وفد كردي إلى دمشق لبناء تفاهمات مع السلطات الجديدة بشأن مستقبل سوريا

تتضمن المطالب الانتقال إلى نظام ديمقراطي لا مركزي في إطار دولة اتحادية

وفد كردي إلى دمشق لبناء تفاهمات مع السلطات الجديدة بشأن مستقبل سوريا
TT

وفد كردي إلى دمشق لبناء تفاهمات مع السلطات الجديدة بشأن مستقبل سوريا

وفد كردي إلى دمشق لبناء تفاهمات مع السلطات الجديدة بشأن مستقبل سوريا

يعتزم وفد كردي منبثق من «كونفرانس» أحزاب الحركة السياسية الكردية، التوجُّه إلى العاصمة دمشق بعد انقضاء عطلة عيد الأضحى؛ للتباحث مع سلطات الإدارة الانتقالية، في بناء توافقات بشأن مستقبل سوريا.

وسيطرح الوفد خلال لقائه مع الوفد الحكومي رؤيته لبناء «دولة اتحادية لا مركزية» على أنها الحل الأمثل لجميع المشكلات التي برزت على الساحة السورية. وتأتي هذه الزيارة بعد عقد أول جولة تفاوضية بين ممثلين من الإدارة الذاتية، ومسؤولين حكوميين في العاصمة دمشق، بداية الشهر الحالي.

الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي وقَّعا اتفاقية الاندماج في الجيش السوري مارس الماضي بدمشق (إ.ب.أ)

وترفض السلطات الجديدة من جهتها أي محاولات لتقسيم البلاد أو المطالبة بالفيدرالية، في إشارة ضمنية إلى طموحات الأكراد بتكريس الحكم الذاتي الذي بنوه منذ عام 2014. وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وقَّع اتفاقاً في 10 من مارس (آذار) الماضي مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» مظلوم عبدي، يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية كافة، التابعة للإدارة الذاتية، في هياكل الدولة الجديدة، على ألا يتجاوز تنفيذ ذلك نهاية العام الحالي.

أحمد سليمان نائب رئيس «الحزب التقدمي الكردي» وعضو الوفد المفاوض مع الحكومة السورية (الشرق الأوسط)

يقول أحمد سليمان، نائب رئيس «الحزب التقدمي الكردي» وعضو الوفد الكردي للتفاوض مع الحكومة في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، إن الرؤية المشتركة لأحزاب الحركة الكردية المُعلنة في وثيقة كونفرانس «وحدة الصف والموقف الكردي»، «هي مرتكز التفاوض مع دمشق حول بناء الدولة، وشكلها، وسبل حل القضية الكردية أسوة بباقي المكونات السورية»، منوهاً بأن رؤيتهم تقوم على «اللامركزية» بوصفه مصطلحاً سياسياً، داعياً لبناء سوريا دولةً اتحاديةً.

وذكر خلال حديثه أن هذا التوجه لا يهدِّد وحدة البلاد، كما يعتقد قسم من السوريين، «إنه الحل الأمثل لجميع المشكلات البارزة على الساحة، ولا يقتصر على الكرد فقط، وإنما لصالح كل السوريين لحماية حقوقهم وضمان تمثيلهم السياسي بشكل عادل»، على حد تعبيره.

اجتماع القائد العام لقوات «قسد» مظلوم عبدي مع القادة العسكريين لبحث تطبيق الاتفاق مع الرئيس السوري في مارس الماضي (الشرق الأوسط)

ومنذ وصول السلطة الانتقالية إلى الحكم في 8 من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، أبدى الأكراد انفتاحاً على السلطة بعدما عقد وفد من الإدارة الذاتية اجتماعاً بداية هذا الشهر، مع مسؤولين حكوميين في دمشق كان الأول من نوعه، وعدّوا أن عملية التغيير فرصة لبناء دولة جديدة، تضمن حقوق جميع السوريين بمَن فيهم المكون الكردي الذي عانى من التهميش والعنصرية على مدى عقود خلال سنوات نظام الأسد المخلوع.

