السلاح الفلسطيني في لبنان... مِن «اتفاق القاهرة» إلى سقوط الأسد

محمود عبّاس وافق على تسليمه... فمَن يلتزم؟

مدخل مخيم برج البراجنة... وتظهر صورة عملاقة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (رويترز)
مدخل مخيم برج البراجنة... وتظهر صورة عملاقة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (رويترز)
TT

السلاح الفلسطيني في لبنان... مِن «اتفاق القاهرة» إلى سقوط الأسد

مدخل مخيم برج البراجنة... وتظهر صورة عملاقة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (رويترز)
مدخل مخيم برج البراجنة... وتظهر صورة عملاقة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (رويترز)

يتجدد الجدل في لبنان حول ملف السلاح الفلسطيني، ليس فقط باعتباره مسألة أمنية، بل كمأزق مركّب يمسّ السيادة الوطنية، ويعكس التشابك بين حق العودة وتراكمات اللجوء، وبين التنظيمات المسلحة والدولة الغائبة؛ فقد تحولت المخيمات إلى جيوب شبه مستقلة، تسرح فيها الفصائل بسلاحها، في حين تراقب الدولة من بعيد، وتنظر لمعالجة المشكلة بالسياسة والدبلوماسية، وكانت آخرها «محكومة بهواجس الحروب الأهلية ومحاذير الانفجار».

من «اتفاق القاهرة» إلى واقع خارج السيطرة

مشكلة السلاح الفلسطيني لم تبدأ فصولها مع تدفق اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان عام 1948، وإن كان المنعطف الحاسم جاء عام 1969 حين وقّعت «منظمة التحرير» الفلسطينية «اتفاق القاهرة» مع الدولة اللبنانية بوساطة مصرية. منح الاتفاق الفصائل حرية التحرك العسكري جنوباً، وصلاحيات أمنية داخل المخيمات؛ فأسّس عملياً لـ«دولة داخل الدولة»، بحسب ما يقول معارضو الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.

وعلى الرغم من أن البرلمان اللبناني ألغى الاتفاق عام 1987، فلم يتغير الواقع كثيراً. فقد ظلّت المخيمات خارج سلطة الدولة، وبقي الجيش اللبناني ممنوعاً من دخولها؛ ما كرّس وضعاً قانونياً شاذاً لا يزال قائماً حتى اليوم.

صراع وتوازنات

لم يبقَ السلاح الفلسطيني بمنأى عن الساحة اللبنانية، بل شارك بفاعلية كبيرة في الحرب الأهلية، وكان هدفاً مباشراً للهجمات الإسرائيلية، خصوصاً في اجتياحَي 1978 و1982. وفي 2007، خاض الجيش اللبناني معركة دامية ضد تنظيم «فتح الإسلام» داخل مخيم نهر البارد، انتهت بانتصار عسكري مكلف للجيش اللبناني. وما بين هذا وذاك، استُخدم السلاح الفلسطيني في معارك متفرقة في محيط المخيمات وداخلها.

مخيم نهر البارد... الندبة الأمنية المفتوحة

على الساحل الشمالي للبنان، بالقرب من مدينة طرابلس، يقبع مخيم نهر البارد كجرح لم يندمل في الذاكرة الأمنية اللبنانية، بعدما شهد واحدة من أعنف المعارك التي خاضها الجيش اللبناني منذ نهاية الحرب الأهلية. ففي مايو (أيار) 2007، دخل الجيش في مواجهة مفتوحة مع تنظيم «فتح الإسلام» الذي انشق عن تنظيم «فتح الانتفاضة» وتحصّن داخل المخيم، مدعياً الانتماء للسلفية الجهادية. وعمل التنظيم وتسلّح بدعم ورعاية من النظام السوري السابق. وكان التنظيم بدأ «نشاطه» بارتكاب مقتلة بحق جنود لبنانيين نائمين في ثكنتهم عند تخوم المخيم.

المعركة التي استمرت أكثر من 100 يوم أسفرت عن تدمير شبه كامل للمخيم، ومقتل أكثر من 170 جندياً لبنانياً، إضافة إلى مئات القتلى من المقاتلين المتشددين والمدنيين.

وعلى الرغم من أن الدولة تعهدت بإعادة إعمار المخيم، فإن إعادة البناء تحوّلت إلى مشروع بطيء ومثقل بالبيروقراطية والتجاذبات السياسية. وحتى عام 2025، يعيش أكثر من ألفَي عائلة في مساكن مؤقتة قرب المخيم الذي سُوّي بالأرض، في حين يشكو السكان من غياب الخدمات، وضعف البنية التحتية، وانعدام الأمن الاجتماعي.

مواقع خارجة عن القانون

يتوزع الوجود المسلح الفلسطيني على 12 مخيماً رئيسياً، معظمها خارج سيطرة الدولة اللبنانية. تتصدّر المشهد فصائل مثل «فتح»، و«حماس»، و«الجهاد الإسلامي»، و«الجبهة الشعبية». أما خارج المخيمات، فتنشط فصائل تاريخية مدعومة من النظام السوري، أبرزها «القيادة العامة» و«الصاعقة» التي فقدت معظم مواقعها بعد سقوط نظام بشار الأسد، أو تقلص نفوذها، مطلع 2025، وذلك بتحرك من الجيش اللبناني الذي فكك جميع القواعد العسكرية خارج المخيمات.

