هل يؤخر صراع المصالح داخل «الكتلة الأكبر» تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؟

تضم أكثر من 20 حزباً وشخصية سياسية بعضهم على «لائحة الإرهاب»

رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)
TT

هل يؤخر صراع المصالح داخل «الكتلة الأكبر» تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؟

رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)

تمثل التركيبة السياسية التي تتألف منها قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية مجموعة اتجاهات متعددة، تتقاطع رؤاها في بعض المرتكزات الأساسية، وخصوصاً ما يتعلق بضرورة الحفاظ على بقاء المنصب التنفيذي الأول، ممثلاً برئاسة الوزراء، ضمن حصة المكون الشيعي.

لكن هذه القوى، في المقابل، تختلف في محاور غير قليلة، ترتبط بطبيعة إدارة الدولة والمساحة الممنوحة لرئيس الوزراء في اتخاذ القرار، فضلاً عن تباين زوايا النظر تجاه المشكلات الاقتصادية والمالية والأمنية التي تواجه البلاد.

كما يبرز الاختلاف أيضاً في مقاربة هذه القوى للمؤثرات الإقليمية والدولية، وبشكل خاص ما يتعلق بعلاقات العراق مع الولايات المتحدة من جهة، ومع إيران من جهة أخرى.

نسيج علاقات معقد

تباين وجهات النظر داخل البيت الإطاري، المؤلف من نحو 20 شخصية وزعامة، والذي أعلن نفسه بوصفه «الكتلة الأكبر» برلمانياً (نحو 175 مقعداً من أصل 329) المؤهلة لتشكيل الحكومة وفق المادة 76 من الدستور، قد يسهم في عرقلة مساعي اختيار رئيس الوزراء المقبل. ويعود ذلك إلى حالة التنافس القائمة بين أقطاب الإطار، إضافة إلى نسيج العلاقات والتحالفات المعقدة داخل كتله.

اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

ورغم الأرقام المعلنة التي أظهرت تفوق تحالف «التنمية والإعمار» الذي يقوده رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بـ46 مقعداً، فإن هذا التفوق، وفقاً لمعظم المراقبين، سيصطدم بمشكلة «الهشاشة» التي توصف بها بنية التحالف. وتشير الإحصاءات إلى أن السوداني وحزبه «الرافدين» لا يمتلكان سوى نحو 15 مقعداً مضموناً، بينما تتوزع بقية المقاعد على طيف واسع من المصالح المتباينة، موزعة بين شخصيات وأحزاب شيعية وحتى سنية، قد تتخلى عن السوداني في أي لحظة إذا ما تعارضت مصالحها الخاصة مع مصالحه وطموحه في تولي رئاسة الوزراء لولاية ثانية.

ويبرز رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض ضمن الشخصيات المنضوية في تحالف السوداني، وقد حصل تياره على ما لا يقل عن 8 مقاعد برلمانية داخل ائتلاف «الإعمار والتنمية». كما يوجد وزير العمل أحمد الأسدي الذي يمتلك نحو 4 إلى 5 مقاعد في الائتلاف، إضافة إلى نحو 5 إلى 6 مقاعد يشغلها ساسة سنة تمكنوا من الفوز بمقاعد عن محافظة نينوى ومناطق أخرى.

وطبقاً لمراقبين، فإن هذا الخليط الذي يصل في بعض الأحيان إلى حالة من «التنافر» بين مكوّناته قد لا يساعد السوداني في تحقيق طموحاته بولاية ثانية، وربما يضعف موقفه على طاولة المفاوضات الإطارية المتعلقة بتشكيل الحكومة.

المالكي وأبرز الفائزين

ويعاني ائتلاف «دولة القانون» الذي يتزعمه نوري المالكي المشكلة ذاتها التي يواجهها ائتلاف السوداني، رغم حصوله على 30 مقعداً وحلوله ثانياً ضمن لائحة الائتلافات الفائزة داخل «الإطار التنسيقي». إذ لا يمتلك المالكي وحزبه «الدعوة الإسلامية» سوى نحو 10 مقاعد من مجموع مقاعد الائتلاف، في حين أظهرت نتائج الانتخابات أن حزب «الفضيلة الإسلامي» حصل على 12 مقعداً من حصّة دولة القانون، وحصل زعيم «كتائب سيد الشهداء» أبو آلاء الولائي على نحو 8 مقاعد داخل الائتلاف؛ ما يضعف موقف المالكي التفاوضي، تماماً كما هو الحال مع السوداني.

