إسرائيل تعبر الحدود بعد انسحاب الجيش اللبناني

مقتل عسكري لبناني وقائد «حماس» في لبنان

TT

إسرائيل تعبر الحدود بعد انسحاب الجيش اللبناني

جنود إسرائيليون بالقرب من دبابات وناقلات جند مدرعة في شمال إسرائيل وسط أنباء عن عملية برية وشيك داخل لبنان 30 سبتمبر 2024 (أ.ب)
جنود إسرائيليون بالقرب من دبابات وناقلات جند مدرعة في شمال إسرائيل وسط أنباء عن عملية برية وشيك داخل لبنان 30 سبتمبر 2024 (أ.ب)

قُتل عسكري في الجيش اللبناني للمرة الأولى منذ بدء المواجهات الواسعة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، في ظل تقارير عن إبلاغ تل أبيب لواشنطن بأن قواتها تستعد لعملية برية قريباً داخل لبنان.

وذكر مسؤولون أميركيون لوكالة «أسوشيتد برس» أن إسرائيل تنفذ حالياً عمليات برية محدودة عبر الحدود في لبنان وأن عملية برية كبيرة لا تزال قيد التخطيط. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، يوم (الاثنين)، إن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بالعمليات، التي وصفها «بالمحدودة» وتستهدف البنى التحتية لـ«حزب الله» بالقرب من الحدود. ولم يتضح ما إذا كانت إسرائيل قد اتخذت قرارًا نهائيًا بشأن عملية أوسع نطاقًا.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء) المناطق المحيطة بتجمعات المطلة ومسكاف عام وكفار جلعادي السكنية في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان منطقة عسكرية مغلقة، ومنع الدخول إلى تلك المناطق.وقال الجيش الإسرائيلي إن القرار اتخذ بعد تقييم للوضع.

وذكرت وكالة «رويترز» للأنباء نقلاً عن سكان محليين انسحاب الجيش اللبناني من عدة مواقع على الحدود الجنوبية مع إسرائيل.

وقال مصدر أمني لبناني للوكالة إن القوات انسحبت لمسافة خمسة كيلومترات على الأقل شمال حدودها الجنوبية مع إسرائيل، فيما تحدث «وكالة الصحافة الفرنسية» أن الجيش اللبناني اعاد التمركز قرب الحدود في جنوب لبنان على وقع تهديدات اسرائيلية بتوغّل محتمل.

جاء ذلك في وقت واصلت فيه إسرائيل استكمال حرب الاغتيالات، واستهدفت فجر الاثنين، للمرة الأولى، قلب بيروت في ضربة أودت بحياة 3 أعضاء في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، بينما أدت غارة جوية على مخيم فلسطيني جنوب لبنان، إلى مقتل قائد كبير في حركة «حماس».

كما طال القصف الإسرائيلي مبنى في محيط معبر جديدة يابوس الحدودي بين لبنان وسوريا، الذي يكتظ بالمواطنين الهاربين من لبنان.

واستمرت في الساعات الماضية الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وتركزت بشكل أساسي في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث لا يزال هناك مئات الأشخاص العالقين تحت الأنقاض.

آليات إسرائيلية تتجمع قرب الحدود مع لبنان الاثنين (إ.ب.أ)

التهديد بالاجتياح البري

وفي خضم ذلك، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، لمح الاثنين، إلى عملية برية محتملة ضد «حزب الله» في لبنان.

ونقل بيان للجيش عن غالانت قوله خلال زيارته جنوداً من وحدة مدرّعة منتشرة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، إنّ «القضاء على (زعيم «حزب الله» حسن) نصر الله خطوة مهمة، لكنّها ليست الأخيرة. ولضمان عودة سكان شمال إسرائيل، سنستخدم كلّ قدراتنا».

وأضاف أمام الجنود: «سنستخدم كلّ القدرات المتوفّرة لدينا، وإذا لم يفهم أي شخص على الجانب الآخر ما تنطوي عليه تلك القدرات، فإنّنا نعني كل القدرات، وأنتم جزء من هذا الجهد».