عين الحلوة... مختبر دائم للفوضى

في جنوب صيدا، تتشابك الأزقة الضيقة والأبنية المتأكّلة في مخيم عين الحلوة لتكوّن خريطة بشرية وأمنية يصعب فكها. المخيم الذي يؤوي أكثر من 80 ألف نسمة ليس مجرد تجمع للاجئين، بل مسرح دائم للاشتباك بين الواقع واللادولة، وبين الفصائل الفلسطينية والجماعات المتشددة، وبين السلاح والناس.

هنا، في المخيم، تذوب السيادة اللبنانية عند مداخل المخيم، لتبدأ سلطة الفصائل وأمزجة المجموعات المسلحة، في ظل «اتفاق غير مكتوب» يمنع الجيش اللبناني من الدخول، ويمنح الفصائل إدارة أمنية داخلية مشوبة بالفوضى.

وأبرز الفصائل الإسلامية في المخيم: «عصبة الأنصار» التي تأسست في التسعينات، وهي جماعة متشددة كانت نشطة جداً حتى عام 2010، ولها وجود قوي في مخيم عين الحلوة. أما «جند الشام»، فهي جماعة إسلامية متشددة، تأسست في عام 1991، وتعارض حركة «فتح»؛ إذ خاضت معها معركة في عام 2006.

صورة عملاقة للمتحدث باسم «حماس» أبو عبيدة في مخيم برج البراجنة (أ.ف.ب)

ولطالما كان مخيم عين الحلوة مسرحاً للاشتباكات بين الفصائل الفلسطينية المتناحرة. وفي حين أن بعض المخيمات الفلسطينية غير مسلحة، فإن عين الحلوة يعتبر ملاذاً للعديد من الفصائل الفلسطينية المسلحة التي تتغير تحالفاتها أحياناً، وتتناقض مصالحها.

وخلال صيف 2023، انفجرت سلسلة من المعارك الدامية داخل المخيم، كانت أبرزها تلك التي اندلعت في يوليو (تموز) 2023 بين «فتح» ومجموعات إسلامية متطرفة محسوبة على «جند الشام» و«أنصار الله». امتدت الاشتباكات لأيام، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم قياديون بارزون، وتسببت في نزوح آلاف المدنيين. كانت تلك المواجهات الأشد منذ معارك 2017، لكنها لم تكن الأخيرة.

ويصف أحد سكان المخيم ما يحدث في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأنه «حرب صغيرة تتكرر كل عام»؛ إذ «تتداخل الحسابات السياسية بالفصائلية، وتتحول الخلافات إلى اقتتال شوارع». ويضيف: «ما إن تُقتل شخصية حتى تبدأ معركة جديدة، وتُرسم خطوط تماس جديدة». ويشير الرجل الخمسيني إلى أن «المخيم صار سجناً بلا جدران».

ورغم محاولات التهدئة التي قادها مسؤولون من «فتح» و«حماس» وممثلون عن السفارة الفلسطينية في بيروت، فإن جذور الأزمة أعمق من اتفاقات هدنة هشّة.

ووفقاً لمصادر لبنانية، فإن عين الحلوة يضم خلايا نائمة وأسلحة ثقيلة تتجاوز إمكانات الأمن الفلسطيني المشترك. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن بعض المجموعات تملك راجمات، وأخرى تدير اقتصاداً خفياً قائماً على التهريب والجباية. ويؤكد أحد تلك المصادر أن المخيم «تحول إلى نقطة جذب لكل الهاربين من العدالة في لبنان وفلسطين وسوريا»، مضيفاً: «إنه قنبلة مؤجلة لا أحد يريد تفجيرها... لكن لا أحد يستطيع تفكيكها أيضاً».

ثنائية السلاح والفصائل

شهد شهر ديسمبر (كانون الأول) 2024 تطوراً ميدانياً لافتاً حين تمكن الجيش اللبناني من دخول مواقع لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» في شرق لبنان، وصادر مخازن سلاح ضخمة ضمن اتفاق مع السلطات اللبنانية. كما صادر الجيش صواريخ وأعتدة في شمال لبنان.

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، انتُخب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيساً للجمهورية، معلناً أن «احتكار الدولة للسلاح» هدفٌ غير قابل للتفاوض.

ويؤكد مدير مركز «تطوير» للدراسات، هشام دبسي، أن السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى ثلاث فئات، هي: «سلاح (منظمة التحرير)، وهو الأكثر انضباطاً، ويعمل ضمن جهاز الأمن الوطني الفلسطيني بتنسيق مع الدولة»، و«السلاح المرتبط سابقاً بالنظام السوري، والذي فقد قاعدته الشعبية وسلّم مواقعه بهدوء»، إضافة إلى «السلاح الإسلامي والمتطرف، وهو الأخطر، ويتوزع بين (حماس)، و(الجهاد)، وكيانات مثل (فتح الإسلام)، و(جند الشام)، و(أنصار الله)».

ويشدد دبسي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «(منظمة التحرير) مستعدة للتجاوب مع أي خطة لبنانية جدية لضبط السلاح»، ويضيف: «بمجرد أن تعلن الحكومة اللبنانية خطة واضحة، سيلتزم بها الرئيس محمود عباس وكل المؤسسات الفلسطينية».

ويصف دبسي الفصائل المرتبطة بالنظام السوري، مثل «القيادة العامة» و«فتح الانتفاضة»، بأنها «أيتام النظام السوري». ويشير إلى أن هذه المجموعات فقدت نفوذها بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتسعى الآن إلى التكيّف أو العودة إلى المظلة الفلسطينية الرسمية، في ظل غياب أي امتداد شعبي فعلي لها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتباحث مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القصر الجمهوري في بيروت (إ.ب.أ)

من الأنفاق إلى التطرف

يوضح العميد المتقاعد منير شحادة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الفصائل التي كانت تتمركز على الحدود الشرقية وفي الدامور، قامت بتسليم مواقعها بعد تحذيرات من النظام السوري الجديد. ويشير إلى وجود أنفاق حدودية استُخدمت في التهريب؛ ما شكّل تهديداً مضاعفاً استوجب التنسيق مع الجيش اللبناني لنزع هذا السلاح. لكن الخطر الأكبر برأيه «يكمن داخل المخيمات، حيث تنتشر جماعات متشددة خارجة عن سيطرة السلطة الفلسطينية». ويضيف: «حتى لو أصدر محمود عباس أمراً بنزع السلاح، فإن التنفيذ على الأرض مستحيل دون توافقات أمنية دقيقة».

ويؤكّد شحادة أن الجيش اللبناني لا يدخل عمق المخيمات، ليس من باب التقصير، بل لحماية الاستقرار الداخلي. ويضيف: «أي تدخل مباشر للجيش قد يفجّر الوضع؛ لذا تبقى المسؤولية الأمنية داخل المخيمات في يد الفصائل نفسها». ويقترح شحادة «حلاً يقوم على مفاوضات مباشرة بين الدولة اللبنانية، والسلطة الفلسطينية، وقيادات الفصائل، بهدف الوصول إلى صيغة تُخرج السلاح تدريجياً دون تصعيد».

شروط التوافق

وعلى الرغم من تصريحات الطرفين اللبناني والفلسطيني خلال زيارة الرئيس محمود عباس إلى بيروت ولقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون بضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ونزعه من المخيمات، فإن المسألة لم تتحول إلى قرار ناجز بعد. وتتعدد العوائق بين ذاكرة دموية (صبرا وشاتيلا، ونهر البارد)، وانقسام فلسطيني داخلي، ووجود نموذج لبناني مسلح هو «حزب الله»... تجعل من أي نقاش حول نزع السلاح الفلسطيني بوابةً محتملة لنقاش أشمل ومحرج.

وتشير المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الشرط الأساسي لأي تقدم «هو رسم خريطة طريق لبنانية واضحة»، في حين يقول دبسي إن «الكرة في ملعب الدولة اللبنانية»، مشيراً إلى أن «التحدي لم يعد فقط في إزالة السلاح، بل في إعادة الاعتبار لسلطة الدولة، وفي حماية المخيمات من التحول إلى منصات للفوضى، أو واجهات لصراعات إقليمية لا تنتهي».


مقالات ذات صلة

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

المشرق العربي خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

دخلت المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» الأربعاء، مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع تكثيف غير مسبوق للغارات الجوية التي تواكب توغلاً برياً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

تقول مصادر «الثنائي الشيعي» إن لديه مجموعة خيارات بشأن قرار طرد السفير الإيراني، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الرئيس بري أوكل مهمة إيجاد الحل لرئيس الجمهورية».

بولا أسطيح (بيروت)
بروفايل السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني (إعلام إيراني)

بروفايل محمد رضا شيباني... دبلوماسي بأدوار استخبارية

لم تمضِ أسابيع على عودة الدبلوماسي الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني إلى بيروت سفيراً لبلاده، حتى تحوّل اسمه إلى عنوان أزمة دبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا مصر ترسل مساعدات إغاثية عاجلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني (مجلس الوزراء المصري)

مساعدات مصرية إلى لبنان لتخفيف أزمة «النزوح الداخلي»

قامت مصر الاثنين بإرسال مساعدات إغاثية عاجلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.


العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

وذكرت الحكومة العراقية، في بيان صحافي، الخميس، أن السوداني والملك عبد الله أكدا، خلال اتصال هاتفي، أهمية السعي الحثيث لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق المشترك بين جميع الدول المعنية من أجل الحد من تداعياتها على الوضع الإقليمي والدولي.

كما حذّر الجانبان من الآثار المترتبة على الحرب التي انعكست على الجانب الاقتصادي وتأكيد بذل الجهود المطلوبة التي تضمن حرية الملاحة وفقاً للقوانين الدولية.