لا قواعد أخلاقية... جنود إسرائيليون يقرُّون بقتل مدنيين في غزة

أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)
أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)
TT

لا قواعد أخلاقية... جنود إسرائيليون يقرُّون بقتل مدنيين في غزة

أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)
أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)

أدلت مجموعة من الجنود الإسرائيليين، في فيلم وثائقي تلفزيوني، بشهادات عما أحدثته القوات الإسرائيلية من فوضى في غزة، وعن انهيار المعايير والقيود القانونية؛ حيث قُتل مدنيون «بدافعٍ من أهواء الضباط».

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد اشترط بعض الجنود الذين تحدثوا في الفيلم الوثائقي «كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل»، المقرر بثه في المملكة المتحدة على قناة «آي تي في» (ITV) مساء الاثنين، عدم الكشف عن هويتهم، بينما تحدَّث آخرون بأسمائهم الحقيقية. وجميعهم أشاروا إلى تلاشي الالتزام بالقواعد الأخلاقية المتعلقة بالتعامل مع المدنيين.

وقال «دانيال»، وهو قائد وحدة دبابات في الجيش الإسرائيلي: «إذا أردتَ إطلاق النار دون قيود، فبإمكانك ذلك».

وأكد الجنود استخدام الجيش الإسرائيلي الممنهج للدروع البشرية، في تناقض مع النفي الرسمي من قبل تل أبيب، كما قدَّموا تفاصيل عن إطلاق القوات الإسرائيلية النار على مدنيين كانوا يهرعون للحصول على مساعدات غذائية، في نقاط توزيع أنشأتها «مؤسسة غزة الإنسانية» (GHF) المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.

«الوسيلة والنية والقدرة»

وقال النقيب يوتام فيلك، وهو ضابط في سلاح المدرعات: «في التدريب الأساسي للجيش، كنا جميعاً نردد عبارة (الوسيلة، والنية، والقدرة)، في إشارة إلى إرشادات التدريب الرسمية التي تنص على أنه لا يجوز للجندي إطلاق النار إلا إذا كان لدى الهدف الوسيلة، وأظهر النية، ولديه القدرة على إلحاق الضرر».

وأضاف: «ولكن في غزة، لا وجود لما يُسمى (الوسيلة، والنية، والقدرة). لا يذكر أي جندي هذه العبارة أبداً. بل تقتصر الشبهات على أشياء، مثل: اشتباه بالسير في مكان غير مسموح بالسير فيه، ورجل تتراوح سنه بين 20 و40 عاماً».

وقال جندي آخر، عُرِف في الفيلم الوثائقي باسم «إيلي» فقط: «لا تُحدَّد الحياة ولا الموت بالإجراءات ولا بلوائح إطلاق النار؛ بل إن ضمير القائد الميداني هو الذي يُقرِر هذا الأمر».

وأضاف: «في مثل هذه الظروف، يُصبح تحديد مَن هو العدو أو الإرهابي تعسفياً واعتباطياً. إذا كانوا يسيرون بسرعة كبيرة، فهم مُريبون. وإذا كانوا يسيرون ببطء شديد، فهم مُريبون. إنهم يُدبِّرون شيئاً ما. إذا كان 3 رجال يسيرون وتأخر أحدهم، فهذا يعني تشكيلاً عسكرياً؛ اثنين لواحد. أي هو تشكيل مشاة عسكري».

ووصف «إيلي» حادثة أمر فيها ضابط رفيع دبابة بهدم مبنى في منطقة مصنفة على أنها آمنة للمدنيين، قائلاً: «كان هناك رجل يقف على السطح ينشر الغسيل، فقرر الضابط أنه مراقب ميداني. ولكنه لم يكن مراقباً، إنه فقط كان ينشر الغسيل. يمكنك أن ترى بوضوح أنه ينشر الغسيل».

وأكمل قائلاً: «كانت أقرب قوة عسكرية على بُعد 600- 700 متر؛ لذا، إن لم تكن لديه عينا نسر، فكيف يُمكن أن يكون مُراقباً؟ أطلقت الدبابة قذيفة. انهار نصف المبنى. وكانت النتيجة العديد من القتلى والجرحى».