وفي حين لم يسجّل على الجانب اللبناني أي تبدل في التحركات العسكرية، تضاربت المعلومات الاثنين حول توغّل بري إسرائيلي محتمل. إذ أفادت تقارير ببدء عمليات لقوات الكوماندوز الإسرائيلية في مناطق لبنانية قريبة من الخط الأزرق، بينما كشف مسؤول أميركي أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة، أنها تخطط لتنفيذ عملية برية وشيكة في لبنان.

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن هذا المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه، أن إدارة الرئيس جو بايدن تبلغت من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن التوغل البري «سيكون محدوداً».

غير أن العملية العسكرية ستذهب إلى أبعد من الغارات الهادفة إلى اغتيال قيادة «حزب الله» والمسؤولين الميدانيين لديه، كما كان المسؤولون الإسرائيليون قد أبلغوا نظراءهم الأميركيين خلال الأسبوع الماضي.

لكن المسؤول الأميركي أفاد بأن الولايات المتحدة «لا تعتقد» أن النية تشبه عملية إسرائيل التي استمرت 34 يوماً في لبنان عام 2006، بل «نسخة مخففة بشكل كبير من ذلك».

طفل لبناني يتلقى علاجه بأحد المستشفيات بعدما أصيب في قصف إسرائيلي أدى إلى مقتل والده (رويترز)

ومع ذلك، حذّر المصدر الأميركي من أن المسؤولين في إدارة بايدن قلقون من أن ما قد يبدأ توغلاً محدوداً يمكن أن يتحول إلى عملية أكبر على المدى الأطول.

وقال إن هذه المخاوف تجري مناقشتها مع الجانب الإسرائيلي، الذي يدّعي أن التوغل البري المحدود من شأنه أن يستهدف البنية التحتية لـ«حزب الله» قرب الحدود مع إسرائيل، وسيركز على تطهير البنية التحتية المسلحة على طول الحدود لإزالة التهديد للمجتمعات الحدودية الإسرائيلية.

وتبلغت الولايات المتحدة بأن القوات الخاصة الإسرائيلية نفذت بالفعل غارات صغيرة داخل الأراضي اللبنانية في الأيام الأخيرة كجزء من الاستعدادات لهجوم بري إسرائيلي محتمل. ويتوقع أن تنسحب القوات الإسرائيلية بعد التوغل.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن 6 ضباط ومسؤولين إسرائيليين ومسؤول غربي واحد، أن الغارات ركزت على جمع المعلومات الاستخبارية حول مواقع «حزب الله» بالقرب من الحدود، فضلاً عن تحديد أنفاق «حزب الله» والبنية التحتية العسكرية، استعداداً لمهاجمتها جواً أو براً.

وقال 3 من المسؤولين إن الغارات تأتي بعد أشهر من المهمات السرية المماثلة التي عبرت فيها القوات الخاصة الإسرائيلية لفترة وجيزة الحدود اللبنانية للاستطلاع، لكنها زادت في الكثافة في الأيام الأخيرة، حيث استعد القادة لمناورة أوسع.

وذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، من جهتها، أن اجتياح إسرائيل للبنان «بات مسألة أيام».

سيارات الإسعاف تنقل جثث قتلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في منطقة الكولا ببيروت (رويترز)

مقتل عسكري لبناني وقائد «حماس» في لبنان

والاثنين، أعلن الجيش اللبناني عن مقتل عسكري جراء ضربة من مسيّرة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية لدى مرورها على حاجز في جنوب لبنان، ليكون بذلك أول جندي يقتل منذ بدء إسرائيل شن غارات كثيفة على مناطق عدة.

وقال الجيش في منشور على منصة «إكس»: «استُشهد أحد العسكريين نتيجة استهداف مسيّرة تابعة للعدو الإسرائيلي دراجة نارية أثناء مرورها عند حاجز» في منطقة الوزاني الحدودية مع إسرائيل.

