الفوضى بغزة تطول المستشفيات ومخاوف من خروجها عن الخدمة

«أطباء بلا حدود»: مخطّط توزيع الغذاء الإسرائيلي - الأميركي مجزرة مُقنّعة

فلسطينيون في موقع غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

الفوضى بغزة تطول المستشفيات ومخاوف من خروجها عن الخدمة

فلسطينيون في موقع غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

لا تزال الفوضى في قطاع غزة تفرض نفسها على واقع حياة السكان، وتنتقل من مرحلة إلى أخرى تكون أخطر من سابقاتها، في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من 18 شهراً.

ولم تقف حالة الفوضى العارمة عند سرقة المساعدات ونهبها، أو مهاجمة بعض الممتلكات العامة والخاصة، بل امتدت لتطول المستشفيات في صورة تعبّر عن المرحلة الجديدة للفلتان الذي بات يؤرق جميع القطاعات الحيوية، ويهدد بخروج القطاع الصحي عن الخدمة كلياً.

وخلال يومي الخميس والجمعة، شهد مجمع ناصر الطبي في خان يونس، جنوب قطاع غزة، موجة أحداث خطيرة من قبل عصابات مسلحة أطلقت النار من أسلحة رشاشة، قبل أن تقتحم أجزاء من المجمع، وتعتدي على الطواقم الطبية، وتقوم بتحطيم بعض المعدات الطبية وأجهزة الكمبيوتر للطواقم الإدارية وسرقة هواتف نقالة لبعض العاملين في المجمع.

ويُعد مجمع ناصر الطبي المستشفى الوحيد في جنوب قطاع غزة الذي ما زال يستقبل ضحايا العمليات الإسرائيلية، وكذلك يعالج المرضى الذين يعانون من أمراض مختلفة بما في ذلك أمراض القلب والأورام، في حين يوجد في مناطق جنوب القطاع مستشفيات ميدانية تقدم بعض الخدمات الطبية السريعة.

وقال مسؤول طبي تحدث لـ«الشرق الأوسط» إن الهجوم، يوم الخميس، تسبب بإحراق سطح غرفة رعاية الأطفال، وحرق مكيّفات تتبع للغرفة، وحرق جدران غرف طبية في قسم الولادة، إلى جانب تعطل المكيّف المركزي في قسم الحضانة وإحراقه، الأمر الذي لا تحتمله الحضانة التي بحاجة ماسة لتوافر التكييف المركزي بسبب العناية الطبية التي يحتاجها الخدج.

فتاة تساعد رجلاً يمشي على عكازين في موقع غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

وبيّن أن الاعتداء على الممرضات تسبب بنزيف حاد لممرضة حامل، بينما تم الاعتداء على أخرى وسرقة مقتنيات وأموال كانت بحوزتها.

وأشار المسؤول إلى أن بعض الجدران التي احترقت بحاجة لإعادة ترميم بسرعة، كما أن هناك أضراراً أخرى نتيجة إطلاق النيران وتضرر في شبكات الكهرباء التي يتم تزويد المجمع فيها من خلال مولدات كهرباء تقوم منظمات دولية بتوفير الوقود لها.

وأوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن أفراداً في عائلة كبيرة في خان يونس، هم من يقفون خلف الهجوم لليوم الثاني على التوالي ضد المجمع الطبي، مشيرةً إلى أن بعض أفراد هذه العائلة كثيراً ما شكا من مضايقات، مثل الاستدعاء والاعتقال وحتى التعذيب، على أيدي حركة «حماس» في بدايات حكمها للقطاع عام 2007، كما أن الكثير من أبناء العائلة هم عناصر في الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة للسلطة.

ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن عناصر أمنية تتبع «حماس» هاجمت بالأمس أفراداً من تلك العائلة، بعد نحو 3 ساعات من حصارهم للمجمع الطبي، وقتلوا وأصابوا عدداً منهم. واليوم أيضاً تم التصدي لهم، وتوقفت الأحداث بعد نصف ساعة فقط.

