مساعدات غزة... «مسرحية» للنهب المفتوح

في ظل فوضى إسرائيلية متعمدة وفلتان العصابات

طائرة تُسقِط رزم مساعدات فوق قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)
طائرة تُسقِط رزم مساعدات فوق قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

مساعدات غزة... «مسرحية» للنهب المفتوح

طائرة تُسقِط رزم مساعدات فوق قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)
طائرة تُسقِط رزم مساعدات فوق قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)

رغم استئناف إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل محدود وغير كاف، كما يؤكد كثير من الجهات الحكومية وكذلك الدولية والأممية، فإن المستفيد الأكبر من إدخالها في ظل الفوضى الحالية داخل القطاع، هم قطاع الطرق وبعض العصابات واللصوص.

ويعاني قطاع غزة من فوضى حقيقية لم تنجح كل محاولات حكومة «حماس» في القضاء عليها؛ بفعل الاستهداف المتكرر لعناصرها من قِبل إسرائيل، وكان آخرها مساء الاثنين، محاولات التجمع الوطني للعشائر والقبائل والعائلات الفلسطينية تأمين بعض المساعدات، التي دخلت من معبر زيكيم، شمال غربي القطاع، قبل أن يقدم الجيش الإسرائيلي على قصف إحدى مجموعات التأمين؛ ما أدى إلى مقتل 5 منهم وإصابة 13 بجروح متفاوتة، لحظة دخول شاحنات المساعدات؛ الأمر الذي سمح لقطاع الطرق وبعض العصابات المسلحة بالدخول فوراً ونهب تلك الشاحنات.

فلسطينيون يكافحون للحصول على الغذاء من مطبخ خيري في مدينة غزة الاثنين (رويترز)

سرقة ونهب

ولم تنجح الشاحنات التي دخلت من مصر بالوصول إلى الأماكن المخصصة لها، بما في تلك المخصصة للجالية المصرية أو الجالية المسيحية بغزة، وذلك بفعل سرقتها ونهبها.

ويمكن القول بوضوح ومن المعاينة على الأرض، فإن جميع المساعدات بما فيها تلك التي تم إسقاطها جواً تعرَّضت للنهب والسرقة، عدا جزء بسيط جداً منها استطاع بعض المواطنين ممن يبحثون عن سد رمق أبنائهم في الحصول عليها بصعوبة بالغة، بعد أن دخلوا في عراك كبير مع بعض اللصوص.

الشاب الغزي، جميل حسنة، من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، وعلى مدار 4 أيام كان يقطع مسافة نحو 3 كيلومترات حتى وصل إلى منطقة شمال غربي السودانية، إلى الجزء الشمالي الغربي من قطاع غزة؛ من أجل محاولة الحصول على كيس (شوال) من الدقيق (الطحين) يصل وزنه إلى 25 كيلوغراماً، إلا أنه لم ينجح في أي منها بالحصول عليه سوى مرة واحدة، وفي تلك المرة تكاثر عليه بعض اللصوص واعتدوا عليه بالضرب المبرح قبل أن يأخذوا منه ما بحوزته، بعد معاناة لساعات طويلة كان ينتظر فيها الحصول على الدقيق لعائلته.

فلسطينيون نجحوا في الحصول على أكياس دقيق (طحين) برفح الاثنين (أ.ف.ب)

يقول حسنة لـ«الشرق الأوسط»، إنه نجا بأعجوبة من موت محقق في تلك اللحظة، بعد أن كان نجا قبلها بأيام من قذيفة مدفعية أطلقتها دبابة إسرائيلية تجاه مجموعة من الشبان كان يبعد عنهم نحو 20 متراً، بعد أن سقطت في وسطهم وحولتهم أشلاءً أثناء انتظارهم شاحنات المساعدات.

ويشير حسنة، إلى أن هناك الكثير من المواطنين ممن يحتاجون فعلاً إلى المساعدات يتوجهون، لكنهم لا يستطيعون الحصول عليها، لأن هناك عصابات مسلحة بأسلحة مختلفة، منها نارية وأخرى بيضاء، وهناك لصوص عبارة عن مجموعات من أصدقاء وغيرهم يتكاثرون أيضاً ويحملون أسلحة بيضاء وينهبون ما يستطيعون، وهناك عصابات بالأساس يقف خلفها التجار ويدفعون لهم مبالغ مالية مقابل الحصول على المواد الغذائية المدخلة؛ بهدف بيعها في الأسواق بأسعار باهظة الثمن.