في المقابل، يميل كثير من المراقبين إلى ترجيح كفة أمين عام «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، وإلى حدّ ما رئيس منظمة «بدر» هادي العامري، على بقية القوى والأحزاب الشيعية؛ ما يجعلهما من أبرز الأطراف المؤثرة في مسار تشكيل الحكومة المقبلة واختيار رئيس الوزراء. وينبع هذا الترجيح من المقاعد «الصافية» التي حصل عليها كل من الخزعلي والعامري في الانتخابات الأخيرة التي جرت في 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث أظهرت النتائج النهائية حصول «عصائب أهل الحق» على 27 مقعداً دون مشاركة أحزاب أو تجمعات أخرى، بينما حصلت منظمة بدر على 21 مقعداً منفردة؛ الأمر الذي يمنحهما قدرة تفاوضية مضاعفة على طاولة «الإطار التنسيقي» التي تتأثر غالباً بـ«حجم المقاعد والعلاقات الثنائية مع بقية المكونات، إلى جانب السلاح المربوط على الأحزمة»، حسب تعبير أحد المراقبين المحليين.

لائحة الإرهاب الأميركية

إلى جانب النسيج المعقد للعلاقات داخل الائتلافات والتحالفات، لا يستبعد المراقبون أن تشكل الشخصيات المعروفة بارتباطها بإيران والمدرجة على لائحة الإرهاب الأميركية عاملاً إضافياً في تعقيد مسار اختيار رئيس الوزراء داخل قوى «الإطار التنسيقي». ويستند هؤلاء إلى الإشارة التي أدلى بها في وقت سابق وزير الخارجية فؤاد حسين بشأن عدم قبول الجانب الأميركي بوجود شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة ضمن الكابينة الحكومية المقبلة.

وإضافة إلى أبو آلاء الولائي المدرَج على لائحة الإرهاب الأميركية، تبرز «كتائب حزب الله» التي حصلت على 6 مقاعد برلمانية، كما يبرز رئيس حركة «أنصار الله الأوفياء» حيدر الغرواي، المنضوي ضمن تحالف «الإعمار والتنمية». وكانت «عصائب أهل الحق» قد أُدرجت هي الأخرى على لائحة العقوبات الأميركية، إلى جانب شخصيات أخرى تعمل تحت مظلة «الحشد الشعبي» وقوى «الإطار التنسيقي».


مقالات ذات صلة

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

المشرق العربي عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

أحيا آلاف العراقيين في بغداد وبعض مدن ومحافظات وسط وجنوب البلاد الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر 2019.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران

إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

أثار قرار الحكومة العراقية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، بعدما خرج محتجون في محافظة ميسان، للمطالبة بإعادة فتحه.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رجل يلوّح بالعلم العراقي في ساحة التحرير ببغداد (أ.ف.ب)

دعوات عراقية لإحياء ذكرى «احتجاج تشرين»

حشد ناشطون عراقيون خلال الأسبوعين الماضيين لمظاهرة شعبية، غداً الأحد، بالتزامن مع الذكرى السابعة لـ«حراك تشرين».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

واشنطن تشكك في قدرة بغداد على حماية الرعايا الأميركيين

حذرت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، من مخاطر العنف والخطف التي تواجه المواطنين الأميركيين في العراق، قائلة إن الحكومة العراقية لا تستطيع ضمان سلامتهم.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مدخل لمنفذ جميمة الحدودي مع السعودية (الوكالة الرسمية)

العراق يتحرك لتأهيل منفذ حدودي مع السعودية

وافق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على تمويل إنشاء المنشآت والمباني الخاصة بمنفذ الجميمة الحدودي مع السعودية.

حمزة مصطفى (بغداد)

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
TT

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)

أحيا آلاف العراقيين في بغداد وبعض مدن ومحافظات وسط البلاد وجنوبها الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وسط إجراءات أمنية مشددة وانتقادات وجهتها هيئة «الحشد الشعبي» للذكرى، ووصفتها بـ«اليوم الأسود».

وتوافد المئات من الشباب والناشطين، منذ ساعات الصباح الأولى، إلى ساحة التحرير وسط بغداد، وهي الساحة التي كانت المعقل الرئيسي للاحتجاجات عام 2019، والتي نجحت في الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، لكن ليس من دون ثمن باهظ من الأرواح، إذ سقط نحو 600 قتيل، وأصيب أكثر من 20 ألف متظاهر آنذاك.

ولا يزال الشعار والمطلب الرئيسي الذي يرفعه الناشطون يتمثل في محاسبة الجماعات المتورطة في قتل المتظاهرين، ولا تزال أصابع الاتهام تُشير إلى بعض الشخصيات والفصائل المسلحة وأجنحة في هيئة «الحشد الشعبي». ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى البيان الذي أصدرته الهيئة، ووصفت فيه الذكرى بـ«اليوم الأسود».

