مدير الدفاع المدني لـ«الشرق الأوسط»: نجاهد لحماية «رئة سوريا»

وقيادية كردية: «الإدارة الذاتية» جاهزة لدعم متضرري الحرائق

رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث السوري يتابع إخماد حرائق غابات الساحل السوري (الدفاع المندي السوري)
رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث السوري يتابع إخماد حرائق غابات الساحل السوري (الدفاع المندي السوري)
TT

مدير الدفاع المدني لـ«الشرق الأوسط»: نجاهد لحماية «رئة سوريا»

رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث السوري يتابع إخماد حرائق غابات الساحل السوري (الدفاع المندي السوري)
رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث السوري يتابع إخماد حرائق غابات الساحل السوري (الدفاع المندي السوري)

تتدحرج «حرائق الغابات» على الأراضي السورية، وتتنقل من قرية إلى جبل ووادٍ. تتدخل الدول المجاورة لإخمادها بعد وصول فرق من الأردن وتركيا ولبنان. مناشدات حكومية عاجلة للدول الأوربية لمساعدتها. فهذه الحرائق التي دخلت أسبوعها الثاني تشغل بال السوريين يوماً بعد يوم مع استمرارها وانتقالها من منطقة إلى أخرى.

فلا مشهد أقسى من احتراق تلك المساحات الكبيرة من الغابات، ويعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين، ولا أقسى من صور التهام النيران، وتشكُّل أعمدة النيران وسحب الدخان المتصاعدة. تتسارع فرق الدفاع المدني ووزارة الطوارئ، وعلى رأسهم الوزير رائد الصالح في إخمادها، وإنقاذ ما تبقى منها. فهذه الحرائق باتت تهدد حياة النبات والبشر والطير وكل كائن يعيش فيها بخطر، وما أقسى مشهد الخوف في عيون سكان المنطقة الهاربين من ألسنتها.

يقول رئيس «الدفاع المدني السوري» منير مصطفى، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن الحرائق وصلت إلى 3 مناطق جديدة في ريف محافظة اللاذقية، وهي رأس البسيط، وقسطل معاف، وربيعة، حيث تواصل فرق الإطفاء جاهدة لمنع امتدادها إلى محمية الفرنلق، وهي أكبر محمية غابات في سوريا على الاطلاق، وتوصف بأنها «رئة البلاد»، منوهاً بأنهم اضطروا إلى إجلاء سكان بعض القرى بريف اللاذقية: «بعد اقتراب النيران من مناطق سكنهم، قمنا بإجلاء سكان قرية الغسانية بناحية رأس البسيط خوفاً على حياتهم، حيث تم نقلهم إلى مكان أمن».

منير مصطفى رئيس الدفاع المدني السوري (الدفاع المدني السوري)

وأكد مصطفى أن جميع الجهود تعمل للسيطرة على النيران ومنع توسعها بشكل أكبر، ويعزو الأسباب وراء اندلاع الحرائق يومياً، والتي تتركز معظمها في المناطق الحراجية والغابات، إلى ارتفاع درجات الحرارة واشتداد سرعة الرياح هذه الأيام.

وعلى الرغم من إرسال مزيد من التعزيزات شملت آليات ومروحيات تعمل على إطفاء النيران برش المياه، فإنه لم تتم السيطرة على الحرائق حتى عصر اليوم الثلاثاء. وأوضح مصطفى «أن ما يزيد صعوبة فرق الإطفاء في السيطرة الكاملة على الحرائق تنقّلها بسرعة من مكان لآخر»، منوهاً بأن وعورة المنطقة وتضاريسها الجبلية تزيدان من صعوبة وصول آليات الإطفاء والفرق الميدانية، «الأمر الذي دفعنا لطلب النجدة من تركيا بمساعدتنا جواً، ومن الأشقاء في الأردن ولبنان في تقديم الأليات المتخصصة وفرق ميدانية».

تفاعل ومناشدات وحملات

وتداول ناشطون ورواد منصات التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا صوراً ومقاطع فيديو تظهر كيف تحرق ألسنة النيران والدخان أحراش وأشجار الغابات، والتي يقدر عُمر بعضها بمئات السنين، وسُحباً كثيفة تغطي السماء مع امتداد رقعة الحرائق إلى مناطق ريفية في محافظتي اللاذقية وحماة.

