«الداخلية» السورية لـ«الشرق الأوسط»: إعادة سلطة القانون تفرض سحب السلاح وتوحيد القوة بيد الدولة

المتحدث الرسمي حمّل التيارات الانعزالية في السويداء المسؤولية لرفضها الحوار

TT

«الداخلية» السورية لـ«الشرق الأوسط»: إعادة سلطة القانون تفرض سحب السلاح وتوحيد القوة بيد الدولة

انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء جنوب سوريا الاثنين (سانا - أ.ف.ب)
انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء جنوب سوريا الاثنين (سانا - أ.ف.ب)

حملت دمشق «التيارات الانعزالية» في السويداء المسؤولية عما يحصل هناك، وذلك لرفضها الحوار ومحاولتها مصادرة القرار السياسي والعسكري، وفرض خطاب يُقصي الآخرين ويضع المحافظة في حالة عداء مفتعل مع الدولة السورية.

وكانت المواجهات التي اندلعت أمس الأحد، بين مسلحين من الطائفة الدرزية والعشائر البدوية هي أول عنف طائفي داخل المدينة نفسها، بعد توتر واسع النطاق نشب على مدى شهور في المحافظة.

وأسفرت المواجهات التي لا تزال متواصلة عن مقتل 89 شخصاً في المحافظة الواقعة بجنوب سوريا، فيما أعلنت وزارة الدفاع السورية سقوط 18 من قوات الجيش في هجمات مسلحة على نقاط عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه «التيارات تحاول احتكار التمثيل، وتمنع أي انفتاح وطني جامع، وتضغط على الأفراد تحت شعارات لا تمثل المصلحة العامة، بينما الحل الحقيقي يكمن في فتح مسارات الحوار مع كل المكونات، وتمكين المؤسسات من أداء دورها، ورفع الصوت المدني الحقيقي في وجه خطاب الفوضى والعنف».

المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا

وبدأت القوات السورية بالانتشار في السويداء، الاثنين، مع تواصل الاشتباكات الدامية التي اندلعت، الأحد، بين فصائل محلية في السويداء ومجموعات مسلحة من عشائر البدو. وأعلنت وزارة الداخلية تدخلها المباشر «لفض النزاع» ووضع خطة لفرض الأمن وسحب السلاح المنتشر في المحافظة، وسط اتهامات من بعض الجهات في السويداء بأن دمشق تسعى لاستغلال التوتر العسكري لفرض سيطرتها على المحافظة.

ورد نور الدين البابا على تلك الاتهامات بالتأكيد على أن تدخل الدولة في السويداء ليس بدافع السيطرة، بل بدافع حماية المواطنين وإعادة الاعتبار للقانون، مؤكداً وقوف الحكومة على مسافة واحدة من جميع أبناء الشعب السوري، والتعامل وفق «معايير السيادة، والشرعية، والقانون»، بقوله: «إن إعادة سلطة القانون تقتضي سحب السلاح من الجميع، دون استثناء، وتوحيد القوة بيد الدولة فقط؛ لأنها الضامن الوحيد لوحدة التراب السوري».

مجموعات خارجة عن القانون

وحول المقصود بتوصيف «المجموعات الخارجة عن القانون»، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية إن توصيف الدولة السورية لأي «مجموعات خارجة عن القانون»، لا ينبع من هوية طائفية أو عشائرية أو مناطقية، بل «يُبنى على أساس قانوني ووطني بحت». مؤكداً على أن هذا التوصيف لا يميز بين مكوّن وآخر، بل يعكس التزام الدولة بحماية النظام العام وضمان أمن المواطنين.

أحد أفراد قوات الأمن السورية يعبر سيارة محترقة في منطقة المزرعة إثر اشتباكات بين عشائر بدوية ومقاتلين محليين من السويداء (أ.ف.ب)

ومن هذا المنطلق، يتابع البابا، فإن الحكومة «تقف على مسافة واحدة من جميع أبناء الشعب السوري، وتتعامل مع الجميع وفق معايير السيادة، والشرعية، والقانون، لا وفق الاعتبارات الفئوية أو المناطقية التي يسعى البعض لفرضها في الخطاب العام. وإن الانحياز الوحيد الذي تعبّر عنه الدولة هو انحيازها للمواطن المدني، المسالم، الذي يطالب بالأمان والكرامة في ظل مؤسسات دولته».