«اليوم الأسود»

وقالت هيئة «الحشد الشعبي»، في بيان الأحد، إنه «في مثل هذا اليوم الأسود، امتدت يد الغدر والخيانة لتغتال القائد في (الحشد الشعبي) الشهيد وسام العلياوي وأخاه، في جريمة وحشية كشفت الوجه الحقيقي للعصابات الهمجية التي تجردت من كل القيم الإنسانية».

وقُتل العلياوي، مسؤول مكتب «عصائب أهل الحق» في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان الجنوبية، بعدما حاصره مجموعة من الغاضبين، يُعتقد على نطاق واسع أنهم ينتمون إلى جماعة دينية سياسية منافسة في المدينة، ولا علاقة لهم بجماعات الحراك المدني.

وفي سبتمبر (أيلول) 2022، أدان القضاء سجاد أسعد علي بجريمة قتل وسام العلياوي وشقيقه، وأصدرت محكمة جنايات ميسان حكماً بالإعدام عليه.

ورغم مرور 7 سنوات على الاحتجاجات، لا تزال حالة التوتر قائمة بين الناشطين من جهة، والفصائل والأحزاب السياسية من جهة أخرى، ولا يفوّت أي من الطرفين فرصة لتوجيه الاتهامات إلى الآخر. ففي حين يتهم الناشطون الفصائل والأحزاب السياسية بالفساد والتبعية لإيران، تتهم تلك الجهات الناشطين بالولاء لأميركا والقوى المرتبطة بها.

ورغم طابعها السلمي، لم تخلُ مظاهرات الأحد من شعارات وهتافات مناهضة لإيران والفصائل والأحزاب المرتبطة بها.

إجراءات أمنية مشددة

قوات الأمن تتابع متظاهرين عراقيين تجمعوا لإحياء الذكرى السابعة للاحتجاجات المناهضة للحكومة في 2019 (أ.ف.ب)

وأعلنت قيادة عمليات بغداد، مساء السبت، الشروع في اتخاذ إجراءات أمنية وتنظيمية لتأمين المظاهرات السلمية في ساحة التحرير.

وذكرت القيادة، في بيان، أنها «شرعت في اتخاذ إجراءات أمنية تنظيمية لتأمين الحماية للمظاهرات السلمية التي ستنطلق صباح الأحد، الموافق 25 أكتوبر 2026 في ساحة التحرير وسط العاصمة، والحفاظ على أمن وسلامة المتظاهرين».

وأضافت أن الإجراءات تضمنت التفتيش الدقيق للأشخاص في الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير، بهدف توفير أعلى مستويات الأمن للمتظاهرين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، مع مراعاة مبادئ حقوق الإنسان، وعدم الإخلال بالنظام العام.

وأكدت عدم إغلاق الطرق المؤدية إلى الساحة من قبل القطعات الأمنية، مشيرة إلى أن الإغلاق، عند الضرورة، سيكون بموجب أوامر تصدر حصراً من مقر القيادة.

وتابعت أنه «يُمنع منعاً باتاً مرور التكاتك والدراجات النارية بكل أنواعها على (سريع محمد القاسم - سريع قناة الجيش - سريع صلاح الدين/الشعلة) والطرق المؤدية إلى ساحة التحرير، بدءاً من الساعة الثانية عشرة بعد منتصف ليلة السبت».

وأهابت قيادة عمليات بغداد بالمتظاهرين التعاون مع القوات الأمنية والالتزام بالتعليمات حفاظاً على أمنهم وسلامتهم.

في المقابل، تحدّث ناشطون وصلوا إلى ساحة التحرير عن إجراءات وصفوها بـ«التعسفية والمتشددة» ارتكبتها الأجهزة الأمنية، شملت، حسب قولهم، منع الصحافة والقنوات التلفزيونية من تغطية المظاهرة، إلى جانب منع التصوير بالهواتف النقالة ومصادرة الأجهزة الشخصية في بعض الحالات.

ورغم إعلان قيادة العمليات عدم إغلاق الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير ومداخلها، شهدت العاصمة بغداد ازدحامات مرورية شديدة منذ ساعات الصباح الأولى، واستمرت لاحقاً.

عودة محتملة لـ«تشرين»

متظاهرون يحيون الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر 2019 في مدينة النجف وسط العراق (أ.ف.ب)

ورغم الطابع السلمي للمظاهرات لا تزال المخاوف قائمة من احتمال تفجر الأوضاع بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية إذا استمرت الاحتجاجات، على غرار ما حدث في مظاهرات سابقة.

