«مشتاقة أسمع يا ماما»... أطفال غزة المصابون وأسرهم ينتظرون أملاً بعيداً

ما يقرب من 4 آلاف طفل في حاجة إلى إجلاء طبي لتلقي رعاية خاصة

TT

«مشتاقة أسمع يا ماما»... أطفال غزة المصابون وأسرهم ينتظرون أملاً بعيداً

الطفل مصعب أبو محسن ووالدته في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد إصابتهما في قصف إسرائيلي على خيمة العائلة (الشرق الأوسط)
الطفل مصعب أبو محسن ووالدته في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد إصابتهما في قصف إسرائيلي على خيمة العائلة (الشرق الأوسط)

في ليلة لن تُمحى من ذاكرته، فقد أحمد أبو سحلول (4 أعوام) والديه في قصف إسرائيلي أشعل النيران في خيمتهم بمنطقة مواصي خان يونس بجنوب قطاع غزة، وأصيب جسده الغض بحروق وجروح متفرقة.

نجا الطفل وأشقاؤه السبعة بأعجوبة من براثن موت محقق، لكنه يعاني آثار حروق من الدرجة الثالثة في وجهه وأجزاء أخرى من جسده، وهو يتلقى العلاج حالياً في مجمع ناصر الطبي.

لا يستطيع أحمد تحريك أطرافه العلوية والسفلية، وهو في حاجة ماسة إلى السفر لتلقي العلاج في الخارج، كما تقول عمته ملاك؛ لأن مستشفيات القطاع تفتقر لتقديم الخدمات الطبية اللازمة في ظل الظروف الحالية.

الطفل الفلسطيني أحمد أبو سحلول أصيب في قصف إسرائيلي ويتلقى العلاج في مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب غزة (صورة خضعت للمعالجة نظراً لبشاعة الإصابة - الشرق الأوسط)

وتبدو آمال المصابين الفلسطينيين في تلقي العلاج المناسب بعيدة، إذ يشهد أفق مفاوضات وقف إطلاق النار انسداداً مستمراً، رغم إعلان المجاعة في القطاع جراء الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ قرابة عامين.

وعن قسوة المشهد وهول الحريق الذي راح فيه شقيقها وزوجته في تلك الليلة قالت العمَّة لـ«الشرق الأوسط»: «كانت النار قوية، وطلع بعض الأطفال سريعاً من الخيمة، وكانوا مصابين بشظايا، بينما بقي أحمد بالخيمة وانتشله السكان وهو يعاني حروقاً».

وأضافت ملاك البالغة من العمر 45 عاماً: «منظر أحمد والصورة واضحة لحالها تحكي عن حاله، واللسان عاجز عن الكلام. أحمد يصحو كل يوم يبحث على أهله، لا يعرف أنهم استُشهدوا... ما ذنب هذا الطفل وذنب إخوته؟».

خيمة أحمد وأسرته تعرضت لقصف بطائرة انتحارية، وهو أسلوب تعتمده إسرائيل كثيراً في غاراتها؛ ما يتسبب في حرائق كبيرة، تتفحم فيها أملاك وأبدان. وباتت خيمة العمة مأوى لأبناء شقيقها الراحل الذين فقدوا الأب والأم ولم يعودوا يملكون من فتات الأرض شيئاً.

لا خدمات ولا سفر

تزداد معاناة جرحى قطاع غزة، وخاصةً الأطفال منهم، مع تدني الخدمات الطبية من جانب، وحرمانهم من السفر لتلقي العلاج في الخارج من جانب آخر؛ الأمر الذي يفاقم من تدهور حالتهم الصحية، ويجعلهم يواجهون الموت مرات عدة في اليوم الواحد وهم يحاولون تضميد جروحهم.

ومن بين أكثر من 158 ألف إصابة في قطاع غزة، هناك ما لا يقل عن 90 ألف طفل مصاب نتيجة العمليات الإسرائيلية، كما تؤكد إحصائيات وزارة الصحة بغزة.

