الوافدون اللبنانيون ينعشون أسواق السيدة زينب

الغالبية للخروج من سوريا باتجاه العراق حيث الحاضنة المذهبية

«سوق بهمن» الشهيرة تشهد ازدحام متسوقين وصور أمين العام «حزب الله» حسن نصر الله (الشرق الأوسط)
«سوق بهمن» الشهيرة تشهد ازدحام متسوقين وصور أمين العام «حزب الله» حسن نصر الله (الشرق الأوسط)
TT

الوافدون اللبنانيون ينعشون أسواق السيدة زينب

«سوق بهمن» الشهيرة تشهد ازدحام متسوقين وصور أمين العام «حزب الله» حسن نصر الله (الشرق الأوسط)
«سوق بهمن» الشهيرة تشهد ازدحام متسوقين وصور أمين العام «حزب الله» حسن نصر الله (الشرق الأوسط)

انتعشت أسواق منطقة السيدة زينب، المعقل الرئيسي للميليشيات الإيرانية و«حزب الله» في جنوب دمشق، مع توجه أغلبية الوافدين اللبنانيين إليها، بينما يتطلع معظمهم للخروج من «الجزيرة الصغيرة» باتجاه العراق، على أساس أن «الوضع هناك أفضل، والبيئة المجتمعية أوسع».

بمجرد الدخول إلى حي السيدة زينب من مدخله الشمالي، يُلاحَظ الازدحام في الطريق الرئيسية المؤدية إلى المقام الذي يؤمه الشيعة من إيران ولبنان والعراق وباكستان.

كما تلاحظ أن أعداداً كبيرة من الوافدين اللبنانيين اتباع «حزب الله» الفارين من جحيم الحرب التي تشنّها إسرائيل على مناطق مختلفة من بلادهم، مستهدفة معاقل الحزب. وجودهم يدلل عليه الزي الذي ترتديه نساؤهم، والمكون من عباءة سوداء وغطاء رأس من اللون ذاته.

على الرصيف المقابل للمدخل الغربي إلى مقام السيدة زينب، تجلس 5 وافدات لبنانيات يحتسين القهوة ويتناولن قطعاً من «البيتيفور».

طبيعة وحساسية المكان، لا تسمحان للصحافي بالتحدث معهنّ، فالحذر مطلوب في منطقة تعدّ معقلاً للحرس الثوري وميليشياته و«حزب الله»، والاقتراب من الوافدات قد يثير الريبة ليس لديهنّ فقط، بل لدى العاملين في الكافيتريا وعناصر من الحزب موجودين في أروقتها.

مخرج أحد الأجنحة في مقام السيدة زينب ويظهر الزوار بينهم نازحون من لبنان (الشرق الأوسط)

الاستفسار عن موقع أحد الفنادق، كان مدخلاً للحديث، ومن ثم الاسترسال في الحديث من باب الاطمئنان على الوضع في لبنان وأحوال النازحين.

توضِّح سيدة كانت حلقات الدخان تتصاعد من سيجارتها، أنها ورفيقاتها وصلن قبل يومين، قائلة: «في البداية نزحنا من الضاحية إلى مناطق بيروت الآمنة، ولكن القصف صار يستهدف معظم المناطق، فجئنا إلى هنا».

سيدة أخرى تلفت إلى صلة القرابة بينهنّ؛ لذلك كان نزوحهنّ جماعياً، وكذلك إقامتهنّ معاً في فندق واحد، بأجر قدره 15 دولاراً في اليوم عن كل شخص.

نازحات لبنانيات أمام أحد محال العصير المقابلة لمقام السيدة زينب (الشرق الأوسط)

مشهد السيدات والفتيات اللبنانيات على الطاولة يحتسين المشروبات ويُدَخِّنَّ السجائر الفاخرة، بات من الصعب على كثير من السوريين الاستمتاع به، ويُنظر إلى مَن يملك تلك الرفاهية بعين الحسد، في ظل الارتفاع الخيالي للأسعار والفقر المدقع الذي تعاني منه غالبية الأسر في مناطق نفوذ الحكومة.

