«قادة الأحزاب الدينية رفضوا اتصالاته»... حكومة نتنياهو على المحك

محاكمته تتواصل وتدخل مرحلة حاسمة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين القتلى في القدس 29 أبريل الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين القتلى في القدس 29 أبريل الماضي (رويترز)
TT

«قادة الأحزاب الدينية رفضوا اتصالاته»... حكومة نتنياهو على المحك

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين القتلى في القدس 29 أبريل الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين القتلى في القدس 29 أبريل الماضي (رويترز)

يواجه الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو، مخاطر تفكك في ظل رفض الأحزاب «الحريدية» المتدينة المتشددة، محاولات التوصل إلى صيغة محددة بشأن تجنيد «الحريديم» (اليهود المتدينين) في صفوف الجيش الإسرائيلي، بل وصعّد بعض قادتها برفض تلقي اتصالات من رئيس الحكومة كان يسعى خلالها لرأب الصدع.

وتصر الأحزاب المتشددة على تمرير قانون في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بالقراءات الثلاث، ينص بشكل واضح على إعفاء الحريديم من التجنيد؛ الأمر الذي خلق خلافات واسعة في ظل حاجة الجيش الإسرائيلي الماسة لتجنيد المزيد من مختلف الطوائف، على خلفية النقص الشديد بالقوى البشرية مع استمرار الحرب على قطاع غزة منذ ما يزيد على 18 شهراً.

إسرائيلية تجلس بجوار قبر جندي في المقبرة العسكرية بالقدس أبريل الماضي (رويترز)

وعُقد ليل الثلاثاء – الأربعاء، اجتماعاً بين رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بولي إدلشتاين، وممثلين عن الأحزاب الحريدية، وبينما سعى صحافيون مقربون من نتنياهو إلى الإيحاء بأنه «كان جيداً»، سرعان ما تبين أن الاجتماع انتهى بـ«فشل ذريع»، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه.

«خيار حل الكنيست»

وحاول إدلشتاين أن يصل إلى حل وسط خلال المفاوضات التي أجراها من الحريديم، لكن مصادر من تلك الأحزاب نفت أن يكون قدم حلولاً فعلية، الأمر الذي دفع الأحزاب إلى التمسك بخيارها وتلويحها بحل الكنيست، ومن ثمّ المضي نحو انتخابات برلمانية جديدة.

وبحسب ما ذكرت صحيفة «معاريف» العبرية، فإن عضو الكنيست موشيه غافني، رئيس كتلة حزب «يهدوت هتوراة» أحد أحزاب الحريديم، تلقى تعليمات القيادة الدينية للحزب، بتأييد قانون حل الكنيست.

ويتكون الكنيست من 120 مقعداً، حيث يمتلك الائتلاف الحكومي 68 مقعداً، منها 7 ليهدوت هتوراة، و11 لحزب شاس.

وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أن الزعيم الروحي للقيادة الدينية للحزب الحريدي، دوف لاندو، رفض الرد على اتصال ورد من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما رفض أيضاً الحاخام موشيه هيلل هيرش، الرد على اتصال مماثل، فيما يتوقع أن يتدخل نتنياهو بشكل أقوى خلال الساعات والأيام المقبلة في القضية.

صورة ملتقطة في 30 يونيو 2022 بالقدس لاجتماع «الكنيست» الإسرائيلي (د.ب.أ)

ووفقاً للصحيفة، فإنه بلغ إحباط ممثلي الحريديم من سلوك الائتلاف الحكومي ذروته بعد قرابة عامين ساد خلالهما شعور يائس بالفشل، بعد أن باتوا على اقتناع بأنه كان من الممكن إقرار الإعفاء من التجنيد بسهولة نسبية في بداية عمل الائتلاف، لو لم يُطبق نتنياهو مسار الإصلاح القانوني أو ما سميت «الثورة القانونية» التي رأى فيها معارضوه «انقلاباً على المنظومة القضائية».

