ماذا تقول خريطة النفوذ العسكري في سوريا بعد عام على التحرير؟

انتهى تدخل «حزب الله» «من القصير» فانقطعت الإمدادات للميليشيات الإيرانية

سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

ماذا تقول خريطة النفوذ العسكري في سوريا بعد عام على التحرير؟

سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

طرأ على خريطة السيطرة السورية تغيُّر جِذريّ، منذ نهاية عام 2024 بانطلاق معركة ردع العدوان وسقوط نظام الأسد، مع استمرار بعض الأنشطة الأمنية والعسكرية التي رسمت خريطة البلاد خلال عام 2025.

وبينما لا يُتوقَّع بحسب دراسة أصدرها مركز «جسور» السوري، استمرار الخريطة على هذا الشكل مع التوجُّه الإقليمي والدولي لمنع الفوضى والتقسيم اللذين يهددان أمن المنطقة واستقرارها، فإن تغيير الخريطة في المستقبل القريب غالباً ما سيكون بدفع سياسي وأمني أكثر منه اللجوء إلى الأعمال العسكرية الواسعة.

محمود إيبو أحد ثلاثة باحثين عملوا على تقرير (خريطة النفوذ على الأرض السورية في عام 2025 )، يتحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن تغير خريطة النفوذ منذ انطلاق المعارك «ردع العدوان» في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. فخلال أقل من أسبوعين، فقد نظام الأسد سيطرته على المناطق التي كان يهيمن عليها منذ عام 2020، والتي كانت تمتد على أكثر من نصف مساحة البلاد.

خريطة المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

خروج النفوذ الإيراني من الجغرافيا السورية

ومع سقوط النظام، تفكّك أيضاً الوجود الإيراني الذي ارتبط به على مدى أكثر من عقد، فقد انسحبت الميليشيات التابعة لإيران، التي كانت منتشرة في ريف دمشق، وحمص، وحلب، ومحافظات الجنوب، والبوكمال والميادين.

ويلفت إيبو إلى أن تلك الميليشيات «انسحبت بشكل كامل»، بعد انقطاع خطوط الإمداد والربط التي كانت تصلها بلبنان والعراق، ما أدى عملياً، إلى خروج النفوذ الإيراني وميليشياته بشكل كامل من الجغرافيا السورية.

أعلام سوريا و«حزب الله» في القصير خلال يونيو 2013 (أ.ف.ب)

ضمن هذا السياق، انتهى أيضاً الدور العسكري لـ«حزب الله» في سوريا، بعد أن شكل إحدى أبرز أذرع هذا النفوذ منذ عام 2013، حين بدأ تدخله بسقوط مدينة القصير بيده، لكن المفارقة أن نهاية تلك المرحلة جاءت في المدينة ذاتها، مع سقوط القصير بيد فصائل معركة «ردع العدوان» أواخر عام 2024 وخروج عناصر الحزب منها بشكل كامل، في مشهد مثّل نهاية فعلية لمرحلة طويلة من التدخل العسكري لـ«حزب الله» في سوريا، بعد أن فقد إحدى أهم قواعد ارتباطه الجغرافي بإيران عبر الأراضي السورية.

في هذا السياق، خرجت العديد من المناطق التي كانت خاضعة لنفوذ «حزب الله» والفصائل المرتبطة بإيران من دائرة السيطرة غير المباشرة، لتعود وتدخل ضمن نطاق سيطرة الدولة السورية الجديدة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية في الشمال.

يزيل ركام منزله المدمر في بلدة تل رفعت بريف حلب التي كانت مسرحاً لمعارك بين نظام الأسد والفصائل المعارضة وقوات «قسد» (أ.ب)

أما التغيير الأكبر في توزع النفوذ العام المنصرم، فقد كان على حساب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بحسب إيبو، إذ أدّت عملية فجر الحرية إلى إنهاء وجودها في مناطق كانت تمثل لها نقاطاً مفصلية غرب نهر الفرات، مع سقوط مدينة تل رفعت والقرى المحيطة بها، ثم امتداد التقدم باتجاه منبج، لتفقد واحدة من أهم مدن سيطرتها في تلك المنطقة.

ونتيجة لذلك، تراجع نفوذ «قسد» في ريف حلب الشمالي والشرقي، وانكفأت شرقاً نحو الرقة والحسكة وإلى أجزاء من دير الزور.

السويداء ونفوذ الجنوب

وفي الجنوب، برز واقع محدود لكنه مؤثر في محافظة السويداء، إذ سيطرت مجموعات محلية مرتبطة بالشيخ حكمت الهجري على أجزاء من المحافظة عقب انسحاب قوات النظام، مستفيدةً من الفراغ الأمني. ورغم محدودية هذه السيطرة جغرافياً، فإنها شكّلت جيب نفوذ خارج سيطرة الحكومة الجديدة، وأدخلت عنصراً إضافياً على حالة عدم الاستقرار في محافظات الجنوب.

