غوتيريش يختار العراقي برهم صالح مفوضاً سامياً للاجئين

اقتراح يكسر العرف بترشيح شخصية من دولة غير مانحة

الرئيس العراقي السابق برهم صالح (غيتي)
الرئيس العراقي السابق برهم صالح (غيتي)
TT

غوتيريش يختار العراقي برهم صالح مفوضاً سامياً للاجئين

الرئيس العراقي السابق برهم صالح (غيتي)
الرئيس العراقي السابق برهم صالح (غيتي)

أظهرت رسالة، الجمعة، أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اقترح الرئيس العراقي السابق برهم صالح لتولي منصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في خطوة تمثل خروجاً واضحاً عن التقليد المتبع منذ عقود والذي يميل إلى إسناد المنصب لشخصيات من الدول المانحة الكبرى.

وذكر غوتيريش، في الرسالة المؤرخة بـ11 ديسمبر (كانون الأول) أنه يعتزم اقتراح تعيين صالح لولاية مدتها 5 سنوات تبدأ في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026، خلفاً للإيطالي فيليبو غراندي الذي يشغل المنصب منذ عام 2016 وتنتهي ولايته في 31 ديسمبر 2025.

ويتطلب التعيين موافقة اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

مقر الأمم المتحدة في منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك في 9 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

10 مرشحين

وأشار الأمين العام إلى أن عملية الاختيار شملت دعوة الدول الأعضاء لتقديم ترشيحات، إلى جانب إعلان عام استقطب طلبات من شخصيات سياسية ومسؤولين تنفيذيين وأكاديميين.

ووفق الرسالة، راجع فريق من كبار مستشاري الأمم المتحدة الترشيحات وأجرى مقابلات مع المرشحين المدرجين في القائمة القصيرة قبل رفع توصياته النهائية.

وتقدم للمنصب نحو 10 مرشحين، من بينهم مسؤول تنفيذي في شركة «إيكيا» وطبيب طوارئ وشخصية تلفزيونية، إضافة إلى عدد من الشخصيات السياسية. وكان أكثر من نصف المرشحين من أوروبا، بما يتوافق مع ما اعتبر طويلاً «عرفاً غير مكتوب» يقضي بأن يأتي المفوض السامي من إحدى الدول المانحة الرئيسية التي تموّل عمليات الوكالة، ومقرها جنيف.

وفي حال الموافقة على اقتراح غوتيريش، سيقود صالح، وهو مهندس تلقى تعليمه العالي في بريطانيا وينحدر من إقليم كردستان العراق، المفوضية في مرحلة شديدة التعقيد، إذ وصل عدد النازحين واللاجئين عالمياً إلى مستويات قياسية تُقدّر بنحو ضعف ما كانت عليه عند تولي غراندي المنصب قبل نحو 9 أعوام.

في المقابل، تراجعت مستويات التمويل هذا العام بعدما قلّصت الولايات المتحدة مساهماتها وحوّلت جهات مانحة غربية أخرى جزءاً من مواردها نحو الإنفاق الدفاعي، ما فاقم التحديات التشغيلية التي تواجهها المفوضية في مناطق النزاع والهشاشة.

صالح مستقبلاً البابا الراحل فرنسيس في القصر الرئاسي ببغداد في مارس 2021 (رويترز)

مَن هو صالح؟

وقد وُلد برهم أحمد صالح في السليمانية عام 1960، وتخرج في الهندسة المدنية قبل أن يحصل على درجات عليا في الإحصاء والهندسة من جامعات بريطانية من بينها كارديف وليفربول. ويعرف صالح بخلفيته الأكاديمية واهتمامه بقضايا الحكم الرشيد والإصلاح المؤسسي.

وشغل صالح منصب رئيس العراق بين 2018 و2022، بعد فوزه بأغلبية أصوات البرلمان، ليخلف فؤاد معصوم في إطار نظام تقاسم السلطة بين المكونات الرئيسية في البلاد. وقبل ذلك، تولى مناصب رفيعة في حكومة إقليم كردستان، بينها رئاسة الحكومة لولايتين، كما تقلد مناصب اتحادية بارزة بعد عام 2003 من بينها نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط، ولعب دوراً في ملفات إعادة الإعمار والسياسات الاقتصادية.

