مجاعة ثالثة تفتك بالغزيين

«الشرق الأوسط» ترصد تدهوراً في صحة أطفال القطاع نتيجة سوء التغذية

TT

مجاعة ثالثة تفتك بالغزيين

مجاعة ثالثة تفتك بالغزيين

«غزة أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض». لم تكن هذه الكلمات مجرّد حديث عابر للمتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، واصفاً فيه الواقع الكارثي الذي وصل إليه الحال في قطاع غزة، مع استمرار المجاعة التي تطول كل الغزيين، بأطفالهم وشبابهم ونسائهم وحتى كبار السن منهم.

250 فلسطينياً على الأقل، من بينهم 66 طفلاً، قضوا جوعاً نتيجة سوء التغذية منذ بداية الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ نحو 20 شهراً ضد قطاع غزة. آخر هؤلاء كان الشاب أيوب صابر أبو الحصين (29 عاماً)، من خان يونس بجنوب القطاع، الذي فارق الحياة ليلة الاثنين - الثلاثاء.

الطفل عمر محمد الهمص (3 سنوات)، أحد الأطفال القابعين في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، يواجه خطر الموت نتيجة إصابته في قصف إسرائيلي سابق طال عائلته، وكذلك نتيجة معاناته من سوء تغذية حاد بسبب عدم توافر مواد غذائية مناسبة يمكن تقديمها له لتساعده على التعافي، ومنها الحليب الطبي المفقود داخل القطاع.

الجوع والإصابة وفقدان الأسرة أوجاع مضاعفة يواجهها الطفل الفلسطيني عمر الهمص (الشرق الأوسط)

فقدَ عمر والدته الحامل، وثلاثة من أشقائه الأطفال، فيما بقي وحيداً على قيد الحياة برفقة والده الذي يعاني من إصابة وصدمة حادة بعد استهداف عائلته في خيمة عاشوا فيها لأشهر بعد قصف منزلهم.

أمل في السفر

تحاول عمّة الطفل عمر أن تكون أباً وأماً له، وترافقه طوال الوقت في مجمع ناصر الطبي، وهي تتمسك بآخر أمل ترى أنه يسمح بإنقاذ حياة ابن شقيقها: السماح له بالسفر إلى خارج القطاع لتلقي العلاج.

تقول عمّة الطفل عمر في حديث لـ «الشرق الأوسط»: «منذ إصابته، لم يعد قادراً على السير بشكل طبيعي»، مشيرةً إلى أنه كان يتلقى العلاج في مستشفى الإندونيسي ببلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وعندما اقتحمت القوات الإسرائيلية هذه المنشأة الطبية تم نقل عمر إلى مجمع ناصر الطبي جنوباً، وجرت له عمليات جراحية عدة لعلاج جروحه نتيجة إصابته بالقصف. وأضافت أنه لا يزال يحتاج إلى عمليات أخرى دقيقة لا يمكن أن تجري في غزة بسبب حساسيتها، وهو بحاجة ماسة للعلاج في الخارج.

الطفل الفلسطيني عمر الهمص يكابد أثر إصابة جراء غارة إسرائيلية بالإضافة إلى سوء التغذية (الشرق الأوسط)

لفتت عمّة الطفل إلى أنه رغم محاولات الأطباء السيطرة على الحالة الصحية لعمر، فإن عدم توافر أغذية صحية مناسبة تساعده على التعافي زاد من سوء وضعه الصحي، الأمر الذي تسبب في مشكلات صحية مختلفة كان سوء التغذية جزءاً أساسياً منها.

من الممكن أن أفقد ابنتي في أي لحظة... وما أريده فقط أن تُعالَج في الخارج

أسماء العرجا والدة الطفلة ميار التي تعاني سوء التغذية:

وأوضح الدكتور أحمد الفرا، مدير قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، أن الطفل الهمص يعاني من إصابات شديدة في الدماغ، وخضع لأكثر من عملية جراحية ولديه صعوبة في التنفس، وبات يصنّف من الحالات التي تعاني من سوء شديد في التغذية.

وبيّن الفرا، في حديث لـ «الشرق الأوسط»، أن وزن عمر الطبيعي كان 15 كيلوغراماً، والآن أصبح 10 كيلوغرامات فقط، لافتاً إلى أن حالته الصحية يُنظر إليها على أنها صعبة وسيكون مستقبله صعباً طالما استمر بهذا الوضع نتيجة الإصابة وسوء التغذية الذي يلازمه وعدم توافر المواد الغذائية اللازمة لمثل حالته.