وتشير الصحيفة إلى أن إدلشتاين، بدعم من منظمات جنود الاحتياط، يتمتع بصلاحية وضع وصياغة قانون تجنيد صارم يشمل عقوبات على من لا يلتزم بأوامر التجنيد، كما أن هذا القانون الذي يرفضه الحريديم، يقلل من عدم المساواة في التعبئة للتجنيد، ويتوافق مع الواقع الأمني الإسرائيلي لعام 2025 في ظل الحرب على غزة، والتحديات الأخرى على جبهات مختلفة، لأعوام مقبلة، وهذا يجعل إدلشتاين يرى بأن لدوره أهمية تاريخية في ذلك.

انتقام من طموح إدلشتاين

وفي أعقاب فشل إدلشتاين، بإقناع الحريديم في تمرير قانون التجنيد، قال مصدر من حزب نتنياهو (الليكود)، إنه يحمله المسؤولية عن عدم التوصل إلى اتفاق، وهو ما قد يشير إلى نيته إقالة إدلشتاين.

وكان نتنياهو وضع إدلشتاين في منصب رئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست، بوصفه خطوة انتقامية منه في أعقاب معارضته له قبل الانتخابات الأخيرة، ومنافسته على رئاسة الليكود، والطموح لتولي الحكومة لاحقاً، لكنه فشل أمامه حينها.

وباتت هناك في الليكود وأطراف أخرى في الحكومة الإسرائيلية أصوات تتهم إدلشتاين بأنه يسعى فعلياً لتفكيك الائتلاف الحكومي.

رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بولي إدلشتاين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (إكس)

ويواجه نتنياهو حالياً، غضب إدلشتاين من جانب، والحريديم من جهة أخرى، و«يخوض حالياً معركة احتواء على ساحتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بالأزمة الجوهرية التي أدت إلى سلسلة تهديدات من الحاخامات وأعضاء الكنيست الحريديم بحل الحكومة، والثانية تتعلق بإمكانية حل الكنيست، وهي عملية طويلة لن تبدأ إلا الأسبوع المقبل إن بدأت أصلاً، عندما تقدم المعارضة مثل هذا القانون» وفق ما تشير «يديعوت أحرونوت».

المعارضة تتحرك نحو الحل

وأعلن حزب «هناك مستقبل» الذي يقوده زعيم المعارضة يائير لابيد، أنه سيقدم الأربعاء المقبل، بدعم من أحزاب أخرى في المعارضة، مشروع قانون حل الكنيست للتصويت، فيما ستستمر المفاوضات طوال هذه الفترة بين «الليكود» وأحزاب الحريديم، في وقت قد يلجأ فيه نتنياهو لخيار إقالة إدلشتاين، للالتفاف على المفاوضات، وإقناع تلك الأحزاب بأنه جدي في مسألة حل قانون التجنيد.

ولا يمكن حل الكنيست الإسرائيلي بقراءة واحدة لأي مشروع قانون ينص على ذلك، ويحتاج إلى القراءتين الثانية والثالثة، من أجل التوصل إلى اتفاق.

على من يعتمد نتنياهو؟

ويعتمد نتنياهو على أرييه درعي زعيم حزب «شاس» أحد الأحزاب الحريدية، والمقرب من رئيس الحكومة، لتفكيك الأزمة الحالية، ويتبنى استراتيجية مألوفة بالنسبة له، تتعلق بكسب الوقت والنجاة، وهذا ما يفعله تماماً في إدارة الحرب وقضية المختطفين، وفي محاكمته، ويركز حالياً على اجتياز الدورة الصيفية القصيرة نسبياً للكنيست بسلام، والوصول إلى فترة الاستراحة، وصولاً إلى الدورة الشتوية.

ويتفق درعي مع استراتيجية نتنياهو ولو ضمنياً، ولذلك يفكر بالسماح بإقرار قانون حل الكنيست بالقراءة التمهيدية «الأولى» للإشارة إلى جدية أحزاب الحريديم، ثم سينتظر حتى نهاية الدورة الصيفية.

