إسرائيل تطلق النار تجاه وفد دبلوماسي في جنين... وتثير غضباً دولياً

TT

إسرائيل تطلق النار تجاه وفد دبلوماسي في جنين... وتثير غضباً دولياً

وفد دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي يسيرون بالقرب من المدخل الشرقي لمخيم جنين خلال زيارة لمدينة جنين 21 مايو 2025 (أ.ف.ب)
وفد دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي يسيرون بالقرب من المدخل الشرقي لمخيم جنين خلال زيارة لمدينة جنين 21 مايو 2025 (أ.ف.ب)

أطلقت القوات الإسرائيلية، الأربعاء، الرصاص الحي تجاه وفد دبلوماسي ضم سفراء وقناصل دول عربية وأجنبية، عند مدخل مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين، في حادثة أدانتها السلطة الفلسطينية ودولة عربية وأوروبية عدة، فيما فتح الجيش فيها تحقيقاً بعد أن زعم أن إطلاق النار كان بسبب انحراف الوفد عن مساره. ولم تسفر الواقعة عن إصابات.

كان الوفد الدبلوماسي قد وصل إلى مدنية جنين، والتقى مسؤولين في السلطة الفلسطينية، ثم ذهب لتفقد الأوضاع في مخيم جنين الذي تحتله إسرائيل بالكامل منذ أكثر من 4 أشهر ودمرت معظم مبانيه، فباغته الجنود بإطلاق النار.

وأظهرت لقطات مصوَّرة أعضاء الوفد وهم يهرعون لمغادرة المكان مع بدء إطلاق النار الذي بدا مباشراً، لكنه لم يخلّف إصابات.

أعضاء وفد دبلوماسي يسارعون بالابتعاد عن المدخل الشرقي لمخيم جنين عقب إطلاق النار خلال زيارة تفقدية للمدينة (أ.ف.ب)

وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية استهداف الوفد، مؤكدةً أن «هذا الفعل العدواني يُعد خرقاً فجَّاً وخطيراً لأحكام القانون الدولي، ولأبسط قواعد العلاقات الدبلوماسية المنصوص عليها في اتفاقية فيينا لعام 1961، التي تضمن الحماية والحصانة للبعثات والوفود الدبلوماسية، وتصعيداً خطيراً في سلوك الاحتلال، ويعبّر عن استهتار ممنهج بالقانون الدولي وبسيادة دولة فلسطين وحرمة ممثلي الدول على أراضيها».

وحمَّلت الخارجية الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذا الاعتداء الذي وصفته بـ«الجبان»، مؤكدةً أنه لن يمر دون محاسبة.

كما دعت «الخارجية» المجتمع الدولي، خصوصاً الدول التي ينتمي إليها أعضاء الوفد المستهدف، إلى اتخاذ «مواقف واضحة وإجراءات رادعة بحق سلطات الاحتلال، ووضع حد لتماديها في ارتكاب الجرائم، بما في ذلك الاعتداء على الممثلين الدبلوماسيين المعتمدين».

وجددت «الخارجية» مطالبتها بـ«توفير الحماية الدولية العاجلة لشعبنا، وللدبلوماسيين العاملين في دولة فلسطين».

أعضاء وفد دبلوماسي متجمعون قرب المدخل الشرقي لمخيم جنين خلال زيارة للمدينة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وضم الوفد سفراء مصر، والأردن، والمغرب، والاتحاد الأوروبي، والبرتغال، والصين، والنمسا، والبرازيل، وبلغاريا، وتركيا، وإسبانيا، وليتوانيا، وبولندا، وروسيا، وتركيا، واليابان، ورومانيا، والمكسيك وسريلانكا، وكندا، والهند، وتشيلي، وفرنسا، وبريطانيا، وعدد من ممثلي دول أخرى؛ وهو الوفد نفسه الذي زار طولكرم، الثلاثاء، لتفقد أحوال المدينة ومخيماتها.

التبرير الإسرائيلي

وبعد أن تصدرت الواقعة عناوين الأخبار داخل إسرائيل وخارجها، قال مصدر أمني لإذاعة الجيش الإسرائيلي إن الوفد الدبلوماسي تجاوز المسار المُتفق عليه مسبقاً، فأطلق جنديان النار للتحذير والإبعاد.