آلدار خليل من الهيئة الرئاسية لحزب «الاتحاد الديمقراطي» وعضو مفاوض في الوفد الكردي (الشرق الأوسط)

هشاشة النظام المركزي

بدوره؛ يرى آلدار خليل من الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» وهو أبرز الأحزاب التي تدير مناطق الإدارة الذاتية منذ سنوات، وعضو الوفد الكردي المفاوض، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الأطراف الكردية توصَّلت إلى تفاهم مشترك حول مطالبها الأساسية التي ستطرحها على دمشق، «تتضمن أن حل الأزمة السورية يستوجب الانتقال إلى نظام ديمقراطي لا مركزي، لا سيما أن تعقيدات الملف السوري، خصوصاً القضية الكردية، لا يمكن حلها ضمن النظام المركزي الحالي».

وشدَّد السياسي الكردي الذي يُعدُّ أحد أعمدة مهندسي الإدارة الذاتية وبناء قوتها العسكرية والأمنية، على أن «اللامركزية لا تعني انفصال الكرد أو بناء إدارة خاصة بهم فقط، إنما تعني تأسيس شراكة حقيقية بين جميع المكونات السورية في إدارة شؤون مناطقهم»، لافتاً إلى أن التوصُّل إلى حلول جديدة ومستدامة «بحاجة لنظام ديمقراطي تعددي لا مركزي، وعدم تكرار نموذج الدولة المركزية»، على حد وصفه.

وسيعمل الوفد الكردي على طرح رؤيته السياسية وتهيئة الأرضية لبناء «سوريا ديمقراطية»، استناداً إلى الوثيقة التي أقرَّها «كونفراس» الأحزاب الكردية، الذي عُقد في مدينة القامشلي في 27 من أبريل (نيسان) الماضي، التي دعت إلى توحيد المناطق الكردية ضمن وحدة سياسية إدارية متكاملة في إطار «سوريا اتحادية»، إلى جانب الاعتراف بالوجود القومي للكرد بصفته شعباً أصيلاً، وضمان حقوقه السياسية والثقافية والإدارية والدستورية، بما في ذلك اعتماد اللغة الكردية لغةً رسميةً، إلى جانب العربية، وإحداث مؤسسات تعليمية وثقافية كردية.

وعن مدى قبول دمشق بالتفاوض، والبحث في رؤية الوفد الكردي السياسية؛ أوضح أحمد سليمان، أن توافقاً مبدئياً قد تم مسبقاً في ظل الاتفاق المبرم بين الرئيس الشرع، وقائد قوات «قسد» مظلوم عبدي، مرجحاً أن تتم الحوارات دون أي عقبات، منوهاً إلى «دعم الولايات المتحدة وفرنسا هذه المباحثات، والدول الكبرى في موقع المشاركة، وتقدم الدعم والمشورة لجميع الأطراف المعنية».

عربات مدرّعة أميركية من طراز «برادلي» خلال دورية في ريف دير الزور بشرق سوريا (أرشيفية - «الشرق الأوسط»)

وكان اتفاق الشرع وعبدي، قد أكد أن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، مع ضمان حقه في المواطنة وحقوقه الدستورية. ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يمثل خطوة متقدمة نحو ضمان حقوق جميع السوريين بغض النظر عن خلفياتهم، ويُحقِّق وحدة سوريا والحفاظ على سيادتها، والذي سيهدف إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة لجميع السوريين، وتضمينهم في المشاركة بالعملية السياسية والحكم.

وشدَّد آلدار خليل، على أن ذهابهم إلى العاصمة دمشق ليس فقط لتقديم المطالب الكردية، فحسب؛ بل «سنشرح رؤيتنا لمستقبل سوريا بعد نجاح الثورة، والتوافق على بناء نظام ديمقراطي وتمثيل وإشراك لجميع المكونات»، في العملية السياسية وفي البرلمان ولجنة كتابة الدستور الدائم، بالاستناد إلى المواطنة المتساوية.