واستبق رئيس الوزراء علي الزيدي المظاهرات بتوجيه رسالة إيجابية إلى المتظاهرين، السبت، في مسعى للحيلولة دون تصاعد التوتر، إذ قال: «التظاهر حق كفله الدستور والقانون، وسأستمع إلى جميع مطالب المتظاهرين، وسنفعل كل ما يمكننا تقديمه. هذا شعبنا، وواجبنا خدمته، لا الاعتراض على المظاهرات».

كما قررت حكومته منح 120 ألف وظيفة دائمة للمتعاقدين مع الوزارات الحكومية، رغم الأزمة المالية، في مسعى لامتصاص الغضب الشعبي الناجم عن نقص فرص العمل.

ولا يُعرف على وجه الدقة ما إذا كانت المظاهرات ستستمر على غرار ما حدث عام 2019، أم ستقتصر على يوم واحد لإحياء الذكرى. لكن بعض المصادر ترجح استمرارها، خصوصاً في ظل الغضب الشعبي من ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية نتيجة خفض سعر صرف الدينار مقابل الدولار، إلى جانب عدم الرضا العام عن الأداء الحكومي والتشكيلة الوزارية التي تضخمت مناصبها في هذه الدورة، رغم الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها البلاد.

وقال الأكاديمي وأستاذ الصحافة كاظم المقدادي، في تدوينة عبر «فيسبوك»، إن «(تشرين) عادت بقوة، قلنا إن الأفكار لم ولن تموت، هي تتجدد باستمرار».

وأضاف أن «انتفاضة (تشرين) التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي وجاءت بمصطفى الكاظمي، وغيّرت بعض القوانين والإجراءات التعسفية، قادرة على أن تغيّر أي حكومة لا تستمد قوتها من الشعب».


إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
TT

إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران

أثار قرار الحكومة العراقية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، بعدما خرج محتجون في محافظة ميسان، جنوب البلاد، للمطالبة بإعادة فتحه، وسط تحذيرات من تصعيد الاحتجاجات، وتعطل حركة الشركات النفطية. وتزامن ذلك مع تصاعد الخلاف بين بغداد وطهران بشأن أسباب الإغلاق، واتهامات أطلقتها فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران للولايات المتحدة بالتدخل في القرارات الحكومية المتعلقة بالمنافذ الحدودية والمطارات، بما يفتح جبهة جديدة من التجاذبات الداخلية والإقليمية.

احتجاجات وتهديدات بالتصعيد

وقطع عشرات العراقيين في محافظة ميسان، الأحد، الطريق الرئيسي المؤدي إلى الشركات النفطية، احتجاجاً على قرار الحكومة الاتحادية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران حتى إشعار آخر.

وذكرت وكالة «شفق نيوز» العراقية أن المحتجين أغلقوا طريق بازركان الحيوي، ورددوا شعارات تطالب الحكومة بالتراجع عن القرار، وسط انتشار أمني مكثف في محيط التظاهرة.

وفي تصعيد سياسي، أمهل رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير المحمداوي، الحكومة الاتحادية حتى الخميس المقبل لإعادة فتح المنفذ، محذراً من اتخاذ خطوات تصعيدية، بينها العصيان المدني وقطع الطرق، إذا لم تستجب لمطالب المحافظة. وذهب المحمداوي إلى التلويح بفصل ميسان عن العراق إذا استمر الإغلاق، في موقف يعكس حجم الاعتراض المحلي على القرار.

وتكتسب الاحتجاجات أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط منفذ الشيب بالحركة التجارية بين العراق وإيران، فضلاً عن موقعه في محافظة تعتمد قطاعات واسعة من نشاطها الاقتصادي على التجارة والأنشطة النفطية. ووفقاً لما أوردته «شفق نيوز»، شهدت أسواق المحافظة ارتفاعاً حاداً في أسعار الخضراوات والفواكه عقب الإغلاق؛ ما دفع مواطنين إلى المطالبة عبر منصات التواصل الاجتماعي باستئناف حركة التبادل التجاري.

بغداد تبرر القرار وطهران تعترض

وكانت الحكومة العراقية قد قررت، الثلاثاء 20 أكتوبر (تشرين الأول)، إغلاق منفذ الشيب حتى إشعار آخر. وعزا الناطق باسم الحكومة، حيدر العبودي، القرار إلى عدم استكمال المتطلبات الفنية والتقنية والتطويرية اللازمة لتشغيل المنفذ.

