جوزيف عون لـ«الشرق الأوسط»: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها

قال في أول مقابلة له إن «المجهود السعودي الكبير» أنهى الشغور الرئاسي... وشدد على كشف الحقيقة في ملف مرفأ بيروت

TT

جوزيف عون لـ«الشرق الأوسط»: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها

الرئيس جوزيف عون
الرئيس جوزيف عون

في بداية السنة الحالية، انتخب البرلمان اللبناني العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية. أيقظ الانتخاب رغبة اللبنانيين العميقة في العودة إلى الدولة الطبيعية التي غابت طويلاً، وجدد الرغبة العربية والدولية في مساعدة لبنان على إعادة الإعمار وعودة الاستقرار والازدهار.

في أول مقابلة منذ انتخابه، يتحدث الرئيس اللبناني إلى «الشرق الأوسط» عن خططه للإصلاح وفرض سيادة الدولة، وشكل علاقاتها الخارجية في المرحلة الجديدة. وقبل أيام من زيارته المرتقبة إلى السعودية، أبدى الرئيس عون رغبة في أن يكون لبنان ضمن «رؤية السعودية 2030»، مشيداً بالتحرك السعودي الذي قاده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لإنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان. وفيما يلي نص المقابلة:

* ما هو الأصعب؛ الإقامة في قيادة الجيش أم الإقامة في القصر الجمهوري؟

- لكل منهما ظروفها. مؤكد في قيادة الجيش كان النطاق كله هو العمل العسكري والأمني والعلاقات مع الجيوش الأخرى في الخارج. ولكن هنا في القصر أصبح عندك نطاق أوسع. وعليك أن تتعاطى بالشأن الاقتصادي والشأن الدبلوماسي والشأن الأمني، وبالعلاقات مع الدول.

في قيادة الجيش لديك مساحة لحرية الحركة. مثلاً يخرج قائد الجيش يتفقد المراكز وعسكرييه، ولكن هنا (هو) مُقيد كثيراً بالبروتوكولات وبالمواعيد التي تأتيه. وأكيد أتيت من مدرسة تختلف عن مدرسة أخرى؛ مدرسة انضباط مدرسة عسكر، إلى مدرسة في حاجة إلى الانضباط، ولكن لها مقاربة تختلف عن الأولى.

* آتٍ من مدرسة «أمر اليوم»... من الصعب قيادة الجمهورية على طريقة «أمر اليوم». أليس كذلك؟

- طبيعي؛ نعود لنقول (في العسكرية) لديك مدرسة كلها من العقلية نفسها، الضباط والعسكر يتخرجون في المدرسة العسكرية نفسها بالانضباط نفسه، وهناك القضاء العسكري. ولكن أكيد المدرسة السياسية أو الدبلوماسية تختلف مقاربتها كلياً. ففي العسكرية هناك أمر، وهنا ليس هناك أمر؛ عليك أن تجرب العمل الدبلوماسي الذي يلعب دوراً أكثر من غيره، هناك واحد زائد واحد يساوي اثنين، ولكن هنا (في السياسة) واحد زائد واحد يمكن أن يساوي صفراً... ويمكن عشرة، ويمكن مائة.

* هل يحق للبناني أن يحلم بعودة الدولة الطبيعية بعد هذا العذاب الطويل؟

- أكيد كلنا. لأنه بصراحة تعب لبنان. تعب اللبنانيون من حروب الآخرين على أرضه. أصبح يستحق أن تكون لديه نقاهة اقتصادية وسياسية، وتعب من تحارب السياسيين ومسؤوليه. وربما بعض الأصدقاء تعبوا منا، وهذا كان الهدف من خطاب القسم وهو بناء الدولة. ونحن توجهنا إلى الشعب بمعاناته.

أنا عشت أربعين سنة في الجيش، منها ثماني سنوات قائداً للجيش، وخدمت بكل المناطق وعايشت معاناة العسكر واللبنانيين. وكانت هذه المعاناة والتجربة هي خطاب القسم.

* تحدثت أمام وفد إيراني زائر عن حروب الآخرين، وأن لبنان قدَّم ما فيه الكفاية للقضية الفلسطينية... هل تعتقد أننا في الطريق إلى إقامة علاقات من دولة إلى دولة مع إيران مثلاً؟

- نحن نسعى إلى أن تكون كل علاقاتنا مع كل الدول من الند للند، وفقاً للاحترام المتبادل. وليست علاقة دولة مع فريق من السياسيين أو فريق من اللبنانيين. يجب أن تكون الصداقة الإيرانية مع كل اللبنانيين والعكس صحيح. تحت قاعدة الاحترام المتبادل، أهلاً وسهلاً.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال الحوار مع الزميل غسان شربل (الشرق الأوسط)

* تحدثتم في خطاب القسم عن حصرية السلاح في يد الدولة. هل هذا الحلم قابل للتحقيق؟

- إذ هدفنا بناء الدولة، فلا يوجد شيء صعب. وإذا أردنا أن نتحدث عن مفهوم السيادة، فمفهومها حصر قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة، واحتكار السلاح أو حصر السلاح بيد الدولة. فإذا كان هذا المبدأ السياسي جميعنا ننادي به، فإذن ليس هناك شيء صعب أبداً.

نضع الهدف والمسار، ونذهب إلى الاتجاه الصحيح. متى يتحقق؟ أكيد الظروف ستسمح، والظروف تتحكم بطبيعة الأمر بتحقيق الهدف الأساسي. وأكيد مع انتشار الجيش على مساحة الأراضي اللبنانية كافة.

