الجيش اللبناني يتلقّف «كرة اللهب» السياسية لمواكبة التحولات وحصرية السلاح

دعم دولي متنامٍ... وتعويل عليه لضمانة الاستقرار

جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)
جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)
TT

الجيش اللبناني يتلقّف «كرة اللهب» السياسية لمواكبة التحولات وحصرية السلاح

جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)
جنود لبنانيون ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)

تختصر المهام العملية للجيش اللبناني في الأسابيع الأخيرة، حجم التحديات المرمية على عاتقه، وفيما كان الجيش ينعى جنديين قتلا بانفجار مسيرة إسرائيلية كانا يعملان على تفكيكها بعد سقوطها في الجنوب، كانت وحدات أخرى تتسلّم أسلحة وعتاداً عسكرياً من المخيمات الفلسطينية، بينما كانت وحدات أخرى تنتشر على الحدود مع سوريا وتفكك معملاً لتصنيع المخدرات، بموازاة تعزيز الانتشار جنوب نهر الليطاني.

آليات عسكرية تابعة للجيش اللبناني على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين بجنوب بيروت (الشرق الأوسط)

وأكد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الجمعة، أن «الجيش يتحمل مسؤوليات كبرى على مختلف المستويات، وهو مقبل على مرحلة دقيقة يتولى فيها مهمات حساسة، وسيقوم بالخطوات اللازمة لنجاح مهمته آخذاً في الاعتبار الحفاظ على السلم اﻷهلي واﻻستقرار الداخلي».

ويبلغ عديد الجيش الإجمالي نحو 75 ألف عسكري، ينتشرون على مختلف الأراضي اللبنانية وعند الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية.

ويقول مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» إن هؤلاء العناصر «تتعدّد مهماتهم وتتنوّع بين مهمات أمنية في الداخل وحفظ السلم الأهلي، وملاحقة المخلين بالأمن وتجار المخدرات ومكافحة الإرهاب»، بالإضافة إلى منع التهريب والتسلل غير الشرعي إلى الأراضي اللبنانية عند الحدود الشمالية والشرقية، وتعزيز انتشار الجيش في قطاع جنوب الليطاني.

كرة لهب سياسية

الواقع أن الجيش تلقّف «كرة لهب» قذفتها السلطة السياسية إلى ملعبه، وتتمثل بسحب سلاح «حزب الله»، وتثبيت الاستقرار في الجنوب، وضبط الحدود مع سوريا، فضلاً عن سحب السلاح الفلسطيني في المخيمات، وملاحقة المتورطين في الاتجار بالمخدرات وتصنيعها، وضبط الاستقرار الداخلي على ضوء التوترات المتزايدة. هذه المهام، وضعته في مركز الاهتمام الدولي الذي لم يجد أولوية تتصدر أولويات دعمه، بدليل ما ورد في «الورقة الأميركية»، والمسعى الفرنسي لدعم الجيش.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة «حزب الله» في الجنوب (مديرية التوجيه)

وبعدما نصت الورقة الأميركية التي حملها الموفد توماس براك إلى بيروت، على تمويل سنوي يناهز مليار دولار لتجهيز الجيش وقوى الأمن، بموازاة توسيع وجود الجيش إلى 33 موقعاً و15 حاجزاً إضافيّاً في الجنوب، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، إن بلاده عازمة على عقد مؤتمرين بحلول نهاية العام، أحدهما لدعم الجيش اللبناني، الذي وصفه بأنه «الركيزة الأساسية لسيادة البلاد»، والآخر للتعافي وإعادة الإعمار.

وأوضح ماكرون أنه حث الحكومة اللبنانية على اعتماد خطة حصر السلاح بيد الدولة التي ستُعرض على مجلس الوزراء لهذا الهدف، وذلك خلال اتصالَين هاتفيَّين مع الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. وأضاف ماكرون عبر منصة «إكس» أنه سيرسل مبعوثه الشخصي إلى لبنان للعمل مع السلطات بشأن الأولويات فور اعتماد الحكومة خطة حصر السلاح.

ويسعى مؤتمر دعم الجيش لتأمين مساعدات تتيح زيادة عديد الجيش، ورفع مستوى تجهيزاته وتقويته بما يمكنه من تنفيذ مهامه، فضلاً عن دعم التقديمات لعناصر الجيش وتأمين استمراريتها، وذلك بعد سنوات من معاناة العسكريين جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها لبنان.

تحديات متزايدة

ورغم هذا الاهتمام الدولي بدعم المؤسسة العسكرية، والتعويل الواسع على دورها، فإنها تزيد من حجم التحديات المترتبة عليه، ذلك أن الجيش اللبناني بات مركز الاهتمام الدولي لتثبيت الاستقرار في البلاد، وتطبيق التحولات السياسية والأمنية، علماً بأن الأفرقاء كافة يجمعون على توفير الدعم السياسي المحلي الكامل للجيش، وعلى ضرورة دعمه في مهامه.

ويترقب لبنان الخطة التطبيقية التي يعدّها الجيش لقرار حصرية السلاح في لبنان، والتي ستُعرض على مجلس الوزراء في 2 سبتمبر (أيلول) المقبل، وسط تأكيدات حكومية لـ«الشرق الأوسط» بأن الخطة ستكون «تحت سقف عدم التصادم»، في وقت يستمر فيه الجيش بمهامه في الجنوب، حيث ينتشر حالياً في قطاع جنوب الليطاني نحو 7000 عنصر من الجيش اللبناني، وهو عدد قابل للارتفاع مستقبلاً وفق قرار مجلس الوزراء لرفع عديد الجيش في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار، حسبما يؤكد مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط».