أرييه درعي زعيم حزب «شاس» (إكس)

ويلتزم حزب شاس حالياً الصمت إزاء ما يجري، ويبدو أنه ينتظر ما ستؤول إليه المفاوضات مع حزب «يهدوت هتوراة» المتشددة قبل اتخاذ أي قرار، خاصةً أن الحزب وناخبيه يعدّون أنفسهم من مؤيدي نتنياهو.

وأفادت «القناة 12» العبرية، مساء الأربعاء، أن درعي استدعى فجأة وزراء حزبه وأعضاءه بالكنيست إلى اجتماع خارج الكنيست، وغادروا على الفور.

ماذا تربّح «الحريديم» من حل الحكومة؟

وتساءلت وسائل إعلام عبرية، عن مكاسب أحزاب الحريديم في حال فُككت الحكومة الحالية، وجرت انتخابات وفازت المعارضة بها، بينما تنادي الأخيرة دائماً بتجنيد الحريديم، وقدرة تلك الأحزاب حينها على تمرير قانون يمنع ذلك.

وحزب يهدوت هتوراة يمتلك 7 مقاعد في الائتلاف الحكومي الحالي داخل الكنيست، وفي حال انسحب وحده فإنه لن يشكل خطراً ولن يفككه، لكنه سيبقى ضيقاً بـ61 مقعداً (من أصل 120 مقعداً)، داخل الكنيست.

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي 30 يونيو 2024 (أ.ب)

لكن الائتلاف الحكومي سيواجه صعوبات في تمرير العديد من مشاريع القوانين، وفي حال انضم حزب شاس لجانب الانسحاب من الحكومة والتصويت على حل الكنيست، فإن ذلك يعني التوجه لانتخابات جديدة، وحتى ربما إنهاء الحرب بغزة.

ويمتلك شاس، أيضاً 11 مقعداً في الكنيست، ولذلك فإن انسحابه يعني مباشرة تفكك الائتلاف الحكومي.

ويشكّل الحريديم نحو 13 في المائة من سكان إسرائيل البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، ويرفضون الخدمة العسكرية بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة.

وخلال عقود، تمكن أفراد الطائفة من تفادي التجنيد عند بلوغهم سن 18 عاماً، عبر الحصول على تأجيلات متكررة بحجة الدراسة في المعاهد الدينية، حتى بلوغهم سن الإعفاء من الخدمة، التي تبلغ حالياً 26 عاماً، فيما تسببت الحرب على غزة بكشف العجز في الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي غير واقع الحال حالياً.

محاكمة نتنياهو

وتأتي هذه الأزمة في ظل استمرار محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في قضايا تتعلق بالفساد وخيانة الأمانة وتلقي رشاوى، حيث تأتي في ظل أزمات تلاحق ائتلافه الحكومي وإمكانية انهياره.

ولليوم الثاني، تواصلت عملية «الاستجواب المضاد» لنتنياهو، الأربعاء، لعدة ساعات، ليكون بذلك خضع للمرة الـ37، للمحاكمة أمام محكمة تل أبيب المركزية.

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد موجهة إليه ديسمبر الماضي (رويترز)

وبدأت إجراءات «الاستجواب المضاد» لنتنياهو، التي تسمح باستجوابه وإجباره على الرد على جميع الأسئلة التي تطرح عليه دون استشارة فريقه القانوني، فيما كانت الجلسات السابقة عبارة عن أسئلة وجهت من قبل فريقه القانوني، إليه بهدف الدفاع عن نفسه، ولنفي الاتهامات السابقة.

وتوصف المرحلة الجديدة من المحاكمة بأنها حاسمة، ولا يملك نتنياهو وقتاً لتبرير أي من أفعاله، حيث يطلب منه الإجابة بشكل موجز، ورغم ذلك فإن المحاكمة قد تستمر حتى الشتاء المقبل.