«لم يعد مسموحاً لغير الدولة بحماية الأرض»

* هل سنشهد سيطرة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بقواها الذاتية وبلا شراكة عسكرية أو أمنية؟

- ما الهدف من استراتيجية الأمن الوطني؟ الهدف منها وضع خطط لاستعمال عناصر القوة كافة بالدولة اللبنانية لتحقيق الغرض الأساسي للدولة، سواء بناء علاقات مع دول أخرى، أو حماية الدولة من أي تداعيات أو نزاعات بالداخل أو على الحدود.

فإذن استراتيجية الأمن الوطني - دعنا نتوسع فيها بعض الشيء - هي ليست للعمل العسكري فقط، بل تتضمن الاقتصاد والمال والإعلام والعمل العسكري.

الاستراتيجية الدفاعية ضرورية؛ لأن عليك أولاً أن تحدد مهمة الجيش. هل هو منوط به فقط حفظ الأمن؟ هل هو منوط به الحدود؟ هل الأمران؟... فإذا تحددت له المهمة، على أساسها يضع الجيش خططه. ما هو العتاد المطلوب؟ ما هو العدد المطلوب؟ ما هي التجهيزات؟، وكيفية وضع الخطط لمواجهة أي اعتداء داخلي أو خارجي.

فإذن، استراتيجية الأمن الوطني تحاكي الواقع؛ وتضعها كل دولة حتى ولو لم يكن هناك عدو أو اعتداءات أو تداعيات على حدودها أو بالداخل. وكما قلت، هي لا تتعلق فقط بالعمل العسكري، وإنما تتعلق بمقدرات الدولة كافة أو عناصر القوة بالدولة.

هدفنا أن تصبح الدولة فقط هي المسؤولة. وهذه واجبات الدولة. انتهى، ولم يعد مسموحاً لغير الدولة القيام بواجبها الوطني في حماية الأرض وحماية الشعب. ليس مسموحاً لأحد آخر لعب هذا الدور. عندما يصبح هناك اعتداء على الدولة اللبنانية، الدولة تتخذ القرار، وهي ترى كيف تجند عناصر القوة لصالح الدفاع عن البلد.

* هل أفهم أن مقاومة أي احتلال هي مهمة الدولة أولاً، وهي صاحبة القرار في هذه المقاومة؟

- مهمة الدولة أولاً، وهي صاحبة القرار يجب أن تكون. وإذا الدولة احتاجت ووجدت أن هناك ضرورة للاستعانة بالآخرين بشعبها، فهي تتخذ القرار.

الصورة التذكارية للحكومة الأولى لعهد رئيس الجمهورية جوزيف عون التي تضمه ورئيس الحكومة نواف سلام والـ24 وزيراً (الرئاسة اللبنانية)

* وتحدد هي مقدار الاستعانة؟

- صحيح. في الاستراتيجية الدفاعية.

* هل نحن في الطريق إلى الاستراتيجية الدفاعية؟

- هذا هدفنا، وهذا ما تطرقنا إليه في خطاب القسم. أعود لأقول لك: ليس الموضوع وجود أعداء على حدودك أم لا... فأي دولة بالعالم، مثلاً دول أوروبا، لا بد أن تكون عندها استراتيجية أمن وطني. كل أربع أو خمس سنوات أو ربما كل عهد يضع استراتيجية أمن وطني؛ حتى يتمكن الرئيس الذي يبدأ من إعلان خططه الاقتصادية والدبلوماسية والمالية وفي الإعلام، وبشأن حفظ الأمن بالداخل، وحتى يعرف الجيش مهمته بالضبط. لا يمكنك أن تقول للجيش مهمتك ليست محددة. عليك أن تطلب منه بناء وتجهيز نفسه، والتدريب ووضع الخطط، وفقاً للمهمة التي تحددها الدولة؛ بالنهاية الجيش يخضع لسلطة السلطة السياسية.

القرار 1701 «ليس محل بحث»

* أثار انتخابكم الكثير من الآمال. هل هناك مهل زمنية للإنجاز، سواء ما يتعلق بتطبيق القرار 1701 أو حصر السلاح أو هيكلة المصارف؟

- السياسة بنت الظروف، والظروف تفرض نفسها. أكيد هذا هدفنا. بالأمس الحكومة نالت الثقة، ومؤكد سنبدأ العمل لتحقيق هذه الأهداف.

ودعني أكن واضحاً في موضوع القرار 1701. رئيس الجمهورية ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ملتزمون بتطبيق 1701 منذ عام 2006؛ فإذن هذا ليس محل بحث. نحن ملتزمون بتطبيق القرار، وبدأنا به في الجنوب وأعطيناه الأفضلية. وإذا نظرت إلى الأراضي اللبنانية كافة؛ فالمخيمات التي هي خارج ما يسمى «المخيمات الطبيعية» كلها تم تفكيكها ونزع السلاح منها. نتابع التركيز على الجنوب وهناك تعاون من الجميع، ولاحقاً نعود إلى مرحلة أخرى؛ لأننا نريد أن نمشي خطوة بخطوة لنحقق هذا الشيء.

وأعود لأؤكد أن الدولة بمؤسساتها كافة ملتزمة بتطبيق القرار 1701. ولكن لا يمكنني إعطاء توقيت محدد. فكيفما تتحرك الظروف نحن جاهزون، نريد سرعة وليس تسرعاً.

* ملتزمون بتطبيق القرار 1701 على كامل الأراضي اللبنانية؟

- على كامل الأراضي اللبنانية. بكل ما يقوله القرار 1701.

* بالنسبة إلى تطبيق القرار 1701، هل تتوقع تجاوباً من كل الأطراف؟

- في الجنوب التجاوب كامل. وهنا أريد أن أثني على خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الذي أشار في محطات عدة بكلمته إلى الدولة. وقال: «المقاومة هي أساس وخيارنا الإيماني والسياسي. سنتابع تحرك الدولة لطرد الاحتلال ديبلوماسياً». ويعود ليقول: «سنشارك في بناء الدولة القوية والعادلة، وسنشارك في نهضتها وتحت سقف اتفاق الطائف»، ويعود ليقول: «لبنان بالنسبة لنا وطن نهائي لجميع أبنائه». هذه مقدمة الدستور. ويرجع ليقول: «نؤمن بدور الجيش الكبير في الدفاع عن السياسة والأمن. لا يوجد رابح ولا يوجد خاسر. فلنتنافس لخير البلد والناس. وهذا أفضل لنا جميعاً».

أيضاً الثقة التي أعطتها كتلة «الوفاء المقاومة»، ومواقف رئيسها الحاج محمد رعد وحكيه عن الانفتاح على الحوار ومسؤولية الدولة بالعمل الدبلوماسي، كله تطور إيجابي كبير يُبنى عليه.

* هل تخشون فخامة الرئيس من ضغوط أميركية؟ بمعنى أن يُطلب من لبنان ما لا قدرة له على احتماله؟

- بطبيعة الحال، يمكن أن نتعرض لضغوط. ولكن (التعامل مع) أي ضغط يأتينا يخضع للتوافق الوطني. وحتى الآن لم نرَ أي ضغط أساسي بكل صراحة. كل المطلوب تطبيق القرار 1701، كل المطلوب الإصلاحات. وهذه نراها مطالب وليست ضغوطاً.

الإصلاحات مطلب الدول كافة ومن ضمنها أميركا. الإصلاحات الاقتصادية، والمالية، ومحاربة الفساد وما إلى ذلك. هذه ليست ضغوطاً، هذه مساعدة على بناء الدولة، وأنا لا أراها ضغوطاً.

* هل كان تشكيل الحكومة سهلاً؟

- لم يكن صعباً. بدليل أنها تشكلت بسرعة.

* تبدو وكأنها حكومة أهل الخبرة والنزاهة. ألم تتعرضوا لضغوط وتجاذبات في تشكيلها؟

- بالنهاية هذا لبنان. وعليك أن تتشاور مع الأفرقاء كافة، ويحدث أن تكون هناك طلبات. وهذا طبيعي. لكن أنا ورئيس الحكومة نواف سلام، وأكيد بالتعاون مع رئيس البرلمان نبيه بري، كان هدفنا الأساسي تشكيل حكومة تكون بحجم آمال الشعب، وتألفت الحكومة، وعليكم أن تحكموا غداً على أدائها وإنجازاتها.

* أريد منك أن تصف لي علاقتك بالرئيس نواف سلام حتى الآن؟

- علاقة أكثر من ممتازة، ودائماً على تواصل وتشاور.

* هل ستستمر على هذا النحو؟

- مؤكد، لمصلحة لبنان.

* من بين أحلام اللبنانيين، حل مشكلة الودائع... هل ستحل هذه المشكلة التي تسببت بمأساة وأفقرت الناس؟

- ذكرت هذا في خطاب القسم، وقلت: «عهدي ألا أتهاون في أموال المودعين». أكيد هذا الموضوع ضروري، ومن المهم معالجته بالتعاون مع الهيئات الاقتصادية، والمودعين، والمصارف والدولة. هذا أيضاً ضمن خريطة الطريق في خطاب القسم، وهذا حق طبيعي.

* هل سنرى الدولة دولة ونرى القضاء قضاءً لا يخشى محاكمة مرتكب؟

- إن شاء الله، وهذا هدفي. وفي كل لقاء مع الوزراء كافة، أطلب منهم أن يتخذوا القرارات التي تناسب مصلحة الدولة والوطن، لا مصلحة الأحزاب أو الطوائف، وأياً كان ما يطلبونه مني فأنا معهم، وبخاصة القضاء. كل تعبي ونظري وعملي سيكون على القضاء.

عندما يكون عندك قضاء بكل معنى الكلمة، فكل الأمور الباقية تُعالج. ومؤخراً زرت «هيئة مكافحة الفساد» وأبلغت مسؤوليها بأن عليهم أن يضربوا بيد من حديد... وقلت: «أنتم سيفي للإصلاحات، ولا تسألوا ولا تردوا على أي سياسي، ولا تتأثروا بالإعلام أو السوشيال ميديا، نفذوا واجباتكم و(حكّموا) ضميركم وفقاً للمستندات المتوفرة بين أيديكم، وإذا تعرَّض لكم أحد، فتعالوا إلى عندي».

* ذئاب الفساد نهشوا خبز اللبناني؟ صارت وكالات الأنباء العالمية تصور لبنانيين ينقبون في النفايات عما يسد الجوع، أو شاباً لبنانياً يلقي بنفسه في قوارب الموت ويستقيل من البلد... هل ستحرس أمل اللبنانيين بالعودة إلى دولة تستحق التسمية؟

- صحيح. أريد بناء دولة لأولادي وأولاد أولادي ولأجيال المستقبل، وحتى لا يرحل من بقوا هنا، ويعود من هم في الخارج... والإصلاح يبدأ بمحاربة الفساد الذي أصبح ثقافة. لبنان ليس مفلساً بصراحة. في لبنان، للأسف مسؤولون أساءوا إدارة مقدرات الدولة، ومؤكد أن مكافحة الفساد هي جهدي الرئيسي، وعيني على كل الأمور، وإن شاء الله الأيام ستظهر.

* سأعود إلى القرار 1701. هل تطبيقه يخرِج لبنان من الشق العسكري في النزاع مع إسرائيل؟

- نحن تعبنا من الحرب، ومؤكد أن العمل الدبلوماسي أيضاً يلعب دوره؛ لأن أدوات السياسة هي: الدبلوماسية والاقتصاد والعسكرية. الآن نحن بمرحلة العمل الدبلوماسي؛ ولكن إذا كان لا بد من نزاع عسكري فسيكون بيد الدولة. القرار يكون بيد الدولة. نحن نتمنى أن ننتهي من النزاعات العسكرية، وننهي كل مشاكلنا بالجهود الدبلوماسية، ولكن دائماً نحن - العسكريين - نحسب دائماً حساب الأسوأ. وفي حال كان الأسوأ النزاع العسكري، يكون على الدولة، ومهمتها هي القرار.

* هل فوجئت ببقاء الجيش الإسرائيلي في خمس نقاط في جنوب لبنان، وكم تزعجك هذه النقطة؟

- لم نفاجأ بمعنى المفاجأة لأنك تتوقع دائماً الأسوأ منه، ومؤكد يزعجنا لأنه هناك اتفاق تم توقيعه للطرفين برعاية أميركية وفرنسية كان المفترض الالتزام به، وكان من الواجب احترام التوقيع. وعندما طُلب أن نمدد المهلة، وافقنا بشرط أن يكون 18 فبراير (شباط) هو الانسحاب النهائي، ولكن مثل العادة لم يتقيد الطرف الإسرائيلي بالاتفاق وبقي بعضه موجوداً هناك. والآن نحن على اتصالات دائمة مع الفرنسيين والأميركيين للضغط على الإسرائيليين حتى ينسحبوا من النقاط الخمس؛ لأنها ليست لها قيمة عسكرية.

* بصفتك جنرالاً هل تعدّ النقاط الخمس لا قيمة لها؟

- بالمفهوم العسكري القديم قبل أن يكون هذا التطور التكنولوجي، كانت الجيوش تفتش عن التلة لأنها تعطيك تحكماً عسكرياً ومراقبة، ولكن بوجود التكنولوجيا والمسيّرات في الجو، والأقمار الاصطناعية، فقدت (التلة) قيمتها كلها.

يعني إذا قلنا نريد الاستيلاء على هذه التلة ويجلس عليها عسكري لمراقبة الوادي، يمكن أن يرى 200 إلى 500 متر، ولكن عندما يكون لديك مسيّرات في الجو وأقمار اصطناعية، تكشف البقعة كلها وأنت وراء مكتب مرتاح؛ فإذن القيمة العسكرية انتفت ولا لزوم لها، ولا تؤمّن أي قيمة استراتيجية أو عملياتية أو أمنية للطرف الإسرائيلي.

* هل الغرض منها استدراج لبنان إلى نوع من المفاوضات، من الاتصالات أو شيء من هذا؟

- كل الاحتمالات واردة معهم.

العلاقة مع أميركا ضرورية

* هل هناك خشية من أن تكون إدارة ترمب شديدة التسامح مع الحكومة الإسرائيلية؟

- إذا كانت الإدارة الأميركية، حتى الآن، لم تضغط على الإسرائيلي ليغادر الأراضي اللبنانية، فهذا معناه إما أنها لا تريد، أو تنتظر اللحظة المناسبة... لا أعرف.

* هل أنت متفائل بالعلاقة مع أميركا؟

- أنا دائماً متفائل. العلاقة مع أميركا ضرورية بكل صراحة. فيما يخص مساعدات الجيش، لا تزال المساعدات مستمرة، ورأينا في آخر فترة عندما أصدر الرئيس دونالد ترمب قراراً بوقف المساعدات كافة استثنى الجيش اللبناني. ونحن 90 في المائة من المساعدات المالية والتدريبية والتجهيزات تأتينا من الدولة الأميركية. وفيما يخص هذه النقطة، عندما كنت قائداً للجيش كنت اُتهم بأنني لا أحصل على مساعدات إلا من أميركا؛ وأنا قلت لهم: «أي دولة مستعدة تقدم ببلاش للجيش اللبناني أهلاً وسهلاً» فنحن ليس معنا أموال لندفع.

العلاقة مع أميركا ضرورية، فوضعها معروف على المسرح العالمي، قوة عظمى وعضو في مجلس الأمن ودولة مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط، فإجباري يجب أن تكون على علاقة جيدة مع أميركا.

* هل تشعر بالقلق من احتمال أن نكون في الطريق إلى أزمة أميركية - إيرانية كبرى تنعكس في لبنان؟

- عليك أن تتوقع كل شيء في السياسة. إذا الرئيس ترمب أراد الالتزام بكلامه، وأنه لا يريد الحرب بل السلام، فمن الضروري ألا تذهب الأمور إلى حالة الصدام. فإذا كان صراعاً ضمن حدود الدبلوماسية فليكن.

* هل تحتاج حصرية السلاح إلى مؤتمر للمصالحة الوطنية؟ شيء من هذا النوع؟

- الاستراتيجية الوطنية هي أهم رد لهذا الإطار. وتعالج هذا الأمر.

«زيارة شكر واحترام للسعودية»

* اخترتم السعودية وجهةً أولى في زياراتكم الخارجية. لماذا؟ وماذا تأملون من هذه الزيارة؟

- أولاً: هناك العلاقة القديمة بين السعودية ولبنان من أيام الملك المؤسس (عبد العزيز آل سعود). وكذلك علاقته الأدبية مع الأديب الكبير أمين الريحاني. ومنذ فترة صار الاحتفال بالذكرى المئوية للريحاني (في الرياض). وثانياً: علاقة المؤسس مع البطريركية المارونية. فالعلاقة التاريخية هي الأساس.

السعودية صارت إطلالة للمنطقة وللعالم كله. صارت منصة للسلام العالمي؛ لذلك أنا اخترت السعودية لعلاقتها التاريخية. وآمل وأنتظر من السعودية وخصوصاً ولي العهد سمو الأمير (محمد بن سلمان)، أن نصوّب العلاقة لمصلحة البلدين، ونزيل كل العوائق التي كانت في الماضي القريب، حتى نبني العلاقات الاقتصادية والطبيعية بيننا، ويعود السعوديون إلى بلدهم الثاني لبنان، واللبنانيون اشتاقوا للسعودية.

هذا هدف الزيارة، بالإضافة إلى أنها زيارة احترام وشكر لولي العهد على مشاركته في الخماسية، ولمدة سنتين إلى ثلاث سنوات وحتى إنهاء الشغور الرئاسي، والتي كانت بتوجيهاته التي عمل عليها (المستشار في الديوان الملكي) نزار العلولا، والسفير (السعودي لدى لبنان وليد) البخاري، وبالتأكيد وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، وأخيراً الأمير يزيد بن فرحان.

وهذا المجهود الكبير بتوجيهات سمو الأمير محمد بن سلمان، أدى إلى إنهاء الشغور الرئاسي، وهذه الأهداف الأساسية التي على أساسها اخترت أن تكون السعودية وجهة أول زيارة.

* هل ستطلبون شيئاً محدداً بالنسبة للجيش اللبناني؟

- مؤكد. أنا زرت سمو وزير الدفاع السعودي (الأمير خالد بن سلمان) قبل انتخابي بنحو أسبوعين، وطلبت منه وأرسلت رسالة باحتياجات الجيش اللبناني، وعندي كل الثقة أنه سيُستجاب لها.

وخلال الزيارة سأطلب - إذا كان ممكناً - إعادة تفعيل الهبة (المساعدات العسكرية التي كانت تقدمها السعودية إلى الجيش اللبناني).

* هل تتوقع أن يستفيد لبنان أيضاً من النهضة الاقتصادية الواسعة التي تشهدها السعودية؟

- طبعاً لبنان يستطيع أن يكون ضمن رؤية سمو ولي العهد «رؤية السعودية 2030». ومن المؤكد أنه يجب أن يكون هناك نوع من اللجان الثنائية تتابع القضايا بجميع المجالات الأمنية العسكرية، الاقتصادية، السياحية والتجارية والمالية، وما إلى ذلك.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في قصر بعبدا (رويترز)

* بماذا توصي اللبنانيين العاملين في السعودية؟

- لا تنسوا أن هذه المملكة احتضنتكم وعشتم فيها بكرامة، وأعنتم أهلكم في لبنان، حافظوا عليها وتقيّدوا بقوانينها وردوا الجميل إليها. وهنا لا ننسى أن السعودية هي عراب «اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية، فالسعودية بلد أساسي؛ والبلد الثاني للبنانيين الذي احتضن اللبنانيين وعيشهم بكرامة، فإذن لا بد من أن نرد له الجميل. حافظوا على السعودية. البلد الذي احتضنكم، وكرمكم، ولا تنسوا بالمقابل لبنان بلدكم الأم.

* هل خفت من تفكك الجيش اللبناني تحت وطأة الحاجة؟

- أبداً. ولا لحظة تشككت في تفكك الجيش اللبناني. عشت معهم معاناتهم، وأمّنت لهم حاجاتهم الأساسية وكنت بجانبهم وما تركتهم. وهذا الفضل ليس لي فقط، بل أنوّه بكل عسكري وضابط بالجيش كان لديه إيمان كبير ببدلته العسكرية وإيمان بقدسية مهمته وببلده.

القادة على الأرض هم أيضاً عملوا وتعبوا ليحافظوا على لحمة الجيش ووحدته، واستمراريته عبر الأمور كافة لتأمين حاجات العسكر، من زراعة الأراضي وإنتاج بعض المزروعات أو المنتوجات من إنشاء معمل صغير وحتى تأمين مثلاً المواد المنزلية بأرخص الأسعار، وتأمين التنقلات مجاناً.

لكن أهم أمر كان الخدمات الطبية العسكرية، التي يستفيد منها 400 ألف شخص. لم يحدث أن احتاج أحدهم إلى شيء «ولا عسكري اتبهدل على أبواب المستشفيات وكانت مؤمَّنة للكل». كل هذه العناصر سوياً جعلت الجيش متلاحماً، والأهم إيمانهم بقضيتهم، وقدسية المهمة، يعملون وهم مقتنعون بأنه ليس هناك خيار إلا المؤسسة العسكرية. والشهداء كانوا من الطوائف كافة، وعندما كان الضابط يذهب في مهمة لم يكن يسأل: هذه المهمة ضد من؟ أو ضد أي طائفة أو منطقة أو حزب؟... كان ينفذ أوامره من دون تردد وهذه لمستها لمس اليد.

* فخامة الرئيس، ستشارك في القمة العربية في القاهرة بعد أيام، وهذه أول قمة تشارك فيها. ما هي توقعاتك؟

- القمة الطارئة هي لمتابعة الموضوع الفلسطيني الطارئ. أكيد أقل شيء هو أن يكون هناك موقف عربي موحد، ولكن لا يجب أن نكتفي بالموقف فقط، بل تجب متابعة الموقف لمواجهة التحديات. إذا أردنا الذهاب فقط من أجل إطلاق مواقف من دون وجود لجان لمتابعة المواقف في المجتمع الدولي سواء في أوروبا أو الأمم المتحدة أو أميركا وبالدول كافة؛ فإذن يكون حبراً على ورق، بكل صراحة يعني. ربما تفاجأون بصراحتي بعض الشيء لأنني جئت من خلفية عسكرية ولكن هذا الواقع، ورأينا قمماً كثيرة وكانت بمقرراتها ممتازة، ولكن لم يطبق منها شيء؛ ليس فقط المقررات، بل تجب متابعة تطبيق القرارات.

* هل ستلتقون عدداً من القادة العرب على هامش أعمال القمة؟

- صحيح، نحن طلبنا لقاءات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قائد البلد المضيف، والأمين العام للأمم المتحدة، وأمين عام الجامعة العربية، مع سمو أمير قطر، ملك الأردن عبد الله الثاني، والرئيس السوري أحمد الشرع، وأعددنا لائحة بلقاءات عدة لتأمينها في إطار الوقت المتوفر، وإن شاء الله نقدر.

أولويات العلاقة مع سوريا

* عاش لبنان على مدى ما يقرب من نصف قرن تحت ظل نظام الأسدين السوري... هل تأمل فعلاً بقيام علاقات ندية مع سوريا كما أشرت؟

- هذا هدفنا، أن تكون علاقات كلها تحت مبدأ الاحترام المتبادل لسيادة الدولتين، ودعنا ننسَ الماضي ونبنِ عليه للمستقبل؛ أي (ضمان) أن الأخطاء التي ارتُكبت لا تتكرر بالمستقبل. الرئيس السوري نسمع له كلاماً رائعاً ولديه فكرة بناء دولة، وسنرى كيف تترجم هذه الأمور... الحكومة اللبنانية حصلت على الثقة ومؤكد سنعمل خطوات باتجاه الدولة السورية، وبالمقابل إن شاء الله نجد خطوات مقبلة من الجهة السورية تحت مبدأ الاحترام المتبادل.

* على قاعدة الاحترام المتبادل بين دولتين متجاورتين... إذا التقيت الرئيس الشرع غداً لنفترض، ما هي المواضيع الأكثر إلحاحاً التي ستثيرها معه؟

- صراحة، الأكثر إلحاحاً الآن هو ضبط الحدود. تحدث المشاكل على الحدود مع المهربين، والأهم من هذا كله ترسيم الحدود البحرية والبرية مع الطرف السوري وصولاً إلى مزارع شبعا.

أيضاً هناك ملف عودة النازحين السوريين، يجب إيجاد حل سريع لمصلحة البلدين أيضاً، لا يمكن للدولة السورية أن تتخلى عن مليوني شخص من مواطنيها النازحين بلبنان، وتجب عودتهم إلى بلدهم؛ لأن أسباب هجرتهم انتفت ولم تعد موجودة، سواء كانت الحرب أو النظام الذي كان يضطهدهم، ولم يعد هناك لزوم لبقائهم. وعلى الدولة السورية أن تستقبلهم. هاتان النقطتان الأساسيتان، ومؤكد العلاقات الطبيعية تحت قاعدة الاحترام المتبادل.

* فخامة الرئيس... هل فوجئت بجلوس أحمد الشرع على الكرسي الذي كان يجلس عليه بشار الأسد؟

- بالسياسة عليك أن تتوقع كل شيء.

الإصلاحات وإعادة الإعمار

* أعود إلى نقطة. يُقال إن المساعدات الدولية للبنان مربوطة بالإصلاحات وبالتطبيق الكامل لـ1701. هل تخشون أن تتسبب هذه الشروط في تأخير الإنجاز؟

- صراحة، الكل طلب أن يكون هناك إصلاحات. ولكن لم يطلب أحد بحصرية السلاح أو تحدث عنه. بطبيعة الحال نحن مستعجلون على الإصلاحات، ولكن أتمنى أن تترافق الإصلاحات مع إعادة الإعمار، والمطلب طبيعي لأن التجارب السابقة معنا للأسف غير مشجعة بموضوع المساعدات.

نحن مع الإصلاحات وأخذنا على أنفسنا عهداً أن نعمل الإصلاحات. لكن أيضاً في المقابل نتمنى عدم انتظار انتهاء الإصلاحات، بل على الأقل المضي خطوة مقابل خطوة. إذا انتظرنا انتهاء الإصلاحات، وإن شاء الله لا تكون بعيدة كثيراً، فسنتأخر على إعادة الإعمار. بالدرجة الأولى تهمنا إعادة الإعمار لأن كثيرين من الناس (المهجرين) لم يعودوا بعد إلى بيوتهم.

* فخامة الرئيس، تجارب أسلافك من الجنرالات في القصر الجمهوري لم تكن سهلة كي لا نقول شائكة. الاستثناء الوحيد هو الجنرال فؤاد شهاب. بمن تتأثر من أسلافك الجنرالات؟

- دعني أكن واضحاً صريحاً. كما قلت لك: السياسة بنت الظروف وكل رئيس - ليس فقط الجنرالات - من أيام الرئيس بشارة الخوري إلى كميل شمعون وفؤاد شهاب إلى آخرهم الرئيس (ميشال) عون، كل واحد كان عنده ظرف. أكيد هناك الشخصية التي تطبع كل ظرف. يعني شخصية الرئيس فؤاد شهاب بنى المؤسسات التي لا تزال تمضي بلبنان. أنا لا أريد أن أقيّم أحداً، لكن يمكننا أن نتعلم مما حدث ونستخلص العبر. بالنهاية، يمكن أن ألتقى مع الرئيس شهاب ببناء الدولة أو بإعادة تكوين الدولة أو بإصلاحات الدولة. حتى الآن لا يزال الحديث عن الشهابية ومؤسساته لا تزال موجودة، فإذن نحن يهمنا نبني الدولة وهذا هدفنا الأساسي. كما قلنا، كل رئيس جاء بظرف ويمكن لو كنا مكانه لم نكن لنتصرف بهذه الطريقة أو تلك. لست بصدد تقييم أحد ولكن نقدر نتعلم من العبر أو نستخلص العبر من الدروس.

* يوم ذهبت إلى المدرسة الحربية، بمن كنت معجباً. عادةً يُعجب الشاب بقائد عسكري أو بقائد سياسي. بمن أُعجبت؟

- صراحة، كان الدافع هو أحداث التهجير التي تعرضت له قريتي. صارت عندي ثورة داخلية وأحببت أن تكون هذه الثورة ضمن مؤسسة الدولة المؤسسة العسكرية. أنا تربيت في بيئة عسكرية. الوالد في قوى الأمن وعمي كان في الجيش، الله يرحمه، وابن عمتي ضابط في الجيش، وهذا الذي دفعني أساساً للالتحاق بالجيش. وداخل المدرسة الحربية أو الكلية الحربية تقرأ عن القادة العظام في التاريخ وتتعلم منهم وتتأثر بهم. كل قائد عنده محطات معينة يمكنك أخذها والبناء عليها.

* هل أُصبت بالإحباط حين رأيت الجيش اللبناني لا يسيطر على كامل الأراضي اللبنانية أو لا يوفر له السياسيون ما يحتاج؟

- ليس بالإحباط، ولكن بالعتب على السياسيين لأنهم يطلبون الكثير من الجيش ولا أحد يعطي الجيش. دائماً يلقون باللوم على الجيش: الجيش لم يقم، الجيش لم يعمل، الجيش مقصر. لا أنتم المقصرون. الجيش في حاجة إلى متطلبات، وأنا عانيت 8 سنوات. أعطيك مثلاً، سمعت انتقادات كثيرة للجيش أنه لا يضبط الحدود. أسأل هذا الشخص: هل تعرف الحدود؟ هل طلعت على الحدود؟ يقول لا. أرد: على أي أساس تبني وتتهم الجيش بالتقصير إذا لم تكن تعرف حدود بلدك؟

هذا ما كان يجعلني عاتباً على السياسيين. وبالعكس، عندي فخر كبير بالمؤسسة العسكرية لأنه رغم الصعوبات الاقتصادية والتعقيدات كان الجيش يقوم بمهمته على أكمل وجه. تخيل أن أحد العسكريين الأجانب قال لي: إذا وصل راتبي إلى 60 دولاراً أترك الخدمة. لكن العسكري (اللبناني) نفذ مهمته وهو يتعرض لهذا.

* كم دولاراً كان يقبض العسكري اللبناني؟

- من ألف إلى ألف ومائتين دولار، ثم وصل إلى 60 دولاراً و40 دولاراً. الآن صار تقريباً 230 دولاراً. هذا أيضاً ليس كافياً مقابل تضحيات العسكريين. أنا أفتخر بالجيش والعسكر والضباط الذين بقوا واقفين على أرجلهم وحافظوا على قسمهم. وخلال ثماني سنوات وأنا في قيادة الجيش تعرَّضنا لحملات كثيرة لحصر موازنة الدفاع، واتُهمنا بأننا نكسر الدولة. نعطيهم بالأرقام حاجات الجيش. لم نطلب شراء أسلحة متطورة تكلف الدولة، بل نطلب الأشياء الأساسية التي تمكن الجيش من القيام بمهماته.

في المحطات كلها من الأحداث التي حدثت بعد 2019 بسبب الوضع الاقتصادي، ما يسمى الثورة، مظاهرات واجهها الجيش وقدَّم أكثر من 600 جريح. ورغم كل ما تحمَّله الجيش من إهانات ومحاولة تشويه صورته وإصابات، استطاع ضبط الأمور. كان مع الطرفين. كان يحمي غير المتظاهر وكان يحمي المتظاهر. ويمكنكم الرجوع للأرشيف والتأكد من ذلك. ساهم الجيش بمواجهة جائحة «كورونا» مع الدولة. في انفجار مرفأ بيروت، أول من تسلم ضبط الأمن ولملمة الوضع والقيام بأعمال البحث والإنقاذ بالتنسيق مع الدول التي سارعت لتساعدنا ومسح الأضرار، هو الجيش. العمليات الانتخابية هو الجيش، ضبط الحدود هو الجيش، مكافحة الإرهاب هو الجيش.

* هل يحرجكم تشوق اللبنانيين إلى معرفة بعض الأحداث التي أُسدل الستار عليها ولم يسمح للقضاء بمعرفة أسبابها؟ تفجير المرفأ مثلاً؟

- هذا لا يحرجنا. هذا حق اللبنانيين بالوصول للحقيقة. أنا عندي ثمانية عسكريين استُشهدوا من المجموعة التي تقوم بحماية المرفأ. أريد أن أعرف ما هو المسبب. الضحايا والمصابون والمعاقون والمشوهون حتى الآن. دعك من الأضرار التي وقعت بالبنايات. لكن الأضرار البشرية، أليس من حق أهل الضحية أن يعرفوا السبب؟ إذا كان هناك متسبب نعرف من هو ويحاكم. وإذا هناك إهمال لنعرف من المسؤول عن إهمال ويحاكم. وإذا هناك فساد لنعرف من المسؤول عن الفساد ويحاكم. هذا الملف لا بد من أن يغلق.

* هل أفهم فخامة الرئيس أنك لن تتدخل لإنقاذ صديق لك إذا استُدعي إلى التحقيق؟

- أبداً. أنا عندما بدأ التحقيق طلبت من القاضي فادي صوان إذا هناك أي سؤال تشعر بأنني يجب استدعائي للتحقيق للإجابة عنه، استدعوني من دون طلب رفع الحصانة وأنا سأنزل من تلقاء نفسي. وكررت الطلب من القاضي بيطار. وأنا لا أتدخل ولا أغطي أحداً، حتى لو كان أخي.

* بماذا تشعر بصفتك ضابطاً حين يستشهد عسكري قربك أو تابع لك؟

- نحن في وسط شعارنا التضحية. والاستشهاد هو قدر وليس قراراً. وأكيد نحن حين ننضم إلى المؤسسة العسكرية نكون مقتنعين بأنه يمكن أن نتعرض للإصابات أو للاستشهاد. وليس معنى هذا أن هذا الشيء طبيعي، لكن نحن بقناعتنا أن هذه تضحية نقدمها لصالح البلد. ولكن ساعتها تكون من أصعب اللحظات أن ترى عسكرياً يسقط إلى جانبك أو بمهمة في سبيل وطنه.

أهم أنواع التضحية حين يضحي الإنسان بحياته من أجل الآخرين من دون مقابل. عندما يقولون لي إن عسكرياً استشهد وهو ينفذ مهمة، وأنا استشهد معي عسكريون كثيرون، يحز في قلبي. أحس بالفخر ولكن يحز بقلبي أن هذه اللحظة صعبة. مع قناعتنا بأن هذه تضحياتنا وقدرنا، لكن ساعة وقوع الأمر صعبة.

* أعود إلى السؤال. هل سنرى الدولة تستكمل تطبيق «اتفاق الطائف»؟

- أنا عملت خلية دستورية هدفها ومهمتها الأساسية دراسة «اتفاق الطائف» والدستور والثغرات فيه واستكماله. أين ما لم يستكمل بعد ويقدمون لي دراسة عن هذا الموضوع. هذا الهدف. وإن شاء الله يكون هناك تجاوب من الأطراف الأخرى.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال الحوار مع الزميل غسان شربل (الشرق الأوسط)

* فخامة الرئيس، ماذا تقرأ؟ أي نوع من الكتب؟

- أكثر ما يعنيني الإحاطة بتاريخ لبنان؛ لأننا للأسف كلبنانيين لا نعرف تاريخ بلدنا.

* لكن انطباعي أننا حين نعرف تاريخنا نزداد قلقاً...

- لا أبداً. لا بد من أن تتعلم منه وترى أخطاء الماضي حتى لا تكررها وتبني على أساسها. السياسة بنت التاريخ والتاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا لا تتغير.

* كيف يبدأ نهارك؟

- الساعة الخامسة والنصف أكون بالمكتب. وأعمل حسب ما يتطلب الوضع. حتى السادسة،ـ السابعة، منتصف الليل.

* وهواياتك؟

- الآن ليست عندي هوايات.

* أوقفت الرئاسة الهوايات؟ بلغني أنك تحب الصيد.

- صحيح. هوايتي الصيد والغطس. لكن بالوقت الحاضر الرئاسة أخذت كل وقتي.

* هل هناك شعور بالقلق الأمني عليك؟

- أنا صراحة، يعني دائماً متفائل. ليس عندي خوف وعندي إيمان بالقدر. أنا بمسيرتي العسكرية تعرضت لحوادث كثيرة وأُصبت مرتين. جعلني هذا أؤمن بالقدر. ما يريده الله لك سيحدث. وتجاربي الشخصية ومع العسكريين تؤكد أنه بالنهاية لا يحدث إلا المكتوب لك. إذا قدرنا أن نذهب باغتيال فليكن، وإذا قدرنا أنه لا، فليكن.

* لمن تسمع أغاني؟

- الصبح، أجمل شيء عندي فيروز.

* وغيرها؟

- إذا كان لدي وقت.

* على كل حال الرحابنة اخترعوا بلداً، وآمن اللبنانيون بلبنان الرحابنة. أترك لك المجال إذا كانت لديك كلمة توجهها إلى اللبنانيين عبر هذا الحوار.

- أريد أن أكرر ما كنت أقوله للعسكر وللضباط في الحربية. لا تجعلوا زواريب المذهبية والطائفية تعشعش بداخلكم. ما بعمرها الطوائف أو الطائفية أو الأحزاب استطاعت أن تبني بلداً. لبنان الدولة هي التي تحمي وليست الطوائف. انزعوا الأحقاد من قلوبكم؛ لأن الأحقاد لا تبني دولاً ولا تبني لبنان. إذا كنا كبلد نريد أن نرجع لنعيش بكرامتنا ونجعل لبنان كما كان قبل (الحرب الأهلية في) 1975 «سويسرا الشرق»، علينا أن ننسى كل ماضينا ونتعالى ونتفق كلنا ونتوحد كلنا لنبني لبنان.

* هل بدأت تتدرب على العيش وسط السياسيين والشروط المتناقضة؟

- الوظيفة تتطلب ذلك.

* كيف علاقتك مع الرئيس نبيه بري؟

- أكثر من ممتازة.

تبث المقابلة الكاملة الساعة مساء الجمعة بتوقيت الرياض على موقع «الشرق الأوسط» ومنصاتها وتلفزيون «الشرق للأخبار»


مقالات ذات صلة

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد وقف النار مع إسرائيل، أكد فيها أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية».

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب - أرشيفية)

عون: المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «دقيقة ومفصلية»

عدّ الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات مع إسرائيل «دقيقة ومفصلية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى قاعدة «أندروز» الجوية المشتركة في العاصمة واشنطن 11 أبريل 2026 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أول اتصال بين ترمب وعون

أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية، اليوم الخميس، أن اتصالاً هاتفياً جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ) p-circle

الرئيس اللبناني: وقف إطلاق النار هو «المدخل الطبيعي» للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل

اعتبر الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم، أن وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل ينبغي أن يشكّل «المدخل الطبيعي» للمفاوضات المباشرة المقبلة مع الدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».


«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».