ولا تُعْرف الأسباب التي دفعت أفراد هذه العائلة إلى مهاجمة المجمع الطبي الذي يخدم جميع سكان جنوب قطاع غزة، خصوصاً أن قوات إسرائيلية تتمركز على مسافة أقل من كيلومتر واحد من مكانه.

ويأتي ذلك وسط دعوات وُجهت في الأيام الماضية للطواقم الطبية بعدم معالجة اللصوص وكل من يشارك في عمليات النهب والاعتداءات على المواطنين، الأمر الذي دفع وكيل وزارة الصحة بغزة، يوسف أبو الريش، لإلزام جميع الطواقم الطبية بتقديم العلاج للجميع بلا استثناء.

ووُجهت الدعوات بشكل أساسي على خلفية قيام لصوص وعصابات بسرقة مواد ومستهلكات طبية كان من المفترض أن تصل للمستشفيات في وسط وجنوب قطاع غزة.

أطفال في موقع لتوزيع المساعدات الغذائية بمدينة غزة الجمعة (أ.ف.ب)

وفي شمال قطاع غزة، سُجلت حوادث مماثلة، فقد أفيد بحصول سرقة مواد غذائية صحية كان من المفترض أن توزع على الأطفال في ظل انتشار سوء التغذية مع استمرار الوضع الإنساني الصعب والمعقد. وفي المقابل، نجحت عشائر في شمال غزة بتأمين أدوية ومستلزمات طبية مختلفة وذلك للمرة الأولى منذ انهيار وقف إطلاق النار في شهر مارس (آذار) الماضي.

ميدانياً، قالت وسائل إعلام فلسطينية إن عدد قتلى القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ فجر الجمعة، ارتفع إلى 49 شخصاً.

وأفادت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) بمقتل مواطنين وإصابة آخرين في غارة إسرائيلية استهدفت تجمعاً للمواطنين في حي التفاح، وجرى نقلهم إلى المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في المدينة.

كما أعلنت مصادر طبية وصول قتلى وجرحى إلى مستشفى «الكويت التخصصي» الميداني، جراء إصابتهم بنيران إسرائيلية استهدفت تجمعاً للمواطنين بالقرب من نقطة توزيع مساعدات في خان يونس، جنوب القطاع.

إضافة إلى ذلك، قالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن مخطّط توزيع الغذاء الإسرائيلي - الأميركي الذي أُطلق قبل شهر في غزة «ينتهك كرامة الفلسطينيين عمداً، ويجبرهم على الاختيار بين الجوع أو المخاطرة بحياتهم من أجل الحصول على قلّة من الإمدادات». وأضافت أن هذا المخطط أسفر عن مقتل أكثر من 500 شخص وإصابة قرابة 4,000 آخرين في سعيهم للحصول على الطعام. ورأت المنظمة أن هذا «ليس توزيعاً إنسانياً بل مجزرة مُقنّعة، ويجب أن يُفكَّك الآن. تدعو منظمة أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية وحلفاءها إلى رفع الحصار المفروض على الغذاء والوقود والإمدادات الطبية والإنسانية، والعودة إلى نظام إنساني قائم على المبادئ ومنسّق عبر الأمم المتحدة كما كانت الحال سابقاً».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، الجمعة، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

وقبل الجمعة، عقد قادة «الإطار التنسيقي»، وهو ائتلاف حاكم يضم فصائل شيعية ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران وكان قد رشّح المالكي في البداية، اجتماعات عدة هذا الأسبوع لإجراء مشاورات مكثفة لحسم ملف رئاسة الحكومة، من دون التوصل إلى نتيجة.

وأفادت وكالة الأنباء العراقية الرسمية، بعد اجتماع الجمعة، بأنهم سيجتمعون مجددا السبت لـ «حسم مرشح منصب رئاسة الوزراء»، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد في يناير (كانون الثاني) بوقف دعم العراق في حال عودة المالكي الذي شغل رئاسة الحكومة لولايتين ويتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران، إلى المنصب.