وأظهر تحليلٌ أجرته صحيفة «الغارديان» في أغسطس (آب) لبيانات استخباراتية تابعة للجيش الإسرائيلي، أن 83 في المائة من القتلى في غزة -حسب تقديرات مسؤولين عسكريين إسرائيليين- كانوا مدنيين. وهو رقم قياسي تاريخي في النزاعات الحديثة، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي نفى هذا التحليل.

وقُتل أكثر من 69 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب، ولا يزال مزيد منهم يُقتلون، رغم وقف إطلاق النار الذي بدأ قبل شهر.

فلسطينيون يشيِّعون قتلى سقطوا برصاص إسرائيلي في مدينة غزة (د.ب.أ)

وفي بيان مكتوب، قال الجيش الإسرائيلي: «لا يزال الجيش ملتزماً بسيادة القانون، ويواصل العمل وفقاً لالتزاماته القانونية والأخلاقية، على الرغم من التعقيد العملياتي غير المسبوق الذي يشكله تغلغل (حماس) الممنهج في البنية التحتية المدنية، واستخدامها المواقع المدنية لأغراض عسكرية».

هدف مشروع

قال بعض الجنود الذين أُجريت معهم مقابلات في الفيلم الوثائقي، إنهم تأثروا بلغة السياسيين والزعماء الدينيين الإسرائيليين، الذين أشاروا إلى أنه بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي قُتل فيه نحو 1200 إسرائيلي وأجنبي، أصبح كل فلسطيني «هدفاً مشروعاً».

وخلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وفيما يتعلق بمسألة النية، أشارت اللجنة إلى تحريض من قادة إسرائيليين، مثل الرئيس إسحاق هرتسوغ الذي قال بعد وقت قصير من هجوم 7 أكتوبر: «إنها أمة كاملة مسؤولة عن الهجوم. هذا الكلام عن المدنيين غير المدركين وغير المتورطين فيما حدث غير صحيح على الإطلاق».

ويقول «دانيال»، قائد وحدة الدبابات، إن الخطاب الذي يُعلِن عدم وجود أبرياء في غزة قد تسرب إلى صفوف الجيش. ويضيف: «نسمع هذا طوال الوقت، فنبدأ في تصديقه».

أم فلسطينية تنعى جثمان ابنها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)

ويقدم الفيلم الوثائقي أيضاً أدلة على أن بعض الحاخامات في صفوف الجيش قد روَّجوا لهذه الآراء.

وتقول الرائد نيتا كاسبين: «في إحدى المرات، جلس حاخام بجانبي، وقضى نصف ساعة يشرح لماذا يجب أن نكون كما كانوا في السابع من أكتوبر. علينا أن ننتقم منهم جميعاً، بمن فيهم المدنيون. علينا ألا نميز، وأن هذه هي الطريقة الوحيدة».

ويقول الحاخام أبراهام زربيف -وهو رجل دين يهودي متطرف خدم أكثر من 500 يوم في غزة- في الفيلم: «كل شيء هناك هو بنية تحتية إرهابية ضخمة».

ولم يقتصر دور زربيف على منح الشرعية الدينية للهدم الجماعي للأحياء الفلسطينية؛ بل قاد بنفسه جرافات عسكرية، وينسب لنفسه الفضل في ابتكار تكتيك تبناه الجيش الإسرائيلي كله؛ مشيراً إلى الشراء الجماعي للجرافات المدرعة.

ويقول زربيف في البرنامج: «يستثمر الجيش الإسرائيلي مئات الآلاف من الشواقل لتدمير قطاع غزة. لقد غيَّرنا سلوك جيش كامل».

«بروتوكول البعوض»

ويؤكد الجنود الذين أدلوا بشهاداتهم في الفيلم أيضاً التقارير المتواترة طوال الصراع الذي استمر عامين، حول استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية، وهي ممارسة تُعرف بشكل غير رسمي باسم «بروتوكول البعوض».

