ماذا تقول خريطة النفوذ العسكري في سوريا بعد عام على التحرير؟

انتهى تدخل «حزب الله» «من القصير» فانقطعت الإمدادات للميليشيات الإيرانية

سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

ماذا تقول خريطة النفوذ العسكري في سوريا بعد عام على التحرير؟

سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

طرأ على خريطة السيطرة السورية تغيُّر جِذريّ، منذ نهاية عام 2024 بانطلاق معركة ردع العدوان وسقوط نظام الأسد، مع استمرار بعض الأنشطة الأمنية والعسكرية التي رسمت خريطة البلاد خلال عام 2025.

وبينما لا يُتوقَّع بحسب دراسة أصدرها مركز «جسور» السوري، استمرار الخريطة على هذا الشكل مع التوجُّه الإقليمي والدولي لمنع الفوضى والتقسيم اللذين يهددان أمن المنطقة واستقرارها، فإن تغيير الخريطة في المستقبل القريب غالباً ما سيكون بدفع سياسي وأمني أكثر منه اللجوء إلى الأعمال العسكرية الواسعة.

محمود إيبو أحد ثلاثة باحثين عملوا على تقرير (خريطة النفوذ على الأرض السورية في عام 2025 )، يتحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن تغير خريطة النفوذ منذ انطلاق المعارك «ردع العدوان» في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. فخلال أقل من أسبوعين، فقد نظام الأسد سيطرته على المناطق التي كان يهيمن عليها منذ عام 2020، والتي كانت تمتد على أكثر من نصف مساحة البلاد.

خريطة المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

خروج النفوذ الإيراني من الجغرافيا السورية

ومع سقوط النظام، تفكّك أيضاً الوجود الإيراني الذي ارتبط به على مدى أكثر من عقد، فقد انسحبت الميليشيات التابعة لإيران، التي كانت منتشرة في ريف دمشق، وحمص، وحلب، ومحافظات الجنوب، والبوكمال والميادين.

ويلفت إيبو إلى أن تلك الميليشيات «انسحبت بشكل كامل»، بعد انقطاع خطوط الإمداد والربط التي كانت تصلها بلبنان والعراق، ما أدى عملياً، إلى خروج النفوذ الإيراني وميليشياته بشكل كامل من الجغرافيا السورية.

أعلام سوريا و«حزب الله» في القصير خلال يونيو 2013 (أ.ف.ب)

ضمن هذا السياق، انتهى أيضاً الدور العسكري لـ«حزب الله» في سوريا، بعد أن شكل إحدى أبرز أذرع هذا النفوذ منذ عام 2013، حين بدأ تدخله بسقوط مدينة القصير بيده، لكن المفارقة أن نهاية تلك المرحلة جاءت في المدينة ذاتها، مع سقوط القصير بيد فصائل معركة «ردع العدوان» أواخر عام 2024 وخروج عناصر الحزب منها بشكل كامل، في مشهد مثّل نهاية فعلية لمرحلة طويلة من التدخل العسكري لـ«حزب الله» في سوريا، بعد أن فقد إحدى أهم قواعد ارتباطه الجغرافي بإيران عبر الأراضي السورية.

في هذا السياق، خرجت العديد من المناطق التي كانت خاضعة لنفوذ «حزب الله» والفصائل المرتبطة بإيران من دائرة السيطرة غير المباشرة، لتعود وتدخل ضمن نطاق سيطرة الدولة السورية الجديدة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية في الشمال.

يزيل ركام منزله المدمر في بلدة تل رفعت بريف حلب التي كانت مسرحاً لمعارك بين نظام الأسد والفصائل المعارضة وقوات «قسد» (أ.ب)

أما التغيير الأكبر في توزع النفوذ العام المنصرم، فقد كان على حساب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بحسب إيبو، إذ أدّت عملية فجر الحرية إلى إنهاء وجودها في مناطق كانت تمثل لها نقاطاً مفصلية غرب نهر الفرات، مع سقوط مدينة تل رفعت والقرى المحيطة بها، ثم امتداد التقدم باتجاه منبج، لتفقد واحدة من أهم مدن سيطرتها في تلك المنطقة.

