داريا مدينة مُدمَّرة قرب دمشق تطلب ردَّ تضحياتها في إسقاط نظام الأسد

نموذج يفسر عدم عودة النازحين إلى مناطقهم حيث لا إعادة إعمار ولا تصليح للبنية التحتية

صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)
صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)
TT

داريا مدينة مُدمَّرة قرب دمشق تطلب ردَّ تضحياتها في إسقاط نظام الأسد

صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)
صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)

يقود محمد العباد، شاب نحيل يرتدي بنطال جينز أسود ونظارة شمسية، دراجته النارية عدة مرات أسبوعياً على تلة حصوية تراكمت من بقايا حيّه القديم المهشم في مدينة تقع على أطراف دمشق، العاصمة السورية.

في الأعلى، يتأمل مشهداً رملياً قاتماً شبيهاً بمشهد المريخ. لا يوجد ما يشير إلى أن هذا الحي كان يوماً ما مجتمعاً مزدهراً من منازل تقليدية من طابق واحد مبنية حول ساحات وحدائق صغيرة.

في الأفق، يرى عباد، البالغ من العمر 29 عاماً، أبراج الشقق في المزة، وهي منطقة سكنية راقية نسبياً في دمشق، نجت من الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاماً سالمة إلى حد كبير.

قال عباد في ظهيرة أحد أيام الصيف الأخيرة، وقد تصلب صوته: «لم يحدث شيء هناك». هناك، كما ترى، لم يكن هناك قصف، ولا إطلاق نار، لا شيء. جميعهم ممثلون، فنانون، أناسٌ أثرياء، مؤيدون للنظام. لم يلحق بهم مكروه، لم يمسوهم، لكنهم دمروا حياتنا. هذا يُغضبني بشدة.

كان حيّ «الخليج» القديم الذي سكنه عباد، في داريا، المدينة المُدمّرة كغيرها من مدن في أنحاء سوريا. إنعاش هذه المدينة هو أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها الحكومة الجديدة التي لا تزال هشة. يجب عليها، بطريقة ما، حشد موارد هائلة للمساعدة في توفير المأوى وفرص العمل لملايين الأشخاص الذين يشعرون أنهم ضحّوا بكل شيء للإطاحة بحكومة الرئيس بشار الأسد، ولم تُستعد منازلهم أو حياتهم بعد.

طوابير للحصول على الأرز واللحم بداريا بعد أن أصبحت المبادرات المحلية والمطابخ الخيرية ضرورية لدعم الأسر في سوريا (نيويورك تايمز)

تقع داريا على بُعد نحو 30 دقيقة بالسيارة من وسط دمشق، لكنها عالمٌ مختلف، فهي واحدة من سلسلة مجتمعاتٍ ذات أغلبية سنية من الطبقة العاملة تُحيط بالعاصمة، التي شكّلت العمود الفقري للمعارضة في المنطقة ضد الأسد.

النظام، المُصمّم على جعل أماكن مثل داريا غير صالحة للعيش، أخضعها لغضبه الوحشي. قُصفت بالبراميل المتفجرة، وقُصفت بالغاز أحياناً، وحوصرت، وجُوّعت، وأُخليت من سكانها، ثم جُردت من كل ما يُحمل تقريباً. «تعفيش»، تُسمع مراراً وتكراراً بالعربية، أي «نهب».

قال محمد جناينة، رئيس بلدية داريا والمهندس المدني: «في البداية، كنا سعداء لأن دمشق لم تُدمر؛ إنها مدينة جميلة جداً. لكن عندما نعود إلى داريا، نشعر بالدمار. لا نتوقف عن سؤال أنفسنا: لماذا حدث هذا لداريا؟ لماذا كل هذا الدمار؟».

بعد الدوار الرئيسي عند مدخل داريا، تُعلّق لافتة على الشارع العريض تُنبه الزوار إلى احترام ذكرى الموتى. كُتب عليها: «الرجاء الدخول بهدوء، ففي كل خطوة كان هناك شهيد».

مسعفة تفحص طفلة داخل عيادة متنقلة أمام مبنى مدمر في داريا (نيويورك تايمز)

في عام 2011، قبل الحرب، صرّح رئيس البلدية في مقابلة بأن عدد سكان داريا بلغ 350 ألف نسمة، وكان العديد منهم من النجارين والكهربائيين وغيرهم من الحرفيين المهرة الذين يكسبون عيشاً كريماً في المصانع. استقطبت المنطقة المستشفى الوطني، الذي يضم 160 سريراً، أطباء وممرضين وعاملين في المجال الطبي، وكان يضم مجتمعاً زراعياً كبيراً.

