هل ينهار «محور المقاومة» الإيراني تحت وطأة الهجمات الإسرائيلية؟

مقاتلون من «حزب الله» خلال جنازة في ضاحية بيروت الجنوبية لثلاثة من رفاقهم قُتلوا في سوريا في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من «حزب الله» خلال جنازة في ضاحية بيروت الجنوبية لثلاثة من رفاقهم قُتلوا في سوريا في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

هل ينهار «محور المقاومة» الإيراني تحت وطأة الهجمات الإسرائيلية؟

مقاتلون من «حزب الله» خلال جنازة في ضاحية بيروت الجنوبية لثلاثة من رفاقهم قُتلوا في سوريا في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من «حزب الله» خلال جنازة في ضاحية بيروت الجنوبية لثلاثة من رفاقهم قُتلوا في سوريا في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

سلطت شبكة «إن بي سي» الأميركية الضوء على الغارات التي شنتها إسرائيل خلال الفترة الأخيرة على «حزب الله» اللبناني وغيره من حلفاء إيران، وقالت إن إسرائيل ألحقت أضراراً غير مسبوقة بـ«محور المقاومة» الإيراني، وأصبحت طهران تواجه معضلة.

وأضافت الشبكة أن إيران اعتمدت لعقود من الزمن على «حزب الله» ووكلاء آخرين كخط دفاع أول، لكن مسؤولين استخباراتيين ومحللين سابقين في الولايات المتحدة أكدوا أن الضربات الجوية الإسرائيلية التي قضت على كبار قادة «حزب الله» وتركت أمنه الداخلي في حالة سيئة، تشكل ضربة مدمرة لمشروع إيران الذي استمر عقوداً لفرض النفوذ والسلطة في الشرق الأوسط من خلال الوكلاء.

ففي غضون أسابيع، عانت إيران، و«حزب الله» الذي يعتبر وكيلها الأكثر أهمية، من إخفاقات أمنية كارثية، فقد اخترقت إسرائيل شبكة اتصالات «حزب الله» ودمرتها، وقتلت العديد من كبار الشخصيات، وقتلت زعيم «حزب الله» القوي والمؤثر حسن نصر الله، الذي لا يمكن استبداله بسهولة.

وقال مسؤولون أميركيون إن الضربات الجوية الإسرائيلية قتلت معظم قادة «حزب الله» ودمرت مستودعات أسلحة، مما تسبب بأضرار غير مسبوقة.

ونظر النظام الإيراني إلى «حزب الله» باعتباره حجر الزاوية في استراتيجية لتطويق الخصوم المتفوقين عسكرياً بالوكلاء المسلحين، الممولين والمدربين من قبل «الحرس الثوري» الإيراني، وأطلقت عليهم طهران اسم «محور المقاومة».

ومن خلال تزويد «حزب الله» بترسانة من الصواريخ والقذائف، إلى جانب جماعات أخرى في غزة والعراق وسوريا واليمن، راهنت إيران على أنها يمكن أن تضعف إسرائيل والولايات المتحدة وتستعرض عضلاتها، مع تجنب المواجهة المباشرة التي لا يمكنها الفوز بها، لكن استراتيجية إيران قللت من تقدير كيفية رد إسرائيل على الهجوم الذي شنته حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) وإطلاق «حزب الله» للصواريخ.

ملصق ضخم يتضمن صورة نصر الله رُفع في طهران (أ.ف.ب)

وقال ضباط استخبارات سابقون ومحللون لمكافحة الإرهاب في أميركا إن طهران بالغت أيضاً في تقدير قوة شبكة وكلائها.

وقال الخبير في شؤون الإرهاب بروس هوفمان، الأستاذ في جامعة جورج تاون: «لقد تم تمزيق حساباتهم بالكامل، فبالنسبة لإسرائيل، هذا تحول مذهل عن الأحداث التي وقعت قبل عام تقريباً»؛ في إشارة إلى هجوم «حماس» الذي فاجأ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وأضاف هوفمان: «لقد استعادت الاستخبارات الإسرائيلية هالة الردع التي فقدتها بعد كارثة أكتوبر».