ونتيجة لذلك، تراجع نفوذ «قسد» في ريف حلب الشمالي والشرقي، وانكفأت شرقاً نحو الرقة والحسكة وإلى أجزاء من دير الزور.

السويداء ونفوذ الجنوب

وفي الجنوب، برز واقع محدود لكنه مؤثر في محافظة السويداء، إذ سيطرت مجموعات محلية مرتبطة بالشيخ حكمت الهجري على أجزاء من المحافظة عقب انسحاب قوات النظام، مستفيدةً من الفراغ الأمني. ورغم محدودية هذه السيطرة جغرافياً، فإنها شكّلت جيب نفوذ خارج سيطرة الحكومة الجديدة، وأدخلت عنصراً إضافياً على حالة عدم الاستقرار في محافظات الجنوب.

جنود إسرائيليون على متن ناقلة جند مدرعة في المنطقة العازلة التي تفصل مرتفعات الجولان المحتلة عن سوريا قرب قرية مجدل شمس الدرزية فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وبالتوازي، استغلت إسرائيل انهيار الجبهة الجنوبية، فتجاوزت المنطقة العازلة وثبّتت وجودها في نقاط محدودة وتلال استراتيجية قرب خط الفصل. ورغم ضآلة المساحة التي تتمركز فيها، فإن رمزية المواقع المختارة وقيمتها الاستخبارية، تمنحانها قدرة على المراقبة والضغط وتسهمان في إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة على احتمالات عدم الاستقرار.

استنتاجات الخريطة الجديدة

خريطة انتشار النفوذ العسكري الأمني في سوريا لعام 2025 (مركز «جسور»)

تُظهر خريطة السيطرة في سوريا نهاية عام 2025 مشهداً سياسياً جديداً تتداخل فيه 4 أطراف رئيسية، هي الحكومة السورية، «قسد»، قوات الحرس الوطني في السويداء وإسرائيل، مع تبايُن في مستوى النفوذ وحجم السيطرة فيما بينها.

الحكومة السورية هي الجهة الرئيسية المسيطرة، وفضلاً عن السيطرة السياسية الواسعة والمجتمعية الكبيرة فإنها تسيطر جغرافياً على 69.3 في المائة من مساحة البلاد، وهي مساحة واسعة تشمل المدن الكبرى ومعظم البنى الإدارية والطرق الحيوية، لكنها لا تُسيطر على 4 مراكز محافظات، هي: القنيطرة والسويداء والحسكة والرقة.

في المقابل، تسيطر «قسد» على 27.8 في المائة من مساحة البلاد، وتتموضع شمال سوريا وشرقها على امتداد جغرافي واسع؛ لكنه متباين من حيث الاستقرار الداخلي؛ حيث تعاني من تحدِّيَات كبيرة ومعقَّدة، أبرزها الضغط السياسي المرتبط بتنفيذ اتفاق 10 مارس (آذار) 2025، الذي يشكّل مدخلاً لإعادة ضبط علاقتها مع الحكومة السورية.

أما قوات الحرس الوطني في السويداء التابعة للشيخ حكمت الهجري، فتسيطر على 2.8 في المائة من مساحة البلاد، ويمثّل نفوذها حالة مختلفة من حيث الحجم والدور. ورغم محدوديَّة المساحة، تأتي أهمية هذا المجلس من موقعه الجغرافي ومن طبيعة الدعم المباشر الذي يتلقاه من إسرائيل، ما يجعل وجوده جزءاً من منظومة تهدف إلى إبقاء حالة عدم الاستقرار في الجنوب قائمة.

ويتقاطع وجود الحرس الوطني في السويداء مع توغُّل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بنسبة 0.1 في المائة، ورغم ضآلة هذه المساحة، فإن اختيار المواقع يعكس طابعاً استراتيجياً؛ فالجيش الإسرائيلي يتموضع في نقاط مرتفعة وقرى صغيرة لها قيمة مراقبة عالية تُشرف على خطوط الحركة في الجنوب الشرقي. هذا الوجود لا يهدف إلى السيطرة الجغرافية بقدر ما يستهدف إنشاء خطّ إنذار مبكر، وضبط المجال القريب من الحدود، ودعم البيئة التي تمنع استقراراً كاملاً في الجنوب، وهو ما ينسجم مع الدور غير المباشر في تعزيز موقع قوات الحرس الوطني في السويداء.