كما أوضح أن عملية سحب السلاح ستشمل «كل ما يوجد خارج إطار مؤسسات الدولة، أياً كانت الجهة التي تحمله» بوصفه «سلاحاً غير شرعي، ويُعد تهديداً لوحدة البلاد وسلامة مجتمعها»، وبالتالي، فإن الدولة ترفض بشكل قاطع أي وجود مسلح مستقل، سواء كان لفصائل عشائرية أو لفصائل محلية، تحمل طابعاً مذهبياً أو سياسياً، حتى ولو ادعت تأييدها للدولة. مع التأكيد أن «الحفاظ على السلم الأهلي، ومنع اندلاع الفتن الداخلية، وإعادة سلطة القانون، تقتضي سحب السلاح من الجميع، دون استثناء، وتوحيد القوة بيد الدولة فقط؛ لأنها الضامن الوحيد لوحدة التراب السوري».

مظاهر مسلحة بين الأهالي في السويداء جنوب سوريا (أرشيفية - السويداء 24)

وأضاف المتحدث باسم وزارة الداخلية أن «ما تشهده السويداء من اضطرابات واشتباكات وسقوط ضحايا أبرياء فرض على الدولة مسؤولية لا يمكن تجاهلها، فتدخل الدولة لم يكن بدافع السيطرة، بل بدافع حماية الناس، وإعادة الاعتبار للقانون وإنهاء مظاهر الفوضى التي تسببت في تهجير السكان، وتهديد نسيج المنطقة». محملاً من أسماهم «بعض التيارات الانعزالية» في السويداء المسؤولية لرفضها الحوار، و«محاولتها مصادرة القرار السياسي والعسكري في السويداء، وفرض خطاب يُقصي الآخرين»، معتبراً أن ذلك «يضع المحافظة في حالة عداء مفتعل مع الدولة السورية».

بيان دار الإمارة

وجاءت دعوة الحكومة للحوار متوافقة إلى حد كبير مع ما جاء في بيان صدر، الاثنين، عن دار الإمارة في قرية عرى من الأمير أبو يحيى حسن الأطرش، دعا فيه إلى إنهاء الاقتتال الداخلي وعدم الانجرار وراء الفتن. كما طالب بمنح فرصة حقيقية للحوار وفرض الأمن من خلال التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة للتوصل إلى حل يرضي الجميع.

إلا أن الرئاسة الروحية للموحدين الدروز في السويداء نحت نحو التصعيد معلنة رفض دخول أي جهات إلى المنطقة، ومنها «الأمن العام السوري وهيئة تحرير الشام»، بحسب بيان صادر عنها، يوم الاثنين، مع توجيه اتهام مباشر لتلك الجهات بالمشاركة في قصف القرى الحدودية مع درعا ومساندة مجموعات وصفتها بـ«التكفيرية»، باستخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة، محملة كامل المسؤولية «لكل من يساهم في الاعتداء أو يسعى لإدخال قوى أمنية إلى المنطقة»، وفق البيان. مع تأكيد المطالبة بالحماية الدولية الفورية كحق لحماية المدنيين وحقناً للدماء.

جلسة جمعت الرئيس السوري مع وفد من محافظة السويداء مارس الماضي (الرئاسة السورية)

يشار إلى أن عدداً من الفصائل المحلية في السويداء ومجموعات من الأهالي، كانت قد فتحت حواراً مع دمشق وتم التوصل إلى اتفاق يقضي بانضمام أبناء السويداء إلى قوى الأمن العام، أول مايو (أيار)، إلا أن فصائل وتيارات أخرى عارضت الاتفاق، ما ساهم في خلق أجواء غير إيجابية بين الحكومة السورية وبعض المرجعيات الدينية والاجتماعية في السويداء.

ولا تزال الاشتباكات متواصلة في بعض القرى في ريف محافظة السويداء الغربي، بحسب ناشط مدني في السويداء لـ«الشرق الأوسط»، قال إن هناك «محاولات لتقدم قوات وزارة الدفاع في ريف السويداء الغربي، ويجري استخدام أسلحة متوسطة وثقيلة، متهماً الحكومة بالتدخل لمساندة المجموعات المهاجمة من أبناء البدو».

انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء جنوب سوريا الاثنين (سانا - أ.ف.ب)

وحول أسباب انفجار التوتر في السويداء، قال الناشط إن الأشهر الماضية شهدت تكراراً للانتهاكات على طريق دمشق - السويداء وريف السويداء الغربي، من قبل عناصر منتسبة للأمن العام ووزارة الدفاع، غالبيتهم من أبناء البدو ومن أبناء درعا من الذين عادوا من الشمال السوري. بحسب تعبيره، وتفاقمت الانتهاكات في الأسابيع الأخيرة، آخرها الاعتداء على تاجر خضار وسلبه سيارته من قبل مجموعة مسلحة، حصلت بعدها عمليات خطف متبادل واشتباكات بهدف الضغط لإطلاق سراح المخطوفين، إلا أن التصعيد انفجر.

وكان وزير الداخلية، أنس خطاب، قد عزا التصعيد الخطير في السويداء إلى غياب المؤسسات الرسمية المعنية عن السويداء، وقال في منشور له عبر منصة «إكس»: «يأتي هذا التصعيد الخطير في ظل غياب المؤسسات الرسمية المعنية، ما أدى إلى تفاقم حالة الفوضى وانفلات الوضع الأمني، وعجز المجتمع المحلي عن احتواء الأزمة رغم الدعوات المتكررة للتهدئة، وقد أسفر ذلك عن ارتفاع عدد الضحايا وتهديد مباشر للسلم الأهلي».


مقالات ذات صلة

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

المشرق العربي الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختتم زياره رسمية إلى سوريا، أمس، شراكة جديدة بين البلدين تدعم الاستثمار وإعادة الإعمار. كما.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أحد أفراد الأمن بملابسه مغطاة ببقع الدم يقف بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين قريبين خلال زيارة الزعيم الفرنسي التاريخية إلى سوريا (أ.ف.ب)

الداخلية السورية بدأت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات تفجيري دمشق

قال وزير الداخلية أنس خطاب إن الجهات المختصة في الوزارة بدأت تحليل تسجيلات الكاميرات ومعلومات السيارة التي وُضعت العبوة بداخلها، لكشف ملابسات الحادث.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة عن الحكم الصادر عن محكمة العدل الأوروبية برفض دعوى والدة وشقيقتي رامي مخلوف

لماذا رفضت «العدل الأوروبية» رفع العقوبات عن والدة رامي مخلوف وشقيقتيه؟

رفضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الطعون المقدمة من والدة رجل الأعمال السوري رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد)، غادة مهنا، وشقيقتيه كندة وسارة مخلوف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الشرع وماكرون لدى وصولهما لحضور حفل توقيع اتفاق في دمشق (أ.ب) p-circle 00:28

دمشق وباريس تؤسسان لشراكة اقتصادية جديدة... والاستثمار بوابة إعادة الإعمار

أسّس الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لـ«انعطافة استراتيجية» عبر إطلاق شراكة اقتصادية موسعة لإعادة الإعمار.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق (أ.ف.ب)

ماكرون: فرنسا مستعدة للمساهمة بإعادة بناء اقتصاد سوريا

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إن بلاده مستعدة للمساهمة في إعادة بناء اقتصاد سوريا وقطاعها المصرفي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختتم زياره رسمية إلى سوريا، أمس، شراكة جديدة بين البلدين تدعم الاستثمار وإعادة الإعمار. كما أشرفا على تشكيل لجان مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات للاستثمار في مجالات حيوية عدة.

وأعلن الشرع خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون عن اتفاق البلدين على «بدء مسار تبادل السفراء المقيمين بين دمشق وباريس في أقرب وقت ممكن، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها الكاملة».

وكان الرئيس السوري قد استقبل نظيره الفرنسي في قصر الشعب الرئاسي، عقب سماع انفجارين قرب فندق «الفورسيزونز» حيث أمضى ماكرون ليلته.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا».

أما وزارة الداخلية السورية فأوضحت أن الانفجارين نجما عن عبوتين ناسفتين، مشيرة إلى أنها باشرت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات التفجيرين.

وتحدث وزير الداخلية أنس خطاب عن إغلاق بعض الطرق ريثما تنتهي أعمال التأمين في محيط موقع الانفجارين.


من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
TT

من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

في مكان وزمان بالغ الحساسية والحرج للسلطات السورية، وقع انفجاران متتاليان على بعد نحو 10 كيلومترات من مقر إقامة الرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى سوريا.

وقالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط» إن هناك أطرافاً كثيرة قد تكون مستفيدة من هذه العملية، وفي مقدمتها «الفلول» والمتضررون من التقارب الفرنسي ـ السوري. إلا أن مصادر أخرى متابعة رجّحت مسؤولية تنظيم «داعش» عن التفجير كون التنظيم ما زال التحدي الأمني الأبرز في سوريا.