وقال العبودي، لوكالة الأنباء العراقية، إن إيقاف العمل يمثل خطوة لرفع مستوى الجاهزية التقنية واللوجستية، مشيراً إلى وجود منافذ حدودية أخرى تشهد انسيابية في التبادل التجاري مع إيران.

لكن القرار أثار استياء طهران، التي قالت وزارة داخليتها إنها لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً من بغداد بشأن الإغلاق. كما دخلت السفارة الإيرانية في بغداد على خط الخلاف، رداً على تصريحات لعبد الأمير تعيبان، مستشار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لشؤون العشائر والأهوار، اتهم فيها منفذي الشيب والشلامجة بالتسبب في أضرار لجنوب العراق، وربطهما بتهريب المخدرات والعملة المزيفة من إيران.

ونددت السفارة، في بيان، بما وصفته بـ«الادعاءات الكاذبة»، مطالبة الجهات العراقية المعنية باتخاذ موقف من تصريحات قالت إنها تضر بالعلاقات بين البلدين.

ولم يصدر، وفق المعلومات الواردة، رد حكومي عراقي على بيان السفارة، كما لم تعلن بغداد تراجعها عن قرار الإغلاق. ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه حساسية الملفات الحدودية والتجارية بين البلدين، في ظل تداعيات المواجهة الإقليمية والضغوط المرتبطة بأمن الملاحة والتبادل الاقتصادي.

الفصائل تتهم واشنطن بالتدخل

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

بالتوازي مع الاحتجاجات في ميسان، صعّدت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران خطابها تجاه الولايات المتحدة، متهمة واشنطن بالتأثير على قرار الحكومة العراقية إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية مع إيران.

وقالت الفصائل إنها وثقت 171 خرقاً جوياً، قالت إن طائرات حربية واستطلاعية أميركية نفذتها في الأجواء العراقية خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر (أيلول) إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

ورأت أن استمرار هذه الطلعات يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية وإخلالاً بالالتزامات والاتفاقيات المبرمة بين بغداد وواشنطن، مطالبة الحكومة بتوضيح موقفها من التحركات الجوية والكشف عن طبيعة التفاهمات القائمة مع الجانب الأميركي.

كما ربطت الفصائل بين ما وصفته بالخروقات الجوية والقرارات الحكومية المتعلقة بالمنافذ والمطارات، معتبرة أن هذه الإجراءات تثير تساؤلات بشأن استقلالية القرار العراقي ومدى قدرة بغداد على ممارسة سيادتها.

ولم يتضمن البيان تفاصيل عن مواقع الخروقات الجوية المعلنة أو طبيعة الطائرات المشاركة فيها، كما لم ترد في المعلومات المتاحة تفاصيل مستقلة تؤكد الاتهامات المتعلقة بالتدخل الأميركي في قرار إغلاق المنفذ.

ويضع هذا التصعيد الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة؛ إذ يتعين عليها التعامل مع اعتراضات محلية تتعلق بالتجارة والأسعار، في وقت تواجه فيه ضغوطاً سياسية من فصائل مسلحة تربط قراراتها الحدودية بعلاقات بغداد مع واشنطن وطهران.

الهدنة مع الفصائل أمام اختبار جديد

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ويأتي التصعيد في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بينما تحاول الحكومة العراقية احتواء التوتر الداخلي ومنع انعكاساته على الأمن والاستقرار.

وكانت بغداد قد أعلنت التوصل، عبر وسطاء من قوى الإطار التنسيقي الشيعي، إلى تفاهمات مع فصائل مسلحة ترفض تسليم سلاحها. وتتضمن هذه التفاهمات، وفق المعلومات الواردة، هدنة أولى تستمر حتى نهاية العام الحالي، تلتزم الفصائل بموجبها عدم استهداف المصالح الأميركية في العراق أو دول الجوار، وأخرى تنتهي في يونيو (حزيران) 2027، وترتبط بترتيبات لسحب السلاح والانخراط في العملية السياسية.

غير أن البيان الأخير للفصائل، إلى جانب إعلان حركة النجباء أنها غير معنية بالمشاركة في العملية السياسية مقابل سحب سلاحها، أثارا تساؤلات بشأن قدرة هذه التفاهمات على الصمود. ولم يصدر تعليق رسمي عراقي على هذه التطورات، بما يوضح ما إذا كانت الهدنة لا تزال قائمة أو دخلت مرحلة التعثر.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الخلاف حول منفذ الشيب على مسألة فنية تتعلق بجاهزيته، كما تقول الحكومة، أو على تداعيات اقتصادية محلية، بل يتداخل مع التنافس الإقليمي وضغوط الفصائل المسلحة على القرار الحكومي.

