لبنان: تفرّد قاسم بطمأنة شمال إسرائيل يحدث صدمة تتجاوز خصومه

أمين عام «حزب الله» قدم نفسه لواشنطن بأنه الضامن لإخراج المفاوضات من التأزم

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال سلفه حسن نصر الله (أ.ف.ب)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال سلفه حسن نصر الله (أ.ف.ب)
TT

لبنان: تفرّد قاسم بطمأنة شمال إسرائيل يحدث صدمة تتجاوز خصومه

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال سلفه حسن نصر الله (أ.ف.ب)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال سلفه حسن نصر الله (أ.ف.ب)

انشغل الوسط السياسي اللبناني بمعرفة الأسباب التي أملت على أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم إطلاق مفاجأة من «العيار الثقيل» أحدثت صدمة سياسية تجاوزت خصومه إلى «أهل البيت» المعني بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية، بقوله إنه «لا خطر على المستوطنات الإسرائيلية الشمالية».

وبذلك يكون قاسم أطلق مفاجأته الثانية خلال أقل من أسبوع، بعد كتابه المفتوح إلى الرؤساء الثلاثة (الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام) الذي شكل في حينها مفاجأة لـ«أخيه الأكبر» بري، برغم أنه بادر للتواصل معه لإبلاغه بأنه ليس هو المقصود بكتابه، وأن الحزب حريص على تحالفه الاستراتيجي مع حركة «أمل» (برئاسة بري)، ولن يفرّط فيه.

وبصرف النظر عن الانتقادات التي وُجّهت لقاسم على خلفية طمأنته لسكان المستوطنات، بدلاً من طمأنة الجنوبيين بدعوتهم للعودة إلى قراهم، فإن رسالته التي خص بها سكان المستوطنات الشمالية تزامنت مع تمسك عون بدعوته للتفاوض مع إسرائيل.

رسالة إلى واشنطن؟

وفي هذا السياق، يتعامل الوسط السياسي، من خارج «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«أمل»)، وجله من خصوم الحزب ومن خارجه، مع طمأنة قاسم للمستوطنات على أنه أراد توجيه رسالة للمجتمع الدولي، ومن خلاله للولايات المتحدة الأميركية، يبلغها فيها بأنه هو الضامن لأمن المستوطنات الإسرائيلية، وأنه لا بد من البحث عن الإطار السياسي الذي يسمح للحزب بالتفاوض غير المباشر مع واشنطن كونه الضامن لأمنها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه وفداً من وزارة الخزانة الأميركية في القصر الجمهوري في بعبدا (أ.ف.ب)

وأكد مصدر سياسي أن قاسم يتوخى من طمأنته فتح قنوات للتفاوض مع الحزب. وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن قاسم أراد التوجه، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى واشنطن باعتبارها المعنية الأولى بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية، وإلا ليس في وارد بيع موقفه مجاناً بالمفهوم السياسي للكلمة.

نقاش داخلي

ولفت إلى أن المفاجأة التي أحدثها قاسم جاءت تتويجاً للنقاش الدائر بداخل الحزب حول ما العمل لإخراجه من الحصار السياسي المفروض عليه على كافة المستويات، أكانت عربية، أو دولية، أو محلية. وقال المصدر إنه لا ينم عن صراع سياسي يدور بين أجنحته، وإن كان مضطراً، في نفس الوقت، للتوجه إلى حاضنته الشعبية بتأكيده أن العدوان لا يمكن أن يستمر، ولكل شيء حد.

انكفاء إلى الداخل

ورأى المصدر أنه ليس مع الرأي القائل بأن قاسم في مخاطبته لبيئته يتناقض مع طمأنته للمستوطنات. وقال إن ما قاله جاء نتيجة تقييم قيادة الحزب للوضع الراهن في ضوء الضغوط الدولية التي تستهدفه، وتطالبه بتقديم كل التسهيلات التي تسمح بتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، انسجاماً منه مع مشاركته في حكومة الرئيس نواف سلام التي تبنّته، وأدخلته في صلب بيانها الوزاري. وقال إنه يوحي من خلال مفاجأته هذه بأن الحزب يتحضّر للانكفاء تدريجياً إلى الداخل للتخلص من الضغوط التي تحاصره.