صور قديمة للطفل الفلسطيني عمر الهمص وبعض أفراد أسرته قبل أن تتسبب الحرب الإسرائيلية في تجويع غزة (الشرق الأوسط)

وأوضح الفرا أنه تم استصدار تحويلة للعلاج له بالخارج، إلا أن إغلاق المعابر يحرمه الخروج للعلاج، مثله مثل آلاف غيره من الأطفال الغزيين، مشيراً إلى أن هناك نحو 13 ألف طفل بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع لعدم توافر الإمكانيات الطبية المطلوبة في مستشفياته.

وقالت مصادر طبية في غزة إن هناك نحو 1200 طفل يعانون حالياً من سوء التغذية في داخل مستشفيات القطاع وخارجها.

وتوصف هذه الفترة في قطاع غزة بأنها واحدة من الأصعب والأقسى منذ بداية الحرب بفعل المجاعة التي تتحقق حالياً. وسبق للقطاع أن شهد مجاعة مماثلة مرتين في مرحلتين منفصلتين، كانت أشدهما حدة في شمال القطاع واستمرت نحو 3 أشهر نتيجة فرض حصار مشدد وخانق على أكثر من 350 ألف فلسطيني بقوا هناك خلال محاولات التوغل الإسرائيلية، والأخرى أقل حدة استمرت لأقل من شهر بقليل في جنوب القطاع حيث كان يتواجد أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني.

توقعات بزيادة الأزمة

ويتوقع أن يزداد عدد ضحايا سوء التغذية اليوم في ظل استمرار عدم وجود آلية واضحة لتوزيع المساعدات على السكان في القطاع، بعد استئناف دخولها بشكل محدود، وإجبار السكان على التوجه إلى مناطق قريبة من أماكن تواجد الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يزيد من معاناة الغزيين الذين يدفعون حياتهم ثمناً لذلك.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت، في مايو (أيار) الماضي، من أن 71 ألف طفل ممن هم دون سن الخامسة من العمر، معرضون لخطر التعرض لسوء التغذية الحاد خلال فترة أقل من عام، في حال استمرت الأوضاع على ما هي عليه.

وقال حينها ممثل المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة الدكتور ريك بيبركورن: «إن ما نراه في غزة هو أن الناس عالقون في هذه الحلقة المفرغة، حيث يغذّي نقص الغذاء المتنوع، وسوء التغذية، والأمراض بعضها بعضاً».

هذه واحدة من أسوأ أزمات الجوع بالعالم... وهي تتكشف في الوقت الراهن

الدكتور ريك بيبركورن ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة:

ونبه بيبركورن إلى أن الحظر الإسرائيلي الكامل على المساعدات لم يترك من إمدادات منظمة الصحة العالمية سوى ما يكفي لعلاج 500 طفل يعانون من سوء تغذية حاد، وهو «جزء بسيط من الاحتياجات الملحة».

أطفال يتدافعون للحصول على مساعدات غذائية في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 30 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وترافق كلامه مع نشر تقرير أممي حول التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي تضمن تحذيراً من أن 470 ألف شخص في غزة سيواجهون جوعاً كارثياً (المرحلة الخامسة والأشد من التصنيف) خلال الفترة بين مايو (أيار)، وسبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة قدرها 250 في المائة عن تقديرات التصنيف السابقة. وقال بيبركورن: «هذه واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، وهي تتكشف في الوقت الراهن».

لا أغذية في غزة

ومن بين حالات سوء التغذية التي رصدتها «الشرق الأوسط» حالة الطفلة ميار العرجا (أقل من عامين) التي تقبع هي الأخرى في قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي.

تقول أسماء العرجا، والدة الطفلة ميار، إن ابنتها تعاني بشدة من سوء التغذية، وإن لديها نقصاً حاداً في الوزن لعدم توافر الأغذية اللازمة مثل اللحوم والدجاج والبيض والأسماك والمكسرات، نتيجة إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر.