مقالات ذات صلة

سموتريتش وزامير يدعوان نتنياهو للتمرد على ترمب وقصف بيروت

المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متحدثاً في مؤتمر صحافي في مارس 2026 (رويترز)

سموتريتش وزامير يدعوان نتنياهو للتمرد على ترمب وقصف بيروت

طلب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير والوزير بتسلئيل سموتريتش من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قصف مبانٍ في بيروت، وتصعيد الحرب رداً على مسيّرات «حزب الله»

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية  ترمب يتحدث مع نتنياهو خلال اجتماع بالبيت الأبيض في واشنطن أبريل 2025 (رويترز) p-circle

نتنياهو يقرّ بصعوبة التأثير على قرارات ترمب بشأن إيران

قال مصدران، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ مقربين بأن إسرائيل لا تتمتع بقدرة تذكر للتأثير على قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ​نتنياهو (د.ب.أ)

نتنياهو: اتفقت مع ترمب على إزالة التهديد النووي الإيراني في أي اتفاق نهائي

 قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ​نتنياهو إنه اتفق مع الرئيس الأميركي على أن ‌أي اتفاق ‌نهائي ​مع ‌إيران ⁠يجب ​أن يزيل ⁠التهديد النووي الذي تشكله طهران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو في البيت الأبيض يوليو 2025 (أرشيفية - د.ب.أ)

إسرائيل قلقة من اتفاق إيران… وتتحاشى انتقاد ترمب

 قالت مصادر سياسية في تل أبيب إن القيادة الإسرائيلية دخلت حالة من «القلق والغضب واليأس» مع «شعور بخسارة فادحة» بعد الأنباء عن التوصل إلى اتفاق أميركي - إيراني

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض في 7 أبريل 2026 (د.ب.أ)

نتنياهو يعرب لترمب عن قلقه بشأن بندين في مسودة الاتفاق مع إيران

أفادت هيئة البث العام الإسرائيلية «كان» أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعرب عن قلقه للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن بندين محددين في مسودة الاتفاق مع إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الإفراج عن دفعة جديدة من منتسبي «قسد»

وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
TT

الإفراج عن دفعة جديدة من منتسبي «قسد»

وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

أفرجت الحكومة السورية، الاثنين، عن دفعة جديدة من الموقوفين لديها، من المنتسبين إلى «قسد»، وذلك في منطقة الميلبية جنوب مدينة الحسكة، ضمن جهود الفريق الرئاسي المكلف متابعة تنفيذ بنود «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026» مع «قسد»، وقيادة الأمن الداخلي في المحافظة. وقال محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، في تصريح صحافي، إن عدد المفرج عنهم، الاثنين، بلغ 88 شخصاً، مبيناً أن عملية الإفراج تأتي استكمالاً لدفعات سابقة تم الإفراج عنها، بدعم ومتابعة من القيادة السورية.

وأشار أحمد إلى استمرار العمل لإطلاق سراح الموقوفين والمحتجزين في السجون؛ «حيث ستكون هناك، اليوم (الاثنين) أو غداً (الثلاثاء)، دفعة جديدة، وصولاً إلى الإفراج عن جميع المعتقلين‏ بعد عيد الأضحى المبارك».

وشهد يوم 8 مايو (أيار) الحالي إخلاء سبيل 232 من «قسد» الذين اعتقلوا في الأحداث الأخيرة، ضمن استكمال تنفيذ «اتفاق 29 يناير 2026» الذي ينص على إطلاق جميع المعتقلين.

يذكر أن الحكومة السورية أعلنت، في 29 يناير الماضي، الاتفاق مع «قسد» على وقف إطلاق النار؛ ضمن اتفاق شامل ينص على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، والإفراج عن المعتقلين والموقوفين، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.


في بيروت… عاملات مهاجرات يتكاتفن لمساندة المحتاجين في خضم الحرب

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
TT

في بيروت… عاملات مهاجرات يتكاتفن لمساندة المحتاجين في خضم الحرب

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)

داخل مركز اجتماعي في بيروت، تنهمك عاملات مهاجرات في إعداد وجبات طعام ساخنة وحياكة أغطية وتوضيب مساعدات في أكياس بلاستيكية لتوزيعها على من يعانون في كسب لقمة عيشهم منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

في إحدى الغرف، يعدّ بعضهن حساء البامية مع الفستق.