كما أسس صالح الجامعة الأميركية في السليمانية، وشارك في برامج بحثية دولية وزمالات أكاديمية ركزت على التنمية والحكم الرشيد.

ويرى كثيرون أن اختيار شخصية من دولة في الشرق الأوسط لمنصب تقليدياً ما كان يخرج عن دائرة الدول المانحة قد يعكس محاولة من غوتيريش لإعادة تشكيل بعض التوازنات داخل المنظومة الإنسانية للأمم المتحدة، في وقت تتعرض فيه وكالات الإغاثة لانتقادات متزايدة بشأن فاعلية الإنفاق وتوزيع الموارد.

ومن المتوقع أن تراجع اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية ترشيح صالح خلال الأسابيع المقبلة، قبل أن تصدر قرارها النهائي، ما يمهد الطريق أمامه لبدء مهامه مطلع 2026 في وقت تتوسع فيه رقعة النزاعات ويزداد فيه الضغط على منظومات الحماية الدولية.


مقالات ذات صلة

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

المشرق العربي برهم صالح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الأمم المتحدة)

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، عاد (الأحد) نحو 1077 نازحاً من مخيمات منطقة الدانا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا إلى مناطقهم الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق.

سعاد جرَوس (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس التركي مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع في أول زيارة له إلى تركيا فبراير 2025 (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكد عزمه زيارة سوريا قريباً ودعم تركيا لاستقرارها

كشف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن عزمه زيارة سوريا خلال الفترة المقبلة، مشدداً على دعم تركيا لتعزيز استقرارها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مستشفى «بهية» في مصر يؤكد أن علاج غير المصريات يخضع لنظم خاصة بعيداً عن التبرعات الموجهة للمصريات (مستشفى بهية)

جدل في مصر حول إنفاق أموال التبرعات على اللاجئين

تجدد الجدل بمصر حول أحقية مؤسسات المجتمع المدني في إنفاق وارداتها من التبرعات لدعم المحتاجين وعلاج المرضى من اللاجئين والوافدين.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي رئيس البعثة السورية في القاهرة يلتقي عدداً من الطلاب السوريين الدارسين في الجامعات المصرية (السفارة السورية في القاهرة)

سوريا تتحرك لحل أزمات طلابها في مصر

تحركات سورية رسمية في مصر مع أزمة طلاب دمشق بالقاهرة، وسط إجراءات مشددة تتخذها الحكومة المصرية لتقنين أوضاع المقيمين على أراضيها وترحيل المخالفين.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من القاصرين غير المرفوقين في عهدة القوات الإسبانية في سبتة (أ.ف.ب)

المغرب مستعد للتعاون في إعادة القصر من إسبانيا

تقول السلطات المحلية إن ما لا يقل عن 1100 قاصر غير مصحوب بذويه لا يزالون في سبتة، ووصل بعضهم خلال موجة التدفق الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

بري يضع وقف الحرب بعهدة واشنطن ويربط انتشار الجيش بالانسحاب الإسرائيلي

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وفداً من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وفداً من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان (رئاسة البرلمان)
TT

بري يضع وقف الحرب بعهدة واشنطن ويربط انتشار الجيش بالانسحاب الإسرائيلي

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وفداً من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وفداً من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان (رئاسة البرلمان)

في وقت تتواصل فيه المساعي اللبنانية على أكثر من خط لدفع مسار المفاوضات وتنفيذ ما تم التوافق عليه ضمن «اتفاق الإطار»، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي ربط الانتشار الفوري للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني بإنهاء الحرب الإسرائيلية ووقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود الدولية، مؤكداً أن الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب وحدهما قادران على إلزام إسرائيل بهذه الخطوات.

ويأتي موقف بري في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، بالتوازي مع غموض لا يزال يحيط بموعد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية - الأميركية، وعدم تحديد موعد رسمي لها حتى الآن.