تتاخم داريا قاعدة المزة الجوية، وهي منشأة عسكرية رئيسية تضم مركز احتجاز معروفاً بقسوته للسجناء السياسيين. خشيت القوات الحكومية من تسلل مقاتلي المعارضة إلى القاعدة من شوارع الخليج المتعرجة، التي يقطنها 40 ألف شخص، فقامت بهدم جميع المنازل لإنشاء منطقة عازلة.

كان وضع بقية داريا أفضل قليلاً. وقال السكان إن أسوأ حدث شهده يوم واحد كان مذبحة في أغسطس (آب) 2012، عندما اقتحم الجنود المدينة وقتلوا سكانها. قُتل ما لا يقل عن 700 شخص، وفقاً لياسر جمال الدين، المتحدث باسم قوات الدفاع المحلية.

درج مبنى مدمر في داريا الضاحية التي حوصرت لفترة طويلة وتضررت بشدة خلال الحرب الأهلية في سوريا (نيويورك تايمز)

بعد ذلك، فرّ نحو ثلاثة أرباع السكان. منع جنود النظام السكان من العودة، وطلبوا رشاوى ضخمة للسماح بمرور أي شيء عبر نقاط التفتيش، فارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية كالقهوة والسكر والدقيق والزيت ارتفاعاً جنونياً.

كانت داريا شبه خالية من السكان بين عامي 2016 و2019، عندما بدأ الجنود بالسماح للسكان بالعودة تدريجياً.

وصرح رئيس البلدية بأن عدد سكانها، الذي بلغ 25 ألف نسمة في ديسمبر (كانون الأول) عند سقوط النظام، يتجاوز الآن 150 ألف نسمة. ولا يزال نحو نصف المعتقلين، وعددهم 5400 شخص، في عداد المفقودين، بينما توفي 450 شخصاً في الحجز، وفقاً لنشطاء.

الدمار مُذهل. تصطف المباني السكنية المنهارة جزئياً في شارع تلو الآخر. وتتدلى كتل من الخرسانة، لا تزال مُثبتة على قضبان البناء، على الشوارع الفارغة كتمثال شيطاني متحرك. وقدّر تقرير للبنك الدولي صدر عام 2022 أن 43 في المائة من مساكن داريا قد دُمرت.

من حيث البنية التحتية والخدمات المتضررة، صنّف التقرير داريا أسوأ مدينة من بين المدن الأربع عشرة التي شملها المسح. يحتاج نحو ثلث شبكة طرقها إلى إصلاحات كبيرة. أدى القصف المتواصل إلى تدمير شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. تسد الأنقاض أنابيب الصرف الصحي، فتتسرب النفايات إلى الأرض. سبعة من أصل ثمانية مرافق صحية معطلة تقريباً. والمستشفى الوطني أصبح هيكلاً فارغاً.

عائلة تتجمع في ما تبقى من شقتها المدمرة بداريا إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)

بعد فراره إلى الخارج عام 2013، عاد رئيس البلدية عام 2020؛ قال: «عندما عدت أول مرة، كنت أتجنب داريا. لم أكن أرغب في رؤية الدمار؛ كان الأمر صادماً. عندما ترى منزلك، وكل ما عملت من أجله، مدمراً بالكامل، تشعر باكتئاب شديد».

داريا مثالٌ نموذجيٌّ على سبب قلة عدد العائدين من بين ملايين اللاجئين. فهم لا يملكون منازل ولا وظائفَ يعودون إليها، وعادةً ما يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإعادة الإعمار. في جوبر، حيٌّ من أحياء دمشق المُدمَّرة مثل داريا، لم يُسمح للسكان بالعودة إلا مؤخراً.

بعد خطبة صلاة الجمعة الأخيرة، احتشد المصلون للمطالبة بإعادة الإعمار. وثار جدلٌ حول ما إذا كان ينبغي الضغط على الحكومة أم منحها المزيد من الوقت.

كان المسجد أشبه بلوحةٍ بريديةٍ من الدمار. حثّ إمامه عمر ربيعة، الواقف أمام جدارٍ خرسانيٍّ عارٍ، الحكومة على حماية العائدين وبناء منازلهم. وقال: «منذ التحرير، ننتظر حلولاً عمليةً تُبيّن لأبنائنا أن شيئاً ما يتغير». وحذّر المصلين من الاستياء من أولئك الذين يملكون المال لإعادة الإعمار. وقال: «لن يُبنى هذا البلد على كل هذه الضغائن».