وكانت «الوكالة الوطنية للإعلام» أفادت بوقوع 3 غارات شنتها مسيّرات، استهدفت الأولى دراجة نارية عند مفترق الخيام، مما أدى إلى سقوط قتيلين سوريين، واستهدفت الثانية مركزاً للجيش في الوزاني، ما أدى إلى إصابة عسكري بشظايا، نقل على أثرها إلى المستشفى للعلاج، أما الثالثة فاستهدفت دراجة نارية على أطراف بساتين وأدت إلى جرح سوريين.

وقبل ذلك، كانت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» قد أعلنت أن عدداً من أعضائها قتلوا في غارة إسرائيلية استهدفت شقة في منطقة الكولا ببيروت، وهي الأولى من نوعها التي تستهدف قلب العاصمة اللبنانية منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.

والأعضاء القتلى بحسب البيان؛ هم محمد عبد العال، عضو المكتب السياسي للجبهة ومسؤول الدائرة العسكرية الأمنية، وعماد عودة، عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة وقائدها العسكري في لبنان، والمقاتل عبد الرحمن عبد العال.

وأظهرت لقطات فيديو عرضتها قنوات تلفزيونية شقة مهدمة جزئياً، بسبب الغارة على مبنى في حي الكولا ذي الغالبية السنية، والواقع قرب الطريق التي تربط العاصمة بمطار بيروت.

والجبهة الشعبية هي منظمة فلسطينية يسارية مصنفة إرهابية من قبل إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وقد ساندت «حزب الله» اللبناني في عملياته العسكرية التي ينفذها في شمال إسرائيل «دعماً» لغزة.

من جهتها، أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية مقتل قائدها بلبنان في غارة جوية بجنوب البلاد. وقالت الحركة في بيان: «ننعى (...) الشهيد القائد فتح شريف أبو الأمين قائد حركة المقاومة الإسلامية - حماس في لبنان وعضو قيادة الحركة في الخارج»، الذي قتل في «عملية اغتيال إرهابية وإجرامية» استهدفت منزله في مخيم البص قرب صور بجنوب لبنان، مشيرة إلى أنه قتل في الغارة مع زوجته وابنه وابنته.

وأشارت الوكالة الوطنية للإعلام إلى أن هذه المرة التي يتم فيها استهداف المخيم الفلسطيني.

ويأتي هذا الاستهداف بعدما كان نائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» صالح العاروري، قُتل في 2 يناير (كانون الثاني) الماضي بضاحية بيروت الجنوبية، في ضربة نُسبت إلى إسرائيل.

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على قرية إبل السقي بجنوب لبنان الاثنين (أ.ف.ب)

وفجر الاثنين أيضاً، كان القصف قد استهدف مبنى في محيط معبر جديدة يابوس الحدودي مع لبنان، ما أسفر عن إصابة 7 مقاتلين موالين لإيران؛ 5 منهم غير سوريين، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ويشهد معبر جديدة يابوس، أكبر المعابر بين سوريا ولبنان، ازدحاماً شديداً منذ أيام، إثر تدفق آلاف اللاجئين السوريين واللبنانيين هرباً من الغارات الإسرائيلية الكثيفة على لبنان.

قصف مستمر على البقاع والجنوب

إلى ذلك، ساد الهدوء الحذر في الضاحية الجنوبية لبيروت الاثنين، في حين استمر القصف الإسرائيلي على البقاع اللبناني والجنوب، حيث أعلنت وزارة الصحة ارتفاع عدد القتلى الذين سقطوا في المبنى الذي استهدفه القصف الإسرائيلي في منطقة عين الدلب، شرق صيدا، إلى 45 شخصاً و70 جريحاً.

ونعت وزارة الصحة 6 عناصر من «الدفاع المدني» في «الهيئة الصحية الإسلامية»، بعد استهداف الطائرات الإسرائيلية مراكز لها في بلدة سحمر بالبقاع الغربي، كما سقط 3 قتلى في غارة على محيط ساحة بنعفول في قضاء صيدا.