بري: الجيش وحده يحفظ الأمن

جاء كلام بري خلال استقباله وفداً من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان (ATFL) برئاسة السفير إد غابريال، وجرى البحث في الأوضاع العامة والمستجدات السياسية والميدانية، على ضوء استمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية وتدميرها للقرى الجنوبية، إلى جانب المفاوضات المباشرة و«اتفاق الإطار»، بحسب بيان رئاسة البرلمان.

وأكد بري أمام الوفد أن ما يتعرض له الجنوب «لا يُحتمل»، معتبراً أن ما يحصل من تدمير للقرى واستهداف للمدنيين وانتهاك للقوانين والمواثيق والأعراف الدولية والإنسانية تجاوز، في بعض جوانبه، ما حصل ويحصل في غزة من جرائم ومجازر بحق البشر والحجر والتراث».

وحدد رئيس المجلس بوضوح الجهة القادرة، برأيه، على وضع حد لهذا المسار، قائلاً إن «الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة ورئيسها الرئيس دونالد ترمب الوحيد الذي باستطاعته إلزام إسرائيل إنهاء حربها ووقف النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب».

وربط بري الذي سبق أن أوكل إليه «حزب الله» مهمة التفاوض باسمه، بين هذه الخطوات واستعداد لبنان لتولي مسؤولياته الأمنية في الجنوب، مؤكداً: «حينها أضمن انتشاراً فورياً للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني»، على أن يكون الجيش اللبناني «القوة الوحيدة الحافظة للأمن»، وأن يكون وحده صاحب السلاح في تلك المنطقة، مشدداً على أن منطقة جنوب الليطاني هي من حق أهلها، وأن أبناء الجنوب «تواقون لرؤية الجيش اللبناني حافظاً لأمنهم واستقرارهم».

مشيعون حول نعوش علي الحاج حسن القيادي في «حزب الله» وزوجته وأطفاله الأربعة الذين قُتلوا يوم السبت في غارة جوية إسرائيلية وذلك خلال مراسم تشييعهم في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

«علي الطاهر» والضغط الأميركي

وصف غابريال الاجتماع بأنه «جيد للغاية»، مشيراً إلى أن البحث تناول الإصلاح والوضع الأمني في لبنان والجنوب، وخصوصاً «المفاوضات المباشرة واتفاقية الإطار». وقال إن الوفد لمس اهتماماً كبيراً من بري بتحقيق تقدم في ملف «المناطق التجريبية»، ورغبته شخصياً في إنجاحها.

وفيما يتعلق بتلة «علي الطاهر»، أشار غابريال إلى ضرورة أن تكون إسرائيل واضحة في شأن قبولها سيطرة الجيش اللبناني على التلة.

وأكد غابريال كذلك أن «أهل الجنوب لا يريدون الحرب بل يريدون العودة إلى منازلهم»، لافتاً إلى أنه سينقل رؤية بري وموقفه إلى صناع السياسة الأميركيين.

وعن الدور الأميركي في الضغط على إسرائيل، قال غابريال إن ترمب «يعمل بجهد كبير لدفع الإسرائيليين لوقف الموت والدمار»، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي قال للإسرائيليين «كفى كفى»، ومعبراً عن توقعه أن تواصل واشنطن الضغط على إسرائيل لوقف الحرب.

الجولة الثامنة: موعد مبدئي وآمال محدودة

في موازاة الحراك السياسي، لا يزال موعد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية - الأميركية محاطاً بالغموض. وتقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إن الموعد المتداول في بداية شهر سبتمبر (أيلول) «لا يزال مبدئياً»، وإن الدعوات الرسمية لم توجه حتى الآن، مرجحة أن يتم توجيهها في الأيام المقبلة.

وتؤكد المصادر أن لبنان لن يغيب عن أي اجتماع للمفاوضات، إلا أنها في الوقت نفسه لا تبدي تفاؤلاً كبيراً حيال النتائج الممكنة للجولة المقبلة، خصوصاً في ظل الظروف السياسية والعسكرية القائمة والمواقف الإسرائيلية التصعيدية.