جنود إسرائيليون على متن ناقلة جند مدرعة في المنطقة العازلة التي تفصل مرتفعات الجولان المحتلة عن سوريا قرب قرية مجدل شمس الدرزية فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وبالتوازي، استغلت إسرائيل انهيار الجبهة الجنوبية، فتجاوزت المنطقة العازلة وثبّتت وجودها في نقاط محدودة وتلال استراتيجية قرب خط الفصل. ورغم ضآلة المساحة التي تتمركز فيها، فإن رمزية المواقع المختارة وقيمتها الاستخبارية، تمنحانها قدرة على المراقبة والضغط وتسهمان في إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة على احتمالات عدم الاستقرار.

استنتاجات الخريطة الجديدة

خريطة انتشار النفوذ العسكري الأمني في سوريا لعام 2025 (مركز «جسور»)

تُظهر خريطة السيطرة في سوريا نهاية عام 2025 مشهداً سياسياً جديداً تتداخل فيه 4 أطراف رئيسية، هي الحكومة السورية، «قسد»، قوات الحرس الوطني في السويداء وإسرائيل، مع تبايُن في مستوى النفوذ وحجم السيطرة فيما بينها.

الحكومة السورية هي الجهة الرئيسية المسيطرة، وفضلاً عن السيطرة السياسية الواسعة والمجتمعية الكبيرة فإنها تسيطر جغرافياً على 69.3 في المائة من مساحة البلاد، وهي مساحة واسعة تشمل المدن الكبرى ومعظم البنى الإدارية والطرق الحيوية، لكنها لا تُسيطر على 4 مراكز محافظات، هي: القنيطرة والسويداء والحسكة والرقة.

في المقابل، تسيطر «قسد» على 27.8 في المائة من مساحة البلاد، وتتموضع شمال سوريا وشرقها على امتداد جغرافي واسع؛ لكنه متباين من حيث الاستقرار الداخلي؛ حيث تعاني من تحدِّيَات كبيرة ومعقَّدة، أبرزها الضغط السياسي المرتبط بتنفيذ اتفاق 10 مارس (آذار) 2025، الذي يشكّل مدخلاً لإعادة ضبط علاقتها مع الحكومة السورية.

أما قوات الحرس الوطني في السويداء التابعة للشيخ حكمت الهجري، فتسيطر على 2.8 في المائة من مساحة البلاد، ويمثّل نفوذها حالة مختلفة من حيث الحجم والدور. ورغم محدوديَّة المساحة، تأتي أهمية هذا المجلس من موقعه الجغرافي ومن طبيعة الدعم المباشر الذي يتلقاه من إسرائيل، ما يجعل وجوده جزءاً من منظومة تهدف إلى إبقاء حالة عدم الاستقرار في الجنوب قائمة.

ويتقاطع وجود الحرس الوطني في السويداء مع توغُّل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بنسبة 0.1 في المائة، ورغم ضآلة هذه المساحة، فإن اختيار المواقع يعكس طابعاً استراتيجياً؛ فالجيش الإسرائيلي يتموضع في نقاط مرتفعة وقرى صغيرة لها قيمة مراقبة عالية تُشرف على خطوط الحركة في الجنوب الشرقي. هذا الوجود لا يهدف إلى السيطرة الجغرافية بقدر ما يستهدف إنشاء خطّ إنذار مبكر، وضبط المجال القريب من الحدود، ودعم البيئة التي تمنع استقراراً كاملاً في الجنوب، وهو ما ينسجم مع الدور غير المباشر في تعزيز موقع قوات الحرس الوطني في السويداء.

تغيير بضغوط سياسية

يتابع الباحث محمود إيبو، بشكل عام شهدت خريطة السيطرة في سوريا منذ أواخر عام 2024 تحولاً جذرياً أنهى مرحلة جيوسياسية استقرّت ملامحها منذ عام 2020، لتدخل البلاد في وضع أكثر سيولة وتعقيداً مع تراجع نفوذ الفاعلين التقليديين وبروز خرائط نفوذ جديدة لم تستقر بعد.

ورغم استمرار بعض التحركات الأمنية والعسكرية التي أعادت رسم المشهد خلال عام 2025، فإن تثبيت هذه الخريطة على المدى القريب لا يبدو مرجّحاً، في ظل المساعي الإقليمية والدولية لتفادي الفوضى والتقسيم. وعلى الأرجح، فإن أي تغيير مقبل في موازين السيطرة، سيجري عبر أدوات الضغط السياسي والأمني وإعادة هندسة النفوذ، أكثر من عودته إلى ديناميات المواجهات العسكرية الواسعة.