وأطلقت منظمات مدنية وجمعيات خيرية نداءات وحملات تطوعية للمساعدة في وقف نزيف الحريق السوري، وتحت عنوان «أراضينا السورية تحترق»، أطلقت مبادرة «بدايتنا» وجمعية «موزاييك» وجهات ثانية حملة للمساهمة في تغطية إيصال مساعدات أساسية لرجال الدفاع المدني، «من صهاريج مياه وآليات وغير ذلك من مواد أساسية، تساعدهم في تخفيف معاناة الأهالي وسكان المنطقة».

في حين كتبت الناشطة السورية أليس مفرج على «فيسبوك»، أن النيران لا تزال مشتعلة في جبال اللاذقية، «تلتهم ما تبقّى من خضرة القلب السوري، تفتك بالغابات والحياة البرية وتهدد أرواح الناس ومنازلهم»، وعبّرت عن امتنانها لتضحيات أبطال فرق الدفاع المدني مضيفة: «تحية كبيرة لأبطال الدفاع المدني، الوجوه الصامتة والشجاعة، الذين منذ سنوات يستبسلون لإنقاذ الحياة ويفقدون حياتهم، يحملون أرواحهم لإنقاذ البشر والشجر ومن بقي هناك».

رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث السوري يتابع إخماد حرائق غابات الساحل السوري (الدفاع المندي السوري)

أما الناشط الحقوقي منصور العمري فكتب على «فيسبوك»، أن الحرائق الضخمة تجتاح كل غابات سوريا، «تسببت بإخلاء القرى وتحاصر فرق الإطفاء والإعلاميين، وتفجر الألغام ومخلفات الحرب التي تشعل النيران، كما تتلف الغطاء النباتي وتُحدث تلوثاً بيئياً كارثياً، رغم الجهود البطولية للدفاع المدني ووزارة الطوارئ»، وناشد المجتمع الدولي لتحرك عاجل وسريع لإنقاذ هذه الثروة النباتية، وأضاف: «لا تكفي إمكانيات دولة واحدة لمواجهة هذه الكوارث بالكفاءة والسرعة اللازمة، نحتاج لتحرك دولي عاجل».

وكان وزير الطوارئ والكوارث في الحكومة السورية، رائد الصالح، نشر تغريدة على حسابه على منصة «إكس»، أكد فيها أن إخماد النيران نهائياً سيستغرق أياماً، «الوضع مأساوي بشكل كبير، مئات آلاف الأشجار الحراجية على مساحة تقدر بنحو 10 آلاف هكتار، في 28 موقعاً باتت رماداً بسبب هذه الحرائق».

وتوجه الكاتب عمار ديوب بالشكر لكل رجال الإطفاء والمدنيين والمنظمات المدنية والدول التي لبّت النداء للمسارعة لإيقاف هذه الكارثة، وقال في منشور على صفحته: «هي كارثة وطنية بكل معنى الكلمة، ويفترض بوزارات الدولة بأكملها العمل من أجل إيقافها، وبالطبع محاولة إعادة زراعتها لاحقاً».

طائرات تركية خلال عمليات إطفاء الحرائق في الغابات السورية (الدفاع المدني السوري)

الإدارة الذاتية تعرض المساعدة

بدورها، أبدت رئيسة دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إلهام أحمد، استعداد الإدارة لتقديم الدعم اللازم لسكان المناطق المتضررة، وأعربت في تغريدة على حسابها بموقع «إكس» عن قلقها إزاء الحرائق المستمرة منذ 6 أيام في جبال اللاذقية: «نتابع بحزن وقلق حرائق الساحل السوري، وقلوبنا مع الأهالي الذين يواجهون الخطر بشجاعة».

ولفتت إلى أنه وعلى الرغم من الحصار المفروض على مناطق شمال شرقي سوريا، «فإننا على استعداد لتقديم كل ما نستطيع من دعم. سوريا اليوم بحاجة إلى دعم دولي حقيقي لمواجهة مثل هذه الكوارث، مع كل التقدير لوزارة الطوارئ والكوارث على استجابتها».