وأكد المصدر أنه بطمأنته للمستوطنات أطلق إشارة أولى لا يمكن التقليل من أهميتها السياسية، خصوصاً أن قاسم كان استبقها بتمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر، فحواها أنه يحتفظ بسلاحه للدفاع عن لبنان في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وليس لأغراض قتالية، أو هجومية.

اضطرار للتكيف

وأضاف أنه لا خيار أمام «حزب الله» سوى الانكفاء للداخل، آخذاً في الاعتبار التحولات في المنطقة، وتراجع «محور الممانعة» في الإقليم، وما ترتب على تفرده بإسناده لغزة من أكلاف بشرية، ومادية لا تقدّر، وهذا يعني من وجهة نظر خصومه أنه لم يعد من مكان للشعارات الذي كان رفعها منذ تأسيسه، ومنها دعوته للزحف نحو القدس. وقال إن انكفاءه إلى الداخل يعني أنه لم يعد من دور لسلاحه، وبات مضطراً للتكيف مع الدعوات التي تطالبه بانخراطه في مشروع الدولة، على أن يقتصر موقفه من القضية الفلسطينية بدعم معنوي لم يعد للسلاح من دور فيه.

إخراج سلاح الحزب من الإقليم

وسأل المصدر قاسم: لماذا قرر التفرد بطمأنته لإسرائيل بدلاً من التموضع تحت سقف الدولة، واضعاً أوراقه التفاوضية بيد الرئيس عون لتقوية موقف لبنان في المفاوضات، طالما أنه أخرج سلاحه من الخدمة العسكرية خارج الحدود، وحصر دوره في الدفاع عن لبنان، وبالتالي ما الأسباب الكامنة وراء عدم تفعيل حواره مع الرئاسة الأولى؟

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (إعلام الحزب)

كما سأل المصدر ما إذا كان قاسم يتطلع بموقفه بطمأنته لإسرائيل إلى تشجيع وسطاء للتوسط بين الحزب وواشنطن، أو إيداع ورقته التفاوضية الخاصة بتسليم سلاحه لدى إيران للاستقواء بها، وتحسين شروطها لإقناع الولايات المتحدة بالتجاوب مع الوسطاء الذين يسعون لاستئناف المفاوضات باعتبار أنه شرط لخفض منسوب التوتر القائم بينهما، وهذه المرة من زاوية أنها الأقدر على تعبيد الطريق سياسياً أمام تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته بالشراكة مع فرنسا التي يقدّر الحزب أنه لا يوجد دور فاعل لها بتطبيق وقف إطلاق النار وهي تقف وراء الموقف الأميركي الذي يشرف ميدانياً على إدارة اجتماعات الناقورة المخصصة لتطبيق الاتفاق. وإلا لماذا أحجم عن التشاور مع الرؤساء الثلاثة، واستبدل به كتاب مفتوح إليهم كان في غنى عنه، والاكتفاء كعادته في السابق بإصدار بيان يخاطب فيه بيئته شارحاً موقفه من المفاوضات؟

فرصة لإيران

وأكد المصدر أن طمأنة قاسم تعني أنه يعطي فرصة لإيران لعل الوساطات تنجح بحجز مقعد لها في المفاوضات الخاصة بجنوب لبنان، على أن تكون موازية لدعوة عون في هذا المجال، مع أنه بطمأنته يسمح للدولة بمطالبته بتسليم سلاحه الذي فَقَدَ دوره في الإقليم، والداخل على السواء، في ضوء استعداده للانكفاء للداخل.