مقالات ذات صلة

سوريا: لا خطط لوجود عسكري تركي في قاعدة جوية قصفتها إسرائيل

المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ)

سوريا: لا خطط لوجود عسكري تركي في قاعدة جوية قصفتها إسرائيل

كشف ‌وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أنه أوضح لإسرائيل أنه لا خطط لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في ​قاعدة أبو الظهور الجوية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي غلاف الكتاب

مذكرات خدام: قصة لقاء «كسر العظم» بين الأسد والحريري

كيف انتقل «ملف لبنان» من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام إلى بشار الأسد، نجل الرئيس السابق حافظ الأسد؟ وما قصة اللقاء الشهير بين بشار الأسد ورئيس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي اللواء السوري السابق عادل عيسى (وزارة الداخلية السورية)

لبنان يسلم سوريا لواء من عهد الأسد في أول عملية من نوعها منذ سقوطه

قالت وزارة الداخلية السورية إن السلطات اللبنانية سلمت دمشق، الأربعاء، ضابطاً كبيراً سابقاً في الجيش السوري لمواجهة تهم تشمل القتل والتعذيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو: إسرائيل وجهت رسالة «واضحة» إلى تركيا في سوريا

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأربعاء، إن الدولة العبرية وجهت رسالة إلى تركيا تحذرها من إقامة قاعدة في سوريا، مقراً بذلك ضمنياً بشن ضربة في اليوم السابق.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ) p-circle

تقرير: رئيس «الموساد» ووزير الخارجية السوري بحثا الوجود العسكري التركي

قالت ثلاثة مصادر مطلعة إن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي أجرى مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري الأسبوع الماضي، ناقشا خلالها الوجود العسكري التركي في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

سوريا: لا خطط لوجود عسكري تركي في قاعدة جوية قصفتها إسرائيل

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ)
TT

سوريا: لا خطط لوجود عسكري تركي في قاعدة جوية قصفتها إسرائيل

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ)

كشف ‌وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أنه أوضح لإسرائيل أنه لا خطط لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في ​قاعدة أبو الظهور الجوية، التي قصفتها إسرائيل يوم الثلاثاء، مشيراً إلى أن الموقع يجري إعادة تأهيله لتستخدمه القوات الجوية السورية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف الشيباني أن عسكريين من تركيا زاروا القاعدة في إطار التدريب والتعاون العسكري الأوسع نطاقاً. ونفى ‌وجود تعزيزات ‌عسكرية تركية، قائلاً إن ​المنشأة ‌كانت ⁠خالية ​إلى حد ⁠كبير ولم يبدأ العمل بها بعد.

وقال الشيباني في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، أمس الأربعاء: «لا نية لإنشاء قاعدة تركية هناك، ولا لنشر وجود عسكري تركي دائم أو قوات تركية في الموقع».

وأفاد رئيس ⁠الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس، ‌بأن إسرائيل حذَّرت ‌سوريا قبل الضربة من ​السماح بوجود تركي ‌في القاعدة.

وأضاف نتنياهو: «كانت رسالتنا واضحة ‌جداً. لا تفعلوا ذلك. أعتقد أنهم لم يستوعبوا الرسالة بشكل كامل».

وقال الشيباني إن إسرائيل ليس لديها مبرر مشروع لهذا القصف.

وأضاف أن ‌سوريا لا تزال منفتحة على التفاوض مع إسرائيل بشأن تهدئة ⁠التوتر. ⁠وأشار إلى أن الجانبين أحرزا تقدماً كبيراً نحو التوصُّل إلى اتفاق أمني خلال محادثات على مدى عام بوساطة الولايات المتحدة، لكن إسرائيل تراجعت لاحقاً عن التزاماتها ولم يُنفَّذ الاتفاق.

وقال الشيباني إن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يعالج المخاوف الأمنية لكلا الجانبين ويحترم السيادة السورية، محذراً من زيادة ​عدم الاستقرار في ​المنطقة في حال استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية.

تركيا تنفي أي حضور عسكري لها

من جهتها، نفت وزارة الدفاع التركية اليوم أي حضور لقواتها في مطار أبو الظهور شمال غربي سوريا، والذي بررت إسرائيل قصفه في وقت سابق هذا الأسبوع، بـ«تهديد» دمشق وأنقرة لأمنها.

وقال مسؤول في الوزارة للصحافيين: «نؤكد أن أي وفد عسكري تركي لم يكن موجوداً في مطار أبو الظهور قبل أو خلال الهجوم الذي شنّته إسرائيل على هذه القاعدة في سوريا».

كما قالت وزارة الدفاع ​التركية إن أنقرة ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير قدراتها وبنيتها التحتية العسكرية، ‌وذلك بعد ‌أن ​شنت ‌إسرائيل ⁠غارات ​جوية على ⁠قاعدة جوية سورية، وتحذيرها أنقرة مما وصفتها بـ«مغامرات خطيرة» هناك.