صرح وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، مؤخراً، وهو اقتصادي بارز، بأنه لن تكون هناك أموال عامة لإعادة الإعمار في أي وقت قريب، وأن الحكومة تتطلع إلى القطاع الخاص. وقال في مقابلة قصيرة: «نحن بحاجة إلى الابتكار».

لكن السكان قلقون من أنه ما لم تُصلح الحكومة البنية التحتية الأساسية، سيتردد المستثمرون من القطاع الخاص في البناء.

العائدون الفقراء إلى مساكن متهالكة

قالت هند صادق، البالغة من العمر 55 عاماً، وهي أم لعائلة مكونة من سبعة أفراد تعيش على أرضية إسمنتية في إحدى الغرف التي تم ترميمها: «ليس لدينا مكان نذهب إليه، هذا منزلنا». تنتشر ثقوب الرصاص على جدران المبنى، ومعظم الغرف عبارة عن مسار عوائق من الأنقاض المحطمة والنوافذ المكسورة، تبرز الأنابيب المتشققة والقضبان بزوايا غريبة.

عادت ست عائلات إلى ما كان في السابق 24 شقة في مبنى عائلي من ستة طوابق. لا أحد يخرج ليلاً، حين لا يوجد أناس ولا سيارات ولا إنارة في الشوارع المظلمة، فقط قطعان الكلاب الضالة تجوب الشوارع. قالت صادق: «لا يزال الوضع أفضل من العيش في ظل النظام السابق».

خديجة القرة بين أنقاض منزلها السابق في داريا (نيويورك تايمز)

وافقتها الرأي خديجة القرة، شقيقة زوجها. قالت إنها تبلغ من العمر 51 عاماً، ثم أضافت: «بالنظر إلى ما رأيته (في سنوات الحرب)، يجب أن يكون عمري 500». وعندما سُئلت عن تأثير العيش وسط الدمار الشامل على مزاجها، قالت: «لقد اعتدنا على ذلك. الدمار يعكس حياتنا».

يستأجر عباد الآن منزلاً في داريا، ولكن عندما يشتد غضبه حيال منزله المدمر، يقفز على دراجته النارية ليشعر، ولو جسدياً، بقربه من حياته السابقة، قال: «نأتي إلى هنا لتخفيف الضغط عن قلوبنا».

وقال إنه بدون مساعدة، لا يمكن للحي أن ينتعش. «قد يستغرق الأمر 20 عاماً. الأمر لا يقتصر على داريا فقط، بالطبع - إنه كذلك في كل أنحاء سوريا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

المشرق العربي قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

 حضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، القوات الحكومية السورية على وقف «أي أعمال هجومية».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

خاص أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

تلعب أربيل، عاصمة إقليم كردستان بشمال العراق، دوراً لافتاً هذه الأيام في رعاية الجهود الرامية إلى حل المشكلة الكردية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز) play-circle

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جندي مسلح يظهر بينما يغادر مدنيون من دير حافر باتجاه الغرب خوفاً من تصعيد التوتر بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية (رويترز) play-circle

«الإدارة الكردية»: مرسوم الشرع خطوة أولى لكن يجب صياغة دستور ديمقراطي

أكدت الإدارة الكردية لشمال وشرق سوريا اليوم السبت على أن المرسوم الصادر من الرئيس أحمد الشرع قد يعد خطوة أولى، لكنه لا يلبي طموحات وآمال الشعب السوري.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)
قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)
قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)

حضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، القوات الحكومية السورية على وقف «أي أعمال هجومية» في المنطقة الواقعة بين مدينتي حلب والطبقة بشمال البلاد، مرحّباً بالجهود «لمنع التصعيد» بينها وبين القوات الكردية.

وقال كوبر: «نحضّ القوات الحكومية السورية على وقف أي أعمال هجومية في المناطق الواقعة بين حلب والطبقة»، مرحباً «بالجهود المتواصلة التي تبذلها جميع الأطراف في سوريا لمنع التصعيد والسعي إلى حل عبر الحوار».