وحولت إسرائيل تركيزها إلى «حزب الله» بعد أن ألحقت أضراراً جسيمة بـ«حماس» في قطاع غزة على مدار العام الماضي.

ورغم تعرض «حزب الله» لهجوم لا هوادة فيه في الأيام الأخيرة، فقد أثبتت إيران عجزها وربما عدم رغبتها في حماية حلفائها في لبنان، وفقاً للشبكة الأميركية.

وذكر مسؤولون سابقون في الاستخبارات والدفاع أن هذا قد يثير تساؤلات لدى بعض المقاتلين في المجموعات التابعة لإيران حول ما إذا كانت طهران راعية موثوقة.

وقال ماثيو سافيل من معهد الخدمات المتحدة الملكي في لندن، الذي كان مسؤولاً كبيراً في وزارة الدفاع البريطانية، إن شبكة وكلاء طهران كان من المفترض أن تعمل كرادع للهجوم الإسرائيلي المباشر على إيران نفسها، لكن الأحداث الأخيرة «كشفت الضعف في قلب» استراتيجية إيران.

وأضاف: «بينما ستستخدم إيران شركاءها للدفاع عن نفسها، فإن العكس ليس صحيحاً، ومن غير المرجح أن تخوض حرباً مع إسرائيل لإنقاذ أحد هؤلاء الشركاء».

واتفق غلين كورن، وهو ضابط كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية، مع هذا الرأي. وقال: «لم تتمكن إيران حتى الآن من القيام بأي شيء مهم لدعم وكلائها».

وذكر كورن وضباط استخبارات سابقون آخرون أن قدرة إسرائيل على ضرب الدائرة الداخلية لـ«حزب الله» بنجاح تأتي بعد سنوات من العمل الاستخباراتي منذ عام 2006، عندما حاولت إسرائيل وفشلت في قتل نصر الله وهزيمة الحزب بشكل دائم، وأضاف كورن أن العمل الاستخباراتي الطويل الأمد «يؤتي ثماره».

ووفقاً للشبكة، أجبرت العمليات الإسرائيلية الناجحة إيران و«حزب الله» أيضاً على مواجهة سؤال محير: كيف ومتى ترد دون التعرض لمزيد من النكسات؟

إذا اختارت إيران أو «حزب الله» إطلاق وابل من الصواريخ والقذائف على إسرائيل الآن، فإن ذلك يخاطر برد انتقامي هائل من قبل إسرائيل وحرب شاملة لا تمتلك طهران المعدات اللازمة للفوز بها.

وهناك أيضاً خطر إسقاط القوات الإسرائيلية والأميركية في المنطقة للعديد من الصواريخ، كما حدث في أبريل (نيسان)، عندما أطلقت إيران أكثر من 300 طائرة من دون طيار وصاروخ على إسرائيل دون أي تأثير تقريباً.

بالنسبة لرئيس إيراني جديد يقول إن حكومته مستعدة لإحياء الدبلوماسية النووية مع الغرب، فإن الصراع المتصاعد مع إسرائيل من شأنه أن ينسف أي فرصة للمفاوضات أو تخفيف العقوبات اللازمة لإحياء الاقتصاد الإيراني.

ولكن إذا اختارت طهران عدم الرد، فسوف تبدو إيران ضعيفة وأنها تتراجع أمام إسرائيل.

وقال المحلل كريم سجادبور، وهو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام، إن المرشد علي خامنئي «يواجه الآن معضلة من صنعه، فمن خلال عدم الرد بقوة، فإنه يستمر في فقدان ماء وجهه، ومن خلال الرد بقوة مفرطة، قد يفقد رأسه»، مضيفاً أن «هذه الإذلالات ستغذي الحديث عن الخلافة في طهران».

وذكر مسؤولون سابقون أن خياراً آخر أمام إيران و«حزب الله» يتمثل في تنفيذ هجمات في الخارج، وملاحقة أهداف أكثر ضعفاً مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم.

وقال مارك بوليميروبولوس، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية: «القلق الوحيد الذي ينبغي أن ينتابنا هو العودة إلى النوع القديم من العمليات الإرهابية، والأهداف السهلة مثل السفارات في الخارج، سواء كانت إسرائيلية أو أميركية، ومن المؤكد أن هذا السيناريو سيكون أكثر ترجيحاً».

صور نصر الله على أحد المباني في ضاحية بيروت الجنوبية (إ.ب.أ)

وذكر ضباط استخبارات سابقون أن التوغلات العسكرية الإسرائيلية السابقة في لبنان، وآخرها في عام 2006، أتت بنتائج عكسية، ويمكن أن توفر رؤية القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية دفعة قوية لقوات «حزب الله» وقضيته.

وقال كورن إن الفوضى داخل «حزب الله» وغياب زعيم قوي من المرجح أن يخلقا فراغاً في بيروت، ومن غير الواضح ما إذا كانت الحكومة اللبنانية ستحاول إعادة تأكيد نفسها بعد أن هيمن عليها «حزب الله» لسنوات.

وتساءل كورن: «من سيملأ هذا الفراغ؟ هل ستكون الدولة اللبنانية؟ هل سيكون تنظيم (داعش)؟ هل ستكون مجموعة أخرى؟ والسؤال الكبير هو ما إذا كانت القوات المسلحة اللبنانية مستعدة للتدخل والسيطرة على بلدها، وهو ما لم تتمكن من القيام به حتى الآن، لأن (حزب الله) كان القوة العسكرية والسياسية الأولى في لبنان».

وقال نورمان رول، الذي عمل لمدة 34 عاماً في وكالة المخابرات المركزية وأشرف على عمليات الاستخبارات بشأن إيران، إن المهمة الأولى لإيران ستكون إعادة بناء «حزب الله» ووكلائه الآخرين؛ فرغم الأضرار الجسيمة، فإن «الجماعات لا تزال على قيد الحياة، ولم تتضاءل سيطرتها على المناطق الجغرافية الخاصة بها إلى الحد الذي يجعل بقاءها موضع شك، وسوف يكون الهدف الأساسي لإيران هو المساعدة في بقاء هذه الجماعات وتعافيها».

وذكر أن «الحملة الإسرائيلية أزالت جيلاً من قادة (حزب الله)، وإذا ما استمرت الهجمات الإسرائيلية، فإن عملية صنع القرار في (حزب الله) سوف تكون في حالة من الفوضى، لكن الجماعة تظل قوة كبيرة».

وقال: «لا يزال هناك عشرات، إن لم يكن مئات، من القادة من المستوى الأدنى إلى المتوسط، إلى جانب الآلاف من المؤيدين المسلحين في كثير من الأحيان».


مقالات ذات صلة

أزمة «هرمز» تبدد آمال انفراجة بين واشنطن وطهران

شؤون إقليمية سفينة «سيفان» المدرجة ضمن 19 سفينة من «أسطول الظل» قبل اعتراضها في بحر العرب بواسطة مروحية تابعة للبحرية الأميركية وإعادتها إلى إيران تحت الحراسة السبت (سنتكوم)

أزمة «هرمز» تبدد آمال انفراجة بين واشنطن وطهران

عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان، التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن، في زيارة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - إسلام آباد)
شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية تظهر صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية في 1 فبراير 2026 سقفاً جديداً فوق مبنى كان قد دمر سابقاً في موقع أصفهان النووي بإيران (بلانت لبس - رويترز)

ماذا يقصد ترمب بـ«الغبار النووي» الإيراني؟

في الأسابيع الأخيرة، تحدث الرئيس دونالد ترمب عن مادة يقول إنها أساسية لإنهاء حرب الولايات المتحدة ضد إيران: «الغبار النووي».

ديفيد إي. سانغر (واشنطن) لوك برودواتر (واشنطن)
شؤون إقليمية جنديان تابعان لـ«البحرية الأميركية» p-circle

ترمب يرفع سقف المواجهة في «هرمز»... والهدنة مهددة بالانهيار

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخطر تهديداته المباشرة منذ تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، بعدما أمر بـ«إطلاق النار وقتل» أي قارب يزرع ألغاماً في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.