وأصيب 18 شخصاً على الأقل، بينهم معاون وزير السياحة و4 من عناصر الشرطة، في انفجارين متتاليين قرب وزارة السياحة، في محيط فندق «الفورسيزونز» مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء ذلك بعد أقل من أسبوع على انفجار وقع في مقهى للمحامين في محيط القصر العدلي، راح ضحيته 10 مدنيين، وأصيب نحو 20 آخرين.

وبحسب الخبير الأمني عبد الله النجار، تحمل هذه التفجيرات بصمات «فلول» النظام السابق، بهدف «إجهاض عملية العدالة الانتقالية، التي سوف تطولهم بالتأكيد، ولإظهار أن سوريا غير آمنة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العبوات بدائية الصنع، ولا تستثني أحداً، سواء مدنيون أم عسكريون» وهي ترمي إلى إظهار غياب سيطرة أمنية جيدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «المعيار الأمني» في هذه التفجيرات «لا يشير إلى هشاشة أمنية»، ذلك لأنه يمكن لأي مجرم وضع عبوة ناسفة بدائية في حاوية قمامة، وأخرى في مركبة مركونة على جانب الطريق، كما حصل في تفجير الثلاثاء.

أفراد الأمن السوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الرئاسي بدمشق الثلاثاء (أ.ب)

من جهته، قال المحلل السياسي والدبلوماسي السابق بسام بربندي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كلما ظهرت «إشارات جدية» على التعافي في سوريا، تظهر ردّات فعل من الأطراف المتضررة من تحسن الوضع في البلاد، وفي هذا تتلاقى مصالح الفلول وتنظيم «داعش» و«حزب الله» اللبناني وإيران وإسرائيل.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعداداً كبيرة من العناصر الذين كانوا جزءاً من نظام القمع السابق ما زالوا يعيشون «بيننا وضمن طبقات عدة»، فإن الأمر الذي لا يمكن إغفاله، بحسب بربندي، أن مؤسسات الدولة ما تزال في طور التكوين، وعناصر الأجهزة الأمنية جدد، لم يكتسبوا بعد الخبرات والقدرة الكاملة على ضبط الأمن.

ولفت المحلل السياسي إلى أن حجم التفجيرات يشير إلى أمرين، إما أن المنفذ أفراد أو مجموعات متضررة، أو أنها «جهة قادرة على القيام بعمليات كبيرة، لكن هدفها ليس التدمير في بلد هو أساساً مدمر، وإنما إشاعة عدم استقرار في كل مكان في سوريا».

بربندي شدّد على وجود رغبة دولية في توطيد الاستقرار في سوريا، وعلى الأرجح سيزداد الدعم لبناء المؤسسات الأمنية، وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثمارات الكبيرة، غالباً لن تتأثر كونها تستند إلى حسابات سياسية، في حين ستتأثر الاقتصادات المحلية والمشاريع الصغيرة.

أشخاص يلوحون بالعلم الفرنسي أمام الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق (أ.ف.ب)

مصادر مقربة من الحكومة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من العبوات البدائية غالباً لا تلاحظها عمليات مسح المتفجرات، واستخدامها سياسياً أكثر منه أمنياً، لافتة إلى أن المعطيات الأولية تشير الى «الفلول» أكثر من تنظيم «داعش»، الذي يستهدف بالدرجة الأولى عناصر الأمن والعسكريين في الدولة، ومن يعتبرهم «مرتدين». كما أن ضربات التنظيم «لئيمة» جداً من حيث حجم الأضرار التي تحدثها، «إلا إذا غيّر التنظيم نهجه في العمليات بين ليلة وضحاها».

من جانبه، اعتبر الخبير الأمني ضياء قدور تلك الآراء تكهنات بسبب الأطراف المستفيدة من التفجيرات في هذا التوقيت الحساس والمحرج لسوريا إلى أبعد الحدود، إلا أنه «لا يمكن تغطية الشمس بغربال» من حيث إن تنظيم «داعش» ما زال هو «التحدي الأمني الأكبر والأبرز في سوريا».

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التفجير المركب الذي حصل الثلاثاء يشبه الانفجار الذي وقع في منطقة باب شرقي بدمشق في مايو (أيار) الماضي، قرب أحد المباني التابعة لوزارة الدفاع، وأسفر عن مقتل عسكري وإصابة عدد من المدنيين، وقد تبناه تنظيم «داعش».