تغيير بضغوط سياسية

يتابع الباحث محمود إيبو، بشكل عام شهدت خريطة السيطرة في سوريا منذ أواخر عام 2024 تحولاً جذرياً أنهى مرحلة جيوسياسية استقرّت ملامحها منذ عام 2020، لتدخل البلاد في وضع أكثر سيولة وتعقيداً مع تراجع نفوذ الفاعلين التقليديين وبروز خرائط نفوذ جديدة لم تستقر بعد.

ورغم استمرار بعض التحركات الأمنية والعسكرية التي أعادت رسم المشهد خلال عام 2025، فإن تثبيت هذه الخريطة على المدى القريب لا يبدو مرجّحاً، في ظل المساعي الإقليمية والدولية لتفادي الفوضى والتقسيم. وعلى الأرجح، فإن أي تغيير مقبل في موازين السيطرة، سيجري عبر أدوات الضغط السياسي والأمني وإعادة هندسة النفوذ، أكثر من عودته إلى ديناميات المواجهات العسكرية الواسعة.


مقالات ذات صلة

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

المشرق العربي مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

من المتوقع أن يعلن مكتب الرئاسة أسماء ثلث مقاعد المجلس بعد المصادقة على نتائج انتخابات الحسكة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اللقاء في أبوظبي (وام)

محمد بن زايد والشرع يبحثان تعزيز العلاقات والتطورات الإقليمية

بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون المشترك.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
كتب التطور الإعصاري للرأسمالية... العصر الحديث بين فكّي شموليتين

التطور الإعصاري للرأسمالية... العصر الحديث بين فكّي شموليتين

يطرح الكتاب تصوراً للرأسمالية بوصفها قوة تتجاوز بُعدها الاقتصادي، لتغدو نظاماً شمولياً عابراً للقارات...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب) p-circle 03:03

خاص «داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

تشكل الأشهر القادمة مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة وأجهزتها الأمنية وتنظيم «داعش».

سلطان الكنج

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)
TT

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، الخميس، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية وتمكين مؤسسات الدولة فيها، وذلك خلال اتصال هاتفي برئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، بالتزامن مع لقاء أجراه مستشار وزير الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان للرئيس اللبناني جوزيف عون.

وأفادت وكالة الأنباء السعودية «واس»، بأن الوزير فيصل بن فرحان، أجرى اتصالاً هاتفياً برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، مشيرة إلى أنه خلال الاتصال «جرى بحث التطورات على الأراضي اللبنانية والمساعي المبذولة لوقفٍ كاملٍ للاعتداءات الإسرائيلية عليها».

وجدّد وزير الخارجية السعودي، موقف المملكة الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية وتمكين مؤسسات الدولة فيها، فيما أشاد بري بدور المملكة وجهودها المتواصلة في دعم لبنان والحفاظ على أمنه وأمن المنطقة، مجدداً تمسك لبنان باتفاق الطائف، ورفضه لكل ما يهدد المملكة.

بموازاة ذلك، أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس عون استقبل في قصر بعبدا، مستشار وزير الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان وأجرى معه جولة أفق تناولت الأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة، ودور المملكة العربية السعودية في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها.


حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
TT

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

وأقرت الحكومة، قبل أيام، إعادة بناء مستوطنتين شمالي الضفة الغربية، بالإضافة إلى 34 مستوطنة جديدة أقرت قبل أسبوعين.

وغالبية المستوطنات التي أقرتها حكومة نتنياهو جديدة، وأربع منها تم تجميدها في زمن حكومة أرييل شارون، بالإضافة إلى 170 مزرعة استيطانية للرعي، أقيمت خلال الفترة نفسها وتم وضع مليون دونم تحت تصرفها من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وحسب تقرير لحركة «سلام الآن» الإسرائيلية؛ فإن الحكومة خصصت لهذه المشاريع الاستيطانية وحدها ميزانية مباشرة بقيمة 19 مليار شيقل (نحو 7 مليارات دولار).