وفي العراق، يؤدي ترشيح الكتلة الشيعية الأكبر عمليا إلى وصول مرشح إلى السلطة عبر تكليف رئاسي، لكن تهديدات ترمب أعادت خلط الأوراق.

ورغم أن «الإطار التنسيقي» لم يسحب رسميا دعمه للمالكي، فإن قادته يناقشون أسماء بديلة محتملة.

ومن بين هذه الأسماء رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، وباسم البدري الذي يرأس لجنة تُعنى بمنع أعضاء حزب «البعث» الذي كان يتزعمه صدام حسين من تولي مناصب عامة.

ولطالما سعى العراق إلى الموازنة بين نفوذ حليفيه، إيران المجاورة والولايات المتحدة، الخصم اللدود لطهران.


الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
TT

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

حذّرت الأمم المتحدة، الجمعة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

وأشارت إلى أنّ هذه القنابل والقذائف، بل وحتى الرصاصات، باتت منتشرة في مختلف أنحاء القطاع منذ اندلاع الحرب التي شنّتها إسرائيل عقب هجوم غير مسبوق لحركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ويُظهر مسح أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) أنّ أكثر من ألف شخص لقوا حتفهم في غزة نتيجة وجود هذه الذخائر المرتبطة بالنزاع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

غير أنّ الحصيلة الفعلية «يرجّح أن تكون أعلى بكثير»، وفق ما قال يوليوس فان دير فالت، المسؤول عن هذه الدائرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأضاف، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، أنّ «نحو نصف الضحايا من الأطفال».

ومن جانبها، أسفت نارمينا ستريشينيتس من منظمة «سايف ذا تشيلدرن» على الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال في غزة.

ووفق تقرير نشرته المنظمة العام الماضي، فإن استخدام الأسلحة المتفجرة في القطاع تسبّب شهرياً في المتوسط بإصابة 475 طفلاً بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة. وقالت ستريشينيتس إن غزة تضم اليوم «أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف» في العالم.

وأوضح فان دير فالت أنّ الدائرة الأممية لم تتمكّن بعد من تقييم حجم المشكلة بالكامل، لكن البيانات المتاحة تُظهر «كثافة مرتفعة» من التلوث بالذخائر غير المنفجرة في القطاع.

وقد أحصت الدائرة حتى الآن أكثر من ألف ذخيرة خلال عمليات نفّذتها على مدى العامين ونصف العام الماضيين.

وأشار إلى أنّ ذلك يعادل «ذخيرة واحدة كل 600 متر تقريباً»، لافتاً النظر إلى أنّ هذا الرقم يقتصر على ما تم رصده فقط.

ويُضاف إلى ذلك الكثافة السكانية العالية جداً في غزة، التي كانت قبل الحرب من بين أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم بنحو ستة آلاف نسمة في الكيلومتر المربع، على حد قوله، مشيراً إلى أنّ الحرب خفّضت فعلياً المساحة المتاحة إلى النصف وضاعفت الكثافة.

وقال إن «الأسلحة المتفجرة تُستخدم في كل أنحاء القطاع، بما في ذلك في مخيمات لاجئين شديدة الاكتظاظ»، مستشهداً بحادثة حديثة عُثر فيها على بقايا ذخائر داخل خيمة مأهولة منذ أسابيع. كما حذّر من أنّ القوافل الإنسانية قد تتسبّب بانفجارات في أثناء عبورها القطاع.

وقدّر فان دير فالت أنّ التعامل مع هذه الذخائر قد يتطلّب، في أفضل الأحوال، نحو 541 مليون دولار، شرط الحصول على كل التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة.

وحذّر من أنّ حجم التلوث، ولا سيما في الأنقاض، يجعل من شبه المستحيل إجراء تقييم كامل، مرجّحاً أن تبقى هذه المتفجرات مشكلة لعقود.