وأكد بيان للجيش الرواية، وقال ناطق باسم الجيش: «دخول بعثة دبلوماسية إلى جنين تم بشكل منسق. وفي إطار تنسيق الدخول، تم تخطيط مسار مُعتمد لأفراد البعثة يجب عليهم الالتزام به، نظراً لوجودهم في منطقة قتال نشطة».

وأضاف: «البعثة انحرفت عن المسار، ووصلت إلى منطقة يُمنع عليها الوجود فيها. الجنود الموجودون في المنطقة، الذين لم يعلموا بوجود بعثة دبلوماسية هناك، أطلقوا النار في الهواء وليس باتجاه البعثة، بهدف إبعاد المشتبه بهم عن المنطقة. لم تقع أضرار أو إصابات».

وتابع: «وفي نهاية الحدث، وبعد أن تبيَّن أن الحديث يدور عن بعثة دبلوماسية، أجرى قائد فرقة الضفة، العميد يكي دولف، تحقيقاً فورياً في الحادثة. بالإضافة إلى ذلك، أجرى قائد الإدارة المدنية، العميد هشام إبراهيم، محادثات مع ممثلي الدول وأطلعهم على نتائج التحقيق الأوَّلي الذي أُجري في هذا الشأن».

وفد دبلوماسي يسير بجوار بوابة المدخل الشرقي لمخيم جنين خلال زيارة تفقدية للمدينة الأربعاء (أ.ف.ب)

تنديد عربي ودولي واسع

ونددت مصر بإطلاق الجيش الإسرائيلي النار على الوفد الدبلوماسي الذي كان يضم كذلك السفير المصري في رام الله، وشددت على رفضها المطلق للواقعة التي عدّتها «منافية لكل الأعراف الدبلوماسية»، وطالبت الجانب الإسرائيلي بتقديم التوضيحات اللازمة حول ملابسات ما حصل.

كما أدان الأردن إطلاق قوات إسرائيلية النار باتجاه الوفد الدبلوماسي - ومن بينهم السفير الأردني في رام الله - في جنين بالضفة الغربية، اليوم الأربعاء، ووصف الواقعة بأنها «جريمة تخالف جميع الأعراف الدولية». وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأردنية سفيان القضاة إن المملكة تؤكد «رفضها المطلق وإدانتها الشديدة لهذا الاستهداف الذي يعد انتهاكاً للاتفاقيات والأعراف الدبلوماسية»، داعياً المتحدث المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل وقف عدوانها على غزة بشكل فوري وتصعيدها الخطير في الضفة الغربية المحتلة».

من جهتها، عدّت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الأربعاء، أن أي تهديد لحياة الدبلوماسيين هو «غير مقبول». وأضافت كالاس للصحافيين في بروكسل: «ندعو إسرائيل إلى التحقيق في هذه الحادثة ونطلب محاسبة المسؤولين عنها».

استدعاء السفير الإسرائيلي

من جانبها، استدعت إسبانيا القائم بالأعمال الإسرائيلي بعد إطلاق النار تجاه الدبلوماسيين. ندّدت وزارة الخارجية الإسبانية «بشدّة» بإطلاق الجيش الإسرائيلي الطلقات التحذيرية باتّجاه الدبلوماسيين. وجاء في بيان مقتضب نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الوزارة تحقّق في كلّ ما جرى. كان إسباني ضمن مجموعة الدبلوماسيين وهو بخير. ونحن نتواصل مع بلدان أخرى معنيّة بالمسألة لتقديم ردّ مشترك على ما حصل، وهو أمر نندّد به بشدّة».

وفي وقت لاحق، أعلن وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو على «إكس» أنه سيستدعي السفير الإسرائيلي بعد تعرض دبلوماسيين بينهم فرنسيون لإطلاق نار في جنين.