ورأى قدور أن الخطورة «لا تكمن بوجود خلية نشطة لتنظيم (داعش) متمرسة تعمل في قلب العاصمة وفي أكثر المناطق حساسية، وإنما أيضاً في أن هذه الخلية تعمل في الوقت الذي تريده وتستطيع أن تضرب وقتما تشاء»، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما (داعش) الذي ينفذ عمليات نوعية، وأحياناً استباقية».

تصاعد العمليات مؤخراً أعطى صورة سلبية عن الاستقرار النسبي الذي عاشته سوريا خلال الفترة الماضية، وهذا ما يريده من يقف خلف هذه التفجيرات، بحسب قدور الذي دعا وزارة الداخلية والاستخبارات إلى «القيام بمراجعات مؤلمة وقاسية في أسلوب التعاطي مع التهديدات الأمنية، ووضع استراتيجية شاملة للقضاء على هذه التهديدات والحدّ منها».

وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن «انفجارين وقعا قرب وزارة السياحة بدمشق، الأمر الذي أسفر عن إصابة 18 شخصاً، من بينهم 4 من عناصر الشرطة». وقالت الوزارة إن موقع الانفجار كان خارج النطاق الأمني لمقرّ إقامة الرئيس الفرنسي.

وشهدت شوارع العاصمة السورية إجراءات أمنية مشددة، شملت العديد من الأحياء، وتم إغلاق كثير من الطرق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق.


برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
TT

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)

حضّ وزير الخارجية الألماني، الثلاثاء، السلطات في لبنان على التصدي لـ«حزب الله» وإعادة بسط سيطرة الدولة على جنوب البلاد، حيث يخوض الحزب مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

وخلال زيارة إلى القدس، أشاد يوهان فاديفول الذي سبق أن أبدى هذا العام تأييده للغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، بالاتفاق الإطاري الذي تم التوصّل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، وأكّد دعم ألمانيا للخطوة التي وصفها بأنها مبادرة «تاريخية».

وشدّد فاديفول في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر على وجوب «تحلي لبنان بالعزم لبسط سلطته، وضمان عدم وجود أي سيطرة لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

ولفت إلى أنه يتعيّن على لبنان أن «يضمن خصوصاً ألا تتعرض إسرائيل لأي مخاطر انطلاقاً من الأراضي اللبنانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار)، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل، قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري وأصدرت إنذارات إخلاء متكررة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، ما أسفر عن مقتل نحو 4300 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص، خصوصاً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وفق السلطات.

وقُتل في الجانب الإسرائيلي 38 جندياً ومتعاقد مدني.

ترحيب وتعهّد

ورحّب فاديفول بالمحادثات الجارية بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، والمقرّر أن تُستأنف في روما الأسبوع المقبل، وتعهّد توفير الدعم الأوروبي والألماني لهذا الحوار.

وقال: «إن الاتفاق الذي توصّلت إليه إسرائيل ولبنان يشكّل بارقة أمل للسكان على جانبي الحدود، الذين يعانون معاً من إرهاب (حزب الله)».

واعتبر أن المفاوضات التي يجريها لبنان وإسرائيل حالياً «خطوة تاريخية جرى التقليل من شأنها».

وتابع: «أعتقد أنه إذا أمكن دعم هذا المسار من جانب الأوروبيين، فإن إسرائيل ولبنان يمكنهما أن يعوّلا على الدعم الألماني في أي وقت».

وتطرّق فاديفول أيضاً إلى الوضع في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل. وقال: «في الضفة الغربية، يحتاج الفلسطينيون إلى أفق لمستقبل سياسي واقتصادي».

وحضّ وزير الخارجية الألماني إسرائيل على تحويل عائدات الضرائب والجمارك التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية في رام الله، للحؤول دون انهيارها.

وقال: «إن السلطة الفلسطينية ليست مثالية، وهي بحاجة ماسة إلى الإصلاح. لكن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يخدم أمن إسرائيل، بل يمكن أن يخلق فراغاً قد تملؤه قوى أخرى أكثر تطرفاً».

وحذّر فاديفول من أن استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يقوّض آفاق السلام. وقال: «لهذا السبب ننظر بقلق كبير إلى مواصلة بناء المستوطنات». وأضاف: «لا يمكن القبول دولياً بضم فعلي لأجزاء من الضفة الغربية، ولا ترى ألمانيا كيف يمكن أن يكون ذلك قانونياً».