مقالات ذات صلة

الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

كشفت وسائل إعلام ألمانية أن الرئيس السوري سيصل إلى العاصمة برلين، الاثنين، في زيارة تأتي بعد إلغاء سابق طرأ في اللحظة الأخيرة على موعد كان مقرراً في يناير.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وبدر عبد العاطي وأسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان يبحث مستجدات المنطقة مع عبد العاطي والشيباني

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة وتداعياتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي الشيخ حكمت الهجري (أ.ف.ب)

بعد بيان الثلاثاء... مصدر حكومي سوري ينفي وجود اتصالات رسمية مع الهجري

هاجم مدير الأمن في السويداء سليمان عبد الباقي، شيخ العقل حكمت الهجري، واتهمه بالتحريض على السوريين المقيمين في العراق، وذلك بعد البيان الأخير الذي أصدره

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي مكتب المدعي العام في وزارة العدل الأميركية

محكمة أميركية تدين «رجل الظل» بتجارة المخدرات والسلاح في نظام الأسد

أقرَّ قسيس بأنه كان يعمل مباشرةً مع ماهر الأسد (شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد)، وغيره من كبار المسؤولين العسكريين في النظام البائد لإتمام الصفقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي قاعدة تل بيدر العسكرية في الحسكة سوريا 8 يونيو 2025 (رويترز)

العراق يوقف 4 أشخاص على خلفية إطلاق صواريخ نحو سوريا

أعلن العراق، مساء الثلاثاء، أنه أوقف أربعة أشخاص أطلقوا صواريخ قبل يوم نحو قاعدة عسكرية في شمال شرق سوريا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد


فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
TT

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد


فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

في ظل استمرار القصف الأميركي على مواقع «الحشد الشعبي» في العراق، حصلت الحكومة على صلاحيات واسعة وُصفت بـ«صلاحيات حرب» بغطاء سياسي من التحالف الحاكم، وقضائي من مجلس القضاء.

وأكد رئيس مجلس القضاء العراقي، فائق زيدان، وجود آليات دستورية لإعلان «حالة الحرب»، والإجراءات القضائية «بحق الجهات التي تستهدف مؤسسات الدولة».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، أمس (الأربعاء)، مقتل وإصابة العشرات من جنودها، في غارة استهدفت مستوصف الحبانية العسكري غرب الأنبار. ووصفت الوزارة الهجوم بأنه «انتهاك صارخ وخطير للقوانين الدولية».

ووفق مصادر أمنية، فإن الضربة استهدفت أيضاً مقراً للاستخبارات تابعاً لـ«الحشد» داخل قاعدة الحبانية. وتحدثت المصادر عن وقوع غارتين إضافيتين استهدفتا مقر «اللواء 45» التابع لـ«الحشد الشعبي» في مدينة القائم قرب الحدود السورية.


إسرائيل تحاصر كبرى مدن الحدود اللبنانية

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحاصر كبرى مدن الحدود اللبنانية

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتجه إسرائيل لمحاصرة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني بجنوب لبنان، عبر توغلات برية من ثلاث جهات، تشمل محور مارون الراس من الشرق، وأطراف عيناثا من الشمال، ودبل وعيتا الشعب من الغرب، في وقت يتوسع فيه توغل الجيش الإسرائيلي باتجاه شمال مدينة الخيام على المحور الشرقي، ويقترب من ضفة نهر الليطاني في وادي الحجير، عبر عمليات من الطيبة باتجاه دير سريان.

وفيما تلقي تداعيات الحرب بظلالها على الداخل اللبناني، تتعمّق أزمة سياسية موازية، على خلفية الدعم القوي الذي قدّمه ممثلا الطائفة الشيعية في البرلمان والحكومة، و«المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» إلى السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، ومطالبتهم لوزارة الخارجية بالتراجع عن قرار إبعاد شيباني، من بيروت.

وتختبر الحكومة، اليوم (الخميس)، تداعيات الأزمة بجلسة وزارية كان لوَّح ممثلو «الثنائي الشيعي» بمقاطعتها.


الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
TT

الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

كشفت وسائل إعلام ألمانية أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيصل إلى العاصمة الألمانية برلين، يوم الاثنين المقبل، في زيارة تأتي بعد إلغاء سابق طرأ في اللحظة الأخيرة على موعد كان مقرراً في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وبحسب ما أفادت صحيفة «بيلد»، فإن الزيارة المرتقبة لم تُعلن تفاصيل جدول أعمالها حتى الآن، وسط ترقب لما سيتضمنه اللقاء مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

ومن المتوقع أن يستند الاجتماع إلى الدعوة التي وجّهها ميرتس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث دعا حينها الرئيس السوري إلى بحث مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا، في إشارة إلى احتمال تصدّر هذا الملف جدول الأعمال، وفق ما ذكره «تلفزيون سوريا».

وفي تعليق على الاستفسارات بشأن الزيارة، قالت متحدثة باسم الحكومة الألمانية: «يُعلن عادة عن المواعيد العلنية للمستشار الاتحادي يوم الجمعة من الأسبوع السابق»، دون تأكيد رسمي لموعد اللقاء.

ويُظهر التقرير السنوي لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي (EUAA)، الصادر مطلع مارس (آذار)، أن نحو 151 ألف سوري تقدموا بطلب لجوء في عام 2024، مقارنة بـ42 ألفاً في عام 2025، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في أعداد الطلبات.