وبين مطالب سكان ميسان بإعادة فتح المنفذ، وتمسك بغداد بمبرراتها الفنية، واعتراض طهران واتهامات الفصائل لواشنطن، تبدو الحكومة العراقية أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة علاقاتها المتشابكة، واحتواء الاحتجاجات، ومنع تحول خلاف حدودي وتجاري إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع.


هل تتمكن دمشق من إفشال «استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية بالسويداء؟

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
TT

هل تتمكن دمشق من إفشال «استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية بالسويداء؟

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)

تبرز إسرائيل مجدداً كعامل رئيسي في احتمال اندلاع مواجهات بين دمشق والسويداء؛ إذ يرى مراقبون أن تل أبيب نجحت في إيهام كل من الحكومة السورية وأهالي السويداء بأن «الطرف الآخر على وشك شن هجوم كبير وحاسم وغير مسبوق»، في مخطط تهدف من خلاله حكومة بنيامين نتنياهو إلى تكرار سيناريو الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو (تموز) 2025.

في ظل هذه التطورات، تُطرح أسئلة من بينها: هل ستتمكن إسرائيل مجدداً من إشعال حرب بين الحكومة و«الحرس الوطني»؟ وهل ستنجح دمشق في إفشال مخططها؟ وبحسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي، فإن الحكومة السورية واعية تماماً لمؤامرات إسرائيل.

يشرح المحلل السياسي رامي نخلة، ابن محافظة السويداء الذي يعمل على الوساطة بين الحكومة والدروز لحل أزمة المحافظة المستمرة منذ أحداث 2025، طبيعة الدور الذي تلعبه إسرائيل منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة قبل نحو عامين، مشيراً إلى أن ثمة استراتيجية تُعرف باسم «زوغزفانغ» (Zugzwang) في لعبة الشطرنج، ترجمتها «الإجبار على الحركة»، وتقوم على ترتيب أحجار اللاعب بطريقة لا تترك للخصم أي نقلة دون إيذاء نفسه. وتكمن قسوة هذه الاستراتيجية في أن اللاعب مضطر للمضي قدماً بحركات يعلم يقيناً أنها تقوده إلى التهلكة.

نساء درزيات السبت خلال تشييع قتلى سقطوا في مواجهات بالسويداء جنوب سوريا (أ.ف.ب)

يوضح نخلة لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة في دمشق بدأت إسرائيل تتبع هذه الاستراتيجية مع سوريا، ورغم أن دمشق تأخرت في فهم اللعبة، فإنها بعد أحداث «تموز الأسود» الدامية أدركت طبيعتها، وتنبهت إلى أن هناك فارقاً جوهرياً بين السياسة والشطرنج. ففي السياسة لست ملزماً بتحريك قطعتك في كل جولة، لافتاً إلى أن «عدم التحرك هذا أو الامتناع عن الرد هو ما تلام عليه دمشق كثيراً في وسائل الإعلام، رغم أنه بحسب تقديري الخيار الأكثر حكمة ضمن الظروف الراهنة».

ما فرص دمشق؟

أحجار الشطرنج التي يمكن لإسرائيل تحريكها تمتد من جيش جرار، إلى بعض «البيادق» في السويداء، وصولاً إلى وزراء في مراكز صنع القرار في واشنطن، وفق نخلة، الذي يذكر أن إسرائيل تضغط اليوم، بشدة، وقد أعادت ترتيب الرقعة بدهاء قد يجبر دمشق مجدداً على اتخاذ حركة تؤذيها في العمق.

ولا شك أن ما يخدم المصلحة الإسرائيلية في هذه المرحلة، بدءاً من المكاسب الانتخابية، إلى إضعاف دمشق دولياً، وصولاً إلى إعادة الالتفاف حول شيخ العقل حكمت الهجري الذي يتبع له «الحرس الوطني»، وإظهار إسرائيل نفسها مجدداً حامية الدروز، هو برأي نخلة، حرب أهلية جديدة تصورها تل أبيب على أنها مجازر يرتكبها «الإسلام المتطرف» ضد أقلية دينية.