وفي إحاطة أسبوعية، ⁠أوضحت الوزارة ‌أنه ‌لم يكن ​هناك ‌أي وفد عسكري ‌تركي في القاعدة الجوية التي استهدفتها إسرائيل قبل ‌الغارات أو خلالها، وجددت دعوة أنقرة للمجتمع ⁠الدولي ⁠لاتخاذ إجراءات أكثر جدية وفاعلية ضد تصرفات إسرائيل التي قالت إنها تهدد السلام والاستقرار الإقليميين.


لبنان: سلسلة غارات ليلاً وقصف مدفعي على علي الطاهر وتفجيرات جنوباً

يبحث السكان بين الأنقاض عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في منطقة سياحية ببلدة الأنصار جنوب لبنان (د.ب.أ)
يبحث السكان بين الأنقاض عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في منطقة سياحية ببلدة الأنصار جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

لبنان: سلسلة غارات ليلاً وقصف مدفعي على علي الطاهر وتفجيرات جنوباً

يبحث السكان بين الأنقاض عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في منطقة سياحية ببلدة الأنصار جنوب لبنان (د.ب.أ)
يبحث السكان بين الأنقاض عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في منطقة سياحية ببلدة الأنصار جنوب لبنان (د.ب.أ)

شن الطيران الإسرائيلي ليلاً سلسلة غارات وقصفاً مدفعياً لمرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة وتفجيرات في مجدل زون والمنصوري في جنوب لبنان، بحسب ما أوردته «الوكالة الوطنية للإعلام»، اليوم (الخميس).

وذكرت الوكالة أن «الطيران الحربي المعادي شن سلسلة غارات ليلاً، على مرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة عند الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا ودوحة كفررمان»، مضيفة: «كما تعرضت هذه المناطق، وحتى ساعات الفجر، لقصف مدفعي متقطع».

وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية بأنه «في صور، نفذت قوات العدو ليلاً وفجراً، تفجيرات في مجدل زون والمنصوري، بالتزامن مع قصف مدفعي لبلدتي مجدل زون والمنصوري».

وشنّت إسرائيل حرباً على لبنان منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي، بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على شمال إسرائيل، واحتلّت القوات الإسرائيلية عدداً من البلدات في جنوب لبنان.

وأُعلن في 20 يونيو (حزيران) الماضي عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية على جنوب لبنان.


بنك للبذور المحلية في غزة يمنح «بارقة أمل» للقطاع الزراعي المدمر

أكياس تحتوي على بذور السبانخ والسلق داخل «بنك بذور القرارة» في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أكياس تحتوي على بذور السبانخ والسلق داخل «بنك بذور القرارة» في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بنك للبذور المحلية في غزة يمنح «بارقة أمل» للقطاع الزراعي المدمر

أكياس تحتوي على بذور السبانخ والسلق داخل «بنك بذور القرارة» في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أكياس تحتوي على بذور السبانخ والسلق داخل «بنك بذور القرارة» في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

من خيمة صغيرة في وسط غزة، يعمل فريق متفانٍ على تخزين وتوثيق البذور المحلية، أحد أثمن الموارد في القطاع الفلسطيني الذي دمرته الحرب.

ووفق تقرير أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، تصطفّ على جدران «بنك بذور القرارة» رفوف تحمل أوعية بلاستيكية بسيطة، تحوي بذوراً محلية تُعد وسيلة لإحياء القطاع الزراعي المنكوب في غزة والحفاظ على تراثه.

يعمل بنك البذور في منطقة دير البلح على إعادة تكوين مخزونه من بذور غزة المتوارثة، بعدما دمرته الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وعلى عكس الأصناف الهجينة التي تُباع عادة في الأسواق التجارية، يمكن الاحتفاظ ببذور الأصناف «البلدية» واستخدامها عاماً بعد آخر، كما أنها غالباً ما تكون أكثر تكيُّفاً مع بيئتها المحلية.

يقول سالم مهنا، مدير المشروع الذي تأسس عام 2017 بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إنه «خلال الحرب، هي من ساعدنا على البقاء».

ويضيف في تصريح للوكالة: «البذور البلدية تعطي 80 إلى 90 في المائة من نفس المحصول كل عام، لهذا نعتمد عليها».