وتقول المصادر الوزارية: «لا آمال كبيرة على نتائج المفاوضات، خاصة قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في أكتوبر (تشرين الأول)»، لكنها تضيف أن لبنان يأمل في أن تؤدي المفاوضات إلى نتائج إيجابية، ولا سيما أن «كل المواقف التي تصدر من إسرائيل واضحة ومقلقة بالنسبة إلى لبنان»، وأن المطلوب من الولايات المتحدة «أن تضغط لردع إسرائيل».

امرأة تحمل صورة لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله بينما يحتج أنصار الحزب خارج مقر الحكومة اللبنانية في بيروت في 18 أغسطس 2026 وذلك في مسيرة معارضة للمحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل (إ.ب.أ)

وفي هذا السياق، تكتسب التحركات اللبنانية الخارجية أهمية إضافية، ولا سيما زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى روما، التي تقول المصادر الوزارية إن لها هدفين أساسيين. الأول يتمثل في لقاء البابا ليو الرابع عشر ووضعه في صورة آخر المعطيات المتعلقة بـ«اتفاق الإطار»، خصوصاً لجهة الدور الذي يمكن أن يؤديه في الدفع نحو تثبيت المسار السياسي. أما الهدف الثاني، فيتمثل في لقاء الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، والبحث في مرحلة ما بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل»، في حال تعذر التمديد للقوة الدولية.

وتلفت المصادر إلى أن هذا الملف يرتبط بالمبادرة الفرنسية - الإيطالية التي سبق أن طُرحت بشأن صيغة يمكن أن تتولى بموجبها قوات دولية المهمة الأمنية في الجنوب في حال عدم التمديد لـ«اليونيفيل» نهاية العام الحالي.

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عند الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل عند أطراف قرية كفرشوبا الجنوبية في لبنان (د.ب.أ)


إسرائيل تتوسع في 8 قرى لبنانية إضافية منذ وقف النار

عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)
عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تتوسع في 8 قرى لبنانية إضافية منذ وقف النار

عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)
عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)

توسّعت السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان في 8 قرى وبلدات، توغّل جيشها فيها، أو فرض سيطرة نارية عليها وأخلاها من سكانها، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بموازاة أعمال تجريف ونسف وتفجيرات متواصلة في المنطقة المحتلة.

وأفشلت إسرائيل، في الجولة السابعة من المفاوضات، المساعي اللبنانية والأميركية لتوسعة المناطق النموذجية في جنوب لبنان، ووقف إطلاق النار ووقف التجريف وأعمال النسف والتفجير، بحسب ما تؤكد مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، في وقت يرى فيه «حزب الله» أن تل أبيب «دخلت في مسار واشنطن التفاوضي مع لبنان للهروب من مسار إسلام آباد»، في إشارة إلى وثيقة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة التي تنص على الإنهاء الفوري والدائم لجميع العمليات العسكرية على جميع الجبهات، واحترام وحدة أراضي لبنان وسيادته.

جرافة إسرائيلية تعمل في بلدة زوطر الشرقية كما تظهر من بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

ويرى الحزب، بحسب مصادر مطلعة، أن تملّص إسرائيل من التزامات إسلام آباد «منحت جيشها حرية الحركة في المنطقة الواقعة شمال الخط الأصفر، وشجعته على الاستمرار بالاعتداءات والتجريف وهدم المنازل، وفرض مناطق محتلة بالنار في القرى المقابلة لمناطق سيطرته، حيث يستهدف أي سيارة وأي مظاهر حياة في المنطقة غير المحتلة» في عمق جنوب لبنان.