وتسكب امرأة لفّت رأسها بشال أزرق الحساء إلى جانب قطعة خبز في صحن، بينما تنتظر امرأة أمامها الحصول عليه لاحتسائه.

عاملة مهاجرة (أ.ف.ب)

في غرفة أخرى، تنهمك شابات في تفصيل قماش ذي مربعات باللونين النبيذي والبيج، أو مربعات أخرى بالأحمر والبني والأزرق، وحياكته أغطية على ماكينات خياطة بيضاء.

يخرج رجل يحمل فرشاً على كتفه من المركز، بينما يتوافد آخرون للحصول على مواد غذائية ومعلبات.

وتقول العاملة الكاميرونية فياني دو مارسو (33 عاماً) التي تدير منظمة «ريمان» لدعم العمال الأفارقة في لبنان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «إن لم نفعل ذلك، فلن يقوم أحد بذلك من أجلنا».

تتلقى مكالمة عبر هاتفها الجوال وتسير في فناء المركز وهي تردّ على محدثها في الطرف الآخر.

وتقول: «حتى خلال الليل... لا يتوقف الهاتف عن الرنين».

وتصبّ دو مارسو والمتطوعات معها اهتمامهن على مساعدة نحو 1500 شخص من دول إفريقية عدة بينها إثيوبيا وبنين وكينيا، إضافة إلى بعض اللبنانيين النازحين.

وتوضح أنّ مساعدة أفراد المجتمع «تمنحني نوعاً من السعادة».

ويستضيف لبنان نحو 164 ألف مهاجر من أكثر من 80 جنسية، معظمهم من النساء، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.

على بعد كيلومترات شمال بيروت، تنهمك ميرا أراغون (52 عاماً) المتحدّرة من الفلبين بتوزيع طعام بدورها على زوّار مركز آخر.

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)

تعلو ابتسامة وجهها، بينما تحيط بها نساء أخريات يساعدنها ويتبادلن أطراف الحديث.

سخّرت منظمة «تريس مارياس» التي تديرها أراغون وتدعم العمال المهاجرين أيضاً، جهودها خلال الشهرين الماضيين للاستجابة لتداعيات الحرب.

في مطبخ تحيط به رفوف تصطف عليها أنواع مختلفة من البهارات والصلصات والمعلبات، تعمل متطوعة في تنظيف أوانٍ استخدمت لإعداد وجبات ساخنة.

على طاولة مستطيلة، تنهمك نساء في تحضير قطع من الكرواسان.

ترتاد عاملات أجنبيات المركز، أحياناً برفقة أطفالهن، للحصول على حصص مساعدات تتضمن خبزاً ومعلبات ومعجون أسنان.

وتقول أراغون إن منظمتها بدأت تتلقى نداءات الاستغاثة «منذ الساعة الثالثة» من فجر الليلة التي اندلعت فيها الحرب في الثاني من مارس (آذار).

وتوضح أنها تعد يومياً مع المتطوعين نحو 150 وجبة ساخنة لتوزيعها على العمال المهاجرين أو الذين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة. يحاولون المساعدة قدر المستطاع رغم محدودية الإمكانات.

وتقول: «لا يمكننا أن نقول لهم ببساطة: آسفون، لا يمكننا إعطاؤكم طعاماً اليوم لأنه ليس لدينا ما نطبخه»، مضيفة: «علينا أن نجد طريقة لتحقيق ذلك».


عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

TT

عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط)
الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط)

للعام الثالث على التوالي يأتي عيد الأضحى في حين يُحرم سكان غزة من تأدية فريضة الحج، منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ورغم إعلان الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي، واصلت إسرائيل منع خروج الغزيين عبر المعابر تحت ذرائع مختلفة.