فهل اقتنع الحزب بمقولة عون بأن منطق القوة لم يعد ينفع، وعلينا أن نذهب إلى قوة المنطق بعد أن قادت الحرب إلى الويلات، وهناك موجة تسويات في المنطقة، وإذا لم نكن قادرين على الذهاب إلى حرب، فماذا نفعل؟ وإلا لم يكن قاسم مضطراً للذهاب بعيداً في طمأنته لإسرائيل بموقف فاجأ الجميع، ولم يسبق للرؤساء الثلاثة أن قاربوا ما صدر عنه، لأن وحده تطبيق القرار 1701 هو الضمانة الأمنية للبلدين، بدلاً من القفز فوقه، وتقديم ضمانته، من تلقاء نفسه، لأمن المستوطنات بلا أي مقابل على الأقل في المدى المنظور؟


مقالات ذات صلة

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

المشرق العربي الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

تبقى الأنظار مشدودة إلى السباق المحموم بالنار بين إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على سيطرته على تلال «علي الطاهر» ما لم يستجب «حزب الله» لشروطه

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

فجّرت إسرائيل الهدوء النسبي في جنوب لبنان، بتصعيد مفاجئ أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 4 أطفال، وسقوط جرحى آخرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ) p-circle

«حزب الله»: «اعتداءات» إسرائيل «ستُقابل بما يناسبها»

أعلن «حزب الله» أن الهجمات الإسرائيلية الدامية على لبنان ستُقابل بـ«ما يناسبها»، داعياً السلطات اللبنانية إلى وقف المفاوضات «المذلة» مع الدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

من السيول في إدلب (سانا)
من السيول في إدلب (سانا)
TT

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

من السيول في إدلب (سانا)
من السيول في إدلب (سانا)

حذّرت الحكومة السورية سكان محافظتي الرقة ودير الزور شرق سوريا من الزيادة ‏التدريجية في كميات المياه القادمة من «سد كديران» على نهر الفرات، السبت، ودعت إلى الحيطة والحذر، فيما سجّل هطول أمطار غزيرة وغير مألوفة في شمال البلاد وشرقها، في ظل استنفار المؤسسات الحكومية والجهات المعنية، ومخاوف من تكرار الأضرار التي سببتها موجة الفيضانات في يونيو (حزيران) الماضي.

واستجابة لارتفاع المنسوب الوارد من تركيا عبر نهر الفرات، فتحت المؤسسة العامة لـ«سد الفرات»، السبت، بوابة المفيض رقم «3» بشكل جزئي لتمرير 100 متر مكعب في الثانية، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الرسمي، مشيرة إلى أن هذه الخطوة «تأتي ضمن خطة تدريجية لرفع كميات المياه الممررة من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية، مع المراقبة المستمرة للمناسيب، بهدف ضمان سلامة السدود والمنشآت التابعة لها، في ظل الارتفاع المستمر للوارد المائي».

سد كديران (سانا)

وفي حالة جوية نادرة في سوريا، هطلت الجمعة أمطار صيفية غزيرة ورعدية مفاجئة في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، أدّت إلى تشكّل سيول جارفة وطوفان جزئي في عدة شوارع، وشلل في حركة المرور، وإغلاق عدة طرق رئيسية في مدينتي إدلب وأريحا، وبلدة معردس التابعة لسراقب، بالإضافة إلى بلدة كفرنبل في الريف الجنوبي،

كما شهد الساحل السوري هطولات مطرية غزيرة ومفاجئة، وأصدرت وزارة الطوارئ بالتنسيق مع «المديرية العامة للأرصاد الجوية» والدفاع المدني، تنبيهاً بحرياً يمتد من 14 أغسطس (آب) وحتى 18 منه، بعدما جرى رصد تيارات بحرية قوية وارتفاع غير مسبوق في الأمواج وصل في بعض الشواطئ المفتوحة إلى نحو 3 أمتار، مع رياح نشطة تتراوح سرعتها ما بين 15 و30 كم/ساعة، وقد تشتد في بعض الأوقات.

وانتشلت فرق الدفاع المدني جثمان طفل قضى غرقاً في شاطئ الكرنك في اللاذقية، نتيجة شدة الأمواج والتيارات البحرية الساحبة.

إعلان حكومي للتحذير من الاقتراب من الفرات (مديرية إعلام الرقة)

وكانت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث قد حذّرت في وقت سابق من أن «زيادة في كميات المياه قد يرافقها ارتفاع في مناسيب نهر الفرات، وزيادة في سرعة ‏الجريان في عدد من المناطق الواقعة على ضفافه، ما يستدعي اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة؛ ‏حفاظاً على السلامة العامة».

