عاصمة شمال لبنان تخرج من الانتخابات المحلية بلا أكثرية مطلقة

غياب النساء والتمثيل المسيحي عن مجلس بلدية طرابلس

عند وصول صناديق الاقتراع إلى قصر العدل في طرابلس، تمهيداً لبدء عمليات الفرز الرسمية (الوكالة الوطنية)
عند وصول صناديق الاقتراع إلى قصر العدل في طرابلس، تمهيداً لبدء عمليات الفرز الرسمية (الوكالة الوطنية)
TT

عاصمة شمال لبنان تخرج من الانتخابات المحلية بلا أكثرية مطلقة

عند وصول صناديق الاقتراع إلى قصر العدل في طرابلس، تمهيداً لبدء عمليات الفرز الرسمية (الوكالة الوطنية)
عند وصول صناديق الاقتراع إلى قصر العدل في طرابلس، تمهيداً لبدء عمليات الفرز الرسمية (الوكالة الوطنية)

استفاقت عاصمة شمال لبنان، مدينة طرابلس، على مشهد سياسي جديد، كشف عن تناقضات المدينة وهشاشة خياراتها الانتخابية.

بعد 75 ساعة من الفوضى والتأخير والشكاوى، أعلنت لجنة القيد العليا نتائج انتخابات البلدية، التي شهدت فرزاً مضنياً، وأخطاءً في المحاضر، وأداءً متعثراً لرؤساء الأقلام، إضافة إلى اتهامات طالت محافظ المدينة رمزي نهرا، ما دفع مجلس الوزراء إلى وضعه بتصرّف وزير الداخلية.

جميع هذه الظروف شكّلت خلفية مأزومة لنتائج أحدثت «زلزالاً» سياسياً واجتماعياً في مدينة تغلي على حافة الأزمات.

وفاز في الانتخابات 12 مرشحاً من لائحة «رؤية طرابلس» المدعومة من النواب: فيصل كرامي وأشرف ريفي وطه ناجي وكريم كبّارة، و11 مرشحاً من لائحة «نسيج طرابلس» المدعومة من النائب إيهاب مطر، ومرشح وحيد من «حراس المدينة» (المجتمع المدني). وبحسب هذه النتائج، لم يتمكن أي طرف من الحصول على الأغلبية المطلقة، ما ينذر بشلل إداري وصراعات محتملة على التوازنات والتحالفات.

سقوط العرف

وكان لافتاً سقوط العرف فيما يتعلق بالتمثيل المسيحي والعلوي في المدينة؛ إذ درجت المجالس على ضم ثلاثة أعضاء مسيحيين (أرثوذكسيان وماروني)، وعضوين علويين و19 عضواً من السنّة.

فعلى الصعيد العلوي، نجح عضو هو عادل عثمان من لائحة «رؤية طرابلس»، فيما غاب التمثيل المسيحي بالكامل ولم ينجح أي من المرشحين الخمسة المنتمين للطائفة المسيحية.

ويقول إلياس برصان، أحد المرشحين المسيحيين الذين انسحبوا من خوض الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط»: «193 صوتاً فقط شكلت الفارق بين المرشح المسيحي رشيد شبطيني وآخر الفائزين، ما يثبت أن طرابلس لم تصوّت طائفياً، بل إن المشكلة الحقيقية كانت في تدنّي نسبة الإقبال المسيحي على التصويت».

ويضيف: «ترشح خمسة فقط من المسيحيين للمجلس البلدي يعكس غياب الحماسة، وربما شعوراً بالتهميش، إذاً من أصل أكثر من 16 ألف ناخب مسيحي، صوّت نحو ألف وخمسمائة فقط، وهذا نتيجة لتراكمات شعور بالإقصاء».

ويتابع برصان: «لا يمكن المطالبة بعيش مشترك في طرابلس من طرف واحد فقط. المسيحيون يدفعون اليوم ثمن عقلية الغلبة التي تحكم البلد منذ سنوات. المطلوب اليوم خطاب وطني جامع لا يقتصر على العاصمة، بل يشمل كل المناطق ويعيد الاعتبار للأقليات ودورها. نحن، كمسيحيين، نحب طرابلس ونريد أن نكون جزءاً من مستقبلها، لكن لا يمكن أن نبقى على الهامش، وكأن وجودنا تجميلي أو رمزي فقط».

عقلية إقصائية

إضافة إلى ذلك، أسفرت الانتخابات عن مجلس بلدي مؤلف فقط من الرجال، وهي المرة الأولى منذ عام 2004 التي تغيب فيها المرأة عن عضوية المجلس البلدي في طرابلس، رغم الدعم الرمزي وبعض الحملات الإعلامية. وحلّت المرشحة رنا العلي في المرتبة الـ30، تلتها رويدا الرافعي في المرتبة الـ33، ما يعكس ضعف التصويت الذاتي للنساء وانعدام الحماسة الشعبية لتغيير التمثيل التقليدي.

أكدت المحامية جودي فتفت، مسؤولة قسم «المراقبة طويلة الأمد في الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات»، أن نتائج الانتخابات كشفت مشهداً مثقلاً بالتحديات، خصوصاً على صعيد مشاركة المرأة.

وقالت فتفت لـ«الشرق الأوسط»: «غياب التمثيل النسائي الكامل في المجلس البلدي لا يمكن اعتباره إخفاقاً انتخابياً عابراً، بل مؤشر بارز على تراجع ديمقراطي في مدينة كانت تاريخياً تعددية ومنفتحة». وأضافت: «بعد دورات سابقة شهدت حضوراً نسائياً متفاوتاً، انخفض عدد النساء في دورة 2025 إلى الصفر، مما يدل على أن تقدم المرأة اصطدم بجدار من العقلية الإقصائية».

وأوضحت فتفت أن الإقصاء لم يكن نتيجة نقص الكفاءة، بل خيارات سياسية متعمدة من قوى نافذة تجاهلت مبدأ الشراكة، مشيرة إلى أن أسماء نساء سُحبت من اللوائح أو تم تقزيم حضورهن بشكل رمزي في عدد من الأحياء، ما يعكس خللاً عميقاً في التفكير.

وشددت على أن «هذا الغياب يعبر عن حاجة ملحة لإقرار كوتة نسائية فعلية تضمن وصول النساء إلى مواقع القرار، خصوصاً في البيئات المحافظة التي لا تزال تحكمها صور نمطية تقليدية». أما بالنسبة للتعدد الطائفي، فأكدت أن القانون الانتخابي لا يكرّس المحاصصة الطائفية، وأن الحديث عن التوزيع الطائفي داخل المجلس يشكل خطوة إلى الخلف، مع ضرورة تشجيع المشاركة الشاملة بعيداً عن الأسس المذهبية.

تحديات متجذرة

عبّرت المرشحة مروة ملقي عن خيبة أملها الكبيرة بسبب غياب التمثيل النسائي في المجلس الجديد. وأوضحت في حديثها مع «الشرق الأوسط»، أن دعم النساء كان شكلياً أكثر منه فعلياً، وأن المعركة الانتخابية كانت محصورة في صراعات رجال الأعمال والقوى السياسية حول رئاسة البلدية، مع إغفال تام لقضايا النساء وقيادتهن.

مقر بلدية طرابلس (منصة إكس)

وأضافت ملقي أن نظام التشطيب لم يكن عادلاً للنساء والأقليات، وأن الذهنية المجتمعية لا تزال تفتقر للثقة بقدرة المرأة على القيادة واتخاذ القرار. وأشارت إلى أن الحضور المعنوي للنساء وحده لا يكفي، فالرجل يحظى بدعم اجتماعي وعائلي أوسع، ويملك إمكانات مالية تسمح له بخوض الحملات الانتخابية بشكل أكثر فاعلية.

كما أعربت ملقي عن قلقها من غياب التمثيل المسيحي والعلوي، واعتبرت أن ذلك يضعف النسيج الاجتماعي والسياسي في طرابلس، داعية إلى حوار جدي حول النظام الانتخابي لضمان تمثيل عادل لكل المكونات.

الطابع الطائفي والنتائج السياسية: انقسام وعجز عن تشكيل مجلس فعال.


مقالات ذات صلة

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

المشرق العربي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر غير دقيق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».