وحسب نخلة، فالحقيقة تقول إن إسرائيل نجحت في إيهام كل من الحكومة وأهالي السويداء بأن «الطرف الآخر على وشك شن هجوم كبير وحاسم وغير مسبوق». وقد تمكنت، من تحقيق ذلك فعلياً بعدة خطوات، أهمها الإيعاز بفتح باب التطوع في «الحرس الوطني»، وتكثيف الطلعات الجوية المروحية الإسرائيلية، ونشر أخبار عن عمليات إنزال أسلحة ثقيلة ومسيّرات متطورة ومضادات لـ«الدرونز» في مناطق سيطرة «الحرس الوطني»، وصولاً إلى شائعات توسيع مظلة «القبة الحديدية» لتشمل السويداء.

ورغم أن معظم هذه الأخبار ثبت بطلانها بعد التحري الميداني؛ إذ أكدت مصادر استخباراتية مفتوحة وصور الأقمار الاصطناعية عدم صحتها، بل شكك فيها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك نفسه، فإن الجهة الوحيدة المراد لها أن تصدق هي دمشق.

ويضيف نخلة: «من خلال محادثاتي مع شخصيات في الحكومة السورية، يبدو أنهم صدقوها بالفعل. وتكمن براعة هذه الحركة في أنه حتى لو لم تصدق دمشق الشائعات بنسبة 100 بالمائة، فإن كل ما تريده إسرائيل هو أن تزرع الشك في احتماليتها فقط، مما لا يترك خياراً أمام دمشق سوى الحشد والتحضيرات الدفاعية، وهذا ما حدث بالفعل».

إسرائيل من جانبها، استغلت هذه التعزيزات الدفاعية واستخدمتها لإقناع السويداء بكاملها (وليس بيادقها فحسب)، بأن «الحكومة السورية تحضّر لذبحكم مجدداً»، وفق نخلة، الذي يؤكد أنه اطلع على عدد لا يستهان به من الرسائل الصوتية المرسلة من جهات إسرائيلية تحرّض الدروز وتقول لهم: «تحضّروا، فإنهم قادمون»، وتحثهم على ما تسميه «تحرير قراهم»، مع تقديم وعود بـ«الدعم والدفاع عنهم»، موضحاً أن «هذه هي ترتيبات رقعة الشطرنج، وهذه الوقائع القائمة على الأرض اليوم».

سيناريو المواجهات القادمة

سيناريو التحركات القادمة لا يمكن البت فيه، ولكنه عبارة عن خيارات تضعها الجهات الإسرائيلية المختصة على الطاولة أمام نتنياهو ليختار منها ما يحلو له. يختارها أو يعزف عنها، بناء على حساباته الخاصة، «ولكن من واجبنا الاستراتيجي التفكير بحذر بكل الحركات القادمة التي يمكن لإسرائيل اتخاذها».

والسؤال في ظل هذه الحال: إذا شاء أصحاب القرار في إسرائيل تفجير حمام دم جديد في سوريا خدمة لمصالحهم الانتخابية أو غيرها، فكيف يمكنهم إجبار الحكومة السورية على القيام بحركة خاطئة لا مفر منها؟

مشيعون يحملون السبت صورة قتيل سقط في مواجهات بين مقاتلين دروز وقوات الحكومة في السويداء (أ.ف.ب)

في هذا الصدد، يذكر نخلة أن الحركة الأولى ستكون من إسرائيل برسالة صوتية على «واتساب» إلى شخص في «المكتب الأمني» التابع لـ«الحرس الوطني» توعز له بخرق اتفاق وقف إطلاق النار. والحركة التالية تكون من الحكومة السورية التي لن يكون أمامها سوى الرد على مصادر النيران، في حين تكون الحركة التالية من السويداء، حيث لن يجد «الحرس الوطني» خياراً سوى المؤازرة والرد، معتقداً أن هذه هي «ساعة الصفر» التي طالما حذرت منها أو وعدت بها إسرائيل لتبدأ الفصائل المسلحة المعبأة والمجهزة باسترجاع قراها.

مسلحون دروز سوريون يشاركون السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)

برأي الباحث نخلة، فإن «هذه حركة لا يمكن لدمشق الامتناع عن لعبها، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً؛ إذ لا يمكن للحكومة أن تسمح لعدة فصائل بهزيمتها واستعادة أراضٍ تقع تحت سيطرتها اليوم، والخيار الوحيد الذي تعد دمشق له فعلياً هو الرد بكل قوتها، وفي هذه المرة ستحظى بفرصة مواجهة (الحرس الوطني) في منطقة خالية من المنازل المأهولة بالمدنيين، ونتيجتها حتماً ستكون سفك الكثير من الدماء السورية بغالبية لمصلحة الحكومة نتيجة تفوقها بالعدة والعتاد والتنظيم والخبرة.