ورغم أن القيادات العسكرية والاستخبارات حذرت من خطورة الاستيطان من الناحية الأمنية إذ تثقل كاهل الجيش والمخابرات بالأعباء، وتحتاج إلى حراسة على مدار الساعة خوفاً من انتقام الفلسطينيين؛ فإن الحكومة ماضية في برامجها التوسعية والاستيطانية، ولا تخفي هدفها الأكبر منها ألا وهو منع إقامة دولة فلسطينية.

وإلى جانب الاستيطان، الخطير بحدّ ذاته، يقوم أفراد ميليشيات المستوطنين المسلحة، في كل يوم، باقتحام أراضي القرى والتجمعات الأهلية الفلسطينية، ومرات عديدة تتم بمرافقة مسلحين يخدمون في كتائب الدفاع التي تحولت إلى ميليشيات رسمية تابعة للجيش.

احتكاكات مقصودة

ويدور الحديث عن أعمال احتكاك مقصودة، هدفها طرد الفلسطينيين من بيوتهم؛ ورغم ذلك تتواصل دون عراقيل ودون إنفاذ للقانون من أجهزة الاحتلال.

وقتلت عناصر هذه الميليشيات منذ بداية الحرب على غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، 13 فلسطينياً وهم في قراهم. ورغم أن القتلة معروفون لدى الفلسطينيين؛ فإن الشرطة لم تعتقلهم، ولم توجه إليهم لوائح اتهام، وفي أحسن الأحوال يتم التحقيق معهم ويفرج عنهم.

وبالتوازي، توجد أيضاً اعتداءات جماعية منظمة دون وقوع قتلى، يقوم بها عشرات الشبان الملثمين الذين يحملون العصي ومواد حارقة، يعتدون ثم يغادرون المكان في غضون دقائق، وتأتي قوات الأمن متأخرة، ونتيجةً لذلك لا يكون هناك معتقلون في الغالب.

والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وفي الأسابيع الأخيرة أطلقت تنديدات من جانب الحكومة ورئيس الأركان، إيال زامير، في أعقاب ضغط أميركي، لكن هذا لا يكفي إذ إن العنف يتصاعد فقط وسيستمر إلى أن تقرر الحكومة وضع حد للظاهرة.

«خطة الحسم»

ويقول الباحثان الكبيران في معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، العميد (احتياط) أودي ديكل، والدكتورة تامي كينر، إن «الضفة الغربية تشهد في السنوات الثلاث الأخيرة ليس فقط نهضة استيطانية إشكالية، وعنفاً دموياً خطيراً من اليهود ضد العرب؛ بل تشهد أيضاً تحولاً في العقائد والمفاهيم والممارسات العملية».

وشرح الباحثان في مقال مشترك أنه «تحت ذريعة دواعي الأمن والسعي وراء (الأمن المطلق)، تتبنى الحكومة سياسة فرض السيادة الإسرائيلية، وعرقلة سبل التوصل إلى تسوية سياسية مستقبلية، وإضعاف السلطة الفلسطينية حتى انهيارها، وتهجير الفلسطينيين من ديارهم داخل الأراضي الفلسطينية».

ويعتقد الباحثان أن «هذه السياسة تتبنى في الواقع مبادئ (خطة الحسم) التي يروج لها اليمين الآيديولوجي في الحكومة، بقيادة الوزير بتسلئيل سموتريتش، التي تُهدد الاستقرار والأمن في المناطق الفلسطينية، وتؤدي إلى واقع دولة واحدة، مع تغيير جذري في صورة إسرائيل».

جندي إسرائيلي مسلّح بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية اثناء مداهمات (أ.ف.ب)

ويحذر الباحثان من أن «إسرائيل قد تجد نفسها في خطر جسيم يتمثل في اندلاع أعمال إرهابية واسعة النطاق، وتآكل أخلاقي داخلي، وتزايد الانتقادات الدولية الموجهة إليها إلى حد تصنيفها رسمياً دولة فصل عنصري، وتعميق إجراءات العزلة السياسية، وتجميد علاقات السلام القائمة منذ أمد طويل وتهدد حتى (اتفاقيات إبراهيم)».

الجدير بالذكر أن الجيش الإسرائيلي، الذي يحذر من النشاط الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، يقوم هو نفسه بعمليات يسميها هجمات استباقية على جميع البلدات في الضفة الغربية.

وحسب إفادة للأمم المتحدة في مارس (آذار) الماضي، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى 1071 شخصاً منذ 7 أكتوبر 2023، بينهم 233 طفلاً.

وفي حملات اعتقالات يومية نفذت قوات الاحتلال أكثر من 9 آلاف حالة اعتقال لفلسطينيين في الضفة الغربية، وفي الفترة نفسها، تم تهجير نحو 40 ألف فلسطيني وتدمير مخيمات لاجئين في جنين وطولكرم.


نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

أفاد مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، الخميس، ​في حين قتل جنود بالرصاص فتى يبلغ من العمر 15 عاماً خلال مداهمة للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.

وقال مسعفون في غزة إن شخصاً قُتل في غارة جوية استهدفت خان يونس جنوب القطاع، وأسفرت عن إصابة آخرين. فيما أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه استهدف مسلحين ينقلون ذخيرة ويشكلون تهديداً لجنوده.

وأكد مسؤولون في قطاع الصحة مقتل 3 آخرين، بينهم أحد أفراد فرق الإنقاذ، ‌في غارة منفصلة ‌استهدفت مخيم المغازي للاجئين بمنطقة ​دير ‌البلح ⁠وسط قطاع ​غزة.

ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي تعليق بعدُ على تلك الغارة.

وتشن إسرائيل غارات متكررة على قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار؛ الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

جنود إسرائيليون في بستان حيث تعمل جرافة على اقتلاع أشجار الزيتون في قرية اللبن الشرقية قرب نابلس (أ.ف.ب)

ولا توجد آلية لتطبيق ومراقبة الهدنة. وقتل 4 جنود إسرائيليين وأكثر ⁠من 780 فلسطينياً في قطاع غزة منذ بدء ‌سريان وقف إطلاق النار.

وفي «مجمع الشفاء ‌الطبي» بمدينة غزة، وهو أكبر مرفق ​طبي في القطاع، وقف الأقارب ‌بين المعزين الذين تجمعوا لدفن 5 أشخاص، بينهم 3 أطفال، كانوا راحوا ضحية غارة جوية إسرائيلية، الأربعاء، على بلدة في شمال غزة. وقال محمد بعلوشة، وهو من أقارب أحد الضحايا: «لا يوجد وقف لإطلاق نار، ولا هدنة، ولا أي شيء، العدو يضرب... ولا أمان في أي منطقة».

ولم ‌يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على تلك الضربة، وفق وكالة «رويترز».

عنف في الضفة الغربية

في مدينة نابلس ⁠بالضفة الغربية، ⁠قال مسؤولون صحيون إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على فتى وقتلته خلال «مداهمة مستمرة» في المدينة.

وأعلنت وزارة الصحة، في بيان مقتضب، «استشهاد الطفل يوسف سامح اشتية (15 عاماً) برصاص الاحتلال في نابلس».

ورداً على استفسارات «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في الحادث.

وكانت وزارة الصحة أعلنت أن مستوطنين إسرائيليين أطلقوا النار على رجل يبلغ من العمر 25 عاماً وقتلوه في بلدة دير دبوان قرب رام الله أمس، في أحدث حلقة من سلسلة وقائع وصفتها منظمات حقوقية بأنها تصاعد في العنف ضد الفلسطينيين من جانب المستوطنين والجنود الإسرائيليين.

ولم يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على أي من الواقعتين.

وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 15 شخصاً على الأقل قتلوا في هجمات المستوطنين الإسرائيليين ​هذا العام.