في «سوق بهمن» التجارية الواقعة شرق المقام، التي تعدّ من أكبر وأهم أسواق المنطقة، يزداد ازدحام المارة والمتسوقين. بعض هؤلاء «زوار» عراقيون يقصدون المقام، وآخرون من أهالي المنطقة، بينما الأعداد الكبيرة من النازحين اللبنانيين الذين تدل عليهم لكنة أحاديثهم.

أحد مداخل الأسواق شرق مقام السيدة زينب (الشرق الأوسط)

يصف صاحب محل لبيع الألبسة الجاهزة، حركة الإقبال على الشراء، بـ«الجيدة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «في مثل هذه الفترة من كل عام نعاني عادة من قلة البيع؛ بسبب موسم المؤونة والمدارس، ولكنَّ إخواننا اللبنانيين حرَّكوا السوق».

وكما هي الحال منذ سنوات طويلة، تُعلَّق في أرجاء السوق وبكثافة يافطات وصور تدعو إلى إحياء المناسبات الدينية الشيعية، مع انتشار واسع لمكاتب تنظيم رحلات «الزوار» الشيعة التي تُعلِّق يافطات ترويجية، كذلك تغلب على الفنادق والمحال التجارية باختصاصاتها كافة، التسميات الإيرانية والمذهبية.

جديد «سوق بهمن» في هذه الفترة، هو تعليق صور الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، الذي قُتل في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي بغارة إسرائيلية.

الفاطمية... إحدى مناطق السيدة زينب الغربية ويظهر فيها مبنى «المضافة» (الشرق الأوسط)

الحال نفسها في «سوق منطقة الفاطمية» شرق المقام، وتنتشر فيها بكثافة محال الوجبات الجاهزة والحلويات والسوبر ماركت، مماثلة لما هي عليه في «سوق بهمن»، حيث تشهد المحال حركة إقبال على الشراء.

دوار بلدة حجيرة المؤدي إلى حي السيدة زينب (الشرق الأوسط)

يؤكد صاحب محل لبيع ساندويتشات الشاورما، قائلاً: «إن الإقبال على الشراء أفضل مما هو عليه في كثير من أسواق دمشق؛ مثل (نهر عيشة)، و(الداحاديل)، و(عاصم)، و(الزاهرة والأمين)، وحتى (باب سريجية)».

ويقول الرجل لـ«الشرق الأوسط»: «منذ مجيء اللبنانيين، تحسّنت الحركة، فغالبية محلات الساندويتشات والفروج واللحوم والحلويات والبزوريات، تعمل حتى منتصف الليل».

بدوره، يوضِّح صاحب سوبر ماركت ضخم لبيع المواد الغذائية، قائلاً: «هناك مطابخ ضخمة أقامتها الجهات العراقية الموجودة هنا، وتوزع يومياً على النازحين اللبنانيين آلاف الوجبات الجيدة التي تتضمَّن قطعاً من اللحم أو الفروج».

مقام السيدة زينب وقد رُفعت عليه رايات سوداء حداداً على مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» (الشرق الأوسط)

بالمقابل، وداخل أجنحة «مقام السيدة زينب» - الذي ترتفع في أعلى قبابه أعلام سوداء حداداً على مقتل نصر الله، وتنتشر صوره بكثافة في الداخل - اتخذت عشرات العائلات اللبنانية مقراً للإقامة؛ بسبب ضعف إمكاناتها المادية.

معدمون مادياً

يؤكد لنا شاب يقيم مع أهله في المقام، أن هناك عائلات كثيرة مثل أسرته «عايفة حالها، وقد وجدت في المقام مكاناً تنستر فيه»، موضحاً أن المقيمين في الفنادق على نفقة الجهات العراقية والإيرانية، هم مَن قدموا إلى المنطقة بداية التصعيد الإسرائيلي، «أما حالياً فمَن يأتي عليه أن يتدبر أمر إقامته بنفسه».

داخل مقام السيدة زينب حيث تقيم عائلات لبنانية نازحة (الشرق الأوسط)

تقدر مصادر من النازحين اللبنانيين خلال الحديث معهم، عددهم في منطقة السيدة زينب بنحو 26 ألفاً، في حين تلفت مصادر محلية من المنطقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن أغلبيتهم «يقيمون في فنادق، إضافة إلى دعم كبير تقدمه لهم جهات عراقية وإيرانية موجودة في المنطقة»، لافتين إلى أن تلك الجهات، كما يقول نازحون، تتكفل بدفع أجور إقامتهم في الفنادق.