من جانبها، دعت وزارة الطاقة أهالي محافظتَي الرقة ودير الزور إلى الابتعاد عن مجرى نهر الفرات وعدم السباحة فيه ابتداءً من يوم السبت 15 أغسطس الحالي.

البوابة رقم 3 في «سد الفرات» (المؤسسة العامة لسد الفرات)

وفي إجراء احترازي جرى إغلاق الجسر الترابي في مدينة دير الزور أمام المارة. كما استنفر العاملون في المنشآت ومحطات المياه القريبة من الضفاف، لتفادي تكرار الأضرار التي حدثت في موجة الفيضانات السابقة، والتي كانت الأسواء منذ 30 عاماً؛ حيث تسببت الفيضانات في انهيار عدد من الجسور وخروج نحو 60 محطة تصفية وضخ مياه عن الخدمة، ونزوح وتضرر أكثر من 2400 عائلة، ووفاة 15 شخصاً معظمهم من الأطفال، وتسجيل 22 حالة غرق نتيجة التيارات المائية القوية المفاجئة أثناء محاولات السباحة أو العبور، إضافة إلى غمر نحو 7 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، بالتزامن مع موسم حصاد القمح، ما تسبب في خسائر فادحة للمزارعين.


إيقاف ضابط من عهد الأسد في درعا عاد إلى سوريا بعد إدانته بالنمسا

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)
TT

إيقاف ضابط من عهد الأسد في درعا عاد إلى سوريا بعد إدانته بالنمسا

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)

أكد مصدر أمني في محافظة درعا جنوب سوريا لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت المقدم السابق في الشرطة مصعب أبو ركبة في بلدته نوى بريف المحافظة، بعد أن عاد إليها من النمسا عقب صدور عقوبة بالسجن بحقه بتهمة إساءة معاملة معتقلين إبان نظام حكم بشار الأسد المخلوع.

وفي السياق، نقلت مصادر محلية في درعا لـ«الشرق الأوسط» عن عائلة أبو ركبة قولها إن وزارة الداخلية أصدرت مذكرة توقيف بحق أبو ركبة عقب عودته، وقد قام بمراجعة الوزارة، وهو «حالياً موقوف لدى إدارة مكافحة الإرهاب بدرعا ويخضع للتحقيق».

ونفت العائلة التهم التي أدانت بها المحكمة النمساوية أبو ركبة، وذكرت أن «هناك إفادات لشهود من المحيط الذي خدم به في محافظة الرقة ومن خارج هذا المحيط بأنه لم يرتكب الجرائم المنسوبة إليه». وأشارت إلى أن المحكمة النمساوية «استمعت إلى أقوال شخص سوري يحاكم فيها، وكان يخدم في جهاز الأمن السياسي في الرقة، وقد أدلى خلال المحاكمة بأقوال ضده».

مصادر حقوقية في درعا بينت أن أبو ركبة حالياً موقوف رهن التحقيق في إدارة مكافحة الإرهاب التي ستحوله بدورها إلى الوزارة التي ستتواصل مع إدارة قوى الأمن الداخلي في الرقة، للتحقق ضمن المحيط الذي كان يخدم فيه من صحة ما يُنسب إليه من تهم، وإن تم إثباتها فستقوم بإحالته إلى القضاء لمحاكمته ومحاسبته.

وقالت المصادر الحقوقية خلال تواصل «الشرق الأوسط» معها: «نحن انظلمنا، ولا نريد أن نظلم، وحالياً لا نستطيع أن ندين أو نبرئ أبو ركبة إلى أن تظهر نتائج التحقيق».

ونقلت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) عن بيان لقوى الأمن الداخلي أنه ‏«في إطار جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن ‏والاستقرار، ألقت ‏قوى الأمن الداخلي في درعا القبض على المدعو أبو ركبة، المقدّم ‏السابق في فرع الأمن السياسي في الرقة ‏إبان عهد النظام البائد، ‏وذلك ضمن العمليات الأمنية المستمرة لملاحقة المتورطين في ‏قضايا الإرهاب واتخاذ الإجراءات ‏القانونية اللازمة بحقهم».