غروب شمس الثلاثاء خلف مباني قطاع غزة المدمرة (أ.ب)

ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية بعد الهجوم الذي شنته «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تغلق إسرائيل المعابر التجارية والخاصة بالأفراد، وسمحت لفترات بسيطة - قبل سيطرتها على معبر رفح البري في مايو (أيار) 2024 - بخروج عدد محدود من الجرحى لتلقي العلاج تحت قيود كبيرة، ونُقل بعضهم إلى دول مختلفة بالعالم.

وبعد استئناف الحرب في مارس (آذار) الماضي، بعد توقفها لشهرين ضمن وقف إطلاق نار مؤقت، أغلقت إسرائيل جميع المعابر المؤدية إلى غزة مانعة أي مساعدات إنسانية أو خروج أي من المرضى والجرحى، قبل أن تُستأنف في يونيو (حزيران)، من خلال دفعات محدودة جداً وبأوقات متفاوتة ومتباعدة دونما انتظام.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، منذ أيام إن أكثر من 15 ألفاً و600 شخص في غزة، بينهم 3 آلاف و800 طفل، في حاجة إلى إجلاء طبي لتلقي رعاية خاصة، داعياً إلى زيادة عمليات الإجلاء من القطاع، وتسهيل وصول المساعدات من أجل إنقاذ الأرواح وتقديم الرعاية المنقذة للحياة.

«مشتاقة أسمع يا ماما»

لم تكن حالة الطفل أحمد أبو سحلول أفضل حالاً من حالة مصعب أبو محسن، (عامان و7 أشهر)، الذي فقد النطق عقب إصابته في قصف إسرائيلي استهدف خيمتهم في منطقة المواصي غرب خان يونس الواقعة بجنوب القطاع، والتي كثيراً ما تزعم إسرائيل أنها منطقة إنسانية آمنة، رغم أنها تستهدف خيام النازحين فيها.

ويتلقى مصعب العلاج في مجمع ناصر الطبي بغرفة مجاورة لغرفة أحمد، حيث تحول المجمع إلى المستشفى الوحيد القادر على خدمة المصابين رغم محدودية الإمكانات، ورغم تعرضه للقصف هو أيضاً صباح الاثنين الماضي، في هجوم أودى بحياة خمسة صحافيين، من بينهم مريم أبو دقة مصورة «الإندبندنت عربية»، وآخرون متعاونون مع وكالتي «رويترز» و«أسوشييتد برس»، وقناة «الجزيرة».

متظاهر يرفع لافتة عليها صور الصحافيين القتلى في قصف مجمع ناصر الطبي بجنوب قطاع غزة خلال وقفة تضامن في صيدا بلبنان يوم الأربعاء (رويترز)

وعن قصف خيمة عائلة مصعب تقول والدته صباح النمس (27 عاماً)، إن الخيمة تعرضت لقصف في يوليو (تموز) الماضي؛ ما تسبب بتناثر الشظايا وإصابتها هي وزوجها وأطفالها.

وتضيف أن قدمها كانت بحالة بالغة السوء كادت أن تستدعي بترها، كما تعاني جروحاً أخرى في أماكن مختلفة من جسدها. وبالنسبة لزوجها، اضطر الأطباء إلى وضع «بلاتين» لقدميه، وأصبح لا يستطيع التحرك أو أداء أي عمل دون مساعدة، خاصةً مع عدم توافر عكازات.

أما ابنها، فأصيب بشظايا في رأسه وأنحاء متفرقة من جسده، كما يعاني كسراً في الجمجمة؛ ما تسبب في تلف بأنسجة الدماغ أفقده النطق، إلى جانب عدم قدرته على تحريك أطرافه.

ولا تزال الشظية مستقرة في جمجمته، تُشكل خطراً على حياته، ولا يستطيع الأطباء استخراجها في ظل قلة الإمكانات المتاحة، وهو في حاجة إلى العلاج بالخارج.