ولا يقتصر حرمان إسرائيل لأهل قطاع غزة على الخروج منه بصورة طبيعية باستثناءات طبية محدودة؛ إذ تمنعهم كذلك من إدخال لحوم الأضاحي، وإبطاء وتعقيد دخول البضائع والمساعدات الإنسانية.

يقول الغزي رمضان أبو زيادة (61 عاماً)، وهو من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، إنه كان ينتظر فرصةً للتوجه إلى الحج قبل الحرب على القطاع، ولكن لم يحالفه الحظ ليكون اسمه ضمن القرعة التي يتم اختيارها في كل عام، ومنذ آخر دفعة خرجت للحج عام 2023 يتحين الفرصة كل عام.

حجاج فلسطينيون يستقلّون حافلة من معبر رفح مع مصر جنوب قطاع غزة 12 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

يقول أبو زيادة لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان يأمل في أن تسمح إسرائيل لسكان القطاع بأداء مناسك الحج، خاصةً بعد وقف إطلاق النار وفتح معبر رفح جزئياً، إلا أن ذلك لم يتحقق. مضيفاً: «حُرمنا كل شيء من أجواء الأعياد، حتى زيارة بيت الله الحرام لم يُسمح لنا، وكأننا نعيش في سجن أو إقامة جبرية يمنع علينا فيها التنفس أو الحصول على أبسط حقوقنا كبشر».

ووفقاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، فإن حصة القطاع كل عام تبلغ 2508 حجَّاج وحاجّات؛ ما يعني أنه تم حرمان أكثر من 7500 فلسطيني من أداء هذه الفريضة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. مبينةً أن 2473 حاجاً وحاجة كانوا ينتظرون منذ 2023 السفر لأداء الحج بعدما حالفهم الحظ باجتياز قرعة اختيار الأسماء، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، وتوفي 31 منهم إما نتيجة وفيات طبيعية أو جراء القصف الإسرائيلي خلال الحرب.

ويأمل أبو زيادة بشكل عام أن يتمكن الغزيون من الحج خلال العام المقبل، وعلى المستوى الشخصي يرجو الرجل أن يكون بديلاً لأحد أسماء المتوفيين ممن اختيروا خلال السنوات الثلاث الماضية.

أضاحٍ قليلة

ومن انعدام فرصة أداء فريضة الحج، إلى واقع أكثر تعقيداً بحرمان الغزيين للعام الثالث على التوالي من الأضاحي في ظل تدمير إسرائيل مزارع تربية المواشي، والتي كانت غالبيتها في المناطق الشرقية من قطاع غزة، وتحوي آلاف المواشي المختلفة والتي نفقت بفعل استهداف تلك المزارع مع بدء الحرب.

في مزرعة صغيرة غرب خان يونس جنوب قطاع غزة، اعتاد الشاب أحمد النجار أن يساعد والده في تربية المواشي، وخاصةً الخراف (الضأن)؛ بهدف بيعها وخاصة في موسم عيد الأضحى، لكنه كما المئات من أصحاب المزارع فقدوا ما لديهم من مواشٍ بفعل القصف الإسرائيلي خلال الحرب. كما يوضح لـ«الشرق الأوسط».

إحدى المزارع الصغيرة النادرة في خان يونس جنوب غزة توفر الأضاحي ولكن بأسعار مرتفعة (الشرق الأوسط)

وقال النجار إنه لم يتبق لديهم سوى بعض الخراف الصغيرة والتي تكاثرت خلال فترة الحرب، وأنه حاول مع والده الحفاظ على ما لديهم؛ وهو الأمر الذي ساعدهم حالياً في توفر الكثير منها وهي بحالة صحية جيدة رغم الظروف البيئية المحيطة بها وقلة توفر طعامها وغيره. مشيراً إلى أن تربيتها كلفتهم مادياً؛ ما تسبب في ارتفاع أسعارها في كل القطاع.

ولفت إلى أن إسرائيل تمنع إدخال المواشي سواء بهدف بيعها خلال عيد الأضحى أو لتربيتها، بينما تسمح فقط بإدخال المُجمدات وبشكل متقطع وتفرض أسعاراً باهظة على تنسيق دخول شاحنتها.

ويبلغ سعر الخروف الواحد قرابة 5 آلاف دولار في المتوسط ويتفاوت حسب الجودة والوزن.

وأوضح النجار أن أسرته كان لديها سابقاً مزرعة كبيرة شرق خان يونس، في حين تراجع الوضع ولم يعد لديهم سوى مزرعة صغيرة قرب خيام التي يسكنونها ولكنها «لا تلبي احتياجات السكان بالكامل» وفق قوله.

ويقدر متعاملون في الأسواق أن إجمالي مزارع الماشية في القطاع باتت محدودة بفعل الحرب والتضييق الإسرائيلي المستمر على إدخالها أو أعلافها، ولا تزيد على عشر مزارع.

ويقول النجار: الأسعار باهظة الثمن بسبب الظروف التي نعيشها، وفي المقابل لا يوجد إقبال حقيقي على شرائها سوى من بعض المؤسسات التي هي الأخرى بدأت تعزف عنها وتحاول إيجاد حلول أخرى مثل شراء المجمدات لتوزيعها على السكان بدلاً من الأضاحي.

بضائع من دون زبائن

ولا يقتصر ضعف القدرة الشرائية في العيد على اللحوم، ففي أسواق مختلفة من غزة، توجد بضائع تجارية مختلفة دخلت القطاع بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لكن أسعارها لا تزال باهظة الثمن، بينما لا يتمكن السكان من شرائها رغم الحاجة الماسة إلى بعضها.

خليل بكر العامل في أحد المحال التجارية بمدينة غزة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن أجواء عيد الأضحى كما عيد الفطر، غائبة عن السكان الذين كانوا قبل الحرب على القطاع يلجأون لشراء كل احتياجاتهم من ملابس وغيرها، لكن الأوضاع اختلفت على كل المستويات، بما في ذلك أسعار ما يتوفر من بضائع.

نازحون فلسطينيون يرفعون حاويات فارغة للتعبير عن النقص الحاد في المياه خلال مظاهرة بخان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

ويتذكر بكر: في مثل هذه الأيام (قبل الحرب) نكون مضغوطين في العمل والبيع والشراء ونستقبل زبائن بشكل كبير، وتتم التحضيرات قبل أسبوع من العيد، لكن خلال فترة الحرب وحالياً الأوضاع اختلفت تماماً، مشيراً إلى أنه قبل الحرب كان الشخص يستطيع كسوة نفسه بمبلغ 100 شيقل (الدولار يساوي 2.89 شيقل تقريباً)، لكن حالياً هذا المبلغ لم يعد يوفر شيئاً للسكان الذين كانوا يشترون القميص الواحد بمبلغ 30 شيقلاً سابقاً، واليوم وصلت إلى 70 أو أكثر، بسبب ارتفاع التنسيقات التجارية.

وتفرض إسرائيل وجهات أخرى من خارج قطاع غزة، على التجار الذين يُسمح لهم باستيراد البضائع التجارية بشكل محدود، دفع مبالغ مالية تحت بند «التنسيقات»، وتصل لأرقام فلكية لبعض البضائع؛ ما تسبب برفع أسعارها.

الحياة باتت مختلفة

ويصف الغزي إبراهيم أبو جامع من سكان خان يونس، الأوضاع بأنها صعبة وكارثية، ولم يعد يشعر سكان القطاع بأن لديهم حياة كريمة في ظل معاناتهم مع نقص المياه والعيش في خيام وغيرها بعدما فقدوا منازلهم وأراضيهم.

وأشار أبو جامع إلى أنه في كل عام كان يضحي بما يتوفر من مواشٍ، لكنه للعام الثالث لم يستطع فعل ذلك بسبب الأوضاع المأساوية والأسعار الخيالية. قائلاً: قبل 3 سنوات كانت الحياة تختلف وننتظر استقبال الأعياد، لكن الأوضاع اليوم تختلف والسكان بالكاد يستطيعون توفير كيلو لحم واحد لعوائلهم.

ويتفق الغزي تيسير الأغا، مع أبو جامع على أن الحياة في قطاع غزة باتت مختلفة، وأن أجواء الأعياد باتت غائبة عن السكان الذين كانوا يشعرون بسعادة في مثل هذه الأوقات من أعوامهم، مشيراً إلى أنه في الماضي كان السكان جميعهم يتناولون الأضاحي لتوفرها سواء الغني أو الفقير، لكن حالياً أصبحوا جميعهم سواسية.

وتقول الغزية ولاء أبو الخير، إنه قبل الحرب كان السكان يستقبلون العيد في أجواء جميلة، ويستعدون له بأفضل حال، ويشترون لأطفالهم الملابس، وكانوا يشاهدون المواشي في الشوارع تمهيداً لذبحها ويلاحقونها وتلاحقهم، في أجواء وصفتها بأنها كانت بهيجة، مشيرةً إلى أنه حالياً بات السكان لا يعرفون بقدوم العيد سوى من تكبيراته بعدما انقلب الحال وباتت الظروف أصعب، خاصةً مع فقدان الكثير من العوائل لأبنائها. متأملةً في أن تعود الحياة لقطاع غزة وأن يعيش سكانه كما حال باقي سكان العالم.

ويشير عبد الرؤوف صافي، وهو تاجر، إلى أنه قبل الحرب كان يتوفر كل شيء من بضائع وأضاحٍ وبأسعار مقبولة وفي متناول اليد، لكن اليوم الأسعار باهظة الثمن، ورغم ذلك يحاول رسم البسمة على وجوه التي تحاول التكيف مع ظروف العيد. مشيراً إلى أن سعر كيلو الشوكولاته ارتفع من 90 شيقلاً قبل الحرب إلى 150 حالياً؛ وهو الأمر الذي أدى إلى عزوف الكثير من السكان عنه.

عبد الرؤوف صافي صاحب متجر صغير بغزة يعرض قطعاً من الشوكولاته التي يبيعها لسكان القطاع في العيد (الشرق الأوسط)

عيد وتصعيد

يأتي عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي وسط تصعيد إسرائيلي لا يتوقف، أدى إلى وقوع مزيد من الضحايا الفلسطينيين الذين بلغ عددهم 900 منذ وقف إطلاق النار.

وعادت إسرائيل في الأيام الأخيرة لاستهداف مربعات سكنية؛ ما زاد من معاناة السكان وتشريد عائلات كانت قد وجدت بيوتها سليمة أو متضررة جزئياً واختارت العيش فيها على حياة النزوح في الخيام والتي باتت حالياً هي خيارهم الأخير بعدما دُمّرت مربعات سكنية بأكملها في سياسة إسرائيلية جديدة – قديمة تهدف للضغط على السكان.

أب يبكي بجوار جثمان ابنته داخل مستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

ويقول المواطن أدهم الهمص من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة والذي فقد منزله منذ يومين، إنه فوجئ بطلب الجيش الإسرائيلي إخلاء مربعهم السكني، قبل أن يتم قصف أحد المنازل المجاورة لبيته؛ ما أدى إلى تدمير 8 منازل على الأقل وأضرار جسيمة في منازل أخرى لم تعد صالحة للسكن؛ ما تسبب بتشريد مئات العوائل وإجبارها على النزوح والبحث عن خيام بديلاً لحياتهم التي كانت مستقرة مع وجود منازلهم آمنة قبل استهدافها.

وأضاف الهمص: عن أي عيد يتحدثون، وعن أي هدنة يقولون، نحن هنا ما زلنا في حالة الحرب، ولم نعد نشعر لا بأفراحنا وأعيادنا، ولا حتى بأحزاننا بفعل الهموم التي تلاحقنا بسبب الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحقنا كمدنيين لا ناقة ولا جمل لنا من هذه الحرب.