وأشار إلى العثور حتى اليوم على قنابل من الحرب العالمية الثانية في مواقع بناء في المملكة المتحدة، معتبراً أنّ «أمراً مشابهاً قد يحدث» في قطاع غزة.


الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
TT

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)

أكد الرئيس السوري، أحمد الشرع، الجمعة، أن اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في العاصمة القبرصية، نيقوسيا، يمثل لحظة نضج سياسي واستراتيجي تكرس واقعاً جيوسياسياً جديداً يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون، واضعاً أمام الشركاء «مبادرة البحار الأربعة» و«الممرات التسعة» لتمثل سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية.

وقال الشرع، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا: «الوقوف على ضفة المتوسط المشترك يؤكد حقيقة راسخة، وهي أن أمن القارة الأوروبية واستقرار المنطقة يمثلان توازناً جيوسياسياً، لا يقبل التجزئة، ويفرض العمل بروح الشراكة والمسؤولية الجماعية».

أضاف قائلاً: «إن ثقل هذه المسؤولية يتجلى اليوم وسط التحديات القاسية التي تمس أمن مواطني المنطقة ومجتمعاتهم، وتضرب عصب التجارة العالمية؛ حيث يشكل إغلاق مضيق هرمز خطراً كبيراً؛ ما يضعنا أمام استحقاق تاريخي يفرض ابتكار استراتيجية من قلب منطقتنا».

وأشار إلى أن أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا، مضيفاً: «إن الشراكة الأوروبية العربية المتوسطية غدت المسار الحتمي والملاذ الآمن لاستدامة تدفقات الطاقة، وضمان أمن الإمدادات العالمية».

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس يتحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل التقاط الصورة التذكارية لقمة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا الجمعة (إ.ب.أ)

وشدد الشرع على ضرورة وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق السيادة السورية، من توغلات برية وغارات جوية وخروقات شبه يومية تطول الأراضي والأجواء السورية، في مخالفة صريحة لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ولأبسط قواعد القانون الدولي، مؤكداً أن هذه الاعتداءات لا تستهدف الأمن السوري فحسب، بل تستهدف في جوارها مسار التعافي وإعادة الإعمار، وتضرب الاستقرار الإقليمي الذي يشكل الأساس الذي تقوم عليه الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ورأى أن «التزام الشركاء الأوروبيين بأمن سوريا واستقرارها يقتضي موقفاً حازماً يلزم إسرائيل بوقف الاعتداءات فوراً؛ لأن حماية المسار الذي انطلق اليوم تبدأ من حماية الأرض التي ينهض عليها».

ولفت إلى أن «سوريا التي كانت ساحة لصراعات الآخرين تختار اليوم بإرادة شعبها ومؤسساتها أن تكون جسراً للأمان، وركيزة أساسية للحل»، مؤكداً أن «الجغرافيا قدرنا والشراكة قرارنا، ومن هذا المنطلق نضع بتصرف شركائنا في المتوسط والخليج العربي مبادرة البحار الأربعة وممراتها التسعة لتمثل سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية».

وقال الرئيس السوري: «إن ما أنجزناه اليوم هو البداية الواثقة التي تمهد الطريق لحدثنا الأكبر في بروكسل، يوم الحادي عشر من مايو (أيار) المقبل؛ حيث سندشن الحوار السياسي السوري الأوروبي رفيع المستوى... إن أمامنا سبعة عشر يوماً من العمل المكثف نمضي فيها بعزيمة صلبة لترسيخ دور سوريا الشريك الاستراتيجي الذي يسهم في بناء مستقبل القارة الأوروبية، وضمان استقرار منطقتنا».

وشارك الرئيس الشرع في أعمال الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في مركز فيلوكسينيا في نيقوسيا، بدعوة من الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، حيث ألقى كلمة أكد فيها ضرورة تعزيز الاستقرار الإقليمي وتكثيف التنسيق الدولي لمواجهة التحديات المشتركة.