كما شهدت منطقة الهرمل في البقاع مجزرتَين جديدتَين نتيجة القصف الإسرائيلي، حيث أُطلق صاروخان باتجاه المنازل السكنية عند منتصف الليل، واستهدف منزلَان في محلّتَي الشلمان وحوش السيد علي، ممّا أسفر عن سقوط 10 قتلى، بالإضافة إلى إصابة 20 فرداً من عائلة واحدة.

وشنت الطائرات الإسرائيلية غارتين على بلدتي كفرشوبا وكفر حمام في قضاء حاصبيا، وغارتين على شقرا وبرعشيت في الجنوب.

صواريخ «حزب الله»

في المقابل، أعلن «حزب الله» في بيانات متلاحقة، قصف قاعدة الناعورة الإسرائيلية بصواريخ «فادي 2»، وقصف مدينة صفد ومستعمرة جيشر هزيف ومستعمرة كابري بـ«صلية ‏صاروخية». ‏

من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض مسيّرة اخترقت منطقة المياه الاقتصادية في شمال البلاد. ونشر فيديو قال إنه للمسيرة التي كانت تستهدف حقل غاز كاريش في الشمال.


مقالات ذات صلة

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

لبنان: العفو العام يواجه تعقيدات التنفيذ... وغضب السجناء يتفاقم

تتباطأ إجراءات الإفراج عن المستفيدين من العفو العام، لتفتح الباب أمام موجة غضب لدى آلاف الموقوفين والمحكومين وذويهم.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي صورة متداولة لمؤسسة «كهرباء لبنان» (الوكالة الوطنية للإعلام)

«كهرباء لبنان» تبدأ قطع التيار عن وزارات وبلديات ومؤسسات عامة

بدأت مؤسسة «كهرباء لبنان» الاثنين تنفيذ إجراءات قطع التيار الكهربائي عن الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات المتخلّفة عن تسديد مستحقاتها المالية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلت إليه، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يستخدم جواله لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

الجيش اللبناني يرفض التنسيق الثنائي مع إسرائيل قبل الانسحاب من الجنوب

يرفض الجيش اللبناني مطالب إسرائيلية بتنسيق ثنائي مباشر بين الجيشين تجنباً لاستباق نتائج المفاوضات ومنعاً لتحويله إلى مادة تجاذب سياسية في الداخل 

نذير رضا (بيروت)

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير، التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً، وسط مخاوف من تعذّر عودة السكان إلى قرى فقدت أجزاءً من معالمها. وتُظهر بيانات علمية ودراسة عن أضرار الحرب اتساعَ نطاق التدمير، فيما يربط خبير عسكري بين طبيعته ومحاولة فرض واقع سكاني جديد.

وفي اتصال مع «الشرق الأوسط»، أكدت مصادر مسؤولة في المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تسجيل 2057 تفجيراً إسرائيلياً خلال الفترة الممتدة من 17 أبريل (نيسان) إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حصيلة تعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية، من دون توافر تفاصيل منشورة عن توزيعها الجغرافي أو منهجية احتسابها.

وكان المجلس قد وثّق، في تقرير علمي منشور على موقعه الرسمي، 1731 عملية تلغيم وتفجير في جنوب لبنان بين 2 مارس (آذار) و10 سبتمبر (أيلول)، بينها 1128 عملية بعد اتفاق الإطار في 26 يونيو (حزيران). وارتفع متوسطها اليومي من 5.15 عملية قبل الاتفاق إلى نحو 15 بعده.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

جسور ومنازل تحت الدمار

وكشفت دراسة أعدّتها «الدولية للمعلومات» أن تقديرات أولية أشارت إلى تضرر أو تدمير أكثر من 90 ألف وحدة سكنية في لبنان حتى منتصف يونيو، من دون أن يقتصر الرقم على الجنوب. ووثّقت تدمير سبعة جسور بالكامل وتضرر جسر القاسمية جزئياً، ضمن ثمانية جسور استُهدفت على محاور تربط جنوب الليطاني بمحيطه.