ورغم ذلك فإن كثيراً من الوافدين اللبنانيين يسعون إلى النزوح إلى حي السيدة زينب جنوب شرقي العاصمة السورية؛ من أجل الانتقال إلى العراق في أقرب وقت ممكن، للاستقرار هناك.

يقول شاب وافد خلال دردشة معنا في «سوق بهمن»: «أعداد كبيرة تنوي الذهاب للعراق؛ لأن الحرب طويلة على ما يبدو وقد تصل إلى هنا أيضاً». ويضيف الشاب، قائلاً: «الوضع في العراق بالنسبة لنا أفضل، فهناك تَكفُّل من المرجعيات والحشد (الشعبي) بكل شيء من سفر وإقامة وعمل ومدارس وغير ذلك».

حساسية

مصادر متابعة في دمشق، أرجعت اندفاع الوافدين اللبنانيين من اتباع «حزب الله» على السفر إلى العراق، لأسباب عدة، أبرزها أن «الحاضنة المذهبية هناك أكبر بكثير من هنا».

وتضيف المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الوافدين اللبنانيين إلى المنطقة، «يشعرون بأنهم يعيشون في جزيرة صغيرة مغلقة، في ظل وجود حساسية لدى كثير من السوريين أوجدتها استباحة الحزب كثيراً من قراهم وممتلكاتهم خلال الحرب في سوريا».

أعلام سوريا و«حزب الله» في القصير قرب الحدود اللبنانية يونيو 2013 (أ.ف.ب)

وتوضِّح المصادر أنه «خلال موجة النزوح اللبناني في أثناء حرب يوليو (تموز) عام 2006، أقامت أعداد كبيرة منهم في أحياء دمشق، أما حالياً فإن قلة قليلة منهم تقيم في أحياء عاصمة الأمويين؛ بسبب تلك الحساسية».

ودفع التصعيد الإسرائيلي الكثيف والدموي على لبنان منذ 23 سبتمبر الماضي، أكثر من 460 ألف شخص إلى العبور من لبنان إلى سوريا، وفق السلطات اللبنانية، معظمهم سوريون، بينما تذكر الأرقام السورية، أن عدد اللبنانيين الوافدين إلى البلاد فاق 120 ألفاً.


مقالات ذات صلة

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

المشرق العربي مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز شراكة البلدين الاستراتيجية، وباريس تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين عراقيين رئيسيين هما: الطاقة والدفاع.

ميشال أبونجم (باريس)
رياضة عربية نيفتشي الأوزبكي هزم ضيفه القوة الجوية العراقي (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: ضربة رأس تقود نيفتشي لحسم مواجهة القوة الجوية

سجل البديل زوران ماروشيتش هدفاً بضربة رأس متقنة في الدقيقة 83 ليفوز نيفتشي الأوزبكي 1 - صفر على ضيفه القوة الجوية العراقي الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فيرغانا (أوزبكستان))
المشرق العربي معبر الشلامجة الحدودي مع إيران في محافظة البصرة يوم السبت بعدما أغلقته الحكومة العراقية على خلفية الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

العراق يشدد إجراءات الأمن لمنع استهداف دول الجوار

ما زال الهجوم الذي طال المملكة العربية السعودية، نهاية الأسبوع الماضي، يحظى باهتمام الجهات الرسمية العراقية التي تتحدث عن إجراءات مشددة للحيلولة دون تكراره.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد الزيدي يناقش مع رئيس شركة توتال إنرجيز باتريك بوينيه والوفد المرافق له مشاريع الشركة في العراق (إكس)

الزيدي يناقش مشاريع «توتال» الفرنسية في العراق

أعلن العراق، الاثنين، أن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، ناقش مع رئيس شركة توتال إنرجيز باتريك بوينيه، في باريس، مشاريع الشركة التي تنفذها في العراق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص خريجون من كلية الشرطة يستعرضون أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال حفل ببغداد يوم 13 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

خاص خفايا تقويض «حصر السلاح» في بغداد... ترسانة الفصائل باقية حتى 2028

نجحت فصائل عراقية بمساعدة إيرانية في إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ، وفق مصادر موثوقة.

علي السراي (الرياض)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.