صورة مركبة لمصعب أبو ركبة لدى عودته الى سوريا ...ولدى إقتياده للمحاكمة في فيينا (صفحة درعا 24 - فيسبوك)

وأفادت الوكالة بأن المحكمة الإقليمية الجنائية في العاصمة النمساوية ‏فيينا كانت أصدرت في يوليو (تموز) الماضي حكماً يقضي بـ«إدانة ‏الضابطين ‌‏السابقين في أجهزة أمن النظام البائد، خالد ‏الحلبي ومصعب أبو ركبة، والحكم على كل منهما ‏بالسجن لمدة ثماني سنوات، إثر ‌‏ثبوت تورطهما في ‏ارتكاب جرائم تعذيب وانتهاكات بحق معتقلين في ‏محافظة الرقة بين عامَي 2011 و2013 ، إلا أن أبو ‌‏ركبة ‏غادر النمسا أثناء فترة استئناف ‏الحكم الصادر بحقه وعاد إلى سوريا».‏

وأثارت عودة أبو ركبة غضباً واستهجاناً في الشارع السوري، خصوصاً في درعا، بعد انتشار أنباء عودته رغم استمرار محاكمته في النمسا، وأقامت عائلته حفل استقبال بمناسبة عودته. وكتب عضو مجلس الأمناء في «المجلس الإسلامي السوري» الشيخ مطيع البطين، المتحدر من مدينة نوى، في منشور بحسابه على «فيسبوك» من دون أن يذكر أبو ركبة بالاسم: «احتفال العشيرة بابنها المجرم لا يمسح جرائمه ولا يُحسِّن صورته، ولكنّه يُسيءُ أكبرَ الإساءة إلى تلك العشيرة وتاريخها»، لكن عاد البطين وحذف المنشور من حسابه.

وقال «المركز السوري للعدالة والمساءلة»، وهو منظمة سورية لحقوق الإنسان، إن القضية «كشفت عن أوجه قصور في النظام القضائي النمساوي بعد أن سمحت السلطات لأبو ركبة بالبقاء طليقاً طوال فترة المحاكمة، وأثناء طعنه بالحكم الصادر ضده بالسجن».


نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

تبقى الأنظار مشدودة إلى السباق المحموم بالنار بين إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على سيطرته على تلال «علي الطاهر» ما لم يستجب «حزب الله» لشروطه بوضعها كلياً بتصرف الجيش اللبناني، وبين تنقُّل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد بين بيروت وتل أبيب، في مسعى للتوصل إلى اتفاق بتشكيل الآلية المكلفة بالتحقق من انتشار الجيش في «المناطق التجريبية» الأولى، ومراقبة تنفيذه بالتدقيق من خلوها من أي وجود عسكري للحزب.

وقف النار مقابل «علي الطاهر»

ومع أن مهمة كليرفيلد تبقى في إطارها العملاني، فإن إصرار إسرائيل للسيطرة على تلال «علي الطاهر» حضر بامتياز في لقاءاته استباقاً للجوء رئيس حكومتها نتنياهو لتوسيع غاراته واعتداءاته على عدد من البلدات، كما حصل في الساعات الماضية، وهذا ما يكمن وراء قيام السفير الأميركي ميشال عيسى بعد اجتماعهما ببري بمفاجأته الصحافيين برده على أسئلتهم حول مصير التلال: «ما عليكم إلا الذهاب إلى (حزب الله) والطلب منه بأن ينسحب منها وعندها يتوقف كل شيء»، في إشارة، بحسب مصدر مواكب لتحرك كليرفيلد في بيروت، إلى أن وقف النار بصورة شاملة ونهائية مرتبط بتجاوب الحزب بتسليمه التلال للجيش، وإلا فإن نتنياهو على موقفه بالسيطرة عليها، بعد أن أطبق جيشه الحصار بالنار على عدد من المنافذ والمداخل المؤدية إليها.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مستقبلاً عيسى وكليرفيلد (الوكالة الوطنية للإعلام)

وكشف المصدر المواكب للقاءات كليرفيلد عن أنه يسعى جاهداً لإحداث خرق بتشكيل الآلية المولج إليها التحقق من انتشار الجيش في «المناطق التجريبية» ومراقبة تنفيذه على الأرض للتدقيق بخلوها من سلاح «حزب الله» ومسلحيه. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه باقٍ في بيروت وربما يضطر للتوجه مجدداً إلى تل أبيب.