بيع المساعدات المنهوبة

في غالبية أسواق قطاع غزة، ما أن تدخل شاحنات المساعدات ويتم نهبها، حتى يتم عرض ما يُنهب منها بأسعار باهظة الثمن، لا يكاد الموظف الحكومي أو في القطاع الخاص من أصحاب الرواتب متوسطة المدى، أن يستطيع شراءها بسبب غلائها من جانب، وعدم توفر السيولة النقدية من جانب آخر والتي في حاجة إلى أن تحصل عليها في ظل إغلاق البنوك، إلى دفع عمولة وصلت إلى 48 في المائة. (أي كل 100 دولار في التطبيق البنكي تحولها إلكترونياً لحساب التاجر، تحصل مقابلها 52 دولاراً نقداً منها).

طاقم طائرة نقل عسكرية أردنية يستعدون لإسقاط رزم مساعدات فوق غزة الاثنين (رويترز)

يقول الموظف في السلطة الفلسطينية، أحمد المغربي، من سكان حي الصبرة جنوب مدينة غزة: «مش عارفين شو نعمل بحياتنا، الحرامية واللصوص بتحكمون فينا... بأكلنا وبفلوسنا وبكل جزء بحياتنا، ومشان هيك الهجرة أفضل حل».

ويشير المغربي إلى أن عصابات اللصوص، التي تقف بشكل أساسي خلفها أيادٍ خفية من تجار وغيرهم، تقوم بسرقة المساعدات ونهبها، وتشعر وكأن لديها تنسيقاً مع إسرائيل للوصول للمساعدات قبل المواطنين؛ لأنها تتدفق لأماكن نقاط دخولها وتعرف طرق وصولها قبل معرفة السكان بذلك. وفق قوله.

يضيف المغربي: «هذه الحقيقة المُرّة تسيطر على حياتنا في غزة، ونحن نشعر بذلك ونراه بأنفسنا، فالظروف قاهرة جداً، والحياة مرة وصعبة، ولم تعد تحتمل في ظل تحكم هؤلاء اللصوص في كل مناحي الحياة... ما رأينا مساعدات من أي دولة وصلتنا، فقط اللصوص ومن يقف خلفهم هم المستفيدون من ذلك، وعلى العالم أن يتوقف حتى يجد طريقة حقيقية لتأمين هذه المساعدات وتوزيعها بشكل عادل عبر المؤسسات الأممية والدولية، كما كان في وقف إطلاق النار السابق وفي المرحلة التي سبقتها».

امرأة وأطفال يتفرجون على محتويات صندوق من رزم المساعدات التي تم إسقاطها جواً فوق مدينة غزة الاثنين (رويترز)

ويرى كثيرون من سكان قطاع غزة، كما ترى منظمات أممية، أنه من دون التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن من الصعب حماية هذه المساعدات ووصولها إلى مستحقيها.

وشهدت غزة في الأيام القليلة الماضية، عمليات إسقاط جوي للمساعدات الإنسانية، من قِبل بعض الدول العربية، إلا أن الكثير منها سقط بشكل أساسي في مناطق يوجد بها الجيش الإسرائيلي، كما جرى في بعض مناطق جنوب خان يونس، وكذلك في شرق مدينة غزة، في حين سقطت أخرى بمناطق يوجد بها غزيون، إلا أن غالبيتها تعرضت للسرقة وعُرضت في الأسواق للبيع بأسعار باهظة الثمن.

وبلغ سعر كيلو السكر نحو 130 دولاراً بعدما كان في الأيام الماضية ما بين 150 و170 دولاراً، في حين تراوحت أسعار المعلبات الغذائية من اللحوم والمطبوخات الجاهزة التي تحتاج فقط إلى تسخينها، ما بين 44 و60 دولاراً، وهي أسعار تنطبق على غالبية ما يتوفر من بضائع المساعدات.

محتويات صندوق من رزم المساعدات التي تم إسقاطها جواً فوق مدينة غزة (رويترز)

ويوضح برنامج الأغذية العالمي أنه خلال يوم الاثنين دخلت 55 شاحنة إلى قطاع غزة، وتم الاستيلاء عليها من قِبل حشود الفلسطينيين قبل وصولها، مؤكداً أنه لم يحصل أي تغير على الأرض في قطاع غزة، ولم يتم السماح باستخدام طرق بديلة لإدخال المساعدات.