الطفلة الفلسطينية ميار العرجا عمرها أقل من عامين وتعاني سوء التغذية وتقيم في مجمع ناصر الطبي في غزة (الشرق الأوسط)

وتقول العرجا لـ «الشرق الأوسط»: «أنا ممكن أفقد بنتي في أي لحظة، وما أريده فقط أن تتعالج في الخارج»، مشيرةً إلى أنها تملك تحويلة لها لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تسمح بسفرها للخارج لتلقي العلاج.

وبيّنت العرجا أن طفلتها بحاجة لأنواع مختلفة من الغذاء حتى تستطيع التعافي واستعادة وزنها، مشيرةً إلى أنها تواجه نقصاً حاداً في الوزن أيضاً بفعل عدم توافر الحليب الطبي اللازم لها، مشيرةً إلى أنها تعاني من التهابات حادة وهناك شبهات بوجود جرثومة لديها.

وكان وزن الطفلة ميار يصل إلى 15 كيلوغراماً، وأصبح حالياً نحو 6 كيلوغرامات فقط. وأشارت والدتها إلى أن وضع الأطفال بغزة يزداد سوءاً، لافتة إلى أن الحالات المصابة بسوء التغذية تزداد داخل مجمع ناصر الطبي، مضيفة أنها بالكاد تفارق هذه المنشأة الطبية نتيجة تدهور وضع حالة طفلتها من حين إلى آخر.

الطفلة الفلسطينية ميار العرجا تتمنى أن تحصل على فرصة للعلاج من سوء التغذية خارج غزة (الشرق الأوسط)

وقالت: «خايفة أفقد بنتي. حالتها كل يوم تسوء أكثر لأنه ما فيه علاج (ليس هناك علاج)»، موجهةً مناشدتها لكل المؤسسات الدولية بالتحرك لإنقاذها، والعمل على إنقاذ حياة مختلف الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في القطاع.

ضرر ممتد مدى الحياة

وتحذّر مصادر أممية من الضرر طويل الأمد الناجم عن سوء التغذية والذي يمكن أن «يستمر مدى الحياة» مع آثار تشمل التقزّم وضعف النمو المعرفي والصحة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وتواجه الأمم المتحدة، كما يؤكد ينس لاركه، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، صعوبات في توصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة، إذ لا تسمح إسرائيل بإدخالها إلا بكميات قليلة بعد حصار مطبق بدأته مطلع مارس (آذار) قبل استئناف هجومها العسكري بغزة.

الطفلة الفلسطينية ميار العرجا تعاني تبعات سوء الغذاء في غزة (الشرق الأوسط)

واعتبر أن العدد المحدود من شاحنات المساعدات «هو مجرد قطرة في محيط»، قائلاً إن مهمة توزيع المساعدات واجهت «قيوداً تشغيلية جعلتها إحدى أكثر عمليات المساعدة المعوّقة ليس فقط في عالم اليوم، بل في التاريخ الحديث».

وأوضح الناطق الأممي أنه بمجرد دخول الشحنات إلى غزة، يقتحم السكان طرق دخولها أو المستودعات التي تخزّن فيها، معتبراً ذلك أنه يأتي في إطار «غريزة بقاء. عمل يقوم به أشخاص يائسون يريدون إطعام أسرهم وأطفالهم».

وتابع: «كذلك، فإن المساعدات الموجودة في هذه الشاحنات موّلها مانحون لتوصيلها إلى هؤلاء الأشخاص، لذلك لا ألومهم»، مشيراً إلى أن هذه المساعدة مخصصة لسكان قطاع غزة «لكنها لا توزّع بالطريقة التي نريدها».

شاحنات مساعدات تدخل إلى قطاع غزة عبر معبر «زيكيم» غرب بيت لاهيا شمال قطاع غزة يوم 25 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ولجأت الولايات المتحدة، بالشراكة مع إسرائيل، لإعلان إنشاء مؤسسة غزة الإنسانية، لتوزيع المساعدات على السكان، إلا أن هذه الآلية أثبتت فشلها نتيجة استهداف منتظري المساعدات يومياً مما يتسبب بوقوع ضحايا.

ووفقاً لوزارة الصحة بغزة، فإنه منذ بدء عمل هذه المؤسسة في نهاية مايو الماضي، قُتل 853 فلسطينياً نتيجة استهداف منتظري المساعدات، منهم 408 ممن وصلوا لنقاط التوزيع المخصصة من المؤسسة الأميركية – الإسرائيلية، و175 نتيجة انتظارهم قرب طرق دخول الشاحنات، ومن بين مجمل الضحايا 80 في المائة من الشبان والرجال، و16 في المائة من القاصرين.


