحياة اليومية». ولفت إلى أنّ «هذا النمط من التنقّل لا يحمل بحدّ ذاته أي دلالة أمنية أو عسكرية، ولا يمكن عدّه قرينة على وجود مهمة منظّمة أو تنسيق عملاني، كما تحاول الرواية الإسرائيلية الإيحاء».

سيارة الإسعاف على مقربة من السيارة التي تم استهدافها على طريق مزرعة القنيطرة في بلدة عتقنيت مساء الاثنين وأدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم عنصر بالجيش اللبناني (أ.ف.ب)

وعدّ حمادة أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو «يحاول الاستثمار السياسي في الحادثة لإعادة تسويق الاتهام بأن الجيش اللبناني غير قادر أو غير راغب في تنفيذ مهمة تجريد (حزب الله) من سلاحه»، مرجّحاً أن «تُوظّف الواقعة ضمن الملفات التي يسعى نتنياهو إلى عرضها في لقاءاته مع الإدارة الأميركية».


مقالات ذات صلة

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مشهد عام لمدينة الخيام حيث يظهر الدمار الواسع نتيجة القصف وعملية التدمير الممنهج التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة على الجنوب اللبناني وتوسع في نمط ردّ «حزب الله»

لليوم الثاني على تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل، يتكرّس واقع ميداني يؤكد أن هذا التمديد لم يتحوّل إلى وقف فعلي لإطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

رغم الضجيج السياسي، يعكس الواقع الميداني التزام «حزب الله» بـ«الهدنة الهشة» ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، بينما يواصل بالوقت عينه مهاجمة مسار المفاوضات اللبنانية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)

«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

توقفت الأوساط السياسية اللبنانية أمام الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية السعودي برئيس البرلمان بالتزامن مع اللقاءات التي عقدها مستشاره برئيسي الجمهورية والحكومة

محمد شقير (بيروت)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».


لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)
شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)
TT

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)
شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية جوزيف عون في واشنطن وهو المطلب الذي لطالما تحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

والسبت، أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن نتنياهو سيزور واشنطن منتصف شهر مايو (أيار) المقبل للمشاركة في لقاء مع عون، مشيرة إلى أن هذا اللقاء يبقى مشروطاً باستمرار الهدنة. في المقابل، أكدت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن الرئاسة لم تتبلغ أي معلومات في هذا الإطار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاضراً في الاجتماع اللبناني - الإسرائيلي الذي عقد مساء الخميس (أ.ف.ب)

وأكدت المصادر «أنه لا يمكن الانتقال إلى التفكير بشكل جدي بالمفاوضات قبل حصول التزام كامل بوقف إطلاق النار ووقف التدمير، مشيرة إلى أن الهدنة لا تزال هشَّة».

ولفتت إلى أنه من المفترض عقد جولة ثالثة من المفاوضات، مذكرة بما قاله السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى آنذاك بالحاجة لاجتماع جديد «لا بد وأن يحمل زخماً إضافياً للاجتماع الأخير».

وأوضحت المصادر «أن لبنان طالب في الجولة الثانية بوقف العمليات الكبيرة ووقف التدمير، غير أن هذا الالتزام لم يتحقق حتى الآن، باستثناء ما وصفته بالتزام بعدم استهداف سيارات الإسعاف».

وأشارت إلى أن «حزب الله» لا يزال يعتبر أن عملياته تأتي رداً على الخروقات الإسرائيلية، وأن الوصول إلى وقف إطلاق النار يبقى مرتبطاً بحصول التزام إسرائيلي، مضيفة: «فليتم سحب هذه الورقة من (حزب الله) ولننطلق بالمفاوضات».

وعن التواصل مع «حزب الله» الذي يستمر في مهاجمة المفاوضات تقول المصادر الوزارية: «هذا الأمر يتم عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يُفترض أنه يعبّر عن موقف الثنائي»، مشيرة إلى «أن مدى تأثيره يرتبط بمدى تجاوب الحزب معه، ومذكرة في الوقت عينه بأن الحزب سبق أن وعد بري بعدم التدخل في الحرب الأميركية - الإيرانية لكنه لم يلتزم بذلك وأطلق حرب الإسناد».

وزير الإعلام: تثبيت وقف النار مدخل لتحقيق المطالب

وفي إطار المفاوضات، أكَّد وزير الإعلام بول مرقص أن لبنان يطالب بتمديد وتثبيت وقف إطلاق النار كخطوة أساسية لتحقيق بقية الأهداف، وفي مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وتحرير الأسرى، وتسوية النقاط العالقة على الحدود، بالتوازي مع وقف الخروقات البرية والبحرية والجوية.

العلم اللبناني مرفرفاً في وسط بيروت حيث لا تزال خيم النازحين في موقف للسيارات (رويترز)

وأشار مرقص في حديث لقناة «بي بي سي» إلى أن الحكومة اتخذت قرارات تتعلق بنشر الجيش اللبناني وحصرية السلاح، إلا أن استمرار الهجمات الإسرائيلية شكَّل عائِقَاً أمام تنفيذ هذه المقررات. وأضاف أن لبنان مستعد لإعادة إطلاق هذه الخطوات، بما في ذلك نشر الجيش حتى الحدود، مؤكداً أن الهدف هو تحقيق الاستقرار، وهو ما يتطلب انسحاب القوات الإسرائيلية وتمكين الجيش من الانتشار.

المجلس الشرعي: تمسّك بالدستور ودعم خيار الدولة

في موازاة ذلك، أكَّد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى برئاسة المفتي عبد اللطيف دريان التمسك باتفاق الطائف والدستور كمرجعية وطنية لا يجوز المساس بها، باعتبارهما الضامن لانتظام الحياة الوطنية والاستقرار.

وشدَّد المجلس على احترام صلاحيات رئيس الجمهورية في إدارة المفاوضات وعقد الاتفاقات الدولية بالتنسيق مع الحكومة، ودعم خيار اللجوء إلى المسار الدبلوماسي لإنهاء الحرب.

الدخان يتصاعد من مدينة الخيام بعد تعرضها لقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

كما دعا إلى «الامتناع عن التعرض لرئاسة الحكومة أو التطاول على شخص رئيس الحكومة والرئاسات الأخرى واللجوء إلى الخطاب التصعيدي التخويني الفتنوي الذي يسيء إلى هيبة الحكم ومعنويات الدولة وكرامات الناس، لأن التعرض لرأس الدولة وعمودها الفقري ورموز الدولة بات يرقى إلى المساس بالأمن الوطني»، مضيفاً: «وإذا استمر هذا التعرض، فهل ندرك حجم وهول المخاطر من المهالك التي نزج هذا الوطن فيها، فإلى متى؟ وإلى أين؟ مع التأكيد على دعم قرارات مجلس الوزراء الأخيرة والعمل على تنفيذها والتقيد بأحكامها».

كما دان المجلس الأعمال العدائية الإسرائيلية وسياسة التدمير التي تستهدف القرى والأحياء، معتبراً أنها تهدف إلى منع عودة الأهالي وفرض واقع ميداني جديد. وأكَّد ضرورة تعزيز دور الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، داعياً المجتمع الدولي إلى فرض انسحاب القوات الإسرائيلية والالتزام بالقرارات الدولية.