انخفاض ملموس في الأسعار بدمشق وإقبال على الشراء... وارتياح شعبي

وفرة بالمواد الأساسية وسعادة لاختفاء الرشى والإتاوات

موظف يعدّ النقود داخل «البنك المركزي السوري» بدمشق في 16 ديسمبر 2024 (رويترز)
موظف يعدّ النقود داخل «البنك المركزي السوري» بدمشق في 16 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

انخفاض ملموس في الأسعار بدمشق وإقبال على الشراء... وارتياح شعبي

موظف يعدّ النقود داخل «البنك المركزي السوري» بدمشق في 16 ديسمبر 2024 (رويترز)
موظف يعدّ النقود داخل «البنك المركزي السوري» بدمشق في 16 ديسمبر 2024 (رويترز)

المتجول اليوم في أسواق وشوارع العاصمة السورية دمشق يَخَال أنها ليست المدينة التي كانت قبل شهر: انخفاض ملحوظ في أسعار عموم المواد الأساسية، وتوفرها بكثافة، يرافق ذلك تحسن الإقبال على الشراء، بعد أقل من شهر على انهيار نظام بشار الأسد.

واضح هو الارتياح لدى السوريين وتطلعهم إلى مزيد من التحسن في المستوى المعيشي، وكذلك لدى أصحاب المحال التجارية بعد انكماش اقتصادي طال وهدد مصادر أرزاقهم.

إقبال على أحد محال ساندويتشات الشاورما في حي الميدان بدمشق (الشرق الأوسط)

أمام واجهة محل لبيع الفَرّوج وساندويتشات الشاورما في حي كفر سوسة بدمشق، يتجمع عدد من الأفراد في انتظار دورهم لتسجيل طلباتهم، وهو مشهد خَفَتَ في السنوات الماضية بسبب ارتفاع الأسعار الخيالي.

يقول مالك المحل، شاهر طرابيشي: «الأوضاع أفضل الآن. الناس كان لديهم همّ وانفرج. كثير من زبائننا كانوا غادروا البلاد بسبب الوضع غير المستقر، وحالياً أرى كثيراً منهم وقد عادوا للشراء من عندنا».

مبادرات خاصة للخدمات ظهرت بدمشق... وفي الصورة خدمة تعبئة أسطوانات الغاز في «ساحة الأمويين» الثلاثاء (رويترز)

ويؤكد أن حركة البيع تزداد يومياً، وأن مستلزمات الإنتاج (زيت، وفَرّوج، وغاز...) متوفرة، وأن أسعارها انخفضت. ويوضح: «قبل سقوط الأسد كنت أشتري لتر المازوت بـ22 ألف ليرة، واليوم سعره بين 14 و15 ألفاً. أسطوانة الغاز سعة 16 كيلوغراماً سعرها كان مليوناً ونصف، وحالياً 600 ألف. صفيحة الزيت 16 كيلوغراماً كان ثمنها 560 ألفاً، بينما الآن 300 ألف».

ويلفت إلى أن انخفاض تكاليف الإنتاج أدى إلى انخفاض أسعار البيع، فبات سعر الفروج المقلي 115 ألف ليرة، بعد أن كان قد وصل إلى 140 ألفاً، وسعر الفروج النيئ اليوم 55 ألفاً، بينما كان بـ80 ألفاً، يضيف: «ازدادت مبيعاتنا بأكثر من 20 في المائة»، وفق طرابيشي، الذي يأمل أن «تعود أيام زمان عندما كنا نبيع ساندويتشة الشاورما بـ25 ليرة»، في حين أن سعرها اليوم 25 ألفاً.

زبائن لبنانيون داخل أحد محال الحلويات الشهيرة في حي الميدان وسط دمشق (الشرق الأوسط)

انخفاض الأسعار، وتحسن الإقبال على الشراء، يلمسهما المستهلك أيضاً لدى أفران صناعة خبز الصمون والكعك والكاتو، فقد انخفض سعر كيلو الخبز إلى 20 ألف ليرة، بعدما كان 30 ألفاً.

وفي ظل ازدحام الزبائن أمام مخبز في منطقة دوار باب مصلى، يصف نبيل الخجا، صاحب المخبز، لـ«الشرق الأوسط»، الأوضاع حالياً بأنها «واعدة»، فقد «وفرت لنا الإدارة الجديدة للبلاد معظم مستلزمات الإنتاج من مازوت وطحين وغيرهما. ووعدونا بتسهيلات أكبر ليصبح الوضع مريحاً أكثر، مثل توفير الكهرباء، ولكنها لم تتوفر حتى الآن، وإذا توفرت فسينخفض سعر الخبز إلى النصف؛ لأن تشغيل المولدات على المازوت يكلفنا شهرياً نحو 700 مليون ليرة، وإذا رفعوا رواتب الموظفين بنسبة 400 في المائة كما أعلنوا، فكل البلاد ستنتعش».

حركة حيوية في شارع للمخابز بمنطقة دوار باب مصلى (الشرق الأوسط)

أكثر ما يريح الخجا هو انتهاء ظاهرة إجبار موظفي المالية والتموين والصحة أصحابَ المحال على دفع رشى وإتاوات لهم، ويقول: «الجيد بينهم، وهم قلة، كان يطلب بضعة كيلوغرامات كعك وصمون، لكن أغلبيتهم كانوا يأخذون أيضاً لأقاربهم، والمصيبة أنه كان يأتينا في اليوم 3 أو 4 من موظفي التموين والصحة، ويصر كل واحد منهم على قبض مبلغ يتراوح بين 100 ألف و200 ألف، والحمد الله هذه الظاهرة انتهت كلياً؛ لأن مسؤولين في الإدارة الجديدة نبهوا علينا الاتصال بهم فور حدوث ذلك».

ازدحام أسواق حي الميدان بالعاصمة السورية ليلة 29 ديسمبر 2024 (الشرق الأوسط)

ولم تمنع برودة الطقس السكان والزائرين من التجول في سوق حي الميدان العريق، المعروفة بانتشار أفخر محال صناعة أنواع الحلويات، والتزود بما يرغبون. في أرجاء أحد تلك المحال عُلّق علم الثورة (العلم الجديد) ووُضع على علب الحلويات، وقد بدا السرور على وجه صاحبه مع وجود «عجقة» زبائن لبنانيين لديه. وبعد الانتهاء من تلبية طلباتهم، قال أبو بدر لـ«الشرق الأوسط»: «سوريا ولدت من جديد، وصار إقبال على الشراء، وستعود البلاد إلى أفضل مما كانت عليه. نسبة الإقبال على الشراء ازدادت كثيراً. إخواننا في الدول العربية يأتون حالياً إلى سوريا، والمهجّرون عاد معظمهم».

بسطة كبيرة لبيع الخضراوات والفاكهة بمنطقة الزاهرة الجديدة في دمشق (الشرق الأوسط)

انخفاض الأسعار ينسحب أيضاً على الخضراوات والفاكهة؛ إذ رصدت «الشرق الأوسط» وصول سعر الكيلوغرام الواحد من الموز إلى 12 ألف ليرة بعدما كان قبل سقوط نظام الأسد بـ30 ألفاً، والبطاطا إلى ما بين 3 آلاف و4 آلاف في حين كانت بـ12 ألفاً، والسكر وصل إلى 9 آلاف بعدما حلق إلى 15 ألفاً.

بالنسبة إلى محمد الحموي، وهو صاحب محل لبيع الخضراوات والفاكهة في بمنطقة الزاهرة، فإن «السبب الرئيسي الذي ساهم في خفض الأسعار هو إزالة حواجز نظام الأسد من الطرق؛ حيث كان عناصرها يجبرون أصحاب سيارات نقل البضائع على دفع إتاوات كبيرة جداً لهم، وهو أمر كان يرفع الأسعار بشكل جنوني».

وأكثر ما ولّد ارتياحاً لدى السكان هو انتهاء عمليات البلطجة والإذلال على الأفران للحصول على الخبز، التي كان يقوم بها شبيحة نظام الأسد. وتقول سيدة أربعينية: «صارت الناس كلها مثل بعضها. صرت آخذ حصتي بأقل من نصف ساعة، وأعامل باحترام».

الوضع الجديد في البلاد، التي كان يعيش أكثر من 90 من سكانها تحت خط الفقر بسبب سياسات النظام المخلوع، لا يروق للبعض؛ إذ يرد صاحب محل في بداية سوق حي الميدان بعد صمت استمر دقائق، لدى سؤاله من قبل مراسل «الشرق الأوسط» إن كانت الأوضاع تحسنت بعد سقوط نظام الأسد، بالدعاء بأن يبعث لي «مين يحكي».

ازدحام سيارات في «ساحة الأمويين»... وعلى الرصيف بسطة لبيع البنزين (الشرق الأوسط)

وبعدما كان يجري الحصول على 25 لتر بنزين كل 14 يوماً، مما يجبر صاحب السيارة على شرائه من السوق السوداء بسعر مرتفع (25 ألف ليرة للتر)، باتت بسطات بيع عبوات المادة تنتشر بكثافة في معظم الشوارع الرئيسية بسعر 135 ألفاً للواحدة، ويقول الباعة إن سعتها 9 لترات، أي يبلغ سعر اللتر 15 ألفاً.

وتركت عملية السماح بالتعامل بالدولار ارتياحاً كبيراً لدى السكان، وشهد سعر صرف الليرة السورية أمامه تحسناً ملحوظاً؛ إذ سجّلت 13500 مقابل الدولار للشراء، و13635 للبيع في «مصرف سوريا المركزي»، في حين وصلت الليرة في السوق الموازية إلى 12500 لكل دولار للشراء، و13000 للبيع، وفق عدد من التطبيقات.


مقالات ذات صلة

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: «امتعاض إيراني» يرفع درجة الخطر القادم إلى سوريا عبر الحدود

خاص صور نشرتها وسائل الإعلام السورية للمخدرات التي تمت مصادرتها في سرغايا

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: «امتعاض إيراني» يرفع درجة الخطر القادم إلى سوريا عبر الحدود

ما يجري على الحدود السورية - اللبنانية، والسورية - العراقية يشير إلى أن إيران ممتعضة من الحكومة السورية بسبب نجاحها في ضبط الحدود ومواقفها الإقليمية.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي لقطة عامة لجلسة لـ«مجلس الشعب» في الدورة الأخيرة (المجلس)

تحضيرات سورية مكثفة لإصدار قانون الإعلام الجديد

شرعت السلطات الجديدة في تفكيك المنظومة الرقابية السابقة وإلغاء العديد من القوانين والقيود التي كانت تُستخدم لملاحقة الصحافيين وتقييد الحريات.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)

تجدد التوغلات الإسرائيلية في ريف درعا السورية

‏ما بين 5 و6 آلاف دونم سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في القنيطرة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)

السعودية تموّل مشروعات تنموية في سوريا بـ403 ملايين دولار

أبرم الصندوق السعودي للتنمية، مع وزارة المالية السورية، 6 اتفاقيات قروض تنموية ميسّرة، بإجمالي يتجاوز 403 ملايين دولار، لدعم عدة قطاعات حيوية في سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق سوريا تبدأ بتطوير خططها لجناحها وتجاربها لزوار «إكسبو 2030 الرياض» بعد توقيع الاتفاقية (واس)

سوريا تُوقِّع عقد مشاركتها في «إكسبو 2030 الرياض»

وقّعت سوريا عقد مشاركتها في معرض «إكسبو 2030 الرياض»، بحضور الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس السوري أحمد الشرع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
TT

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن السفارة اللبنانية في واشنطن تبلغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية بقرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي الأميركية خلال مهلة أقصاها 48 ساعة.

وكانت معلومات قد أشارت إلى أن القرار جاء على خلفية الجدل الذي أثارته تقارير إعلامية أميركية، بعد نشرها منشورات قديمة منسوبة إلى شرارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت عام 1983، ووصفته بـ«المقاومة البطولية».

مواقفه السياسية

وفي التفاصيل، أورد موقع «واشنطن فري بيكون» الأميركي، في تقرير نشره في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أن شرارة كتب في منشور يعود إلى عام 2021، في إشارة إلى ذكرى تفجير ثكنة المارينز، أن «المقاومة البطولية» أنهت «الاحتلال العسكري الأميركي» للبنان بـ«ضربة واحدة». كما نقل عنه منشوراً آخر جاء فيه: «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه»، في إشارة إلى الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة (حسابه على فيسبوك)

ولفت التقرير إلى مواقف أخرى منسوبة إلى شرارة، بينها إشادته بعملية هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عام 2021، فضلاً عن صورة غلاف حسابه على منصة «إكس» التي تظهر علماً إسرائيلياً يحترق، واقتباس في تعريفه الشخصي للكاتب والقيادي الفلسطيني غسان كنفاني.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه» (إكس)

غير أن توقيت القضية يرتبط بعودة هذه المنشورات إلى التداول عشية انتخابات التجديد النصفي. فقد ركز تقرير «فري بيكون» على حضور شرارة مناسبة للجنة العمل السياسي العربية الأميركية في ديربورن، شارك فيها المرشح عبد الرحمن السيد قبل فوزه بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، ومرشحون ديمقراطيون آخرون. ونُشر التقرير قبل اقتراع 3 نوفمبر بيوم، فيما ظهرت أنباء الإجراء بعد الانتخابات بأيام. وعدّ هذا التسلسل السياق السياسي والإعلامي بمثابة محاولة للتأثير على ناخبي الولاية قبل التصويت، لكنه لا يثبت أن القرار عقاب على حضور المناسبة أو مرتبط بنتائج الانتخابات.

يذكر أنه من الناحية القانونية، تجيز المادة 23 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية للدولة المضيفة إعلان مسؤول قنصلي شخصاً غير مرغوب فيه، بما يستدعي استدعاءه أو إنهاء مهامه. وإذا لم تستجب الدولة الموفدة خلال مهلة معقولة، يمكن سحب الإذن بممارسة مهامه أو التوقف عن الاعتراف بصفته القنصلية، علماً بأن هذا الإجراء لا يعد حكماً جنائياً بحد ذاته.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه إن «المقاومة البطولية أنهت الاحتلال العسكري الأميركي للبنان بضربة واحدة» (إكس)

ومع ذلك، يمكن أن يتسبب القرار بتداعيات تتمثل في المباشرة المتوقعة في اضطرار بيروت لترتيب إدارة القنصلية وضمان استمرار خدمات الجالية، فضلاً عن احتواء الحرج الدبلوماسي. ولا يعني استهداف القنصل وحده قطع العلاقات أو إغلاق البعثة، لكن مدى اتساع القضية سيبقى مرتبطاً بالتوضيحات الأميركية والرد اللبناني.


آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة قد تفتح الباب لنتنياهو لإعادة الانتخابات

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة قد تفتح الباب لنتنياهو لإعادة الانتخابات

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتجه، الأحد، إلى تكليف رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، رسمياً بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 نائباً خلال المشاورات التي أجراها في ديوان الرئاسة، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن الطريق الذي قد يسلكه آيزنكوت لتشكيل حكومته لا يزال غير واضح، في ظل التعقيدات المرتبطة بتحالفه مع الأحزاب العربية من جهة، والأحزاب «الحريدية» من جهة أخرى.

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية (كان)» إن قادة كتلة التغيير يواجهون خياراً صعباً، إذ سيتعين عليهم التراجع عن وعد انتخابي واحد على الأقل من أجل تشكيل الحكومة.

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وأمام آيزنكوت طريقان لا ثالث لهما لتشكيل الحكومة: الأول، تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية لتكون حكومة أقلية، والثاني، التحالف مع الأحزاب الحريدية، التي طالما هاجمها، للوصول إلى 61 مقعداً. أما البديل فهو تشكيل حكومة وحدة برئاسة نتنياهو أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ويملك معسكر التغيير 48 مقعداً فقط مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، الذي يضم الأحزاب الحريدية، فيما يملك العرب 19 مقعداً.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه مع مرور الوقت، تتضح الأمور على أرض الواقع، وتتضاءل فرص آيزنكوت. وأضافت أن نصف تحالف التغيير على الأقل، بقيادة رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، أبلغ آيزنكوت فعلياً بأن خطته الطارئة لتشكيل حكومة من 48 مقعداً غير مقبولة ولن تُنفذ.

وإذا كان آيزنكوت قد قرر استبعاد العرب فعلاً، فلا يكفيه تعاون حزب «يهدوت هتوراة» الحريدي، الذي يمتلك 7 مقاعد في الكنيست الجديد، بل هو بحاجة إلى المقاعد الستة للحزب الديني الآخر «شاس».

ويعمل ليبرمان، شريك آيزنكوت الرئيسي، على تشكيل حكومة مع الحريديم، ويرى أن 61 مقعداً كافية لبدء العمل.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يشدد مراراً على عدم الاضطرار لإجراء انتخابات جديدة مبكرة (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الإحاطة التي عقدها ليبرمان هذا الأسبوع ترسم اتجاهاً واضحاً: «فيتو» مطلق على تشكيل حكومة من 48 مقعداً تعتمد على امتناع الأحزاب العربية عن التصويت، وحصر الخيارات في إمكانية واحدة فقط، هي تشكيل حكومة من 61 مقعداً بمشاركة الأحزاب الحريدية كتلةً واحدة.

وقال ليبرمان إنه لا مفر من «المرونة وتقديم التنازلات» في سلسلة من القضايا من أجل تشكيل الحكومة، بما في ذلك قضية قانون التجنيد.

وعلى الرغم من أن ليبرمان يخلف بذلك أحد وعوده الانتخابية، فإنه قد يُهيئ الرأي العام لتقبّل هذه الخطوة، وربما ينجح حيث سيفشل آيزنكوت.

ورغم أن مسؤولين في معسكر التغيير وصفوا هذه المهمة بالصعبة والمستحيلة، فإن آخرين يشعرون بالتفاؤل إزاء حقيقة أن حزب «يهدوت هتوراة»، رغم الضغوط الشديدة التي تعرّض لها، لم يوصِ أمام رئيس الدولة بأي مرشح لتشكيل الحكومة، وهو ما يرون فيه مؤشراً مشجعاً.

وإضافة إلى ليبرمان، يقف لاعب آخر هو نفتالي بينيت، الذي لم يُعلن بعد مواقفه علناً من القضايا المطروحة. والتقديرات تشير إلى أنه، مثل ليبرمان، لن يوافق على المشاركة في حكومة تعتمد بأي شكل من الأشكال على الأحزاب العربية.

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

وترى «يديعوت أحرونوت» أنه في ظل هذا الوضع، تراجعت في الأيام الأخيرة فرص كتلة التغيير، بل تضاءلت فرص آيزنكوت في تشكيل الحكومة، فأصبح الخيار إما تشكيل كتلة واحدة تضم جميع الحريديم، وإما الذهاب إلى انتخابات جديدة.

وفي محادثات مغلقة عقدها آيزنكوت مؤخراً، وعد بعدم إضاعة الوقت خلال فترة ولايته. وقال لمحاوريه: «إذا نجحنا فسننجح، وإذا لم ننجح فسنُعيد التكليف». وفي المقابل، يتربص نتنياهو وحلفاؤه بآيزنكوت، ويتمسكون بكل ورقة قد تمكنهم من عرقلته والإطاحة به.

وتثير السيناريوهات والتطورات المتعلقة بليبرمان والأحزاب الحريدية حالة من التوتر الشديد في مكتب نتنياهو. ويسود اعتقاد في محيط رئيس الحكومة بأنه، رغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن الأحزاب الحريدية وصلت إلى مرحلة النضج التي تسمح لها باتخاذ خطوة سياسية استثنائية.

ويرى مكتب نتنياهو أن حزب «يهدوت هتوراة» أكثر استعداداً من حزب «شاس» لاتخاذ هذه الخطوة، لكن موقف أرييه درعي لا يزال موضع تساؤل.

ونقل مكتب نتنياهو، حسب «هيئة البث الإسرائيلية»، رسائل تهديد إلى الأحزاب الحريدية، مفادها أنها لن تتمكن من العودة إلى معسكر اليمين في حال انضمامها إلى كتلة التغيير مقابل وعود تتعلق بقانون التجنيد قد لا يجري الوفاء بها. وقد يفتح هذا الوضع المعقد أمام آيزنكوت الباب في النهاية أمام نتنياهو.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن نتنياهو يُعيد طرح إمكانية تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، ومن المتوقع أن يدفع بقوة نحو هذا السيناريو في نهاية المطاف، مستنداً إلى إدراك جميع الأطراف في معسكر التغيير أن إجراء انتخابات جديدة خيار سيئ، خصوصاً بالنسبة إلى المعسكر الذي استنفد إلى حد كبير القدرة التصويتية المتاحة له.

وفي الغرف المغلقة، يُطرح أيضاً قلق حقيقي من أن محاولة حزب «الليكود» تقويض نتائج الانتخابات ليست سوى البداية، وأن إجراء انتخابات أخرى سيؤدي إلى تصعيد التشكيك في نتائج الانتخابات وزعزعة ثقة الجمهور بها، وهو سيناريو يحاول معسكر التغيير تجنبه.

وأكدت صحيفة «معاريف» أن كبار المسؤولين الأمنيين يخشون محاولة عناصر يمينية متطرفة منع أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية، والإطاحة برئيس الكنيست أمير أوحانا، على غرار سيناريو «الكابيتول» عام 2021، حين خسر دونالد ترمب الانتخابات.

وقالت «يديعوت» إن الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) أعدّا، بالتعاون مع حرس الكنيست، خطة استنفار خاصة لمواجهة هذا السيناريو. وفي حال تحركت الشرطة و«الشاباك» على مستوى الدولة، فمن المفترض نشر آلاف من عناصر الشرطة ومقاتلي وحدة الأمن التابعة لـ«الشاباك» في محيط الكنيست وعلى الطرق المؤدية إليه.


البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب. وفي وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، تتلاقى مواقف سياسية وروحية وشعبية على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ووضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

الراعي: الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر

وفي هذا السياق، أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه من احتمال توسُّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، خلال استقباله السفير الفرنسي باتريك دوريل في بكركي، حيث تناول البحث الأوضاع اللبنانية والإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة للمحافظة على الاستقرار. وشدد الراعي على أن «الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات».

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير الفرنسي والوفد المرافق (الوكالة الوطنية للإعلام)

من جهته، أكد السفير الفرنسي ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره. كما تناول اللقاء الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات «اليونيفيل»، والجهود الفرنسية بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية لتجنب أي فراغ أمني.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

نداء من النخب الشيعية الجنوبية: الجنوب ليس جغرافياً للآخرين

أما على المستوى الشعبي، فجاء «نداء جبل عامل والجنوب»، الذي أطلقته مجموعة تضم نحو 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية. ووجه الموقعون رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين، محذرين من أن يتحول النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى الحدودية، ورافضين أن يكون الجنوب «احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي».

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

ودعا النداء إلى تحرُّك وطني عاجل لحماية الجنوب من خلال الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لازدواجية القرار في القضايا المصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم. وحدد الموقعون ثلاثة مطالب أساسية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تضمن عودة المهجرين إلى بلداتهم.