مكتب نتنياهو: الإعلان الأميركي لمجلس إدارة غزة يتعارض مع السياسة الإسرائيلية

نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة
نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة
TT

مكتب نتنياهو: الإعلان الأميركي لمجلس إدارة غزة يتعارض مع السياسة الإسرائيلية

نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة
نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ‌اليوم (السبت)، ‌إن ⁠إعلان ​إدارة الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب، قبل أيام، تشكيل مجلس ⁠لإدارة غزة، ‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل، ‍ويتعارض مع سياستها.

وأضاف المكتب أن وزير ​الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، سيثير هذه ⁠المسألة مع نظيره الأميركي ماركو روبيو.

وحسبما قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، تم تشكيل المجلس التنفيذي التأسيسي من قادة يتمتعون بالخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية، وذلك بغرض تفعيل رؤية «مجلس السلام».

ويضم المجلس كلاً من: ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، والوزير هاكان فيدان، وعلي الذوادي، واللواء حسن رشاد، والسير توني بلير، ومارك روان، والوزيرة ريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأفاد البيان بأن ترمب سيرأس المجلس بنفسه؛ مشيراً إلى أنه سيتم الإعلان عن أعضاء آخرين في الأسابيع المقبلة.

وقد قام رئيس المجلس بتعيين آرييه لايتستون، وغوش غرونباوم مستشارين كبيرين في مجلس السلام لدعم هذا النموذج التشغيلي، وقد أوكلت لهما قيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة ولاية المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى آلية تنفيذ منضبطة.


«حزب الله» يتمسك بسلاحه ويتحدّى محاولات تجريده

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يتمسك بسلاحه ويتحدّى محاولات تجريده

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)

جدد «حزب الله» اللبناني، السبت، تمسكه بسلاحه، وتحدّى أمينه العام الشيخ نعيم قاسم محاولات تجريده منه، وقال إن حزبه لن يستسلم وإن «العدوان على البشر والحجر لا يمكن أن يستمر، ودفاعنا مشروع في أي وقت»، كما شن قاسم هجوماً على وزير الخارجية يوسف رجي، متهماً إياه بالتلاعب بالسلم الأهلي، والتحريض على الفتنة، داعياً الحكومة إلى تغييره.

وجاء تصريح قاسم بعد أسبوع على تعهد الحكومة بالانطلاق بالمرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح شمال نهر الليطاني، وكلفت الجيش اللبناني بوضع خطة لتنفيذ المرحلة الثانية، على أن تجهز مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل. كما جاء تصعيد قاسم بعد ايام على الإعلان عن مؤتمر لدعم الجيش اللبناني يُعقد في باريس في مارس (آذار) المقبل، بما يمكن الجيش من تنفيذ الخطة الحكومية.

وقال قاسم في خطاب متلفز بعد ظهر السبت: «من مُستلزمات المرحلة الجديدة، تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار» الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، مضيفاً: «لبنان نفّذ ما عليه والمقاومة ساعدت إلى حد لم يحصل خرق واحد من جهة لبنان».

وقال قاسم إن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان «هو مرحلة واحدة لا أجزاء لها ولا مرحلة ثانية»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية نفذته، بينما «لم ينفّذ الكيان الإسرائيلي منه شيئاً». وأضاف: «لا علاقة للكيان الإسرائيلي بالقرار 1701، فهو شأن لبناني بحت، وكذلك حصرية السلاح واستراتيجية الأمن الوطني المرتبطة باتفاق القوى السياسية اللبنانية في الداخل».

وشدد على أنه «ليس من العقل أن نعطي إسرائيل، وأن نقدم تنازلات بلا ثمن»، وعلى أن «العقل هو أن نعرف كيف نحفظ بلدنا، ونحفظ قوتنا، ونتصرف بطريقة تؤدي إلى أن نكون معاً، وأن نتعاون».

تجريده من السلاح

رأى قاسم أن «حصر السلاح مطلب إسرائيلي - أميركي لتطويق المقاومة»، معتبراً أن «أي تنازل هو مزيد من الإضعاف»، مؤكّداً أنّ «السلاح في أيدينا للدفاع عن أنفسنا ومقاومتنا وشعبنا ووطننا».

وقال قاسم: «إذا سُلّم السلاح فسنشهد حوادث القتل والخطف أينما كان»، وتحدى مطالبيه بتسليم السلاح بالقول: «أن نُجرّد من السلاح... (طويلة على رقبتكم)، فنحن قومٌ سنبقى مقاومة، ولبنان لا يبقى دون مقاومة، ولبنان تحرر بسبب المقاومة»، مضيفاً: «إننا أصبحنا مقاومة بسبب إسرائيل، وليس العكس». وأضاف: «نحن قوم لا نستسلم، والعدوان على البشر والحجر لا يمكن أن يستمر، ودفاعنا مشروع في أي وقت، لكلّ شيء حدّ، وما يجري في الجنوب عدوان إسرائيلي - أميركي، ولا يجوز أن يكون بعضنا أدوات لقتل الآخرين».