الطفل مصعب أبو محسن في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد إصابته في قصف إسرائيلي (الشرق الأوسط)

وتقول الأم بكلمات غلب عليها الوجع والألم: «فقدت ممتلكاتي وكل شيء، ومالناش مأوى ولا ملابس وما فيه إمكانات نشتري حتى لو توفرت، لكن كل هذا مش مهم، أهم إشي يرجع ابني يحكيلي يا ماما، مشتاقة أسمع منه هذه الكلمة».

وأضافت بصوت اهتز تأثراً: «قبل القصف كنت لما أكون متضايقة ومخنوقة كان يحضني ويحكيلي يا ماما، ويحكي معي لحد ما أروق».

وفي ليلة الغارة الإسرائيلية، ظنت صباح في البداية أن طفلها قد قتل، وعندما نقل للمستشفى لم تكن أجهزته الحيوية تعمل، وبعد قليل رجع له نبضه ووُضع بالعناية المركزة.

وناشدت «كل الضمائر الحية» ومنظمة الصحة العالمية بالعمل على سفر طفلها للعلاج بالخارج، مضيفةً: «نفسي أسمع منه كلمة ماما، ويرجع إله النطق».


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

خاص القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

«الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

نجا قائد «حماس» في غزة علي العامودي، من عملية اغتيال في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأدت حينها لمقتل 5 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى والعالقين من وإلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا آلاف يتظاهرون في لندن دعمًا للفلسطينيين (أ.ب)

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

شارك آلاف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في مسيرة، السبت، جابت وسط لندن؛ للمطالبة بوقف الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

خاص كواليس «7 أكتوبر»... الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً وسعد طالب بوقفها

تتكشف كل فترة معلومات فلسطينية جديدة حول خفايا وكواليس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتوقعات الرد الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
TT

لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)

مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الـ«يونيفيل» في جنوب لبنان، تصدّر هذا الموضوع محادثات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا مع المسؤولين اللبنانيين، في جولة شملت رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وعكست المواقف اللبنانية توافقاً رسمياً على ضرورة عدم ترك الجنوب أمام فراغ أمني ورقابي بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بصيغتها الحالية، مع التشديد على أهمية استمرار الدور الدولي في دعم الاستقرار ومساعدة لبنان على استعادة سيادته الكاملة.

عون: متمسكون ببقائها

وأكد الرئيس عون، خلال استقباله لاكروا، أن «لبنان متمسك ببقاء القوات الدولية العاملة في الجنوب (يونيفيل)، نظراً إلى أهمية ما قامت به منذ بدء مهمتها حتى اليوم».

وشدد على أن «انسحاب قوات (يونيفيل) سيترك فراغاً له انعكاسات سلبية على الوضع الأمني في المنطقة، فضلاً عن أن المنطقة ستخلو من أي رقابة دولية على ما يجري فيها». وأشار إلى أن «هذه القوات تؤدي أيضاً أدواراً اجتماعية وإنسانية وصحية وتربوية، عززت العلاقة بينها وبين المواطنين الجنوبيين الذين يرتاحون لوجودها ويثقون بدورها ويتمسكون ببقائها في بلداتهم وقراهم».

وأعرب رئيس الجمهورية عن أمله في أن «يتجاوب مجلس الأمن مع الطلب الذي تقدم به لبنان للإبقاء على المهمة العملانية لـ(اليونيفيل) خلال السنة المقبلة، ولا سيما إذا تحقق انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية وانتشر الجيش اللبناني، الذي سيكون في حاجة إلى الاستفادة من الخدمات الإنسانية واللوجستية التي تقدمها القوات الدولية».

من جهته، قال لاكروا إن «الوضع الميداني لا يزال معقداً، في ظل استمرار الأنشطة العسكرية وتأثر السكان بها بشدة»، مؤكداً أنه «من المهم، بل من الضروري، أن يُسمع صوت لبنان في المناقشات داخل مجلس الأمن، باعتبار أن لبنان هو الدولة المعنية مباشرة بهذا الموضوع».

