«أكراد حلب» يذوقون مرارة التهجير مجدداً

تقديرات بنزوح أكثر من 120 ألفاً منهم باتجاه مناطق «قسد»

نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)
نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)
TT

«أكراد حلب» يذوقون مرارة التهجير مجدداً

نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)
نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)

يروي أكراد حلب (ثانية كبريات المدن السورية) كيف حملوا أرواحهم على أكفهم، وحقائب سفر وأمتعة قليلة، رُتّبت على عجل، خارجين من خيامهم ومآويهم المؤقتة، في تغريبة نزوح جديدة ورحلة شاقة ومتعبة، بصمتٍ يشوبه قهر للمرة الثالثة، وربما لن تكون الأخيرة...

فهم اضطروا إلى الفرار بعد اتفاق الفصائل السورية المسلحة الموالية لتركيا مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» على إخلاء بلدة تل رفعت الاستراتيجية في ريف حلب الشمالي، تاركين خلفهم كلّ ماضي وذكريات النزوح، بعدما خرجوا أول مرة من مدينة عفرين الكردية في مارس (آذار) 2018، ولا يساورهم في هذه اللحظات سوى تلمس الأمان مع استمرار الحرب الدائرة في بلدهم منذ 13 عاماً.

ومع دخول معركة حلب أسبوعها الثاني، وتضارب الأنباء حول اتفاق بين الفصائل المسلحة و«هيئة تحرير الشام»، بشأن انسحاب «قسد» من معاقلها داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، فقد وصل آلاف العائلات الكردية على دفعات، ممن كانوا يقطنون مخيمات قرى «الشهباء» (حلب) ومناطق بلدة تل رفعت، إلى بلدة الطبقة الواقعة في الريف الجنوبي لمحافظة الرقة (شمالي شرق)، والخاضعة لسيطرة قوات «قسد».

نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)

وقالت هيفدار مامي (35 عاماً)، التي وصلت مع زوجها ووالدتها وكل أفراد عائلتها المؤلفة من 11 شخصاً، منتصف ليل الاثنين - الثلاثاء إلى معبر البوعاصي في الطبقة، قادمة من بلدة تل رفعت: «منذ الهجوم على مدينة حلب، لم نعرف طعم الأمان والاستقرار، وكنا نتوقع هذا المصير، فنحن على هذه الحال منذ خروجنا من عفرين قبل 6 سنوات؛ نرحل من مكان إلى آخر».

وسبقت دموعها كلماتها الممزوجة بالحزن والقهر، لتقول لـ«الشرق الأوسط» بحسرة: «جئت بخيمتنا معنا وبعض الحاجات الضرورية، وما يمكن نقله من أمتعة، في رحلة نزوح جديدة، ولن تكون الأخيرة، ولا نعرف كيف ستكون فصول نهايتها».

نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)

وشاهدت «الشرق الأوسط» مئات العائلات الكردية في سيارات وعلى متن شاحنات وآليات زراعية، يصلون إلى معبر البوعاصي تباعاً في أفواج، بعد وصول 3 دفعات منذ ليل الاثنين، ليكملوا طريقهم نحو مراكز الإيواء المؤقتة التي أعدتها «الإدارة الذاتية» في الطبقة والرقة لاستقبال هؤلاء الهاربين.

مرارة النزوح

وبكلمات مبعثرة وصوت منخفض لا يكاد يُسمع، عبر سعدو حسو (55 عاماً) عن قساوة الحرمان ومرارة النزوح من مأواهم المؤقت في قرية فيفين، وقبل ذلك كيف خسر أرضه وأشجار الزيتون بناحية راجو في عفرين عند نزوحه الأول سنة 2018. وقال حسو، الذي رافقه والداه وزوجته وأطفالهما الأربعة: «نزحنا 5 مرات خلال سنوات الحرب، وهذه هي الرحلة السادسة. أنهكنا التعب والترحال، وأخشى أن أقضي بقية عمري على هذه الحال. سيبقى حلمنا بالعودة إلى عفرين أكبر طموحاتنا».

البعد عن عفرين

وذكر كثير من الفارين أنهم ناموا على مدار يومين متتاليين في قارعات الطرق، وسط درجات حرارة دون الصفر. وقالت ميرفانا (48 سنة)، وقد بدت على وجهها ملامح التعب والحزن وقلة النوم: «استجبنا لأوامر الإخلاء، ونزحنا حفاظاً على كرامتنا وأرواحنا، خوفاً من مرتزقة الفصائل الموالية لتركيا». وبعدما وصلتْ إلى بلدة الطبقة عقب رحلة نزوح صعبة، وصفتْ ما حدث معها بالقول: «توتر الوضع هناك، وقرر جميع سكان المخيمات الهروب والخلاص بأرواحنا. ضاقت بنا الدنيا، ثم توجهنا إلى مناطق الرقة، عسى أن نشعر بقليل من الراحة».

نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)

ويبحث كثير من الفارين الأكراد، الذين وصلوا إلى معبر البوعاصي في الطبقة، عن مأوى لهم بعد أن أمرتهم الفصائل المسلحة الموالية لتركيا بإخلاء منطقتَي تل رفعت وقرى الشهباء، وهو ما قاله «مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)»، في بيان؛ إذ أوضح أنه «حتى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نزح أكثر من 50 ألف شخص»، مشيراً إلى أنّ «وضع النزوح لا يزال شديد التقلّب، والشركاء يتحققون يومياً من أرقام جديدة».

قساوة الاغتراب

أما جيهان ذات الثلاثين عاماً، والمتحدرة من ناحية باسوطة بريف عفرين وكانت تقطن بلدة تل رفعت، فتروي كيف علمت بالإخلاء من الجيران، وتقول إنها رأت مئات الأشخاص وأرتال السيارات يمرون خارج المنطقة التي يعيشون فيها، وهم يحملون بعض الأمتعة وأغطية للنوم، والبعض الآخر لا يحمل سوى حقائب ظهر صغيرة... «أدركت آنذاك أن ساعة الرحيل قد جاءت، وحان بدء رحلة اغتراب ثانية. ما يعتصر قلبي أنني كنت بالقرب من عفرين، أما اليوم فتفصلنا مئات الكيلومترات».

وأضافت هذه النازحة الكردية: «لم نحمل الكثير هذه المرة؛ لأننا متعبون للغاية، لدرجة عدم قدرتنا على نقل أي شيء من خيمة إلى ثانية، ولم يعد معنا مال يكفي ولا مدخرات تحمينا من قساوة الأيام المقبلة».

120 ألف نازح

ووفق القادمين من مناطق حلب، فقد انتظر هؤلاء النازحون، ومن بينهم نساء وأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، ساعات طويلة في طقس بارد وظروف إنسانية قاسية قبل السماح لهم من قبل مقاتلي الفصائل المسلحة بالعبور والمرور.

نازحون من عفرين نزحوا مرة أخرى من قرى تل رفعت ومخيمات الشهباء ووصلوا إلى مراكز إيواء في بلدة الطبقة التابعة للريف الجنوبي لمحافظة الرقة (الشرق الأوسط)

بدوره؛ أوضح شيخموس أحمد، رئيس «مكتب شؤون النازحين واللاجئين والمنكوبين» في «الإدارة الذاتية»، لـ«الشرق الأوسط»، أن «نحو 120 ألف مهجّر ونازح سيصلون إلى مناطق (الإدارة)، والقسم الأكبر وصل بالفعل، والآخرون في طريقهم ضمن أفواج، وجهزنا مراكز إيواء مؤقتة، ووفرنا الرعاية الصحية اللازمة». ودعا في ختام حديثه المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية العاملة في المنطقة إلى «تقديم الدعم المطلوب للمهجّرين قسراً من مناطق الشهباء، وعفرين المحتلة، وبلدات تل رفعت وأحرص وفافين وشيخ عيسى».