ولا يكتفي اللصوص والعصابات وغيرهم بسرقة المواد الغذائية، بل يعملون على سرقة الحليب و«البامبرز» (حفاضات الأطفال) المفقودين بشكل أساسي لدى وزارة الصحة والسكان، ويبيعونه بالأسواق بأسعار باهظة الثمن، حيث وصل ثمن علبة الحليب الواحدة 69 دولاراً، في حين وصل سعر حبة البامبرز الواحدة 4 دولارات.

إدارة المجاعة

ووصفت المواطنة نسرين العاصي، من سكان بلدة بيت لاهيا والنازحة إلى غرب مدينة غزة، قضية إدخال المساعدات بأنها مجرد «مسرحية» تريد من خلالها إسرائيل أن تظهر أمام المجتمع الدولي بأنها تسمح بإدخال هذه المساعدات، لتخفيف المجاعة بغزة، وهي بالأساس تعمل على إدارة هذه المجاعة، بما يحقق أهدافها في الفوضى القائمة حالياً والتي هي تقف خلفها من خلال ترك المجال لعصابات اللصوص بالسيطرة على كل شيء، في وقت يتم فيه استهداف عناصر التأمين من جانب، ومن جانب آخر ترفض أن يتم تأمين الشاحنات وتفرض على السائقين التوقف في الشوارع العامة بما يسمح بنهبها. وفق قولها.

ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أن الغالبية العظمى من الشاحنات تتعرض للنهب والسرقة وبشكل ممنهج، كما أن المساعدات التي يتم إسقاطها لا تتجاوز حمولتها يومياً نصف شاحنة مساعدات، وسقط بعضها في مناطق مصنفة حمراء. وقال: «إن ما يجري في قطاع غزة، يُعدّ نموذجاً واضحاً وممنهجاً على أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى بوعي إلى نشر الفوضى وهندسة المجاعة، ويمنع عمداً وصول المساعدات إلى مستودعاتها أو مستحقيها، بما يشكّل جريمة متعمدة ومستمرة بحق المدنيين المحاصرين».


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
الخليج تأتي امتداداً للجهود الإغاثية والإنسانية التي تقدمها السعودية للمحتاجين والمتضررين داخل قطاع غزة (واس)

قافلة إغاثية سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة، الأربعاء، قافلة إغاثية سعودية جديدة، محمّلة بكميات كبيرة من السلال الغذائية، مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

ترتيبات جديدة تفرضها خطة الممثل السامي لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، بشأن مستقبل القطاع، وفق آليات تبادلية وتدريجية.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت قرية المنصوري كما شوهدت من مدينة صور في جنوب لبنان يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت قرية المنصوري كما شوهدت من مدينة صور في جنوب لبنان يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)
TT

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت قرية المنصوري كما شوهدت من مدينة صور في جنوب لبنان يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت قرية المنصوري كما شوهدت من مدينة صور في جنوب لبنان يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

شن الطيران الحربي الإسرائيلي، صباح الجمعة، سلسلة غارات استهدفت بلدات كفررمان والقليلة وأطراف بلدة المنصوري في جنوب لبنان، حيث طال القصف الجوي منزلاً في بلدة حانين، وأرضاً مفتوحة في كفررمان، بالإضافة إلى مبنى في منطقة العامرية قرب بلدة القليلة الجنوبية، وأطراف بلدة المنصوري.

وفي سياق متصل، ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، اللبنانية الرسمية، أن المدفعية الإسرائيلية قصفت صباح اليوم مداخل بلدة بيت ليف وأطراف بلدات دبل والقوزح والناقورة ومنطقة حامول في جنوب لبنان.

كما أفادت الوكالة بأن الطيران المسيّر الإسرائيلي استهدف فجراً منزلاً في بلدة كفررمان الجنوبية، في حين تعرّض عدد من قرى القطاع الغربي لقصف مدفعي مركز، وطالت الغارات الجوية فجراً منطقة تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ووجّه الجيش الإسرائيلي صباح الجمعة إنذاراً عاجلاً إلى سكان قرية سجد في جنوب لبنان، طالبهم فيه بإخلاء منازلهم فوراً والانتقال إلى شمال نهر الزهراني.


لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.