توحيد الخرائط

وأكد أن كليرفيلد يولي أهمية لتوحيد الخرائط، على أن يسلم نسخة من الخرائط الحدودية الخاصة بـ«المناطق التجريبية» التي انتشر فيها الجيش إلى الجانبين اللبناني والإسرائيلي والجهة التي تترأس آلية التحقق. وقال إن توحيدها يكمن في تحديد حدود هذه البلدات لمنع إسرائيل من معاودة التوغُّل فيها بذريعة أن بعض المناطق التي دخلها جيشها لا تمت بصلة إلى حدودها المرسومة من قبل الجهات اللبنانية الرسمية المعنية، بعد توفير الاحتياجات التقنية والفنية لهيئة التحقق.

وقال المصدر إن تحديد الحدود جاء في أعقاب الخلاف بتوغُّل قوة إسرائيلية في بلدة زوطر الغربية وتمركزها لفترة من الوقت على مقربة من حاجز الجيش اللبناني، مع أنها مشمولة بـ«المناطق التجريبية»، متذرعةً بأنها تتبع عقارياً لبلدة زوطر الشرقية التي لا تزال تحتلها، في مقابل اتهام الجيش اللبناني لإسرائيل بخرقها البلدة وتجاوز جيشها للساتر الترابي الذي يفصلها عن الشرقية.

وكشف عن أن رئيس البرلمان نبيه بري استوضح المسؤولين الأميركيين اللذين زاراه الجمعة، عن الدولة التي سيوكل إليها رئاسة آلية التحقق، وجاء جوابهما بأن رئاستها ستُسند إلى إحداهما إيطاليا أو سويسرا، مع أن لا شيء نهائياً حتى الساعة؛ لأن هناك عدة دول أبدت استعدادها لتوليها، والمشاركة في عداد فريق المراقبين. ولدى سؤال بري، بحسب المصدر، هل هناك من دول أخرى؟ اكتفى بالقول: يمكن أن تنضم إليهما أذربيجان.

مخطط إسرائيلي لزعزعة الاستقرار

وفي هذا السياق، كشف مصدر سياسي يدور في فلك «الثنائي الشيعي» عن أن بري أكد وجود مخطط إسرائيلي لزعزعة الاستقرار في المنطقة، وأن استمرار نتنياهو بتوسيع اعتداءاته وتجريفه للبلدات وتدميره الممنهج للمنازل ورفضه الانسحاب من المنطقة الأمنية مشترطاً نزع سلاح «حزب الله»، ما هو إلا رسالة للولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الراعية لـ«اتفاق الإطار» وتعهدت بالضغط عليه لتسهيل تطبيقه، وهذا ما يضعها أمام تعهدها بتنفيذه. وهنا سأل بري، كما علمت «الشرق الأوسط»: هل لـ«حزب الله» وجود في غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، أم أن هذا يأتي في إطار وجود مخطط إسرائيلي لتقسيم بعض الدول العربية، مع أن موضوع حصرية السلاح بيد الدولة هو شأن لبناني، ونحن من جانبنا نسعى لوضعه موضع التنفيذ.

زحمة سير على مدخل صيدا الشمال باتجاه بيروت إثر تصعيد إسرائيلي مفاجئ في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وبالنسبة لتهديد نتنياهو بالسيطرة على تلال «علي الطاهر»، قال المصدر إن «حزب الله» لا يحبّذ تسليمها للجيش اللبناني، ويحصر موافقته بسيطرته على المناطق المحيطة بها بذريعة أنه يخشى بأن يعيد الجيش تموضعه كما حصل في قلعة الشقيف والبلدات المجاورة لها ما سهّل، نقلاً عن مسؤولين كبار في الحزب، سيطرة الجيش الإسرائيلي عليها.