مقالات ذات صلة

الآلاف يشاركون بمظاهرة دعماً لغزة في إسطنبول

شؤون إقليمية رفع المشاركون بمسيرة دعم غزة في إسطنبول الأعلام الفلسطينية والتركية مطالبين بوضع حد للعنف في القطاع (أ.ب)

الآلاف يشاركون بمظاهرة دعماً لغزة في إسطنبول

شارك آلاف الأشخاص بمسيرة في إسطنبول بمناسبة رأس السنة دعماً لقطاع غزة، ملوّحين بالأعلام الفلسطينية والتركية ومطالبين بوضع حد للعنف في القطاع.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي منحوتة رملية للفنان يزيد أبو جراد تمثل العام المقبل حيث يستعد الفلسطينيون النازحون لاستقبال العام الجديد في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الغزيون يودعون «كابوس» 2025... ويتطلعون بأمل إلى سنة أفضل

يستقبل الفلسطينيون من سكان غزة السنة الجديدة بكثير من التعب والحزن، لا بأجواء احتفالية، لكنّ لديهم أملاً ولو طفيفاً في أن تُطوى صفحة «الكابوس الذي لا ينتهي».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون أمام المباني المدمرة في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة (رويترز)

محملة بأطنان المتفجرات... كيف دمرت إسرائيل مدينة غزة بناقلات جند مدرعة؟ (صور)

خلص تقرير لـ«رويترز» إلى أن إسرائيل نشرت على نطاق واسع قبل وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر سلاحاً جديداً تمثل في تحميل ناقلات جنود بأطنان من المتفجرات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

تسريبات إسرائيلية عن اتفاق مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، وحديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعهما في نادي مار-إيه-لاغو في بالم بيتش بفلوريدا (رويترز)

تحليل إخباري نتنياهو رضخ لإملاءات ترمب مقابل أكبر دعم شخصي للانتخابات المقبلة

على الرغم من الهوة العميقة بين مؤيدي رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وبين خصومه، فإن غالبية الإسرائيليين ينظرون بقلق إلى نتائج قمة مار-إيه-لاغو في ميامي.

نظير مجلي (تل ابيب)

لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

وجد آلاف اللبنانيين المتضرّرين من الحرب الإسرائيلية، أنفسهم أمام واقع أكثر هدوءاً وأشدّ قسوة بعد نهاية الحرب، يتمثّل بإدارة الخسائر، والتكيُّف مع النزوح، وفي حين تقلصت إلى حد كبير الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن مرحلة إعادة الإعمار بقيت من دون خطة واضحة، ولا آلية تعويض شفافة، ولا أفق زمني محدَّد.

بالنسبة إلى المتضررين، لم يكن عام 2025 عاماً للترميم، بل كان عاماً للانتظار بموارد شحيحة، ودعم متراجع، وقرارات مؤجَّلة، في ظل غياب مقاربة شاملة تعيد وصل ما انقطع بين المتضرّرين ومؤسسات «حزب الله» المولجة بالتعويضات، أو مؤسسات الدولة اللبنانية التي يطالبها السكان بالتحرك.

3 أشهر... ثم الفراغ

بعد وقف إطلاق النار، صُرف بدل إيواء للمتضرّرين لـ3 أو 6 أشهر، أو لسنة كاملة على أبعد تقدير. ومع انتهاء المهلة، لم تُستكمَل الخطوة بخطة تعويض متكاملة أو برنامج إعادة إعمار واضح المعالم. لم تُعلَن لوائح نهائية، ولم تُحدَّد جداول زمنية، وبقيت المراجعات محكومة بإجابات عامة من نوع: «الملف قيد المتابعة».

لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتؤكد مصادر متابعة للملف أن المقاربة المعتمدة كانت إسعافية ومحدودة السقف، وأن أي انتقال جدّي إلى مرحلة إعادة الإعمار اصطدم سريعاً بالواقعَين المالي والسياسي، ما حوَّل التعويضات من مسار منظَّم إلى إجراءات متقطّعة لا ترقى إلى حجم الضرر.