كما أعلنت وزارة الخارجية الإيطالية استدعاء السفير الإسرائيلي في روما عقب إطلاق قوات الدولة العبرية الأعيرة التحذيرية. وأفاد وزير الخارجية الإيطالي، أنتونيو تاياني، على منصة «إكس» بأنه أصدر تعليماته «باستدعاء السفير الإسرائيلي في روما للحصول على توضيحات رسمية بشأن ما حدث في جنين».

وعدّ تاياني الطلقات التحذيرية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي باتّجاه دبلوماسيين في الضفة الغربية تهديدات «غير مقبولة». وكتب على «إكس»: «نطلب من الحكومة الإسرائيلية توضيحات فورية لما حصل. والتهديدات في حقّ الدبلوماسيين غير مقبولة».

واستنكرت وزارة الخارجية الألمانية ما وصفته بإطلاق الجيش الإسرائيلي النار «دون مبرر» على الوفد الدبلوماسي قرب جنين. وقالت الوزارة في بيان إن الوفد ضم دبلوماسياً ألمانياً وسائقاً من مكتب التمثيل في رام الله. وأضاف البيان أن الوفد مسجل رسمياً ويجري أنشطة دبلوماسية بالتنسيق مع كل من السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي. وجاء في البيان «يجب على الحكومة الإسرائيلية توضيح ملابسات الحادث فوراً واحترام حرمة الدبلوماسيين».

وأدان وزير الخارجية الآيرلندي سايمون هاريس «بأشد العبارات» الأربعاء الطلقات التحذيرية التي أطلقها جنود إسرائيليون في اتجاه الدبلوماسيين في الضفة الغربية وبينهم آيرلنديان. وقال هاريس: «أشعر بالصدمة إزاء التقارير التي تفيد بأن الجيش الإسرائيلي أطلق النار اليوم (الأربعاء) بالقرب من مجموعة من الدبلوماسيين الذين كانوا يزورون جنين، بينهم دبلوماسيان آيرلنديان مقرهما في رام الله... هذا أمر غير مقبول على الإطلاق وأدينه بأشد العبارات».

كذلك، استنكرت وزارة الخارجية التركية كذلك «بأشد العبارات» إطلاق النار على الدبلوماسيين الذين من بينهم أتراك، مضيفة أن أنقرة تدعو إلى تحقيق فوري ومحاسبة المسؤولين.

وقالت الوزارة في بيان: «هذا الهجوم، الذي عرّض حياة الدبلوماسيين للخطر، دليل آخر على تجاهل إسرائيل الممنهج للقانون الدولي وحقوق الإنسان»، مضيفة أن دبلوماسياً من قنصليتها في القدس كان من بين المجموعة. وتابعت: «يُشكل استهداف الدبلوماسيين تهديداً خطيراً ليس فقط لسلامة الأفراد، وإنما للاحترام والثقة المتبادلين اللذين يشكلان أساس العلاقات بين الدول».

كما أعلنت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند أنها طلبت استدعاء السفير الإسرائيلي لإبلاغه بقلق كندا البالغ في أعقاب إطلاق قوات إسرائيلية النار باتجاه وفد دبلوماسي ضم مسؤولين من دول عربية وأوروبية في الضفة الغربية اليوم الأربعاء.
وأضافت أناند «تحدثت في وقت سابق اليوم مع رئيس البعثة الكندية في رام الله، وأستطيع أن أؤكد أن أربعة من أفراد طاقمنا كانوا ضمن الوفد الموجود في الضفة الغربية عندما أطلق الجيش الإسرائيلي النار في محيطهم. نشعر بالارتياح لسلامة فريقنا».
كما استدعت الأوروغواي سفيرة إسرائيل احتجاجا على طلقات تحذيرية خلال زيارة دبلوماسيين للضفة.

بدورها، نددت الأمم المتحدة اليوم بإطلاق النار الإسرائيلي خلال زيارة كان يقوم بها دبلوماسيون أجانب وعرب لجنين في الضفة الغربية المحتلة، مطالبة السلطات الإسرائيلية بإجراء «تحقيق دقيق».

وقال المتحدث باسم الأمين العام للمنظمة الأممية ستيفان دوجاريك إن «هؤلاء الدبلوماسيين، بمن فيهم طاقم من الأمم المتحدة، تعرضوا لإطلاق نار، سواء كانت عيارات نارية تحذيرية أو سوى ذلك، وهو أمر غير مقبول».