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن تذرّع «حزب الله» ليس في محله، وهو يتصرف على أن التلال هي بمثابة خط أحمر، رغم أنه يفترض بمسؤوليه التوقف ملياً في قراءتهم الموضوعية للوضع على الأرض، وصولاً لتقديرهم للموقف الذي يملي عليهم اتخاذه، بعيداً عن المكابرة والعناد، آخذين بعين الاعتبار مواصلة الجيش الإسرائيلي بالضغط على التلال بالنار، وتَمكَّن، نقلاً عن مصدر أميركي، من إسقاط أكثر من مسيّرة للحزب كانت في طريقها إلى التلال حاملة مواد غذائية وأطعمة لمقاتليه بداخل المنشأة العسكرية، إضافة إلى أن مسيّراته وصلت إلى بعض مداخلها وتولت ضخ مواد سامة في داخلها.

ومع أن المصدر يرفض التكهن ما إذا كان نتنياهو يصر على إطباق سيطرته على التلال قبل حلول موعد إجراء انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أم أنه سيواصل تشديد حصاره بالنار عليها؟ قال في المقابل إن منسوب المخاوف من إقدامه على تفجيرها بدأ يرتفع لما يترتب عليها من إلحاق أضرار كبيرة بالبلدات المجاورة لها، بدءاً بمدينة النبطية وجارتها بلدة النبطية الفوقا وقرى قضائها امتداداً لإقليم التفاح ومنطقة الريحان.

عنصر في الدفاع المدني يتقصى ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

تعنّت «حزب الله»

وتوقف المصدر أمام رهان «حزب الله» على أن نتنياهو قد لا يُقدم على تفجير التلال لما يترتب عليه من رد فعل يستدعي دخول إيران على الخط. وسأل: أين تكمن مصلحة الحزب في هذا الشأن؟ وهل يتحمّل حصول موجات نزوح جديدة؟ وماذا سيقول للنازحين في ظل الاختلال في ميزان القوى؟ مع أن واشنطن تعهدت بوقف شامل لإطلاق النار على كل الجبهات، في مقابل تجاوب الحزب بتسليم التلال للجيش اللبناني، وهي مستعدة لمنع إسرائيل من التمدد، وإلزامها بتقديم التسهيلات لاستكمال تطبيق «اتفاق الإطار».

كما سأل المصدر الحزب: هل يصمد أمام رسم خطوط حمر بعدم تسليمه التلال للجيش في حال أن قيادته وجدت نفسها محصورة تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ أم أنه سيضطر لمراجعة حساباته ويبادر، إسناداً للموقف اللبناني، لإيداع ورقة التلال بعهدة بري، الذي يُحسن تدوير الزوايا وهو الأقدر على التواصل مع واشنطن والمجتمعين العربي والدولي؟

لذلك لا بد من ترقُّب ما سيقدم عليه نتنياهو قبل انصرافه لخوض الانتخابات، فيما تسعى واشنطن، من خلال التوصل لاتفاق للتحقق من نشر الجيش، إلى تفعيل تطبيق «اتفاق الإطار»، ولو على دفعات، وإن كانت الأولوية لديها توفير الأجواء لاستمرارية المفاوضات في جولتها الثامنة التي لم يحدد حتى الساعة موعدها.

ومع أن واشنطن، وإن كانت تتريث في توسيع «المناطق التجريبية»، كما يطالب لبنان، وتبقي عليها معلقة على ما سيؤول إليه الوضع على جبهة التلال، فهي تراهن على إحداث خرق لتفعيل المفاوضات، وإنما هذه المرة بتثبيت الخرائط الحدودية بين البلدين طبقاً لما نصت عليه «اتفاقية الهدنة»، على أن يُترك حل المناطق المتداخلة للمفاوضات، إضافة إلى ما تردد حول الضغط على تل أبيب لتسليم دفعة أولى من جثامين مقاتلي الحزب لخلق المناخ المواتي تحضيراً لجولة المفاوضات المرتقبة التي قد تكون الأخيرة استباقاً لانتخابات الكنيست.