وزير الخارجية

هاجم قاسم وزير الخارجية يوسف رجي الذي كان قد قال في تصريح تلفزيوني له، الأسبوع الماضي، إن لإسرائيل الحق في أن تتحرك عسكرياً في حال لم يتم حصر سلاح «حزب الله» بشكل كامل.

ورأى قاسم أنّ «عدم وجود وزير للخارجية اللبنانية عطّل الدبلوماسية»، متسائلاً: «لمن هو وزير الخارجية؟»، واتهمه بأنه «يعمل خارج سياسة الدولة والعهد، ويتلاعب بالسلم الأهلي، ويحرّض على الفتنة، وهو ضدّ العهد والحكومة، وضدّ الشعب اللبناني، وضدّ المقاومة»، لافتاً إلى أنّ «الحكومة اللبنانية تتحمّل مسؤولية هذا الخلل الذي اسمه وزير الخارجية، إمّا بتغيير الوزير وإمّا بإسكاته، وإمّا إلزامه بسياسة لبنان».

وأثار الهجوم على رجي، ردود أفعال؛ إذ كتب النائب نديم الجميّل على حسابه عبر منصة «إكس»: «إن موقف وزير الخارجية يستند إلى اتفاق الذلّ الذي وقّعتم عليه بعد حرب الإسناد، والذي وافق عليه لبنان رسمياً، وهو يُجسّد فعلياً خطاب القسم وبيان مجلس الوزراء لناحية حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. وعلى أمل أن يكون هناك موقف واضح من رئيس الجمهورية والحكومة لدعم وزير الخارجية في مواقفه».

من جهته، كتب عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك عبر «إكس»: «كل من يعتدي لفظياً أو معنوياً على وزراء القوات اللبنانية متجاوزاً الأطر الأدبية والنقدية والرقابية الصحيحة المتعارف عليها في الدول المحترمة، إن هذا المعتدي ومهما علت رتبته، مدنياً كان أم رجل دين وما بينهما من اختصاصات ووظائف، إنما يمهِّد لاغتيال جسدي لهؤلاء الوزراء، كما أنه يَغتال الدولة اللبنانية في سمعتها ومؤسساتها، ويتعاقد مع أشرار لإيذاء شعبها وتدميرها؛ لأن وزراءنا يمثلون الكرامة والسيادة والدولة، ويعملون لحماية هذه القِيَم». وتابع: «لهذا المعتدي نقول: شوية ذكاء، لقد ارتكب من سبقوك هذه الأفعال، وانتهوا في مزابل التاريخ، ألا تتعلم؟».

مؤتمر دعم الجيش

ويتزامن تصعيد قاسم مع نقاشات لبنانية ودولية بشأن دعم الجيش في مؤتمر باريس، بينما تربط الدول الصديقة للبنان، حجم الدعم للجيش، بإنجازاته في ملف حصرية السلاح. وقال النائب مروان حمادة في تصريح إذاعي، السبت: «مؤتمر دعم الجيش لا يزال مشروطاً بما سيعرضه الجيش في مارس، وتقرره الحكومة في فبراير، وبين الشهرين قد تكون هناك مؤتمرات فرعية لتقويم الأداء والنوايا قبل تحديد نوعية العطاء وكيفيته والكم المالي».

وقال حمادة: «إسرائيل ستستمر بالضغط على الحكومة اللبنانية من خلال تصعيدها في لبنان الذي هو قائم على الأرض؛ لانه انتقل إلى شمال الليطاني مع استمرار الضرب المحدود على جنوب الليطاني».

وأشار حمادة إلى أن «إسرائيل تريد تصفير التهديد تجاهها، لكن الجيش أنجز عملاً جبّاراً في الجنوب، ولا يستطيع أن يضحي بما لا نهاية بشبابه، والبحث في أعماق الجبال عن الأنفاق، وإلى أين تصل».

وتوجه لـ«حزب الله» بالقول: «سهّل على الدولة عملها، وأعطها عناصر ومعلومات وهي تجلب لك سلاماً، ويجب الانتقال بذهنية مسؤولي (حزب الله) إلى مكان آخر».