مقالات ذات صلة

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً بينهم قادة، خلال أقل من شهر.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

في تعليق ضمني على احتجاجات الوقود في سوريا، قال الشرع إن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج واتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

«الشرق الأوسط» (دبي)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
TT

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)

نجا ما لا يقل عن مائة راكب كانوا على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» الإماراتية المتجهة إلى تل أبيب، أمس، من حادث ناجم - حسب إفادات أولية - عن مشادة بين طاقهما، وتسبب في هبوطها بشكل طارئ في مطار تبوك السعودي.

وبدت الدوافع بشأن الحادث متباينة؛ إذ أفادت الشركة الإماراتية بأن الأسباب «لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية» وقيد التحقيق، فيما عدّ مسؤولون إسرائيليون رسميون الحادث «إرهابياً».

وأوضح متحدث باسم «فلاي دبي» في بيان، أن مشادة وقعت داخل قمرة القيادة. وأصدر مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك، بياناً، جاء فيه أن مركز المراقبة الجوية تلقى نداء استغاثة من الرحلة، تطلب فيه تنفيذ هبوط اضطراري، وسُمح بهبوطها، مع تقديم الجهات المعنية الرعاية اللازمة للركاب في صالة المسافرين.

وأكد المطار التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن ركاب الطائرة «نجحوا في تحييد المهاجم، ومنعه من التسبب في (كارثة كبرى)». غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جزم بأن الحادث كان «محاولة هجوم جهادي»، على حد قوله. وأضاف: «‌المهاجم كان لديه هدف ⁠واحد ⁠هو تحطيم الطائرة».


سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
TT

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وأسفر الهجوم أيضا عن إصابة أربعة أشخاص. وكان مصدر أمني، طلب عدم كشف هويته، قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن هجوما استهدف حافلة لنقل موظفين في شركة للكهرباء في محافظة حمص بوسط سوريا، موضحاً أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالاً في شركة كهرباء خاصة».

وأشارت «سانا» إلى أن قوى الأمن باشرت التحقيقات لتحديد المتورطين في استهداف الحافلة.

وأوضح المصدر الأمني أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالا في شركة كهرباء خاصة».

قبيل الهجوم، طاول انفجار خطا للغاز بالقرب من إحدى أهم محطات توليد الطاقة الكهربائية في ريف دمشق، وفقا لما أوردت وسائل الإعلام الرسمية، بعد يومين مما وُصف بـ«عمل تخريبي» استهدف خطا آخر في شرق سوريا.

منذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في أواخر 2024، تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات أمنية كبرى، لا سيما في دمشق ومحيطها.

في 22 أغسطس (آب) أسفر انفجار حافلة تابعة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق عن عدد من الإصابات في صفوف عناصرها.

وفي مطلع ذاك الشهر، أصيب 14 شخصا في تفجير استهدف حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا قرب دمشق.

وجرمانا ضاحية مكتظة جنوب شرق دمشق، تقطنها غالبية درزية وتضم كذلك مسيحيين وسكانا من محافظات عدة. وشهدت في أبريل (نيسان) 2025 اشتباكات دامية على خلفية طائفية أوقعت عشرات القتلى من الدروز.

وفي يوليو (تموز)، استهدف تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، محيط فندق أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة أجراها إلى دمشق. وقالت السلطات السورية إن الخلية المتورطة بالتفجيرين تتبع تنظيم «داعش».


فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
TT

فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)

احتفى العراقيون برحيل القوات الأميركية، اليوم الأربعاء، بعد أكثر من عقدين من الحرب، لكن كثيرين يخشون أن يؤدي أي فراغ أمني إلى زيادة نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران أو يتيح فرصة لعودة تنظيم «داعش».

وبانسحاب آخر القوات -الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان شبه المستقل- تنتهي أكبر حرب خاضتها الولايات المتحدة هذا القرن، التي تسببت في دمار وفوضى على نطاق واسع لم يتعافَ منهما العراق تماماً بعد.

وترى إيران، التي رسخت نفوذها في العراق من خلال جماعات مسلحة متحالفة معها وتصمم على طرد جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط، أن الانسحاب الأميركي انتصار لما تسميه «محور المقاومة» من جماعات مسلحة حليفة في أنحاء المنطقة.

وانطلقت قوات عراقية في قافلة بالسيارات عبر شوارع بغداد ومدينة النجف التي تحظى بمكانة دينية لدى الشيعة احتفالاً بالانسحاب.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال أحمد صلاح، أحد سكان بغداد، إن الانسحاب «يملأ قلوبنا فرحاً». وأضاف أنه يشعر كأنه وُلِد من جديد في سن السبعين. لكنه أشار أيضاً ‌إلى أن الوقت قد ‌حان الآن لكي تسلم الفصائل المسلحة القوية أسلحتها، قائلاً: «دع الحكومة تكون الجهة المسؤولة عن حماية كلينا، أنا ‌وأنت، ⁠براً وجواً وفي ⁠المياه».

وجرت الموافقة على الانسحاب في 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وتنفذه إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران المجاورة.

وكانت قوات بقيادة الولايات المتحدة غزت العراق في عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأميركية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية بعد أن استولى مقاتلو تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق وفرضوا حكماً قائماً على العنف.

ولقي أكثر من 4500 جندي أميركي حتفهم في العراق، وهو ما يبلغ مثلي عدد قتلاها في حرب متزامنة في أفغانستان. ويشير مشروع «ضحايا حرب العراق» إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسمياً عملية العزم الصلب، ⁠مضيفة أن واشنطن ستواصل تقديم التدريب والدعم المخابراتي الموجّه للشركاء العراقيين.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات شعبية بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وقوات التحالف من العراق في بغداد اليوم (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن يقود العراقيون جهود تأمين بلدهم، ‌الحليف لكل من واشنطن وطهران، والإبقاء على فلول تنظيم «داعش» تحت السيطرة.

وقال رئيس الوزراء ‌العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن ‌أمنه واستقراره».

«الفراغ الأمني يمكن أن يكون بالغ الخطورة»

رغم أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، يشعر البعض بالقلق من أن قوات الأمن التي ‌دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد.

وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

وقال عادل سلمان (45 عاماً)، وهو مدرس لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية، إن العراقيين يجب ألا يتسرعوا في الاحتفال بالانسحاب.

وأضاف: «لا تزال الميليشيات تعمل خارج سيطرة الدولة، كما أن تنظيم (داعش) لم يختفِ بعد... أشعر بالقلق من أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى فترة جديدة من عدم الاستقرار. وفي نهاية ‌المطاف، سيحكم الناس على هذا القرار من خلال أمر واحد فقط: ما إذا كان الأمن سيظل مستقراً خلال السنوات المقبلة».

وتجمع مئات من أنصار الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في بغداد للاحتفال بالانسحاب، مرددين ⁠هتافات «الموت لأميركا».

وحمل المحتفلون صور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وابنه مجتبى الذي خلفه، والجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني الذي قُتل في ضربة جوية أميركية استهدفت موكبه ببغداد في 2020.

ومع وجود القوات الأميركية جنباً إلى جنب مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، انخرط العراق في حرب إيران هذا العام.

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم منذ أن أطلق ترمب عملية «ملحمة الغضب» إلى جانب إسرائيل في فبراير (شباط). آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير مُحكم لطائرة مسيّرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو (تموز).

عناصر من الأمن العراقي يرفعون شارات النصر خلال مشاركتهم في قافلة احتفالاً بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد إن الانسحاب يثير «احتمال أن تشعر الجماعات التي تنشط بالوكالة عن إيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول هذه الجماعات توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».

ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين إن الانسحاب الأميركي ينطوي أيضاً على خطر منح مقاتلي تنظيم «داعش» فرصة جديدة للنشاط، إذ ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة الخلافة التي أعلنها التنظيم قبل نحو 10 سنوات.

وفي المرة السابقة التي انسحبت فيها القوات الأميركية أظهر الجيش العراقي أنه لا يقوى على مواجهة تنظيم «داعش»، إذ خلع الجنود زيهم العسكري وفروا عندما استولى التنظيم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في عام 2014.

وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على التنظيم: «السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف».