ما وضع مناطق «المصالحات» في ضوء معارك حلب وإدلب وحماة؟

درعا تتململ… أهالي تلبيسة يضبطون أبناءهم… ومهجرو الشمال بعضهم انضم للمعارك

مظاهرة في مدينة طفس بدرعا مؤيدة لهجوم فصائل المعارضة شمال سوريا (درعا 24)
مظاهرة في مدينة طفس بدرعا مؤيدة لهجوم فصائل المعارضة شمال سوريا (درعا 24)
TT

ما وضع مناطق «المصالحات» في ضوء معارك حلب وإدلب وحماة؟

مظاهرة في مدينة طفس بدرعا مؤيدة لهجوم فصائل المعارضة شمال سوريا (درعا 24)
مظاهرة في مدينة طفس بدرعا مؤيدة لهجوم فصائل المعارضة شمال سوريا (درعا 24)

مع تواصل خروج المظاهرات في بلدات ومدن عدة بمحافظة درعا جنوب سوريا تأييداً لعملية «رد العدوان» التي تشنها الفصائل المسلحة ضد القوات الحكومية، كذلك ما شهدته منطقة تلبيسة في ريف حمص الشمالي، يطرح السؤال نفسه حول احتمالات تحرك مناطق المصالحات باتجاه الانضمام للهجوم الذي تشنه الفصائل المسلحة في شمال غربي سوريا وإعادة توزيع مناطق النفوذ. مع ملاحظة أن عدداً من المقاتلين الذي أجروا مصالحات وخرجوا مع عوائلهم إلى الشمال ضمن الاتفاقيات التي رعتها روسيا، يحارب بعضهم الآن مع «هيئة تحرير الشام» والفصائل في العملية.

افتتاح مركز مصالحة في تلبيسة الصيف الماضي (سانا)

مصادر متقاطعة في دمشق تحدثت عن حملة اعتقالات واسعة خلال الأيام القليلة الماضية في بلدات ريف دمشق للمطلوبين للخدمة الإلزامية واعتقال العشرات من الشباب في بلدات زملكا وعربين وعين ترما بالغوطة الشرقية وأيضاً في مدينة دمشق. وشوهدت عناصر الشرطة العسكرية تنتشر في محطات النقل ومراكز التجمعات العامة في حملة تفتيش عن الشباب.

وقالت مصادر متابعة في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الحكومية بحاجة إلى مقاتلين لزجهم في المعركة، كما أن سوق الشباب وملاحقة المطلوبين للتجنيد في دمشق وريفها «إجراء استباقي» لمنع تحرك هؤلاء وتشكيلهم خطراً في ظل التطورات المتسارعة شمالاً، رغم ضعف احتمالات التحرك لعدم وجود فصائل مسلحة منظمة في دمشق وريفها، عدا مناطق صغيرة لا يزال فيها مسلحون بشكل فردي رفضوا إجراء تسوية، إضافة لملاحقين ومطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية، كما في بلدة زاكية بوادي بردى، المحاطة بالقوات الحكومية.

مركز للمصالحات في درعا جنوب سوريا (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وكانت دمشق قد حرصت على فتح مسار التسويات منذ انطلاق الاحتجاجات عام 2011، بالتوازي مع العمليات العسكرية، سعياً لتجفيف المد المعارض، وبدا واضحاً أنها في المناطق الاستراتيجية المحيطة بالعاصمة ومواقع تحصينها، أجرت تسويات بعد معارك طاحنة أدت إلى تهجير سكاني واسع، واجتثاث للفصائل المسلحة وقد أبعد إلى الشمال من تبقى من عناصرها، كما حصل في داريا والغوطة الشرقية التي تحولت إلى مناطق شبه مهجورة، وعودة المدنيين إليها مشروطة بسلسلة إجراءات معقدة وموافقات أمنية، وبعض المناطق لا تزال العودة إليها ممنوعة، مثل حي جوبر.

ضبط محلي

إلا أن التصعيد الذي شهدته بلدة تلبيسة في ريف حمص الشمالي يوم السبت يعطي إجابات مختلفة عن واقع مناطق المصالحات، فبينما كانت وسائل الإعلام تبث تقارير عن انسحاب القوات الحكومية من تلبيسة وسيطرة المسلحين عليها، وإحراق الحواجز ومقر الشرطة وقطع الطريق الدولي واعتراض السيارات المدنية والعسكرية، كان الأهالي في البلدة يسعون إلى تهدئة الأوضاع، وتفادي تجاوزات السلوك المنفلت لمسلحين محليين متحمسين، بعد وصول فصائل الشمال إلى كيلومترات قليلة من منطقتهم.

إضرام النيران في حواجز للجيش السوري في تلبيسة (متداولة)

ونفت مصادر أهلية في تلبيسة لـ«الشرق الأوسط» وجود فصائل مسلحة في تلبيسة والرستن وريف حمص عموماً، بالمعنى التنظيمي العسكري، منذ عام 2018 حيث جرى اتفاق على تسوية برعاية روسية، تتضمن تأمين الطريق الدولي ونشر نقاط تفتيش في محيط بلدة تلبيسة وتأمين المقرات والثكنات العسكرية المحيطة بها، مقابل عدم التدخل بشكل مباشر أو ملاحقة رافضي التسوية ممن احتفظوا بسلاحهم الفردي، والسماح للراغبين منهم بالتوجه نحو مناطق المعارضة شمال غربي البلاد. إلا أن ذلك لم يمنع حصول احتكاكات بين القوات الحكومية والأهالي على خلفية الانفلات الأمني وعمليات الخطف التي كانت تقوم بها عصابات مسلحة تتبع الميليشيات الرديفة للقوات الحكومية بريفي حمص الشمالي والغربي.

تلبيسة شمالي حمص 2017 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مصادرنا لفتت إلى أن القوات الحكومية عملت خلال السنوات الماضية على تبريد تلك المنطقة، حرصاً على الطريق الدولي الواصل بين دمشق وحمص وحماة وحلب، وحرصاً على المعامل والمنشآت الحيوية هناك مثل مصفاة النفط في حمص ومعامل الفوسفات والأسمنت القريبة، والمواقع العسكرية، والكلية الحربية وغيرها. وتابعت أن أهالي تلبيسة المناهضين للحكومة يدركون ذلك كما يدركون حجم إمكانياتهم، وأن أي تحرك «غير محسوب» سيؤدي إلى فوضى ومذابح فظيعة.

وتداولت مواقع إخبارية خلال اليومين الماضيين بياناً نسب إلى «مجلس عائلات تلبيسة»، تبرأ فيه من حالات خطف وإحراق ونهب لمقرات حكومية، السبت الماضي، واعتبرها تصرفاً مشيناً مع التعهد «بحماية كافة المنشآت العامة والخاصة»، والطلب من «الجهات المختصة بعودة الدوائر الحكومية والأقسام الأمنية».

درعا مشهد مختلف

في محافظة درعا جنوب سوريا يبدو المشهد مختلفاً كمنطقة مصالحات حيث تشهد حالة انفلات أمني منذ أكثر من عام، وفيها العديد من المجموعات المسلحة، حيث تنذر الأجواء العامة المؤيدة لتحرك الفصائل المسلحة في الشمال بالانضمام لهذا التحرك والتقدم نحو دمشق، وسط أنباء عن تعزيز انتشار ميلشيات تتبع إيران في محيط درعا بشكل مختلف في مواقع القوات الحكومية التي تعزز مقراتها وتحصن مواقعها وحواجزها بالدشم، تحسباً من تصاعد التطورات في المحافظة. يحدث ذلك بالتوازي مع إخلاء ضباط من رتب عالية ومسؤولين حكوميين عوائلهم من درعا.

درعا طفس ازدحام أمام الأفران اليوم الثلاثاء (متداولة)

وتشير المعلومات إلى وجود تحركات تقودها مجموعات تضم عناصر من رافضي التسوية ممن احتفظوا بسلاحهم، وبحسب مصادر في درعا قالت إن تلك المجموعات بانتظار «إشارة»، في الوقت الذي لم يتوقف فيه استهداف نقاط التفتيش والمقرات العسكرية التابعة للقوات الحكومية، وخروج مظاهرات ليلية «شبان على دراجات نارية» تجوب الشوارع، وتهتف بشعارات مناهضة للحكومة وتؤيد معركة «ردع العدوان» في الشمال.

وشهد ليل الاثنين/ الثلاثاء مظاهرات مؤيدة للمعارضة في بلدات نمر وناحتة والجيزة شرقي درعا ومدينة نوى، فيما أعلن عن مقتل شاب من أبناء بلدة الصورة بريف درعا الشرقي (من المبعدين سابقاً ضمن المصالحات)، أثناء مشاركته في المعارك الدائرة شمال سوريا مع أحد الفصائل المسلحة هناك.


مقالات ذات صلة

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي انفجار خط الغازأدى إلى خروج 3 محطات توليد كهرباء عن الخدمة (سانا)

سوريا: خروج 3 محطات توليد كهرباء عن الخدمة إثر انفجار خط أنابيب غاز

أعلنت شركة الكهرباء السورية، الأربعاء، خروج 3 محطات توليد عن الخدمة، نتيجة انفجار وقع على خط الغاز في محطة تشرين، ما أدى إلى توقف الإمدادات اللازمة للتشغيل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تجهيز النازحين ببعض المستلزمات الضرورية قبل إعادتهم إلى مناطقهم التي نزحوا عنها في ريف حلب (وزارة الطوارئ)

خطة «سوريا بلا مخيمات»… عودة 10 آلاف أسرة وإغلاق 157 مخيماً

مع اقتراب فصل الشتاء تشهد خطة الحكومة السورية لتحقيق رؤية «سوريا بلا مخيمات» تسارعاً ملحوظاً وخلال الأسبوع الماضي عادت أكثر 500 عائلة نازحة إلى مناطقها الأصلية.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي حركة مرور نشطة لشاحنات البضائع المتجهة إلى السويداء يشهدها حاجز المتونة على طريق دمشق – السويداء (الإخبارية السورية)

ما سرّ الحركة السلسة على طريق دمشق – السويداء... وهدوء الجبهات منذ 3 أسابيع؟

ترافقت تلك السلاسة مع هدوء يسود الجبهات بين عناصر قوى الأمن الداخلي وما يعرف بـ«الحرس الوطني»، وصمت من قِبل شيخ العقل حكمت الهجري عن أي تصريح قد يثير التوترات.

موفق محمد (دمشق)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقى مع نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

العلاقات المصرية - السورية إلى تحسن لا تعوقه «التباينات»

لا تعوق «التباينات» السياسية بين مصر وسوريا تحسن العلاقات بين القاهرة ودمشق، والذي بدا ظاهراً في الفترة الأخيرة بعد فترة جمود.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
TT

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)

نجا ما لا يقل عن مائة راكب كانوا على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» الإماراتية المتجهة إلى تل أبيب، أمس، من حادث ناجم - حسب إفادات أولية - عن مشادة بين طاقهما، وتسبب في هبوطها بشكل طارئ في مطار تبوك السعودي.

وبدت الدوافع بشأن الحادث متباينة؛ إذ أفادت الشركة الإماراتية بأن الأسباب «لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية» وقيد التحقيق، فيما عدّ مسؤولون إسرائيليون رسميون الحادث «إرهابياً».

وأوضح متحدث باسم «فلاي دبي» في بيان، أن مشادة وقعت داخل قمرة القيادة. وأصدر مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك، بياناً، جاء فيه أن مركز المراقبة الجوية تلقى نداء استغاثة من الرحلة، تطلب فيه تنفيذ هبوط اضطراري، وسُمح بهبوطها، مع تقديم الجهات المعنية الرعاية اللازمة للركاب في صالة المسافرين.

وأكد المطار التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن ركاب الطائرة «نجحوا في تحييد المهاجم، ومنعه من التسبب في (كارثة كبرى)». غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جزم بأن الحادث كان «محاولة هجوم جهادي»، على حد قوله. وأضاف: «‌المهاجم كان لديه هدف ⁠واحد ⁠هو تحطيم الطائرة».


سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
TT

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وأسفر الهجوم أيضا عن إصابة أربعة أشخاص. وكان مصدر أمني، طلب عدم كشف هويته، قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن هجوما استهدف حافلة لنقل موظفين في شركة للكهرباء في محافظة حمص بوسط سوريا، موضحاً أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالاً في شركة كهرباء خاصة».

وأشارت «سانا» إلى أن قوى الأمن باشرت التحقيقات لتحديد المتورطين في استهداف الحافلة.

وأوضح المصدر الأمني أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالا في شركة كهرباء خاصة».

قبيل الهجوم، طاول انفجار خطا للغاز بالقرب من إحدى أهم محطات توليد الطاقة الكهربائية في ريف دمشق، وفقا لما أوردت وسائل الإعلام الرسمية، بعد يومين مما وُصف بـ«عمل تخريبي» استهدف خطا آخر في شرق سوريا.

منذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في أواخر 2024، تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات أمنية كبرى، لا سيما في دمشق ومحيطها.

في 22 أغسطس (آب) أسفر انفجار حافلة تابعة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق عن عدد من الإصابات في صفوف عناصرها.

وفي مطلع ذاك الشهر، أصيب 14 شخصا في تفجير استهدف حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا قرب دمشق.

وجرمانا ضاحية مكتظة جنوب شرق دمشق، تقطنها غالبية درزية وتضم كذلك مسيحيين وسكانا من محافظات عدة. وشهدت في أبريل (نيسان) 2025 اشتباكات دامية على خلفية طائفية أوقعت عشرات القتلى من الدروز.

وفي يوليو (تموز)، استهدف تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، محيط فندق أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة أجراها إلى دمشق. وقالت السلطات السورية إن الخلية المتورطة بالتفجيرين تتبع تنظيم «داعش».


فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
TT

فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)

احتفى العراقيون برحيل القوات الأميركية، اليوم الأربعاء، بعد أكثر من عقدين من الحرب، لكن كثيرين يخشون أن يؤدي أي فراغ أمني إلى زيادة نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران أو يتيح فرصة لعودة تنظيم «داعش».

وبانسحاب آخر القوات -الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان شبه المستقل- تنتهي أكبر حرب خاضتها الولايات المتحدة هذا القرن، التي تسببت في دمار وفوضى على نطاق واسع لم يتعافَ منهما العراق تماماً بعد.

وترى إيران، التي رسخت نفوذها في العراق من خلال جماعات مسلحة متحالفة معها وتصمم على طرد جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط، أن الانسحاب الأميركي انتصار لما تسميه «محور المقاومة» من جماعات مسلحة حليفة في أنحاء المنطقة.

وانطلقت قوات عراقية في قافلة بالسيارات عبر شوارع بغداد ومدينة النجف التي تحظى بمكانة دينية لدى الشيعة احتفالاً بالانسحاب.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال أحمد صلاح، أحد سكان بغداد، إن الانسحاب «يملأ قلوبنا فرحاً». وأضاف أنه يشعر كأنه وُلِد من جديد في سن السبعين. لكنه أشار أيضاً ‌إلى أن الوقت قد ‌حان الآن لكي تسلم الفصائل المسلحة القوية أسلحتها، قائلاً: «دع الحكومة تكون الجهة المسؤولة عن حماية كلينا، أنا ‌وأنت، ⁠براً وجواً وفي ⁠المياه».

وجرت الموافقة على الانسحاب في 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وتنفذه إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران المجاورة.

وكانت قوات بقيادة الولايات المتحدة غزت العراق في عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأميركية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية بعد أن استولى مقاتلو تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق وفرضوا حكماً قائماً على العنف.

ولقي أكثر من 4500 جندي أميركي حتفهم في العراق، وهو ما يبلغ مثلي عدد قتلاها في حرب متزامنة في أفغانستان. ويشير مشروع «ضحايا حرب العراق» إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسمياً عملية العزم الصلب، ⁠مضيفة أن واشنطن ستواصل تقديم التدريب والدعم المخابراتي الموجّه للشركاء العراقيين.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات شعبية بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وقوات التحالف من العراق في بغداد اليوم (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن يقود العراقيون جهود تأمين بلدهم، ‌الحليف لكل من واشنطن وطهران، والإبقاء على فلول تنظيم «داعش» تحت السيطرة.

وقال رئيس الوزراء ‌العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن ‌أمنه واستقراره».

«الفراغ الأمني يمكن أن يكون بالغ الخطورة»

رغم أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، يشعر البعض بالقلق من أن قوات الأمن التي ‌دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد.

وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

وقال عادل سلمان (45 عاماً)، وهو مدرس لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية، إن العراقيين يجب ألا يتسرعوا في الاحتفال بالانسحاب.

وأضاف: «لا تزال الميليشيات تعمل خارج سيطرة الدولة، كما أن تنظيم (داعش) لم يختفِ بعد... أشعر بالقلق من أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى فترة جديدة من عدم الاستقرار. وفي نهاية ‌المطاف، سيحكم الناس على هذا القرار من خلال أمر واحد فقط: ما إذا كان الأمن سيظل مستقراً خلال السنوات المقبلة».

وتجمع مئات من أنصار الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في بغداد للاحتفال بالانسحاب، مرددين ⁠هتافات «الموت لأميركا».

وحمل المحتفلون صور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وابنه مجتبى الذي خلفه، والجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني الذي قُتل في ضربة جوية أميركية استهدفت موكبه ببغداد في 2020.

ومع وجود القوات الأميركية جنباً إلى جنب مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، انخرط العراق في حرب إيران هذا العام.

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم منذ أن أطلق ترمب عملية «ملحمة الغضب» إلى جانب إسرائيل في فبراير (شباط). آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير مُحكم لطائرة مسيّرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو (تموز).

عناصر من الأمن العراقي يرفعون شارات النصر خلال مشاركتهم في قافلة احتفالاً بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد إن الانسحاب يثير «احتمال أن تشعر الجماعات التي تنشط بالوكالة عن إيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول هذه الجماعات توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».

ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين إن الانسحاب الأميركي ينطوي أيضاً على خطر منح مقاتلي تنظيم «داعش» فرصة جديدة للنشاط، إذ ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة الخلافة التي أعلنها التنظيم قبل نحو 10 سنوات.

وفي المرة السابقة التي انسحبت فيها القوات الأميركية أظهر الجيش العراقي أنه لا يقوى على مواجهة تنظيم «داعش»، إذ خلع الجنود زيهم العسكري وفروا عندما استولى التنظيم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في عام 2014.

وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على التنظيم: «السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف».