إسرائيل تتحصن بتأييد أميركي... ولبنان يطالب واشنطن بإلزامها بالانسحاب

احتفاظها ببعض المواقع يعني الاحتلال المقنّع للجنوب

جنود لبنانيون وآليات تتبع «يونيفيل» في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون وآليات تتبع «يونيفيل» في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تتحصن بتأييد أميركي... ولبنان يطالب واشنطن بإلزامها بالانسحاب

جنود لبنانيون وآليات تتبع «يونيفيل» في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون وآليات تتبع «يونيفيل» في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بعدد من المواقع التي تحتلها في جنوب الليطاني وتحويلها نقاط مراقبة، يشكل تحدياً للولايات المتحدة الأميركية ويهدد مصداقيتها أمام المجتمع الدولي؛ لأنها الضامنة تطبيق القرار «1701»، وكانت رعت التوصل إلى اتفاق إنهاء الحرب في الجنوب بين «حزب الله» وإسرائيل، وذلك ما لم تبادر إلى تبرئة ذمتها من ادعاء رئيس حكومة تل أبيب، بنيامين نتنياهو، بأنها توفر له الغطاء السياسي للإبقاء على هذه المواقع تحت سيطرة جيشه لضرورات أمنية... وهذا ما تصدّر جدول أعمال اللقاء الطارئ الذي عُقد في الساعات الماضية بين رئيس المجلس النيابي اللبناني، نبيه بري، ورئيس «هيئة الرقابة الدولية» المشرفة على تطبيق الاتفاق، الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز، العائد من إسرائيل، بحضور سفيرة بلاده لدى لبنان، ليزا جونسون، للوقوف منه على حقيقة الموقف الأميركي.

فلقاء «بري - جيفرز» كان لا بد منه ليكون في وسع لبنان أن يبني على الشيء مقتضاه في ضوء خلاصة الحصيلة النهائية للموقف الأميركي حيال إصرار نتنياهو على عدم التقيد بانسحاب جيشه من الجنوب، في نهاية المهلة الأولى للانسحاب التي لم يعد يفصلنا عنها سوى أيام معدودة، وهو تلازم مع إجراء رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، اتصالات واسعة، بدأها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ لأن بلاده شريكة إلى جانب الولايات المتحدة في التوصل إلى الاتفاق، وبدعوته إلى الضغط على إسرائيل لإلزامها بكل مندرجاته، وامتدت لتشمل العدد الأكبر من دول الاتحاد الأوروبي.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن التواصل بين عون وبري، إضافة إلى رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، استمر بغية مواكبة ردود الفعل الدولية والعربية على عدم تقيد نتنياهو بالاتفاق، ويأتي تحضيراً للموقف اللبناني الرسمي الذي من المفترض أن يصدر بين ساعة وأخرى، واضعاً النقاط على الحروف، وآخذاً في الحسبان ما سيتوصل إليه لقاء «بري - جيفرز»، ومحملاً واشنطن مسؤوليتها بإلزام إسرائيل الانسحاب الكامل من الجنوب.

وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي بارز لـ«الشرق الأوسط» إن لقاء «بري - جيفرز» يأتي عشية اجتماع «هيئة الرقابة»، وقبل ساعات من عودة مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، إلى بيروت، التي كانت طمأنت الرؤساء الثلاثة في زيارتها الأولى لبيروت بأن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب حاصل فور انتهاء التمديد الأول لتاريخ الانسحاب يوم 18 فبراير (شباط) الحالي، وبأن واشنطن تمارس الضغط على تل أبيب لإلزامها التقيد بالاتفاق دون تعديل.

وكشف المصدر عن أن أورتاغوس «لمحت في لقاءاتها بالرؤساء الثلاثة إلى وجود نية لدى إسرائيل للاحتفاظ بعدد من المواقع لضرورات أمنية لضمان أمن مستوطناتها الواقعة في الجزء الشمالي من حدودها مع لبنان، وللتأكد من أن (حزب الله) يلتزم وقف النار، وأن الجيش اللبناني تمكن من إطباق سيطرته بمؤازرة (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - يونيفيل) على البلدات الخاضعة لسيطرته ولم يعد فيها من بنى عسكرية وأنفاق لـ(الحزب)».

وقال إن أورتاغوس «نأت بنفسها عن الدفاع عن وجهة نظر إسرائيل في ضوء ما سمعته من أحد الرؤساء بأن إسرائيل ليست في حاجة للاحتفاظ بهذه المواقع وتحويلها إلى نقاط مراقبة، ما دامت تأتي في مصاف الدول المتقدمة في علوم التكنولوجيا الأمنية وتملك أقماراً اصطناعية، ومناطيد متطورة مزودة بأحدث معدات التصوير والمراقبة، وأسطولاً من طائرات الاستطلاع التي لا تغادر الأجواء اللبنانية وتنفذ مسحاً جوياً للمناطق تركّز فيه على تلك الخاضعة لسيطرة (حزب الله) ونفوذه».

ومع أن المصدر نفسه لم يستبعد أن تكون إسرائيل طوال مدة احتلالها معظم البلدات الواقعة في جنوب الليطاني قد تمكنت من زرع أجهزة إنذار مبكر في عدد من المرتفعات المطلة على مستوطناتها والواقعة في القطاعين الغربي والشرقي، فإنه في المقابل يتعامل مع إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بعدد من المواقع، وتحديداً تلك الموجودة في الخط الثاني لحدود لبنان مع إسرائيل، على أنه احتلال مقنّع لجنوب الليطاني، «انطلاقاً من أن الوصول إليها يتطلب من جيشها إنشاء ممرات آمنة لإيصال تموين للوحدات العسكرية الموجودة فيها، أو لاستبدال أخرى بها».

جرافة عسكرية تفتح الطريق بعد انتشار الجيش اللبناني لعودة أهالي قرية رب ثلاثين بجنوب لبنان إلى بلدتهم يوم 9 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وبكلام آخر، فإن مجرد كشف الجنرال جيفرز عليها، سيجعله متأكداً، كما يقول المصدر، من أن «بعض هذه المواقع موجودة في قرى تبعد كيلومترات عن الحدود، وهي على مقربة من الأماكن السكنية، وبالتالي، فإن الدخول والخروج منها يحتم على الجيش الإسرائيلي إخلاء هذه القرى من سكانها ومنع الدخول إليها، وهذا ما ينطبق على تلة العويضة الواقعة بين بلدتَي كفركلا وعديسة وعلى مشارف بلدتَي الطيبة ومركبا؛ مما يستدعي منع الجيش الإسرائيلي سكانها من الدخول إليها»، حتى إن أحد الرؤساء الثلاثة كان صارح أورتاغوس، كما يقول المصدر، بقوله إن بقاء هذه المواقع تحت سيطرة جيش الاحتلال يعني أن تل أبيب لا تتقيد بوقف النار، وأنها تبحث عن الذرائع للالتفاف على القرار «1701»؛ «وإلا فما الموانع التي تتمسك بها لرفضها إخضاع التلال والمواقع المطلة على مستوطناتها لسيطرة قوة مشتركة من الجيش اللبناني و(يونيفيل)، رغم أن احتلالها يستوجب المقاومة ويوجد الذرائع لـ(حزب الله) للانخراط فيها؛ لأنه من غير الجائز مطالبته بالتقيُّد بالاتفاق فيما تمعن إسرائيل في خرقه وتتمادى في تجريف وتدمير المنازل؟».

لذلك يبقى السؤال: هل إسرائيل تقايض تخليها عن هذه المواقع بأن يشمل نزع السلاح غير الشرعي شمال الليطاني أسوة بجنوبه؛ أم إنها تضغط لإرغام لبنان على الموافقة على التمديد الثاني لمهلة الانسحاب في انتظار انتهاء الحكومة من وضع بيانها الوزاري ونيلها ثقة النواب على أساسه، للتأكد من أن تطبيق القرار «1701» لن يقتصر على حصر نزع السلاح غير الشرعي في جنوب الليطاني، من دون أن يشمل شماله وصولاً إلى كل لبنان، مع أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن عدم إلزامها بالانسحاب من الجنوب سيفتح الباب أمام إقحام البلد في تجاذبات سياسية يمكن أن تحضر على طاولة اللجنة الوزارية المكلفة صياغة البيان الوزاري، وتوفر الذرائع لـ«الحزب» لتبرير احتفاظه بالسلاح ما دامت إسرائيل تتمرد على الإرادة الدولية وترفض التقيد باتفاق وقف النار تمهيداً للشروع في تطبيق الـ«1701»؟

جنود من الجيش اللبناني أمام آليات تتبع قوات «يونيفيل» جنوب لبنان (صفحة الجيش اللبناني على إكس)


مقالات ذات صلة

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مشهد عام لمدينة الخيام حيث يظهر الدمار الواسع نتيجة القصف وعملية التدمير الممنهج التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة على الجنوب اللبناني وتوسع في نمط ردّ «حزب الله»

لليوم الثاني على تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل، يتكرّس واقع ميداني يؤكد أن هذا التمديد لم يتحوّل إلى وقف فعلي لإطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

رغم الضجيج السياسي، يعكس الواقع الميداني التزام «حزب الله» بـ«الهدنة الهشة» ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، بينما يواصل بالوقت عينه مهاجمة مسار المفاوضات اللبنانية.

كارولين عاكوم (بيروت)

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».