توسع في 8 قرى

بمعزل عن المسارات والنصوص التي «لا تقيم إسرائيل وزناً لها»، وفقاً للمصادر اللبنانية، وسع جيشها السيطرة خارج الخط الأصفر، منذ وقف إطلاق النار، حيث تكررت التوغلات وأعمال التفجير في قرى لم يكن يسيطر عليها خلال فترة القتال مع «حزب الله». ووثقت مصادر أمنية لبنانية توغلات وسيطرة نارية على 8 قرى على الأقل، هي كفرتبنيت الواقعة غربي مرتفعات «علي الطاهر» شرق النبطية، حيث نفذت عدة تفجيرات، كما فرضت حظر تجول بالنار في بلدة النبطية الفوقا القريبة، وهي تقع في القطاع الشرقي.

دمار واسع في بلدة بني حيان كما يظهر من بلدة قبريجا الواقعة على الضفة الغربية من وادي الحجير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أما في القطاع الأوسط، فنفذت توغلات إلى بلدات بيت ياحون وبرعشيت وحداثا، وفرضت سيطرة نارية على أطراف عيتا الجبل، كذلك توغلت إلى أطراف بلدة شقرا قرب وادي السلوقي، وتحديداً إلى منطقة قلعة دوبيه. وفي القطاع الغربي، توسعت السيطرة إلى بلدة مجدل زون وبلدة المنصوري، وهما بلدتان تعرضتا لتفجيرات ضخمة، وتم الدخول إليهما بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

تدمير 85 ألف وحدة سكنية بالجنوب

يُضاف ذلك، إلى تدمير واسع نفذته القوات الإسرائيلية في 46 بلدة وقرية من أصل 54 داخل الخط الأصفر، بحسب تحليل سابق لموقع «بيلينغكات»، فيما كشفت صور أقمار اصطناعية ومقاطع مصورة عن أن عمليات الهدم والتجريف الإسرائيلية في جنوب لبنان لم تتوقف مع انحسار المعارك، بل امتدت إلى أحياء وطرق ومنشآت مدنية وأراض زراعية، بما يعرقل عودة عشرات الآلاف من السكان، وفقاً لتحقيق بصري أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» بالتعاون مع منظمة «لايتهاوس ريبورتس».

قلعة دوبيه كما تظهر من بلدة شقرا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ووثق «المجلس الوطني للبحوث العلمية» في لبنان، تضرر أو تدمير نحو 85 ألف وحدة سكنية في الجنوب، ويرجح المجلس أن تكون الحصيلة الفعلية أكبر؛ لأن ما بين 20 و30 في المائة من المباني لم تخضع للتقييم بسبب استمرار العمليات وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.

انتهاكات متواصلة

في المستجدات، أغار الطيران الإسرائيلي، الأربعاء، على منزل في حي الدير بالنبطية الفوقا ودمّره بالكامل، ونفذت القوات الإسرائيلية عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بلدة حداثا التي نفذت إسرائيل تفجيراً فيها، كما استهدفت دبابة ميركافا بلدة الخيام بأربع قذائف.

الدخان يتصاعد في بلدة عيترون نتجية تفجيرات إسرائيلية (أ.ف.ب)

وأفادت وسائل إعلام محلية بتوغل للقوات الإسرائيلية في الأطراف الغربية لمدينة ميس الجبل، منطقة دوبيه، ترافق ذلك مع قصف مدفعي استهدف أحد المنازل.

وشن الطيران الإسرائيلي بُعيد منتصف الليل سلسلة من الغارات على جنوب لبنان، حيث أفيد عن غارتين على الدبشة النبطية أحدثتا انفجارات قوية، كما شن غارات استهدفت دوحة كفررمان وبرعشيت والقنطرة و«علي الطاهر» وأطراف دير سريان.


مصير «علي الطاهر» رهن المبارزة الأميركية - الإسرائيلية

 عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)
TT

مصير «علي الطاهر» رهن المبارزة الأميركية - الإسرائيلية

 عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)

كشفت مصادر أمنية ونيابية مواكبة للحرب المشتعلة بين «حزب الله» وإسرائيل أن واشنطن لا تشجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الحزب، ما يفسر عدم حصوله حتى الساعة على ضوء أخضر أميركي للسيطرة على تلال «علي الطاهر»، وإن كانت واشنطن حسب قول المصادر لـ«الشرق الأوسط» تبرر له توسعة خروقه واعتداءاته التي تشمل البلدات المجاورة للموقع، وكان آخرها استطلاع الجيش الإسرائيلي بالنار لعدد من المداخل والمنافذ المؤدية لـ«التلال» ونجم عنها دخوله باشتباك مع عناصر الحزب.

إصابة جنود إسرائيليين

لفتت المصادر النيابية والأمنية إلى أن الاشتباك أدى إلى إصابة ضابط وثلاثة جنود إسرائيليين جروح بعضهم بليغة، ما اضطره لتوسيع غاراته واستهدافه تباعاً لمسؤولَيْن اثنين في وحدة الرضوان التابعة لـ«حزب الله»، فيما أحجم الأخير عن تبنّيه للعملية التي ألحقت إصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي، ولم يذكر أي معلومات تتعلق بالقوة التي تصدّت لإصراره على أن يستكشف بالنار بعض مداخل ومنافذ التلال.

وأكدت المصادر أن نتنياهو اتهم، برد فعل أولي، «حزب الله» بخرق وقف النار لتبرير توسعته للغارات التي شنها جيشه على «التلال» والبلدات المحيطة بها امتداداً إلى بلدتي أنصار ودير الزهراني. وقالت إنه لن يتردد في شن هجوم واسع على «التلال» لو أنه يحظى بضوء أخضر أميركي، كما أن الحزب لم يتجاوب مع النصائح التي أُسديت له بإخلاء «التلال» لمصلحة الجيش اللبناني بذريعة أنها تشكل بالنسبة له خطاً أحمر لن يفرّط به.

مرتفعات علي الطاهر ويبدو أسفلها التدمير الواسع في بلدة كفر تبنيت (الشرق الأوسط)

وحسبما أبلغ الحزب الوسطاء الذين تواصلوا معه، فإنه يخشى، إذا ما أخلى «التلال»، أن يضطر الجيش اللبناني لأن يعيد النظر بتموضعه فيها بما يسمح للجيش الإسرائيلي وضع يده عليها أسوة بما حصل عندما قررت قيادته إعادة انتشار وحداتها في جنوب نهر الليطاني ولاحقاً في قلعة الشقيف والبلدات المحيطة، وهو في المقابل يفضل، حسب المصادر، عدم الإفصاح عن الأثمان السياسية التي يريدها في مقابل إخلائه للتلال مكتفياً باشتراطه انسحاب إسرائيل من الجنوب.

إخلاء المقاتلين من «علي الطاهر»

وقالت المصادر إن «حزب الله» تمكن أخيراً، بعد محاولات عدة، من إيصال مواد غذائية إلى مقاتليه الموجودين بداخل المنشأة العسكرية التي أقامها تحت التلال، وذلك بعد أن أحبط الجيش الإسرائيلي أكثر من محاولة بإسقاطه المسيّرات وهي في طريقها لإيصالها إليهم، بما فيها احتياجاتهم الضرورية. إضافة إلى ذلك، يقول مصدر نيابي بارز مقرّب من «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، إن الحزب تمكّن من «إجراء تبديل لقواته المتمركزة بداخلها، وبعضهم وصل بأمان إلى خارج المنطقة عبر مسارب وتشعبات قادته للخروج منها بعيداً عن مرأى الجيش الإسرائيلي وناره».

ارتباط «علي الطاهر» بإيران

إلى ذلك، رأت المصادر أن قراءة مستقبل الوضع في المنشأة العسكرية مرتبطة إلى حد كبير بمصير المبارزة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، سواء كان سلماً أم حرباً في ضوء ارتفاع منسوب تبادل الحملات بينهما التي بلغت ذروتها بانتهاء مهلة الـ60 يوماً لتطبيق «مذكرة التفاهم».

مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ)

وأضافت المصادر أن واشنطن ليست في وارد تمديد المهلة لـ60 يوماً إضافية، على الأقل في المدى المنظور، ما لم تؤد مداخلات الوسطاء لإقناعها بالموافقة على إمهال القيادة الإيرانية فترة زمنية مديدة تسمح ببدء تطبيق ما نصت عليه «مذكرة التفاهم».

وأكدت أن مجرد تمديد المهلة يعني أن واشنطن لا تحبّذ انزلاق نتنياهو لمواجهة عسكرية مفتوحة مع «حزب الله»، ولن تعطيه الضوء الأخضر لشن هجوم واسع ما يضطره للاكتفاء بحصر المواجهة تحت سقف استنزاف قدرات الحزب العسكرية بتوفير الحماية لمنشآته. أما عدم تمديدها فقد يترتب عليه تجدد الحرب الأميركية - الإيرانية التي يمكن أن توفر ذريعة للسيطرة على «التلال»، فيما القيادة الإيرانية تلوّح بالرد على إسرائيل وهي أبلغت قيادة «حزب الله» بأنها لن تقف مكتوفة اليدين وتتركه وحيداً في المواجهة، وهذا ما تتباهى به قيادته بالسر والعلن.

ترمب يضبط الوضع بالجنوب

أضافت المصادر أن لجوء نتنياهو لاستغلال تجدد المواجهة بشن حملة عسكرية للسيطرة على «التلال» سيؤدي حتماً إلى توسيعها بدخول إيران لتخفيف الضغط على مقاتلي الحزب، مع أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفضّل حالياً الاكتفاء بالضغط السياسي والحصار الاقتصادي.

مناصرون لـ«حزب الله» يبكون قرب نعوش عائلة من الحزب قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً ببلدة أنصار جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وإلى أن يتبين ما سيؤول إليه مصير التلال وسط التجاذبات بين نتنياهو وترمب، فإن الأخير يدعم الجهود الرامية لضبط الوضع ما أمكن في الجنوب ومنع إسرائيل من توسعته مع وقوف لبنان على مشارف التحضير للجولة الثامنة من المفاوضات التي ما زالت قائمة في سبتمبر (أيلول) المقبل دون تحديد موعد انعقادها.

استمرار المفاوضات

وفي هذا السياق، تصر الإدارة الأميركية على ديمومة المفاوضات، وهي تلتقي مع رغبة رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي لا يرى مصلحة للبنان في تخلفه عن المشاركة فيها بغياب البديل أولاً، وبافتقاده ثانياً للمرجعية الدولية التي تتمثل بترمب لضبط أداء نتنياهو وإبقائه ما أمكن تحت السيطرة، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي هو الأقدر للضغط عليه لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» الذي رعى شخصياً الإعلان عنه.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الشعور السائد حالياً لدى غالبية اللبنانيين والقوى السياسية الداعمة لـ«اتفاق الإطار» يغلب عليه تقديرهم بأن نتنياهو يميل لتأجيل البحث في توسيع «المناطق التجريبية» إلى ما بعد الانتخابات، إضافة إلى أنه يتردد في حسم موقفه من تشكيل آلية التحقق من انتشار الجيش في «التجريبية الأولى» التي شملت بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا، والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه، برغم أن رئيس مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان الجنرال جوزيف كليرفيلد لا يزال يواصل اتصالاته بين بيروت وتل أبيب، وهو التقى للمرة الثانية قائد الجيش العماد رودولف هيكل في محاولة للتوافق على الآلية، ولا يزال حتى الساعة يقيم في سفارة بلاده في عوكر.

ضابط إيطالي يرأس آلية التحقق

وحسب المعلومات، فإن تشكيل الآلية سيتصدر زيارة عون لروما والفاتيكان في الساعات المقبلة في محاولة لإقناع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الحكومة جورجيا ميلوني بأن تُسند رئاسة آلية التحقق لضابط إيطالي على أساس أنه يحظى بموافقة الدول الثلاث، المعنية بتطبيق «اتفاق الإطار»، فيما لا يزال اسم أذربيجان مطروحاً.

لذلك يواصل كليرفيلد اتصالاته المكوكية لعله ينجح في تأمين ولادة طبيعية لآلية التحقق قبل انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات.