دراسة: البصمة الكربونية لحرب غزة تتجاوز ما تنتجه عدة دول من انبعاثات

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة... الجمعة (إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة... الجمعة (إ.ب.أ)
TT

دراسة: البصمة الكربونية لحرب غزة تتجاوز ما تنتجه عدة دول من انبعاثات

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة... الجمعة (إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

خلصت دراسة حديثة إلى أن البصمة الكربونية (إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن فرد أو منظمة أو حدث أو منتج) للأشهر الـ15 الأولى من حرب إسرائيل على غزة ستكون أكبر من انبعاثات الاحتباس الحراري السنوية لـ100 دولة كل منها على حدة، مما يُفاقم حالة الطوارئ المناخية العالمية، بالإضافة إلى الخسائر الفادحة بين المدنيين.

تصاعد الدخان جراء غارة جوية للجيش الإسرائيلي جنوب خان يونس بقطاع غزة (أ.ب)

وأضافت الدراسة التي نشرتها حصرياً صحيفة «غارديان» البريطانية أن التكلفة المناخية طويلة الأجل لتدمير غزة وتطهيرها وإعادة بنائها قد تتجاوز 31 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهذا الرقم يفوق إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة السنوية لعام 2023 التي انبعثت من كوستاريكا وإستونيا.

ولفتت الصحيفة إلى أنه لا يوجد أي التزام على الدول بالإبلاغ عن الانبعاثات العسكرية لهيئة المناخ التابعة للأمم المتحدة.

وأضافت أن القصف إسرائيل المتواصل وحصارها للقطاع ورفضها الامتثال لأحكام المحاكم الدولية أبرزت عدم تكافؤ القوة العسكرية بينها وبين حركة «حماس»، بالإضافة إلى الدعم العسكري والطاقة والدبلوماسي غير المشروط الذي تتمتع به إسرائيل من حلفائها، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وخلصت الدراسة إلى أن وقود مخابئ «حماس» وصواريخها تُنتج نحو 3000 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل 0.2 في المائة فقط من إجمالي انبعاثات الصراع المباشرة، بينما يُنتج 50 في المائة منها عن طريق استخدام الأسلحة والدبابات والذخائر الأخرى من قبل الجيش الإسرائيلي.

ولفتت إلى أن حرق الوقود الأحفوري يتسبب في فوضى مناخية، حيث تُجبر الظواهر الجوية المتطرفة المميتة والمدمرة بشكل متزايد أعداداً قياسية من الناس على الهجرة.

والدراسة، التي نشرتها شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية، جزء من حركة متنامية لتحميل الدول والشركات مسؤولية التكاليف المناخية والبيئية للحرب والاحتلال، بما في ذلك الأضرار طويلة المدى التي لحقت بالأرض ومصادر الغذاء والمياه، بالإضافة إلى عمليات التنظيف وإعادة الإعمار بعد الصراع.

وهذه الدراسة الثالثة والأكثر شمولاً التي أجراها فريق من الباحثين المقيمين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حول التكلفة المناخية للأشهر الـ15 الأولى من الصراع الذي قُتل فيه أكثر من 53 ألف فلسطيني، بالإضافة إلى الأضرار واسعة النطاق التي لحقت بالبنية التحتية والكارثة البيئية.

كما تقدم الدراسة أول لمحة، وإن كانت جزئية، عن التكلفة الكربونية للصراعات الإقليمية الأخرى التي خاضتها إسرائيل مؤخراً.

تصاعد الدخان في أعقاب غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبشكل عام، يقدِّر الباحثون أن التكلفة المناخية طويلة الأجل للتدمير العسكري الإسرائيلي في غزة - والضربات العسكرية الأخيرة مع اليمن وإيران ولبنان - تعادل شحن 2.6 مليار هاتف ذكي أو تشغيل 84 محطة طاقة تعمل بالغاز لمدة عام.

وقالت أستريد بوينتس، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحق الإنسان في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة: «تُثبت هذه الدراسة الحاجة المُلحَّة لوقف الفظائع المُتصاعدة، وضمان امتثال إسرائيل وجميع الدول للقانون الدولي، بما في ذلك قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية».

وأضافت: «سواء اتفقت الدول على وصفها بالإبادة الجماعية أم لا، فإن ما نواجهه يؤثر بشدة على جميع أشكال الحياة في غزة، ويهدد أيضاً حقوق الإنسان في المنطقة، وحتى في العالم، بسبب تفاقم تغير المناخ».

واستعرضت الصحيفة أبرز نتائج التي وجدتها الدراسة، مثل أن أكثر من 99 في المائة من نحو 1.89 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون المُقدّر تولدت بين هجوم «حماس»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ووقف إطلاق النار المؤقت في يناير (كانون الثاني) 2025، إلى القصف الجوي الإسرائيلي والغزو البري لغزة.

ويُعزى ما يقرب من 30 في المائة من غازات الاحتباس الحراري المُولّدة في تلك الفترة إلى إرسال الولايات المتحدة 50 ألف طن من الأسلحة والإمدادات العسكرية الأخرى إلى إسرائيل، معظمها على متن طائرات شحن وسفن من مخازن في أوروبا.

ويُعزى 20 في المائة أخرى إلى مهام الاستطلاع والقصف الجوي الإسرائيلي، والدبابات والوقود من المركبات العسكرية الأخرى، بالإضافة إلى ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تصنيع وتفجير القنابل والمدفعية،

وأكثر من 40 في المائة من إجمالي الانبعاثات ناتج عما يُقدر بـ70 ألف شاحنة مساعدات سمحت إسرائيل بدخولها إلى قطاع غزة، التي اعتبرتها الأمم المتحدة غير كافية بشكل صارخ لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية لـ2.2 مليون شخص.

لكن التكلفة المناخية الأكبر ستأتي من إعادة إعمار غزة؛ حيث ستُولّد تكلفة الكربون الناتجة عن نقل الأنقاض بالشاحنات، ثم إعادة بناء 436 ألف شقة، و700 مدرسة، ومسجد، وعيادة، ومكاتب حكومية، ومبانٍ أخرى، بالإضافة إلى 5 كيلومترات من طرق غزة، ما يُقدّر بـ29.4 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وهذا يُعادل إجمالي انبعاثات أفغانستان عام 2023.

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة غزة (إ.ب.أ)

وقالت زينة آغا، المحللة في الشبكة الفلسطينية لتحليل السياسات: «تُعدّ هذه الدراسة تذكيراً صادماً ومُقلقاً بالتكلفة البيئية والبيولوجية لحملة الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على الكوكب وشعبه المحاصَر».

وأضافت: «لكن هذه أيضاً حرب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وجميعها وفّرت موارد عسكرية لا حدود لها على ما يبدو لتمكين إسرائيل من تدمير أكثر الأماكن كثافة سكانية على وجه الأرض. وهذا يُبرز التأثير الإقليمي المُزعزع للاستقرار لدولة الاستيطان الإسرائيلية وعدم انفصالها عن المُجمّع العسكري الصناعي الغربي».

كما خلصت الدراسة إلى أن الحوثيين في اليمن أطلقوا ما يُقدّر بـ400 صاروخ على إسرائيل بين أكتوبر 2023 ويناير 2025، مما ولّد نحو 55 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

وقد ولّد ردّ الفعل الجوي الإسرائيلي ما يقرب من 50 ضعفاً من غازات الدفيئة المُسببة للاحتباس الحراري.

ووجدت دراسة سابقة أن انبعاثات الشحن ارتفعت بنسبة 63 في المائة تقريباً، بعد أن أغلق الحوثيون مرور السفن بالبحر الأحمر، مما أجبر سفن الشحن على اتخاذ مسارات أطول.

ووفقاً لتقديرات متحفظة، تجاوزت الانبعاثات الناجمة عن تبادل الصواريخ بين إسرائيل وإيران 5000 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، ساهم في ذلك أكثر من 80 في المائة من إسرائيل.

وفي لبنان، جاء أكثر من 90 في المائة من إجمالي 3747 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن ضربات الجيش الإسرائيلي، بينما ارتبط 8 في المائة فقط بصواريخ «حزب الله».

وتكاد تكلفة الكربون لإعادة بناء 3600 منزل مدمر في جنوب لبنان تعادل الانبعاثات السنوية من جزيرة سانت لوسيا.

وقال فريدريك أوتو لربي، المؤلف المشارك للدراسة زميل في مركز لانكستر للبيئة: «يُظهر هذا الصراع في غزة أن الأرقام كبيرة، وتفوق إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العديد من البلدان، ويجب إدراجها لتحديد أهداف دقيقة لتغير المناخ والتخفيف من آثاره».

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية قرب خيام للنازحين في مدينة غزة (إ.ب.أ)

وقال بن نيمارك، المحاضر الأول في جامعة كوين ماري بلندن المؤلّف المشارك في الدراسة: «على الجيوش أن تُدرك أن أمنها القومي وقدراتها معرضة للخطر بسبب تغيُّر المناخ الذي صنعته بنفسها».

وقد وجدت أبحاث سابقة أن الانبعاثات العسكرية ترتفع مع الإنفاق؛ حيث ارتفعت الميزانية العسكرية الإسرائيلية في عام 2024 إلى 46.5 مليار دولار أميركي، وهي أكبر زيادة في العالم، وفقاً لـ«معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

واستناداً إلى إحدى الدراسات، ارتفعت الانبعاثات العسكرية الأساسية لإسرائيل، العام الماضي، باستثناء تكاليف الصراع المباشر وإعادة الإعمار المرتبطة بالمناخ إلى 6.5 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وهذا يفوق إجمالي البصمة الكربونية لإريتريا، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 3.5 مليون نسمة.

ومع ذلك، ووفقاً لقواعد الأمم المتحدة الحالية، فإن الإبلاغ عن بيانات الانبعاثات العسكرية طوعي، ويقتصر على استخدام الوقود، على الرغم من أن التكلفة المناخية لتدمير غزة سيشعر بها جميع أنحاء العالم.

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية شرق جباليا في شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولم يُبلغ الجيش الإسرائيلي، مثله مثل معظم الجيوش في جميع أنحاء العالم، بأرقام الانبعاثات للأمم المتحدة قط.

وقالت هديل إخميس، رئيسة مكتب تغيُّر المناخ في سلطة جودة البيئة الفلسطينية: «الحروب لا تقتل البشر فحسب، بل تُطلق أيضاً مواد كيميائية سامة، وتدمر البنية التحتية، وتلوث التربة والهواء والموارد المائية، وتُسرّع الكوارث المناخية والبيئية. كما تُدمر الحرب التكيف مع المناخ وتُعيق الإدارة البيئية وتجاهل انبعاثات الكربون يُمثل ثغرة في المساءلة تُتيح للحكومات التهرب من جرائمها البيئية».


مقالات ذات صلة

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».


إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».