كما نقلت عن المنظمة الدولية للهجرة تسجيل 499784 نازحاً داخلياً حتى أول يوليو (تموز)، في مؤشر إلى صعوبة الاستقرار رغم بدء عمليات العودة.

ووثّق المجلس الوطني للبحوث العلمية تفجيراً ضخماً في مجدل زون في 28 يونيو، وموجات أرضية نجمت عن تفجير في الشقيف ليل 30 - 31 يوليو، تعادل هزة بقوة 3.8 درجة، وفق المركز الوطني للجيوفيزياء، فضلاً عن تفجير علي الطاهر في 10 سبتمبر تزامن مع حدث بقوة 4.1 درجة مسجّل لدى هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وأثار تفجير الشقيف مخاوف على القلعة التاريخية المشمولة بالحماية المعززة المؤقتة والمُدرجة ضمن «قلاع جبل عامل» على قائمة التراث العالمي.

النيران تتصاعد من مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان لحظة تفجيرها (إعلام إسرائيلي)

إزالة مقومات الحياة

رأى العميد الركن المتقاعد خليل الجميل أن «عمليات التفجير والتدمير التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تعكس سياسة ممنهجة تقوم على اعتماد نظرية الأرض المحروقة، بهدف إزالة التجمعات السكنية والقضاء على مقومات الحياة، بما يحول دون عودة الأهالي إلى قراهم، ويمهد لبقاء إسرائيلي طويل الأمد في المناطق التي يسيطر عليها».

وأوضح الجميل، تعليقاً على حصيلة المجلس الوطني للبحوث العلمية التي بلغت 2057 عملية تفجير إسرائيلية منذ أبريل الماضي، أن «هذا الرقم ينسجم مع حجم العمليات الميدانية التي يشهدها الجنوب، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية تفجيرات بصورة شبه يومية، وعلى نطاق واسع، ولا تقتصر على المواقع العسكرية أو التلال والمواقع المرتفعة، بل تشمل الأحياء السكنية والمباني والمنشآت والبنى التحتية».

وأشار إلى أن «التركيز الإسرائيلي يتجه بصورة خاصة نحو التجمعات السكنية الكبيرة، وفي مقدمها بنت جبيل والخيام وعيتا الشعب، إلى جانب قرى أخرى، بينها زوطر الشرقية»، لافتاً إلى أن «عمليات التدمير تتبع خريطة الانتشار الإسرائيلي، وتستهدف خصوصاً المناطق التي تشكل امتداداً عمرانياً أو تجمعات سكانية في مواجهة المواقع التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية».

واعتبر الجميل أن «ما يجري يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، ليعكس توجهاً إسرائيلياً لإحداث تغيير ديموغرافي وبيئي واسع النطاق»، موضحاً أن «تدمير المنازل والبنى التحتية والغطاء النباتي والأراضي الزراعية يعني عملياً إزالة مقومات الحياة، وليس مجرد منع استخدام هذه المناطق لأغراض عسكرية».

وقال: «الإسرائيلي لا يريد أن يترك شيئاً خلف قواته المتمركزة على الحد الأمامي للمنطقة العازلة التي احتلها في جنوب لبنان، فهو لا يكتفي بإزالة الأبنية أو تجريف الأراضي، بل يدمّر ويحرق كل ما يمكن أن يسمح بعودة الحياة إليها»، مشدداً على أن «الفرق كبير بين إزالة الغطاء النباتي الذي يمكن أن ينمو مجدداً، وتدمير الأرض وإحراقها والقضاء على قدرتها على الإنتاج».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان في شهر سبتمبر الماضي (رويترز)

وربط الجميل هذه السياسة بالتجربة الإسرائيلية السابقة في الجولان السوري، مستحضراً ما أعقب احتلاله عام 1967 من عمليات هدم وإزالة للقرى، ومعتبراً أن «ما يحصل اليوم في الجنوب يستعيد النهج نفسه، القائم على تغيير طبيعة الأرض وإزالة معالم التجمعات السكانية».