بمجرد بدء وصول الجثامين (ستُطلب الفزعة)، ولا يوجد أدنى شك في أن كل شاب قادر حتى على حمل معول سيخرج للتصدي لما يعتقده تكراراً لأحداث يوليو السابقة، وهنا ستشتعل الهواتف نحو إسرائيل طلباً للدعم والحماية الموعودة، في حين أن التدخل الإسرائيلي سيتمثل في شن طلعة جوية أو اثنتين لقصف المواقع الخلفية للقوات الحكومية، بهدف إجبارها على الالتحام المباشر مع الدروز (بغية الحصول على مقاطع فيديو تظهر مشاهد «الذبح»)، في حين لن يتبقى أمام القوات الحكومية أي خيار لحماية قواتها من القصف الإسرائيلي سوى الالتحام بالحرب القريبة مع الدروز، وهنا ربما في مثل هذه الظروف قد تسمح دمشق للقبائل والعشائر بالمؤازرة، إن لم تشجعهم على الانضمام كما فعلت سابقاً. عند هذه النقطة، وحين تشعر إسرائيل بأنها حصلت على شلال الدماء الكافي لتحقيق أهدافها السياسية، المتمثلة في إعادة التفاف الدروز حول الهجري، وتجديد الحقد الطائفي، وكسب أصوات الدروز الإسرائيليين، واستجرار التنديدات الدولية بالحكومة السورية، وزعزعة شرعيتها، والتظاهر بمظهر (المخلّص للأقليات)... حينها فقط ستتصل إسرائيل بأميركا و(الرئيس أحمد) الشرع والأردن) لترتيب اتفاق جديد لوقف إطلاق النار».

ويختم نخلة حديثه قائلاً إن «رقعة اللعب مهيأة تماماً اليوم، وتنتظر إشارة من أصبع نتنياهو، فهل ستتمكن الحكومة السورية من إتقان الشطرنج الثلاثي الأبعاد وإفشال استراتيجية (زوغزفانغ) إذا قررت إسرائيل تحريك بيادقها في هذا الاتجاه؟ لنرَ ما ستؤول إليه الأيام».

استثمار نتنياهو للسويداء

من جهته، يرى الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي أن الحكومة السورية واعية تماماً لمؤامرات إسرائيل، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المعلومات التي بحوزة دمشق تتضمن تحضيراً وحشوداً على خطوط التماس، إضافة إلى تصريحات علنية لزعامات درزية عن نيتها استعادة القرى قريباً.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لجنود ينفذون عمليات بالقرب من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان في يوليو 2025

وأوضح أن المؤامرة باتت واضحة المعالم. فعشرات الطائرات المروحية الإسرائيلية نقلت رادارات وأنظمة مراقبة وعتاداً إلى قمم استراتيجية في المحافظة، بما يوحي بالتحضير لإقامة قاعدة عسكرية دائمة، في حين أضاف «الحرس الوطني» التابع للهجري عشرة تلال محيطة بالمدينة إلى سيطرته، ودمشق تتهم تل أبيب بتسليح هذه الميليشيا بالسلاح والذخيرة والمال والاستخبارات، وبأن دورها في أحداث يوليو 2025 كان «كبيراً ومخططاً له» بهدف إثارة الفوضى وجر سوريا إلى حرب واسعة.

واللافت أن هذا التصعيد، حسب العبسي، يتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية، وقد رفضت الحكومة السورية ما وصفته باستثمار نتنياهو أحداث السويداء في دعايته الانتخابية، مؤكدة أن المكون الدرزي جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الوطني.

وذكر الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي أن الإجراءات المتخذة تتوزع على ثلاثة مسارات؛ الأول عسكري، ويتمثل في إرسال تعزيزات عسكرية إلى خط التماس الغربي خلال أسبوعين، بما يوازن الحشد الإسرائيلي - الميليشياتي دون استفزاز؛ إذ لا يريد أي طرف التضخيم إلى حرب شاملة. في حين أن المسار الثاني دبلوماسي، بمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل والضمان لاتفاق فصل القوات لعام 1974 الذي تخرقه طائرات إسرائيل يومياً. أما المسار الثالث فهو مجتمعي عبر محافظ السويداء مصطفى البكور الذي جدد دعوة القوى الأهلية للحوار، محذراً من أن التدخلات الخارجية و«المجموعات الخارجة عن القانون» هي من يعرقل الحل.

ووفق العبسي، تبقى النقطة الحرجة أن الأمم المتحدة قالت في يونيو (حزيران) إن خطة إعادة إدماج السويداء في الدولة لم تحقق تقدماً، وهذا الفراغ هو ما تحاول إسرائيل أن تجعل منه حاضرة عسكرية دائمة.