وأضاف أن «الأمم المتحدة لا تزال قادرة على أداء دور في دعم الجهود الرامية إلى إعادة الاستقرار إلى لبنان والمنطقة واستعادة السيادة الكاملة للبنان»، مشيراً إلى أن الخيارات التي عرضها الأمين العام بشأن استمرار الوجود الأممي بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» لا تزال مطروحة، وأن مواقف السلطات اللبنانية، ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار.

بري: موقف موحّد

بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري، خلال لقائه لاكروا والوفد المرافق، «وحدة الموقف الرسمي اللبناني لجهة التمسك بوجود القوات الدولية ومهمتها تنفيذاً للقرار 1701»، في ظل مواصلة إسرائيل حربها على لبنان وخرقها القرار الأممي.

وتناول اللقاء مفاعيل القرار 2790 والمطالب اللبنانية المتعلقة بمستقبل القوات الدولية، ودورها في مراقبة الحدود الدولية على امتداد الخط الأزرق وتصحيح مساره، ولا سيما في النقاط الخلافية التي يتحفظ عليها لبنان، إضافة إلى توثيق الخروقات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً لاكروا (الوكالة الوطنية للإعلام)

ونوّه بري بـ«جهود وتضحيات قوات (اليونيفيل) طوال ما يقارب نصف قرن من مهمتها في الجنوب، والتي تجاوزت الدور الأمني والعسكري إلى أدوار إنسانية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وإلى العيش المشترك بين أفرادها والمجتمع المحلي». وشدد على أن «لبنان سيستمر بمساعيه على مختلف المستويات من أجل صون حقوقه السيادية وحماية حدوده وتحرير آخر ذرة من أرضه من الاحتلال الإسرائيلي»، مشيراً إلى «وجود إجماع» وتحرك برلماني لبناني باتجاه المجتمع الدولي والأمم المتحدة في هذا الإطار.

سلام: لا فراغ

وأكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، خلال استقباله لاكروا، «رفضه حصول أي فراغ بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل) بصيغتها الحالية»، مشدداً على «حاجة لبنان إلى قوة دولية تتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل».

وأبدى سلام «انفتاح لبنان على البحث في أي صيغة دولية جديدة لهذه القوة، مع التمسك بضرورة أن يكون تفويضها صادراً عن مجلس الأمن الدولي».


«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
TT

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)

أيقظ مشهد طفلة في محافظة الحسكة (شمال شرقي) تجمع روث الحيوانات لاستخدامه في التدفئة ذاكرة المعاناة من برد الشتاء خلال سنوات الحرب في سوريا، وسط مؤشرات اقتصادية تنذر بتجدد وتفاقم الأزمات المعيشية، من جراء ارتفاع أسعار المحروقات وتفاعل قضية «البنزين المغشوش» وتدني قيمة الليرة وما أثارته من مخاوف معيشية.

وأظهر مقطع فيديو يتم تداوله على نطاق واسع طفلة في ريف محافظة الحسكة، تجمع روث الحيوانات من الأراضي الزراعية بهدف تحويله إلى وقود «جلة» كوسيلة من وسائل التدفئة البدائية، مع اقتراب فصل الشتاء وعدم توفر المازوت لأنه «غالٍ» حسب تعبيرها.

هذا المشهد ذّكر فاطمة حميد (49 عاماً) بأول شتاء لها بعد التهجير من دير الزور إلى صحنايا بريف دمشق، لتسكن مع أطفالها الثلاثة في قبو بارد ومعتم لعدة سنوات لم تعرف خلالها الدفء.

تقول فاطمة إن ذكرى تلك الأيام السوداء أحياها رفع سعر المازوت والحديث عن توفير نوع رخيص بجودة أقل للتدفئة، وتضيف: (أيام الأسد) كانوا يبيعونا بالتقطير مازوت أسود طين للمدافئ يخنقنا برائحته»، ونخشى اليوم من أن يكون المازوت الرخيص الذي يتحدثون عنه مثل البنزين الأحمر الذي عطل السيارات.

رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الطاقة السورية رفعت أسعار المازوت والمشتقات النفطية سبتمبر (أيلول) الماضي بنسبة 40 في المائة، وحُدد سعر لتر المازوت (الديزل) بـ175 ليرة سورية من 125 ليرة. ثم طرحت لاحقاً مازوت مدعوماً أقل جودة للتدفئة والزراعة بـ115 ليرة سورية.

وسجلت قيمة الليرة تراجعاً أمام الدولار لتتجاوز 141 ليرة، الثلاثاء، بعد استقرار أشهر عند معدل 130 ليرة. وقد وضع اقتصاديون هذا التراجع في إطار التضخم الناجم عن قرار رفع سعر المحروقات.

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف، معلناً «البدء بربط وتفريغ ناقلة مازوت بسعة 16 ألف طن في ‏مستودعات ميناء بانياس، فيما تنتظر ناقلة ثانية دورها للتفريغ تلبية ‏للطلب المتزايد على مادة المازوت مع اقتراب فصل الشتاء».

مستودع حمص للمشتقات النفطية (الشركة السورية للمحروقات سادكوب)

وقال صطوف في تصريح لوكالة (سانا) الرسمية، إن الشركة ‏اتخذت مجموعة من الإجراءات أبرزها التنسيق مع مصفاة حمص لزيادة الكميات ‏المنتجة والمباشرة بتوريد المادة بسعر 150 ليرة سورية للتر ‏الواحد لجميع المحافظات بهدف سد النقص الحاصل، وإنتاج ‏كميات جديدة بسعر 115 ليرة سورية للتر الواحد ‏في مصافي الحسكة والاستفادة من المخزون المتبقي في مستودعي ‏تشرين وبانياس، متوقعاً «تحسن استقرار مادة المازوت في السوق مع ‌‏انتظام التوريدات وعودة مصفاة بانياس إلى العمل».

وما تزال قضية طرح كمية من «البنزين المغشوش» في الأسواق السورية تتفاعل منذ مطلع الشهر الحالي، وجاءت عقب أزمة في توفر المادة وارتباك حاد بسبب رفع أسعار البنزين (أوكتان 90) إلى 185 ليرة، و(البنزين أوكتان 95) إلى 195 ليرة.

من الصور المتداولة للبنزين المغشوش في سوريا

وأفاد عامل في إحدى محطات تزويد الوقود في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، بأن كميات البنزين المغشوش سحبت من جميع المحطات الحكومية «سادكوب» وتم البدء بتزويدها بنوع نظيف، منذ فجر الثلاثاء، بكميات مطابقة للمواصفات بعد التأكد في المصدر وفي موقع التسليم بدمشق، وهذا الأمر الذي أخر التوريدات إلى المحطات في العديد من المحافظات، نافياً وجود أزمة في توفر المادة، داعياً المواطنين إلى التزود بالبنزين من المحطات الحكومية حالياً، ريثما يتم الانتهاء من سحب كامل كمية البنزين المغشوش من باقي محطات القطاع الخاص.

وكان عضو لجنة المحروقات في مجلس الشعب السوري خالد جمال الخلف، طالب بإقالة ومحاسبة مدير شركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، وقال خلال مداخلة له على شاشة القناة الإخبارية السورية، الأحد الماضي، إن القبلاوي يتحمل كامل المسؤولية عما وصفه بـ«كارثة البنزين المغشوش» نظراً لحجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمركبات المواطنين.

صورة تعبيرية من فيسبوك لمحل ميكانيك

فادي الأكرم كان في ورشة لتصليح السيارات بدمشق يحاول شفط البنزين المغشوش من سيارته، والكشف عن الأضرار التي ألحقها بالمضخة، وقال إن خسارته الأولية مليونا ليرة ثمن البنزين فقط، أما إصلاح الأضرار فربما تصل إلى خمسة ملايين متسائلاً عمن يتحمل تعويضها؟

ولم تعلن نتائج التحقيقات في قضية «البنزين المغشوش» التي سبق أن قالت الشركة السورية للمشتقات النفطية «سادكوب» إنها تجريها لتحديد مصدر المادة المخالفة، وكيفية وصولها إلى المحطات، وفق بيان أصدرته لدى تزايد الشكاوى، أكدت فيه أن نتائج العينات التي تم سحبها من مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد، أظهرت مطابقتها للمواصفات المعتمدة، مع الإقرار برصد حالات لوجود مادة غير مطابقة للمواصفات في السوق المحلية.


مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)
الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)
TT

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)
الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

وقال المصدر إن «الانفجار استهدف القوة بينما كانت تنفذ عملية تمشيط في وادي زغيتون» بعد ساعات قليلة من ضربات قامت بها طائرات القوة الجوية العراقية على مضافات لتنظيم «داعش» في كركوك، مساء الثلاثاء.

وأدى الانفجار إلى مقتل ضابط برتبة عميد وجندي، وإصابة جنديين آخرين بجروح متفاوتة، مشيراً إلى أنه جرى إخلاء جثتي القتيلين ونقل المصابين إلى المستشفى لتلقي العلاج.

ونعت وزارة الدفاع في بيان صحافي، آمر وحدة اتصالات فرقة المشاة الحادية عشرة، العميد آهات ياسر خضير حسين، والمنتسب نائب الضابط معتز شهيد عباس، إثر انفجار عبوة ناسفة من مخلفات «داعش»، في أثناء تأديتهما واجب تفتيش موقع الضربة الجوية التي استهدفت مضافة لخلايا الإرهاب في «وادي زغيتون» بمحافظة كركوك.

كانت خلية الإعلام الأمني قد أعلنت، مساء الثلاثاء، تنفيذ طائرات مقاتلة عراقية ضربة جوية استهدفت مضافات لعناصر تنظيم «داعش» في محافظة كركوك.

وقال قائد عمليات كركوك، اللواء الركن معد بداي، إن ضربة جوية استهدفت مضافات لتنظيم «داعش» في وادي زغيتون بمحافظة كركوك، أسفرت عن تدمير المضافات ومقتل عنصرين إرهابيين على الأقل.

وأضاف بداي، في تصريح صحافي، أن الضربة جاءت ضمن العمليات الأمنية الرامية إلى ملاحقة عناصر التنظيم الإرهابي واستهداف أوكاره ومخابئه في المناطق التي تشهد نشاطاً لعناصره.

كانت طائرات F-16 العراقية قد وجهت في وقت سابق ثلاث ضربات جوية مركّزة استهدفت مضافات تابعة لـ«داعش» في وادي زغيتون، أسفرت عن تدمير جميع المضافات المستهدفة بالكامل، وتحقيق إصابات دقيقة، وفق بيان أمني.

أحد أفراد الأمن العراقي خلال دورية في أحد شوارع بغداد (أ.ف.ب)

استمرار التعاون العسكري

في هذا السياق، رأى المستشار السابق لرئيس الوزراء حسين علاوي، أن «القوات الامنية العراقية تقوم بعمل كبير لمتابعة فلول (داعش) في المناطق الزراعية الوعرة والتلال والجبال، ضمن خطط تهدف إلى تجفيف منابع الإرهاب».

وأضاف علاوي أن «مفارز قليلة جداً من التنظيم في كركوك ومدن شمال بغداد تواجه الموت والمطاردة الاستخبارية المستمرة، إلى جانب بلاغات المواطنين العراقيين عن حركتهم في الأراضي الزراعية والكهوف».

وعمّا إذا كان لايزال هناك تعاون بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، أكد علاوي أن «التعاون الامني والدفاعي العراقي - الأميركي مستمر في مجال بناء القدرات للقوات المسلحة العراقية»، مشيراً إلى «عقود عسكرية لتجهيزات خاصة بأسلحة القوة الجوية وطيران الجيش والقوات البرية والعمليات الخاصة في جهاز مكافحة الإرهاب».