أحد أعضاء فريق الحياة التطوعي في أثناء تلقيه العلاج من استنشاق الدخان خلال مشاركته في جهود إخماد حريق هائل قرب بلدة ربيعة بريف اللاذقية السوري (أ.ب)

ارتفاع متوقع بالحرارة

هذا وتشير التنبؤات الجوية إلى أن درجات الحرارة مرشحة للصعود في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة إلى 40 درجة مئوية هذا الأسبوع، حيث ترتفع في شهر يوليو (تموز) في مثل هذه الأيام لتصبح أشد حرارة وأكثر جفافاً، ينسبها خبراء ومختصون إلى تغيّيرات مناخية، وقد شهدت هذه المناطق حرائق مماثلة خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب بيانات الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة «ناسا»، تقدر المساحة المحترقة خلال الأيام الماضية، بأكثر من 200 كيلومتر مربع، وهذه المساحة أكبر من العاصمة دمشق نفسها (105 كيلومترات مربعة)، وتشير أرقام الحكومة إلى أن مساحة الغطاء الحرجي أو ما تعرف محلياً بـالأحراش تقدر بنحو 5270 كيلومتراً مربعاً، ما يعني أن هذه الحرائق قد التهمت بالفعل أكثر من 3 في المائة من إجمالي الأراضي الحرجية خلال 6 أيام فقط.


مقالات ذات صلة

الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

المشرق العربي قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب) play-circle

الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

ذكرت ​وكالة الأنباء السورية، ‌أن ‌الجيش ‌السوري ⁠استعاد السيطرة ​على ‌مدينة الطبقة في الشمال والسد المجاور لها، وهو أكبر سد ⁠في البلاد، ‌من المقاتلين ‍الأكراد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات الحكومة السورية في ريف الرقة السبت (أ.ف.ب)

ماذا يقول الأكراد عن مرسوم الشرع؟

مرسوم صدر عن رئيس الجمهورية ناظم قدسي عام 1962 صنّف الأكراد في الحسكة إلى 3 فئات قانونية... وجرّد كل من لم تثبت إقامته في سوريا قبل عام 1954 من الجنسية.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

 حضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، القوات الحكومية السورية على وقف «أي أعمال هجومية».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

خاص أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

تلعب أربيل، عاصمة إقليم كردستان بشمال العراق، دوراً لافتاً هذه الأيام في رعاية الجهود الرامية إلى حل المشكلة الكردية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز) play-circle

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

القوات السورية تتقدَّم في الرّقة بعد حلب

جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
TT

القوات السورية تتقدَّم في الرّقة بعد حلب

جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)

بدأ الجيش السوري، أمس، دخولَ محافظة الرقة في شمال البلاد، بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من ريف حلب الشرقي، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين.

ودخل قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، على خط الأزمة، وقال في بيان: «ندعو قوات الحكومة السورية لوقف أي عمليات هجومية بين حلب والطبقة» جنوب الرقة. وتابع: «نرحّب بجهود جميع الأطراف في سوريا لمنع التصعيد والسعي للحل عبر الحوار».

وجاء موقفه عقب إعلان الجيش السوري سيطرته على حقلَي نفط بريف الرقة كانا بيد القوات الكردية المنضوية ضمن «قسد»، وذلك غداة دخوله مدينتَي دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي.

وأعلنتِ القوات الكردية، السبت، فرض حظر تجوّل في الرقة، على وقع المعارك مع الجيش السوري الذي يتقدم في المنطقة. في المقابل، نشرت وزارة الدفاع السورية خريطة تحدّد مواقع داخل المحافظة، ودعتِ المدنيين للابتعاد عنها، مهدّدة بضربها «بشكل دقيق»، ومنها هدف قرب مدينة الرقة.

وقالت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان أمس: «تتواصل الاشتباكات العنيفة بين قواتنا وفصائل دمشق التي أقدمت على انتهاك الاتفاقات الأخيرة، وغدرت بقواتنا في أثناء تنفيذ بنود الانسحاب»، مؤكدة تعرّض الريف الغربي لمدينة الرقة لـ«قصف مدفعي وصاروخي متواصل».


تهم فساد تلاحق عيدروس الزبيدي

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

تهم فساد تلاحق عيدروس الزبيدي

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

أصدر النائب العام اليمني، القاضي قاهر مصطفى، أمس، قراراً بتكليف لجنة تحقيق خاصة للنظر في اتهامات واسعة بالفساد والإثراء غير المشروع وجرائم أخرى منسوبة لرئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل عيدروس الزبيدي.

ونصَّ القرار على مباشرة اللجنة القضائية التحقيق في الوقائع المنسوبة إلى الزبيدي، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة حيالها وفقاً للقانون، مع إلزام الجهات المختصة بتنفيذ القرار بدءاً من تاريخ صدوره.

ويأتي هذا التطور على خلفية تقارير كشفتها قيادات جنوبية، تضمَّنت اتهامات للزبيدي باستغلال النفوذ والسيطرة غير القانونية على أراضٍ وعقارات عامة، والتدخل في قطاع النفط، إلى جانب إدارة شركات تجارية عبر مقربين، ما أسهم - حسب تلك التقارير - في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي بمحافظات الجنوب.

وتشمل الاتهامات الاستحواذ على مساحات واسعة من أراضي المنطقة الحرة وهيئة موانئ عدن، ومنشآت خدمية وتعليمية، إضافة إلى التحكم في عمليات استيراد المشتقات النفطية وتوريد شحنات عبر موانٍ محددة، فضلاً عن امتلاك شركات صرافة وتجارة كبرى.


الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
TT

الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)

أعلن الجيش السوري، في وقت مبكر من اليوم (الأحد)، سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات المجاور في شمال البلاد، في خطوة جديدة في مسار تقدمه بمواجهة القوات الكردية التي تمتعت بإدارة ذاتية منذ أكثر من عشر سنوات في المنطقة.

عناصر من القوات الكردية في شاحنة عند مدخل مدينة الطبقة (ا.ف.ب)

بعد أكثر من عام على توليه السلطة، يبسط الرئيس أحمد الشرع، سيطرته على أجزاء جديدة من البلاد، بعدما أصدر الجمعة مرسوماً ينصّ على اعتبار الكردية «لغة وطنية" والنوروز «عيداً وطنياً»، للمرّة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946، إضافة إلى منح كل الأكراد المقيمين في سوريا جنسيتها.

وكان الجيش السوري في بيان سابق أكّد سيطرته على مطار الطبقة العسكري بعد ساعات من بدء دخوله الى المدينة الاستراتيجية المجاورة لأكبر سدود البلاد، وأحد أكبر منشآت الطاقة الكهرومائية في سوريا. وتشكّل الطبقة عقدة مواصلات على محور يربط حلب بشرق سوريا، وتجاور المطار الذي تحول إلى قاعدة عسكرية استراتيجية.

وقبل ذلك أعلن الجيش صباح السبت أن قواته سيطرت على مساحات واسعة من ريف حلب الشرقيّ، غداة إعلان القوات الكرديّة موافقتها على الانسحاب منها، وهدد بقصف محافظة الرقة حيث فرضت الإدارة الذاتية حظرا للتجول.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن وزير الإعلام حمزة مصطفى قوله «يسيطر الجيش السوري على مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة، بما في ذلك سد الفرات، وهو أكبر سد في سوريا».

ونشرت «سانا» مقطع فيديو بدت فيه سيارات، وقالت إنه يظهر «لحظة دخول قوات الجيش العربي السوري إلى مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة».

وأعلنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد من جهتها أنها «اتخذت الإجراءات اللازمة وأعادت الأمن والاستقرار» إلى هذه المنطقة الواقعة على بعد حوالي أربعين كيلومترا من الرقة.

ودعمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديموقراطية لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

 

خرق الاتفاق

وحضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر القوات الحكومية السورية، السبت، على وقف «أي أعمال هجومية» في المنطقة الواقعة بين مدينتي حلب والطبقة بشمال البلاد، مرحّبا بالجهود «لمنع التصعيد» بينها وبين القوات الكردية.

ومساء الجمعة، أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، أن قواته ستنسحب صباح السبت من المناطق الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب «بناء على دعوات من الدول الصديقة والوسطاء، وإبداء لحسن النية في إتمام عملية الدمج» مع السلطات السورية بناء على اتفاق وقّعه الطرفان في العاشر من مارس (آذار) الماضي.

وقال الجيش السوري في بيان بثّه التلفزيون الرسميّ «نعلن عن بسط سيطرتنا على 34 قرية وبلدة بريف حلب الشرقي»، من بينها دير حافر ومسكنة، إضافة إلى مطار عسكريّ.

لكنه اتهم قوات سوريا الديموقراطية بـ«خرق الاتفاق» وإطلاق النار على قواته ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين.

وقال أيضا إنه أمّن «خروج أكثر من 200 مقاتل من عناصر تنظيم قسد بسلاحهم».

قوات من الجيش السوري خلال عملية استعادة السيطرة على منطقة الطبقة شمال سوريا (ا.ف.ب)

في المقابل، اتهمت قوات سوريا الديموقراطية دمشق بـ«الإخلال ببنود الاتفاق» المبرم «برعاية دولية»، ودخول مدينتي دير حافر ومسكنة «قبل اكتمال انسحاب مقاتلينا ما أدى إلى وضع بالغ الخطورة» متحدثة في بيان لاحق عن «اشتباكات نتيجة الخروقات".

وقالت في بيان إن عددا لم تحدده من مقاتليها قُتل بنيران الجيش السوري.

وجاء هذا الانتشار بعدما تمكن الجيش السوري الأسبوع الماضي من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ثاني كبرى المدن السورية، وطلبه منها إخلاء المنطقة الممتدة حتى نهر الفرات على بعد 30 كيلومتراً إلى الشرق.

وأعلنت القوات الكردية، السبت، فرض حظر تجوّل في الرقة بشمال سوريا، على وقع معارك تخوضها مع الجيش السوري الذي يتقدم في المنطقة وأعلن عزمه قصف مواقع عسكرية في هذه المحافظة.

في المقابل نشرت وزارة الدفاع السورية خريطة تحدد مواقع داخل المحافظة، ودعت المدنيين للابتعاد عنها، مهددة بضربها «بشكل دقيق»، ومنها هدف قرب مدينة الرقة.

لكن سرعان ما أعلن الجيش السوري بدء الدخول الى مدينة الطبقة الاستراتيجية «من عدة محاور بالتوازي مع تطويق» مقاتلي حزب العمال الكردستاني «داخل مطار الطبقة العسكري».

وقبيل ذلك، أعلنت السلطات السورية سيطرتها على حقل صفيان النفطي (...) وحقل الثورة بالقرب من مدينة الطبقة في محافظة الرقة، فيما أعلنت الشركة السورية للبترول (حكومية) تسلمها الحقلين تمهيدا «لإعادة وضعهما بالخدمة».

 

اتفاق مارس وتبادل الاتهامات

تتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

والتقى عبدي في أربيل، السبت، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني.

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبارزاني في اتصال السبت إلى «احتواء فوري للتصعيد» في سوريا و«الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار»، حسبما أورد قصر الإليزيه في بيان.

وإثر إطاحة حكم بشار الأسد، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري في مناطقهم. إلا أن تمسّكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور لم يلقَ استجابة في دمشق.

والجمعة، أصدر الشرع مرسوما يمنح أكراد سوريا حقوقا وطنية لأول مرة منذ استقلالها عام 1946.

وجاء في المرسوم «يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، (...) وتُعد اللغة الكردية لغة وطنية (...) وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم (...) ويُعد عيد النوروز (21 مارس) عيداً وطنياً».

وكان نحو 20 بالمئة من الأكراد حرموا من الجنسية إثر إحصاء مثير للجدل أجري في العام 1962.

ووصفت الإدارة الذاتية الكردية السبت المرسوم الذي أصدره الشرع بأنه «خطوة أولى» لكنه «لا يلبي طموحات الشعب السوري».

وقالت الإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها إن «الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة» بل «بالدساتير التي تعبّر عن إرادة الشعوب والمكوّنات كافّة».

ورأى البيان أن «الحلّ الجذريّ» لمسألة الحقوق والحريات هو «في دستور ديموقراطي لا مركزي»، داعياً إلى «حوار وطنيّ شامل» بهذا الشأن.