ويشرح «دانيال» هذا الأمر بقوله: «يتم إرسال الدرع البشري إلى تحت الأرض، وهو يحمل هاتف (آيفون) في سترته. وبينما يمشي في النفق، يرسم خريطة شاملة له باستخدام معلومات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)».

ويضيف: «رأى القادة كيف يعمل هذا النظام. وانتشرت الممارسة كالنار في الهشيم. وبعد نحو أسبوع، أصبحت كل وحدة تشغِّل بروتوكول البعوض الخاص بها».

وصرَّح الجيش الإسرائيلي في بيان له بأنه «يحظر استخدام المدنيين دروعاً بشرية، أو إجبارهم بأي شكل من الأشكال على المشاركة في العمليات العسكرية. وقد تم التأكيد على هذه الأوامر بشكل روتيني للقوات طوال فترة الحرب».

قتل مدنيين عُزل بمواقع توزيع المساعدات

وتحدث صنَّاع الفيلم الوثائقي إلى شخص يُعرف باسم «سام» فقط، كان يعمل في مواقع توزيع الغذاء التي تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية» (GHF)، وقال إنه شهد قتل مدنيين عُزل على يد الجيش الإسرائيلي.

ووصف حادثة في أحد مواقع التوزيع؛ حيث كان شابان يركضان للحصول على المساعدات: «رأيت جنديين يركضان خلفهما، قبل أن يسقطا على ركبتيهما ويطلقا رصاصتين على الشابين، ليسقطا في الحال».

فلسطيني يجلس وسط الجثث في مشرحة مستشفى «الشفاء» غرب بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وروى حادثة أخرى؛ حيث دمرت دبابة تابعة للجيش الإسرائيلي قرب أحد مواقع التوزيع «سيارة عادية... كان بداخلها 4 أشخاص عاديين».

ووفقاً لأرقام الأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 944 مدنياً فلسطينياً خلال سعيهم للحصول على مساعدات في محيط مواقع إغاثة تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية».

ونفت المؤسسة والجيش الإسرائيلي استهداف المدنيين الذين يسعون للحصول على الطعام في مواقع توزيع المساعدات. ونفى الجيش الإسرائيلي مزاعم ارتكاب جرائم حرب ممنهجة، وأصر على أنه يعمل «وفقاً للقانون الدولي، ويتخذ تدابير لتقليل الضرر الواقع على المدنيين في عملياته ضد (حماس)».


مقالات ذات صلة

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

المشرق العربي فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

تدفع القيود الإسرائيلية كثيراً من التجار إلى إيجاد أي طرق لتهريب ما يمكن تهريبه، لتعويض السكان في قطاع غزة عما يفقدونه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يستجيبان لبلاغ عن حادث أمني في عسقلان بجنوب إسرائيل - 10 أكتوبر 2023 (رويترز)

مقتل جنديَيْن إسرائيليَيْن في غزة بانفجار عرضي لمسيّرة

قُتل جنديان إسرائيليان في قطاع غزة، الخميس، جراء انفجار عرضي لطائرة مسيّرة إسرائيلية، وفق ما أعلن مسؤول عسكري الجمعة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب بشمال قطاع غزة (رويترز)

بريطانيا تقدم مساعدات بقيمة 88 مليون جنيه إسترليني لقطاع غزة

أعلنت الحكومة البريطانية، اليوم الخميس، عن تقديم حزمة دعم بقيمة 88 مليون ‌جنيه إسترليني لقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل تستعد لاحتلال طويل في جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعد لاحتلال طويل في جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)

تستعد إسرائيل لاحتلال طويل الأمد في جنوب لبنان، حيث استحدثت منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر»، هي عبارة عن أرض محروقة لا يقيم فيها السكان، ولا تتضمن أي منازل أو منشآت مدنية.

وقال مصدر أمني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن استهداف تلك البلدات الواقعة على تماس مع «الخط الأصفر»، وطرد السكان منها وتحويلها إلى مناطق مدمرة وخطرة، إنما «يعني أن إسرائيل تخطط لإحباط أي محاولة لاستخدامها لشن عمليات ضد قواتها في المنطقة المحتلة بالجنوب».