مدير «بنك بذور القرارة» سالم مهنا يرتب وعاءً يحتوي على بذور في البنك بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يحتفظ البنك ببذور القمح والشعير، والخضراوات الورقية مثل السلق والسبانخ والبقدونس، بالإضافة إلى بعض الخضراوات كالكوسة والبامية.

توضح هنادي مهنا (27 عاماً)، وهي ابنه سالم وتشارك أيضاً في إدارة المشروع، أنه بسبب الحرب «تم تدمير البنك بالكامل وفقدان أنواع كثيرة من البذور في البنك».

وتتابع: «من نزوح إلى نزوح كان صعباً علينا البدء من جديد، وفي نهاية المطاف تم الاستقرار في دير البلح، وتمكنا من إنشاء خيمة صغيرة، ونوفر إمكانيات بدائية لحفظ البذور».

تضم مجموعة من أكياس الخيش الكبيرة، والبراميل البلاستيكية، والأوعية الأصغر حجماً والمتفاوتة الأشكال، ما تبقى من المخزون، حيث جرى تصنيف كل منها بعناية وحمايتها من الآفات باستخدام أغلفة بلاستيكية.

صمام أمان

على غرار سائر جوانب الحياة في القطاع الفلسطيني الساحلي، تضررت الزراعة في غزة بشدة جراء الحرب.

ورغم وقف إطلاق النار المدعوم من الولايات المتحدة والمعلن منذ أكتوبر 2025، يستمر العنف وسفك الدماء، مع مواصلة الجيش الإسرائيلي استهداف فلسطينيين يصفهم بأنهم مسلحون.

وتقول إسرائيل إنها تسيطر على أكثر من 60 في المائة من قطاع غزة، بعدما كانت تسيطر على نحو نصف مساحته عند بدء سريان وقف إطلاق النار، ورفضت البدء في الانسحاب ما لم تتخلّ حركة حماس «بشكل حقيقي» عن سلاحها بالكامل.

قبل الحرب، كانت الزراعة بما فيها إنتاج المحاصيل والرعي وصيد الأسماك، تشكل نحو 10 في المائة من اقتصاد غزة، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

وأعلنت «الفاو» الثلاثاء أن 3 في المائة فقط من الأراضي الزراعية في غزة لا تزال متاحة وسليمة.

كما فاقمت القيود الإسرائيلية الصارمة المفروضة على دخول السلع إلى القطاع من معاناة مزارعي غزة.

ويقول سالم مهنا إنه لا توجد مياه ولا أسمدة أو كيماويّات زراعية، مؤكداً «لا يتوفر شيء».

ويوضح أسامة المخللاتي، وهو مسؤول اقتصادي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أنه قبل الحرب «كان قطاع غزة منتجاً متميزاً للخضراوات، كان لدينا اكتفاء ذاتي في الخضراوات الطازجة ويصدر ثلث إنتاجه منها».

أسامة المخللاتي متحدثاً إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» في حقل قرب «بنك بذور القرارة» بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن الخبير يلفت إلى أن «الحرب وتبعاتها أوصلت القطاع الزراعي إلى درجة أنه لا يستطيع تأمين أقل من عشرة في المائة من احتياجات قطاع غزة من الخضراوات».

يعمل «بنك بذور القرارة» وفق نظام الإعارة، حيث يحصل مزارعون موثوقون على البذور ثم يعيدونها بعد الحصاد.

يقول سليمان أبو شماس، وهو مزارع من دير البلح، «هذا المشروع اعتبرناه في فترة الحرب صمام الأمان الأول».

ويضيف: «في ظل انقطاع الموارد الزراعية من المعابر ومنع دخولها، صمام الأمان هو إنشاء سلة غذائية من البذور البلدية».

المزارع سليمان أبو شماس يقطف الفلفل الأحمر مع مزارع آخر في حقل قرب «بنك بذور القرارة» بدير البلح وسط قطاع (أ.ف.ب)

بالنسبة لأسامة المخللاتي، لا يُعدّ البنك مجرد وسيلة لمواصلة الإنتاج الغذائي فيما تبقى من أراضٍ زراعية، بل هو وسيلة أيضاً للحفاظ على تراث غزة الزراعي من أجل المستقبل.

ويقول: «هذا المشروع نعتبره بارقة أمل وسط الظلام الدامس الذي يعيشه القطاع».