بدل إيواء لـ3 أشهر

ولم يتشكّل مسار إعادة إعمار فعلي؛ بسبب الضغوط السياسية والتهديدات الإسرائيلية وانتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار، واتبع السكان استراتيجية «إدارة خسارة»، حيث عادت عائلات إلى بيوت غير مكتملة، واضطرّت أخرى إلى السكن المؤقّت لدى أقارب، بينما ارتفعت تكلفة العيش على فئات واسعة بعد وقف بدل الإيواء.

وقبض علي، الذي يسكن منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، بدل إيواء لـ3 أشهر فقط، ومنذ ذلك الحين، توقّف أي دعم إضافي. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كلّما سألنا عن التعويضات، كان الجواب: لننتظر، الحالة غير واضحة»، في توصيف لتحوّل الانتظار إلى سياسة قائمة بذاتها.

ومثل علي، انتقل حسن. م (43 عاماً)، الذي تضرّر منزله، للعيش في منزل عمّه المغترب ريثما تتضح الصورة. لكن الصورة لم تتضح، والسكن المؤقّت طال، ولا قدرة على الترميم من ماله الخاص.

وعندما يسأل عن التعويضات، يأتيه جواب واحد: «لا نملك جواباً. الجواب عند الأمين العام» في إشارة إلى الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، مما يوحي بأن الملف أحيل مباشرة إلى قرار سياسي غير مرتبط بجدول زمني.

8 آلاف دولار

في المريجة أيضاً، يقدّم أبو حسن، الرجل الثمانيني، صورة دقيقة عن إدارة الخسارة. قبض نحو 8 آلاف دولار، توزّعت بين بدل إيواء وتعويض أثاث منزل فقط، من دون أي تعويضات مرتبطة بترميم منزله.

لم تكفِ المبالغ، فاضطر إلى دفع أكثر من 15 ألف دولار من ماله الخاص ليعود إلى منزله، رغم أن ترميمه الأولي لا يجعل المنزل لائقاً للسكن. وفي الشهر الأخير من السنة، أنجز الحدّ الأدنى من الترميم، مضيفاً نحو ألفَي دولار على الأقسام المشتركة لإعادة الخدمات. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر رفع تكاليفي، لكنني مضطر. بغياب أي أفق للتعويض، أنا مضطر لترميم منزلي والعودة إليه دون انتظار الوعود الشفهية التي لا تُصرَف عملياً، وتقتصر على منطق ترحيل التعويض ووضعه في صيغة المجهول».

مبانٍ متضررة وأنقاض في قرية حولا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

أما سوسن، من بعلبك (شرق لبنان)، فدُمِّر منزلها بالكامل. تقاضت 12 ألف دولار فقط، ما اضطرها إلى تقسيم منزل أهل زوجها والسكن معهم. وتكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أنّ الخسارة ليست في الجدران فقط، بل في أنها بوصفها امرأة على أبواب الستين اضطرت للتكيُّف مع فكرة أنه لا توجد إعادة إعمار، وأنها مضطرة للتكيُّف مع الواقع الجديد، عادّةً أن التعويض الذي تقاضته «كان رمزياً مقارنة بحجم الضرر الفعلي».

التكيّف مع الخسارة

الأكثر دلالة في مشهد نهاية 2025 ليس فقط محدودية التعويضات، بل تبدّل سلوك المتضرّرين أنفسهم. كثيرون باتوا يعزفون عن مراجعة المعنيين بملف التعويضات. يقول أحد المتضرّرين: «لم نعد نراجع لأننا نعرف الجواب سلفاً». ويشير إلى أنّ هذا الصمت «لا يعني الرضا، بل انتقال المجتمع المتضرّر من مرحلة المطالبة إلى مرحلة التكيّف القسري»، محذّراً من أن «هذا التحوّل يُفرغ المتضررين من الضغط الشعبي، ويحوّل الخسارة إلى واقع يومي يُدار باليأس لا بالمحاسبة».

هذه الحال، دفعت سكان المنطقة الحدودية إلى القيام بمبادرات فردية وأهلية لمساعدة المتضررين. في أحد متاجر الضاحية الجنوبية، وُضع صندوقٌ للتبرعات باسم «صندوق دعم متضرّري مركبا»، وهي قرية حدودية تضررت بشكل كبير، ولم يعد أكثر من ثلث سكانها إليها. ويرى أحد جيران المتجر أنّ «الانتقال من الصناديق المركزية إلى مبادرات فردية يدلّ على أن القدرة على إدارة التعويضات بوصفها سياسةً عامةً باتت محدودةً، وأن الأولوية أصبحت لاحتواء الحدّ الأدنى من الانهيار، في انتقال صريح من منطق جبر الضرر إلى منطق إدارة العجز».