وواصلت إسرائيل، مساء الثلاثاء، وفجر الأربعاء، هجومها العسكري الجديد على قطاع غزة، رغم ازدياد الانتقادات الدولية، حيث شنّت غارات جوية أسفرت، وفقاً لمسؤولي الصحة، عن مقتل ما لا يقل عن 85 فلسطينياً.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يجلس فاضل الناجي البالغ 14 عاماً الذي فقد ساقيه بجانب شقيقه أمير صاحب الـ11 عاماً الذي فقد إحدى عينيه بعد إصابتهما خلال غارة إسرائيلية في منزلهما بمدينة غزة (رويترز)

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

كان الطفل الفلسطيني فضل الناجي، البالغ من العمر 14 عاماً، يعشق لعب كرة القدم، لكنه الآن بات حبيس منزله في مدينة غزة معظم الأوقات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».


ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن وضع هذا الممر الملاحي الدولي.

وفي موقف لافت في «يوم عظيم ومشرق للعالم»، أكد الرئيس ترمب أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة» و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً» لأن «الكيل قد طفح». ووعد «بجعل لبنان عظيماً مرة أخرى»

وشهدت أزمة المضيق انفراجة لافتة بعدما نشر عراقجي في حسابه على منصة «إكس» أنه «تمشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان، أُعلن فتح ممر جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز بالكامل خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، عبر الطريق المنسق كما أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والشؤون البحرية» الإيرانية.

وعلى الفور، أطلق الرئيس ترمب سيلاً من المنشورات عبر منصته «تروث سوشيال». وقال في أحد هذه المنشورات: «أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الكامل». وأتبعه بآخر قال فيه إن «مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للأعمال والمرور الكامل، لكن الحصار البحري سيظل سارياً ونافذاً فيما يتعلق بإيران فقط، إلى حين إتمام معاملاتنا معها بنسبة 100 في المائة».

وتوقع أن «تتم هذه العملية بسرعة كبيرة نظراً لأن معظم النقاط جرى التفاوض عليها بالفعل». وقال أيضاً إن «إيران، بمساعدة الولايات المتحدة، أزالت، أو هي بصدد إزالة، جميع الألغام البحرية!».

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (رويترز)

لبنان وهرمز

وكذلك أفاد في منشور منفصل: «ستحصل الولايات المتحدة على كل (الغبار) النووي الناتج عن قاذفاتنا (بي 2) العظيمة، ولن يجري تبادل أي أموال بأي شكل من الأشكال». وأضاف أن «هذه الصفقة غير مرتبطة بلبنان بأي حال من الأحوال، لكن الولايات المتحدة ستعمل بشكل منفصل مع لبنان، وستتعامل مع وضع (حزب الله) بالطريقة المناسبة». وأكد أن «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. الولايات المتحدة تمنعها من ذلك. طفح الكيل!».

وكرر في منشور منفصل أنه «مرة أخرى! هذا الاتفاق (على فتح هرمز) لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بلبنان، لكننا سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى!».

وأطلق الرئيس ترمب العنان لتغريدات أخرى حمل فيها على شركاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لأنهم «كانوا عديمي الفائدة عند الحاجة، مجرد نمر من ورق!». وفي المقابل، شكر للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر «شجاعتكم ومساعدتكم العظيمة!». وكذلك شكر لـ«باكستان ورئيس وزرائها العظيم (شهباز شريف) وقائدها العسكري (عاصم منير)، إنهما شخصان رائعان!».

دور فانس لبنانياً

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بعد مكالمتين هاتفيتين منفصلتين مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعياً إياهما إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات سلام مباشرة. ووجه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين للعمل على التوصل إلى تسوية دائمة.

واضطلع فانس بدور بعيد عن الأضواء، إذ إنه «ضغط على الإسرائيليين لأيام، لتوخي المزيد من الحذر في لبنان»، مضيفاً أن «إنهاء القتال هناك من شأنه أن يهدئ التوترات الإقليمية الأوسع»، طبقاً لما أوردته شبكة «سي إن إن».