في غضون ذلك، كشف معارضون لـ«حزب الله» عن أنه يعاني من أزمة قيادة بعد اغتيال أمينه العام الأسبق حسن نصر الله، الذي يحيي الحزب اليوم (الأحد) الذكرى السنوية الثانية لاغتياله.

ولم ينجح الحزب في تعويضه بعدما حوّل الأمانة العامة إلى مركز ثقل سياسي وتنظيمي وعسكري وجماهيري.


العراق: ضغط فصائلي لكسر حظر الطيران الإيراني

اضطرت شركات طيران إيرانية منذ 23 سبتمبر 2026 إلى إلغاء رحلاتها بعد أن تبنت دول مجاورة تدابير تقييدية (أ.ف.ب)
اضطرت شركات طيران إيرانية منذ 23 سبتمبر 2026 إلى إلغاء رحلاتها بعد أن تبنت دول مجاورة تدابير تقييدية (أ.ف.ب)
TT

العراق: ضغط فصائلي لكسر حظر الطيران الإيراني

اضطرت شركات طيران إيرانية منذ 23 سبتمبر 2026 إلى إلغاء رحلاتها بعد أن تبنت دول مجاورة تدابير تقييدية (أ.ف.ب)
اضطرت شركات طيران إيرانية منذ 23 سبتمبر 2026 إلى إلغاء رحلاتها بعد أن تبنت دول مجاورة تدابير تقييدية (أ.ف.ب)

تضغط فصائل وأحزاب في العراق على الحكومة للتراجع عن قرار حظر الطيران الإيراني في مطارات بعموم البلاد.

وأعلنت الحكومة، أمس، أنها تجري محادثات مع واشنطن للحصول على إعفاء يسمح «برحلات تتعلق بالعلاج والزيارات الدينية والسياحية».

إلى ذلك، أكد مسؤولون حكوميون لـ«الشرق الأوسط» أن «المعابر البرية ما تزال مفتوحة بين البلدين، وتشهد حركة طبيعية».

وهدد فصيل «النجباء» بحشد أنصاره للاعتصام عند المطارات احتجاجاً على الامتثال للعقوبات، فيما دعا مسؤول في حركة «عصائب أهل الحق» إلى جلسة برلمانية لإبطال القرار.

وهاجم علي أكبر ولايتي، وهو مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي للشؤون الدولية، قرار إغلاق مطارات عراقية أمام الطائرات الإيرانية، ووصف «الإطار التنسيقي» الشيعي بـ«الفارغ» نتيجة صمته على قرار حظر الطيران.


سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
TT

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

في تطور أمني لافت، أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة واسعة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً، بينهم قادة، خلال أقل من شهر. وتمت عمليات التوقيف على وجه الخصوص في محافظتي اللاذقية وطرطوس، على الساحل السوري، وكذلك في محافظة حلب شمال البلاد.

ونقلت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، السبت، عن مصدر في إدارة مكافحة الإرهاب تأكيده القبض على الطيَّار خلدون حسين مبارك، في ريف مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية. وحسب تقارير في الإعلام المحلي، تم القبض عليه في منزله بقرية عين قيطة بريف جبلة، الجمعة.

وكان الطيار مبارك قد نجا من عملية إسقاط طائرته عام 2020، وأفاد حينها الإعلام الرسمي التابع للنظام السوري السابق بأن طائرته سقطت قرب مدينة سراقب في محافظة إدلب، جراء استهدافها من قيل الطيران التركي. وأعاد ناشطون بث مقابلة مع مبارك أكد فيها بعد نجاته مواصلة مهماته العسكرية، حتى لو تكرر استهدافه أكثر من مرة.