القضاء اللبناني يفكك الملفات العالقة تكريساً لمسار استعادة هيبة الدولة

النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

القضاء اللبناني يفكك الملفات العالقة تكريساً لمسار استعادة هيبة الدولة

النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

انعكست التغيّرات السياسية التي شهدها لبنان منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون، وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام بصورة مباشرة على الواقع القضائي، فشهد هذا المرفق تحوّلات نوعية أعادت إليه جزءاً كبيراً من هيبة افتقدها، وفتحت الباب أمام مقاربة جديدة لملفات حالت العراقيل السياسية، والحمايات التي كان يتمتّع بها نافذون مدعومون من أركان السلطة من معالجتها.

تعيينات قضائية

المتابعون بدقّة للمشهد القضائي يتلمسون بوضوح تبدّلاً في الأداء، وفي المناخ العام الذي بات يحكم عمل القضاة، فكانت البداية من التعيينات التي طالت مواقع أساسية في السلطة القضائية، وفي مقدمها تثبيت القاضي جمال الحجار نائباً عاماً لدى محكمة التمييز، وتعيين القاضي أيمن عويدات رئيساً لهيئة التفتيش القضائي، وهو منصب مفصلي بالنظر إلى الدور الرقابي، والمحاسبي الذي تؤديه الهيئة.

كما شملت التعيينات استكمال تشكيل مجلس القضاء الأعلى بكامل أعضائه، باستثناء رئيسه القاضي سهيل عبود، وملء الشواغر في محاكم التمييز، والهيئة العامة لمحكمة التمييز، والمجلس العدلي، ما أعاد انتظام العمل القضائي في أعلى مستوياته بعد سنوات من الفراغ، والتعطيل.

كان لخطاب القسم الذي ألقاه رئيس الجمهورية جوزيف عون فور انتخابه في التاسع من يناير (كانون الثاني) الماضي أثر بالغ في هذا المسار، إذ شكّل، بحسب توصيف مصادر قضائية، «جرعة دعم غير مسبوقة للقضاء». فقد أطلق يد مجلس القضاء الأعلى في إعداد تشكيلات قضائية وُصفت بالنموذجية مقارنة بما شهدته العقود الماضية، بعدما تحرّر المجلس من سطوة التدخلات السياسية. وللمرة الأولى لم يفرض أركان السلطة أسماء قضاة محسوبين عليهم لتعيينهم في مواقع حساسة، فخرجت التشكيلات وفق معايير مهنية بحتة.

عام الهيبة... وعام القطاف

يؤكد مصدر قضائي بارز لـ«الشرق الأوسط» أن «الدينامية التي تشهدها المحاكم وقصور العدل منذ انطلاقة السنة القضائية الجديدة في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، أثبتت صوابية هذه الخيارات»، مشيراً إلى «تبدّل واضح في أسلوب عمل النيابات العامة، لجهة التدقيق في الشكاوى، وتجنّب القرارات الارتجالية، ولا سيما فيما يتعلق بالتوقيف الاحتياطي، كما انعكس ذلك على أداء قضاة التحقيق، والهيئات الاتهامية، وتسريع وتيرة المحاكمات على مختلف درجاتها». ويضيف المصدر: «عام 2025 كان عام إعادة الهيبة للقضاء، فيما يُفترض أن يكون عام 2026 عام القطاف».

الفنان اللبناني فضل شاكر (إنستغرام)

في ظلّ هذا المناخ، لم يعد بالإمكان إبقاء الملفات في أدراج النسيان تحت وطأة «الفيتو» السياسي. ووفق المصدر القضائي، فإن «المرحلة الجديدة التي يشهدها القضاء أنهت منطق الحصانات غير المعلنة، ما سمح للقضاة باتخاذ قرارات حاسمة في الملفات الساخنة، ولعلّ أبرزها توقيف وزير الاقتصاد السابق أمين سلام لأكثر من ستة أشهر في قضية فساد، وملاحقة وزير الصناعة السابق، والنائب الحالي جورج بوشكيان بعد رفع الحصانة النيابية عنه، وهو يُلاحق غيابياً بعد فراره إلى الخارج».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً هانيبال القذافي بعد الإفراج عنه في نوفمبر 2025 (أرشيفية - رئاسة الحكومة)

كذلك فُتحت ملفات المصارف على مصراعيها، وأفضت إلى توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لمدة عام كامل قبل إخلاء سبيله بكفالة مالية مرتفعة، وغير مسبوقة بلغت 11 مليون دولار، إضافة إلى توقيف رئيس مجلس إدارة أحد المصارف طارق خليفة الذي لا يزال موقوفاً. ويتحدّث المصدر القضائي عن «محطات مفصلية سجّلها عام 2025، أبرزها الإفراج عن هانيبال القذافي، نجل الزعيم الليبي السابق معمّر القذافي، بعد عشر سنوات من التوقيف في ملف خطف وإخفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه من دون محاكمة، أو اتهام رسمي، إلى جانب إقدام الفنان فضل شاكر على تسليم نفسه للقضاء بعد أكثر من 12 عاماً من اللجوء في مخيم عين الحلوة».

وبغضّ النظر عن خلفيات هذين الملفين، يرى المصدر القضائي أن «دلالتهما واحدة، وهي أن القضاء بات أكثر تحرراً من الضغوط السياسية، ويتخذ قراراته انطلاقاً من قناعة القاضي الوجدانية، لا من أي اعتبار آخر».

السجناء السوريون

ثمّة ملفات قضائية ذات بُعدٍ خارجي، أهمها قضية السجناء السوريين في لبنان، ورغم أن السلطات السورية هي التي حرّكت هذه القضيّة، فإن القضاء اللبناني تمكّن من التعاطي معها بدرجة عالية من المسؤولية، وانطلاقاً من المصلحة اللبنانية، والتقليل من خطرها الأمني في اكتظاظ السجون، ويسجّل للقضاء أنه قدّم للسلطة السياسية رؤيته لحلّ هذه الأزمة، قبل أن يصطدم بجدار البيروقراطية، والحاجة إلى إبرام معاهدة جديدة بين بيروت ودمشق تساعد في تسليم السجناء السوريين أو بعضهم إلى بلادهم، وهو ملف قيد النظر في الوقت الراهن.

تعافي لبنان

هذا التحوّل القضائي واكبه تطور لافت على الصعيد الأمني. فقد شهد عام 2025 نقلة نوعية في أداء الأجهزة الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني، في ملاحقة المطلوبين، ومكافحة الجريمة. وبرزت عمليات دهم واسعة في مناطق البقاع، خصوصاً في حي الشراونة في بعلبك، حيث خاض الجيش اشتباكات مع مئات المطلوبين، ونجح في تفكيك أخطر شبكات المخدرات، ما أدى إلى مقتل علي زعيتر الملقب بـ«أبو سلّة»، وعملية القبض على نوح زعيتر الذي يعدّ أكبر وأخطر تاجر مخدرات في لبنان، بالإضافة إلى ضبط عشرات شحنات المخدرات المعدّة للتصدير، لا سيما إلى دول الخليج.

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

ويختم المصدر القضائي المعني بكلّ هذه الملفات بالتأكيد أن «الإنجازات القضائية والأمنية تعكس الصورة الحقيقية لتعافي لبنان»، مشدداً في الوقت نفسه على «أهمية نجاح الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، والأمن العام، في تفكيك شبكات تجسس لصالح إسرائيل، وتوقيف عشرات العملاء الذين جرى تجنيدهم قبل الحرب الأخيرة، وخلالها، وهي مؤشرات، وإن كانت أولية، إلا أنها توحي بأن مسار استعادة الدولة بدأ فعلياً من بوابة القضاء والأمن».


إسرائيل تؤكد تطبيق حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية في قطاع غزة

فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)
TT

إسرائيل تؤكد تطبيق حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية في قطاع غزة

فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من «برنامج الأغذية العالمي» خلال سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)

أكدت إسرائيل، اليوم (الخميس)، أنَّها «ستنفِّذ الحظر» على أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية كبرى في قطاع غزة لكونها لم تزوِّد السلطات بقوائم أسماء موظفيها الفلسطينيين، عملاً بتشريع جديد.

وأوضحت وزارة «شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية» الإسرائيلية، في بيان، أن «المنظمات التي لم تلتزم بالمعايير المطلوبة فيما يتعلق بالأمن والشفافية ستُعلَّق رخصها»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت الحكومة الإسرائيلية أفادت، الأربعاء، بأن حظر الأنشطة الإنسانية في غزة سيطول 37 منظمة غير حكومية دولية، بدءاً من اليوم (الخميس)، ما لم تُقدِّم للسلطات أسماء موظفيها الفلسطينيين.

ويثير هذا التشريع مخاوف من تباطؤ جديد في دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة المُدمَّر بفعل عامين من الحرب، والذي يحتاج معظم سكانه بشكل عاجل إلى المأوى، والرعاية الصحية، والأمن الغذائي.

وأوضحت وزارة «شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية» الإسرائيلية أن «المشكلة الرئيسية التي حُدِّدَت هي رفض (هذه المنظمات) تقديم معلومات كاملة وقابلة للتحقق في شأن موظفيها، وهو شرط أساسي يهدف إلى منع تسلل عناصر إرهابية إلى المؤسسات الإنسانية».

ونقل البيان عن الوزير عميحاي شيكلي قوله: «الرسالة واضحة: المساعدات الإنسانية موضع ترحيب، لكن استغلال الأطر الإنسانية لأغراض الإرهاب ليس كذلك».

وتعرَّضت إسرائيل لانتقادات شديدة من المجتمع الدولي في الأيام الأخيرة، مع اقتراب الموعد المُحدَّد، منتصف ليل الأربعاء بالتوقيت المحلي، لانتهاء المهلة المعطاة للمنظمات الدولية غير الحكومية للامتثال لهذه الالتزامات التي أُعلِن عنها للمرة الأولى في مارس (آذار) الماضي.

ومن بين المنظمات المشمولة بهذا الإجراء «أطباء بلا حدود»، و«المجلس النرويجي للاجئين»، و«كير»، و«وورلد فيجن»، و«أوكسفام».

وأكدت «أطباء بلا حدود»، في بيان تلقّته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، أنها تطبق «سياسات داخلية صارمة لضمان احترام القوانين، ومنع أي تحويل للمساعدات أو أي ارتباط بجماعات مسلحة».

كذلك أوضحت أنها لم تقدّم قائمةً بموظفيها لعدم حصولها من إسرائيل على «ضمانات وتوضيحات» بخصوص هذا الطلب «المقلق».

«يقوّض العمل الإنساني»

وطالب الاتحاد الأوروبي برفع «العقبات» أمام إيصال المساعدات الإنسانية.

أما مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، فرأى أن «عمليات التعليق التعسفية مثل هذه تزيد الوضع المتردي أصلاً سوءاً بالنسبة لسكان غزة»، حيث دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) وقفٌ لإطلاق النار يشهد خروقات.

وتُعد المساعدات واستخدامها مسألة حساسة جداً منذ بداية الحرب في قطاع غزة. ففي عام 2024، حظرت إسرائيل عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) على أراضيها، متهمةً بعض موظفيها بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر.

ووصف المدير العام لـ«أونروا»، فيليب لازاريني، الإجراءات الإسرائيلية، الأربعاء، بأنها «سابقة خطيرة». وعدّ أن «هذه القيود جزء من نمط مُقلق من تجاهل القانون الدولي الإنساني وازدياد العقبات أمام عمليات الإغاثة».

واستنكر تجمع يضم 17 منظمة إسرائيلية يسارية التوجه هذه القيود في بيان مشترك، صباح الخميس.

وعدّ هذا التجمّع أن «شطب 37 منظمة دولية غير حكومية يقوّض العمل الإنساني (...) ويعرّض الموظفين (...) للخطر، ويسيء إلى فاعلية توزيع المساعدات».

وشدَّد على أن «إسرائيل، بصفتها قوةً مُحتلةً، يجب أن تلتزم بتأمين إمدادات كافية للمدنيين الفلسطينيين. لكنها لا تكتفي بالإخلال بهذا الالتزام، بل تمنع أيضاً جهات أخرى من سدّ الثغر».

وكانت المفوضة الأوروبية لإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، قد قالت إن خطط إسرائيل لحظر المنظمات الإنسانية الدولية في غزة تعني عرقلة وصول المساعدات المُنقذة للحياة إلى القطاع. وأضافت، في حسابها على منصة «إكس»: «كان موقف الاتحاد الأوروبي واضحاً، فلا يمكن تطبيق قانون تسجيل المنظمات غير الحكومية بصيغته الحالية».