تزايد هذا الزخم بعدما عقد روبيو اجتماعاً ثلاثياً مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في أول تواصل مباشر من نوعه بين البلدين منذ عقود. وقال مسؤول في البيت الأبيض: «أقرّ لبنان بأن (حزب الله) يمثل مشكلة مشتركة» خلال ذلك الاجتماع.

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (إ.ب.أ)

مشرعون

وبدا رد فعل الكونغرس على وقف إطلاق النار في لبنان خافتاً أمام تركيز النقاش حول مسار الولايات المتحدة وإيران.

وعبَّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن تحفظه على وقف إطلاق النار، واصفاً إياه بأنه قد يكون «اتفاق سلام زائف» أو قد «يمنح (حزب الله) شريان حياة»، مشدداً على أنه لن يدعم أي اتفاق بشأن لبنان لا يؤدي إلى نزع سلاح «حزب الله» وحلّه بوصفه منظمة مصنفة إرهابية داخل الولايات المتحدة، ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة.

وفي المقابل، انتقد عدد من النواب الديمقراطيين، وبينهم النائب جيم ماكغفرن، الضربات الإسرائيلية المستمرة في لبنان، محذرين من أنها قد تُقوض وقف إطلاق النار مع إيران وتشعل حرباً أوسع، وطالبوا ترمب بالضغط على نتنياهو لوقف القصف. ودعا النائب دون باير إلى وقف فعال لإطلاق النار في لبنان لتجنب الفوضى، مؤكداً أن «القصف ليس سبيلاً للسلام».


حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
TT

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص. والأكثر نشاطاً بينهم، هم أولئك الذين يقفون في المعسكر المعارض لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ فهؤلاء يلعبون على وتر مشاعر الناس، الذين ظلوا يتعرضون للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، حتى آخر لحظة؛ فالجمهور الإسرائيلي بغالبية مقتنع بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك على «حزب الله» قد فشلت. ويريدون أن يدفع نتنياهو الثمن، فوراً.

عائدون إلى كريات شمونة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مع لبنان (أ.ف.ب)

لهذا، فإن معظم ما يقال في تلخيص الحرب يتحدث عن فشل أميركي إسرائيلي. وفي صحيفة «معاريف»، كتب المحرر العسكري، آفي أشكنازي، الجمعة، أن الحرب التي سميت «زئير الأسد»، تنتهي بقدر أكبر كـ «مواء القط». وراح بعيداً أكثر، وكتب: «يمكن القول إن المنتصرة الكبرى هنا هي واحدة: إيران». ويقول أشكنازي: «إن إحباط قادة وجنود الجيش من المستوى السياسي عظيم. سيكون من الخطأ التوقف هنا. توجد فرصة لتنفيذ المهمة، ولإزالة التهديد عن بلدات الشمال».

إسرائيليون يتلون صلوات يهودية وسط الشارع في مدينة كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

ويقتبس الكاتب رأي ضابط شاب، يقول: «إذا ما خرجنا من هنا الآن فستكون مسألة أشهر، ربما سنة، إلى أن يتطلب منا الأمر مرة أخرى القيام بمعركة لنعود إلى القتال».

إسرائيلية تضع علم بلادها على سيارة في أثناء العودة إلى كريات شمونة في الشمال قرب الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

ويتحدث عاموس هرئيل، محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»، عن الموضوع بنفس الروح، لكن من الزاوية اللبنانية فيقول: «انتهت تلك الحرب، كما نعرف، بتعادل مخيب للآمال ومن دون خطابات انتصار، ولكن الأفكار السيئة لا تندثر دائماً في غياهب النسيان، بل تنتظر الحرب المقبلة». واقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» الاحتفال بانتصار إسرائيل على «حزب الله» (الذي لم يتحقق بعد) بخطاب يلقيه رئيس الأركان إيال زمير في بنت جبيل. وهو يعتقد أن هذا سيمثل إغلاق دائرة دراماتيكية، التي ستشير إلى بداية عهد جديد.