جنوب الليطاني

بالموازاة، تعمل الوحدات العسكرية على جمع الذخائر من مخلفات الحرب، رغم المخاطر المترتبة عليها.

ويقول مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» إن خبراء الذخائر والمتفجرات في فوج الهندسة «يقومون بمعالجة هذه الذخائر وفقاً للتعليمات النافذة بهذا الخصوص مع ضرورة التشديد على تطبيق تدابير الحيطة المطلوبة، ووفقاً لتقدير الخطورة من قِبَل الخبير ومدى قربها من المناطق السكنية»، وذلك ضمن أولويات «ضمان حيطة المواطنين والعاملين في مجال معالجة مخلفات الحروب نظراً للمخاطر العالية لها وتأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين»، و«العمل بالطاقة القصوى للتمكّن من معالجة أكبر عدد ممكن من مخلفات الحروب، وتأمين العودة الآمنة للمواطنين، ومؤازرة انتشار وحدات الجيش». وعادة ما تكون الأولوية للمناطق المستهدفة المأهولة بالسكان، ثم المناطق الزراعية المستهدفة التي يستثمرها المواطنون وخراج القرى، وصولاً إلى المناطق الحرجية.

جنود لبنانيون يحملون نعش عسكريٍّ قُتل في انفجار مسيرة إسرائيلية في الجنوب الخميس (إ.ب.أ)

ولا تخفي المصادر أن هناك «خطراً دائماً يتمثّل باحتمال انفجار الذخائر في أثناء التعامل معها»، وقد حصلت عدة حوادث في أثناء معالجة هذه الذخيرة أدّت إلى مقتل وإصابة عدد من عناصر من الجيش اللبناني.

الحدود مع سوريا

وإلى جانب الفصل المتصل بحصرية السلاح وضمانة الاستقرار على الحدود مع إسرائيل، نصت الورقة الأميركية على خطّة موازية لترسيم الحدود اللبنانيّة - السوريّة برّاً وبحراً، وإنشاء لجنةٍ ثلاثيّةٍ (لبنان، سوريا، الأمم المتحدة) بدعمٍ غربيّ - عربيّ، إضافةً إلى برنامجٍ مشترك لمكافحة تهريب المخدّرات، ويشمل عمليّات لبنانيّة - سوريّة مشتركة.

وتنتشر على طول الحدود اللبنانية - السورية وحدات عسكرية مختلفة، مهمتها الأساسية ضبط ومراقبة الحدود ومنع عمليات التهريب، وهي 4 أفواج للحدود البرية.

وأقفل الجيش اللبناني العدد الأكبر للمعابر غير الشرعية التي كانت موجودة على الحدود مع سوريا، معتمداً على «خطة أمنية متكاملة تشمل نشر وحدات عسكرية على امتداد الحدود، وإقامة نقاط مراقبة ثابتة ومتحركة، وتسيير دوريات راجلة ومؤللة، واستخدام تقنيات مراقبة ليلية، إضافة إلى التنسيق الدائم مع الأجهزة الأمنية المعنية»، حسبما تقول مصادر عسكرية؛ إذ «حقق الجيش نتائج ملموسة في الحد من الاتجار بالمخدرات من خلال تكثيف الإجراءات الأمنية وتعزيز المراقبة على الحدود».

قائد الجيش اللبناني يتفقد وحدات عسكرية في شرق لبنان يوم عيد الجيش مطلع الشهر الحالي (مديرية التوجيه)

وتشير بيانات الجيش إلى أنه منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاق عدد الموقوفين الـ160 شخصاً من اللبنانيين والسوريين.

ويشير المصدر العسكري إلى أن هناك «تنسيقاً بين الجيش اللبناني وهيئة الأركان السورية لضبط عمليات التهريب عبر الحدود المشتركة من خلال مكتب التعاون والتنسيق، حيث يشهد هذا التنسيق تطوراً في مجال ضبط الحدود ومكافحة التهريب، عبر إجراءات أمنية مشتركة وزيارات رسمية. ومع ذلك، فإنّ التحديات الجغرافية والأمنية تتطلب استمرار التعاون والتنسيق بين البلدين لضمان أمن الحدود».

ويقول المصدر: «التحدي الأساسي هو الحفاظ على سيادة الدولة، ومنع أي اختراق للحدود، سواء من قبل مجموعات مسلحة، أو مهربين. لذلك، نعمل على الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة وتقنيات رصد متطورة المتوافرة في أفواج الحدود البرية من أجل ضبط الحدود وحماية المواطنين اللبنانيين في المناطق الحدودية».

ويقول المصدر: «التحدي الأساسي هو الحفاظ على سيادة الدولة، ومنع أي اختراق للحدود، سواء من قبل مجموعات مسلحة، أو مهربين. لذلك، نعمل على الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة وتقنيات رصد متطورة المتوافرة في أفواج الحدود البرية من أجل ضبط الحدود وحماية المواطنين اللبنانيين في المناطق الحدودية».


مقالات ذات صلة

الإمارات تحظر سفر مواطنيها إلى إيران ولبنان والعراق

الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحظر سفر مواطنيها إلى إيران ولبنان والعراق

أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية حظر سفر مواطني دولة الإمارات إلى إيران ولبنان والعراق.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
المشرق العربي جندي إسرائيلي خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي في جنوب لبنان، ما يرفع إلى أربعة حصيلة عسكرييه الذين قتلوا منذ سريان وقف إطلاق النار مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

وسّعت إسرائيل نطاق «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان عبر إنذارات إخلاء متلاحقة شملت ما يزيد على عشرين بلدة في صور والنبطية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.