الطيارون التسعة الذين قُبض عليهم في اللاذقية (صفحة مراسل الأمن الداخلي في اللاذقية)

ويُعد الطيار خلدون حسين مبارك الطيار السادس عشر الذي تم توقيفه خلال أقل من شهر. فقد أعلن قائد الأمن الداخلي بمحافظة طرطوس العقيد عبد العال محمد عبد العال، يوم 18 سبتمبر (أيلول) الجاري، تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية الدقيقة، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب، أفضت إلى إلقاء القبض على 5 من كبار الضباط في سلاح الجو السابق، وهم: اللواء محمد فجر علي، والعميد الركن الطيار عبد الله علي معلا، والعقيد الركن الطيار نضال حسين صالح، والعقيد محمد علي سليم، والمقدم الطيار طالب عبد الكريم حسن. وجاء توقيفهم بناء على الاشتباه بتورطهم في التخطيط وإدارة وتنفيذ عمليات قصف جوي استهدف «مناطق مأهولة» خلال الحرب، حسبما أعلنه قائد الأمن الداخلي؛ مشيراً إلى أن التحقيقات تتواصل لحصر مسؤولياتهم الجنائية عن الغارات والانتهاكات المنسوبة إليهم، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية.

وسبق ذلك إعلان الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، في العاشر من الشهر ذاته، توقيف 9 طيارين، هم: العميد الركن منهل أنور صالح، والعميد سامي إبراهيم محمود، والعميد غياث علي الرحية، والعقيد عيسى عز الدين خضور، والعقيد مروان صلاح نافش، والعقيد بشار سمير ونوس، والمقدم أيهم حمزة عليا، والنقيب أيهم أحمد داود، والنقيب عمار عيسى جنيدي، حسبما نشرت قوى الأمن عبر حساباتها الرسمية.

وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إن التحقيقات أظهرت «مشاركتهم في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري في عدد من المحافظات، مستغلين مواقعهم العسكرية واختصاصهم في سلاح الطيران الحربي والمروحي، وما رافق ذلك من عمليات قصف واستهداف أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وإلحاق أضرار بالمدن والبلدات، وتهجير الأهالي وتدمير المنازل والمنشآت والمرافق المدنية».

أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر تلغرام)

وسجل الطيارون التسعة أكثر من 3200 ‏‏‏‏ساعة طيران وطلعات جوية خلال سنوات الثورة، حسب مصدر في وزارة الداخلية السورية، قال إن التحقيقات أشارت إلى تنفيذهم غارات جوية استخدموا فيها أنواعاً مختلفة من المروحيات الهجومية والمقاتلات النفاثة التي «استهدفت كثيراً ‏‏‏‏من المناطق، ولا سيما الغوطة الشرقية، ومدينة حلب وريفها، ودير الزور وريفها، ‏‏‏‏وريف حماة»، وفق ما نقلته وكالة «سانا» الرسمية.

وفي الخامس من سبتمبر، كشفت قوى الأمن الداخلي في محافظة حلب عن تنفيذ عملية أدت إلى توقيف العميد الطيار حميدي علي مراد، وهو أحد كبار القادة في سلاح الجو السوري؛ حيث تولى خلال سنوات خدمته إدارة مطارات عسكرية عدة، منها مطار المزة في دمشق، ومطار التيفور بريف حمص الشرقي، ومطار كويرس شرق حلب. إلى جانب قيادته الكلية الجوية.

وتتهم السلطات السورية الطيارين الموقوفين بالتورط -حسب موقع كل منهم ومسؤوليته- في التخطيط لعمليات القصف الجوي وإدارتها وتنفيذها، والاستفادة من سلاح الجو والقواعد الجوية ومراكز التوجيه الميداني لتنفيذ غارات قتالية استهدفت مناطق مأهولة، ما أسفر عن تدمير أحياء سكنية وبنى تحتية، وتهجير قاطنين قسراً، إضافة إلى خسائر بشرية واسعة، وفق «الإخبارية السورية».

ويشار إلى أن وزارة الداخلية كانت قد بثت في أبريل (نيسان) الماضي مقاطع من اعترافات عدد من الطيارين الذين تم توقيفهم العام الماضي، أبرزهم الطيار عبد الكريم أحمد عليا، وميزر صوان الملقب بـ«عدو الغوطتين». وكشفت الاعترافات أن استخدام الطائرات المقاتلة ضد السوريين الثائرين على نظام بشار الأسد، بدأ عام 2013، أي بعد عامين من اندلاع الاحتجاجات. كما أكدت الاعترافات تدخل بشار الأسد بشكل مباشر في تحديد أهداف القصف الجوي.