وحذّر من أن «إعادة الأهالي إلى قراهم، حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية أو اتفاق يفضي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية، لن تكون مسألة سهلة، وقد تحتاج إلى سنوات طويلة، وربما عشرات السنين»، موضحاً أن «حجم الدمار قد يجعل بعض السكان عاجزين حتى عن تحديد مواقع منازلهم السابقة، بعدما تتغير معالم القرى وتختفي شوارعها وأبنيتها».

استهداف المباني والتجمعات

وفي قراءته للخريطة الميدانية، أشار الجميل إلى أن «عمليات التدمير تتركز في عدد من المناطق على امتداد عمراني يصل إلى نحو ألف متر أمام المواقع الإسرائيلية، حيث يجري استهداف المباني والتجمعات التي يمكن أن تشكل امتداداً سكنياً في مواجهة القوات المنتشرة».

ولفت إلى أن «هذا النمط يمكن ملاحظته في مناطق مجدل زون والمنصوري، وكذلك في محيط صربين وياطر وبيت ياحون وحداتا وبرعشيت وعيتا الجبل»، معتبراً أن «توزع عمليات الهدم على هذه القرى يظهر أن الاستهداف لا يقتصر على نقاط عسكرية محددة، بل يشمل التجمعات العمرانية الواقعة ضمن المناطق التي لا تحتلها إسرائيل فعلياً إنما تسعى إلى إبقائها خالية من السكان».

وأوضح أن «إسرائيل تنظر إلى هذه التجمعات السكنية باعتبارها بيئة يمكن أن تتحرك فيها عناصر المقاومة أو تستفيد من أبنيتها في التخفي، ولذلك تسعى إلى إزالة هذا الامتداد العمراني بصورة كاملة»، مشيراً إلى أن «التطور التكنولوجي وقدرات المراقبة الجوية التي تمتلكها القوات الإسرائيلية تسمح لها، في كثير من الحالات، بالتمييز بين التحركات المدنية والعسكرية، لكن ذلك لم يمنع اتساع نطاق التدمير».

منع عودة السكان

وخلص الجميل إلى أن «السياسة الإسرائيلية تقوم على منع عودة السكان إلى المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية أو تواجه مواقع انتشارها، من خلال تدمير كل قرية أو تجمع عمراني يمكن أن يوفر مقومات الاستقرار والعيش»، معتبراً أن «حجم التدمير وطبيعته يشيران إلى نية إسرائيلية بالبقاء لفترة طويلة، وإلى محاولة فرض واقع جغرافي وسكاني جديد يصعب تغييره حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية».


احتمال «خروج الفصائل عن السيطرة» ينشط اتصالات عراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

احتمال «خروج الفصائل عن السيطرة» ينشط اتصالات عراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يسود قلقٌ أوساطاً حكومية وسياسية عراقية من خروج فصائل موالية لإيران «عن السيطرة» في حال تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة، وسط أنباء متضاربة؛ نفتها الحكومة، بشأن استهداف مقر أمني شرق البلاد.

وقال مصدر مسؤول في تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم إن الحكومة تسعى إلى تفادي أخطار الحرب، عبر «التفاوض المباشر مع الفصائل المسلحة لإقناعها بالوقوف على الحياد»، مشيراً إلى أن «هذا التفاوض يجري عبر اتصالات من شخصيات مؤثرة».

بالتزامن؛ تنشر الحكومة العراقية، وفق المصدر، «قوات أمنية في الأطراف السائبة والمناطق البعيدة عن مراكز المدن، على غرار ما حدث في محافظة البصرة مؤخراً؛ للحيلولة دون هجمات قد تشنها فصائل مسلحة على دول الجوار حال اندلاع الحرب».

مع ذلك، فقد أفاد المصدر؛ المطلع على نقاشات داخلية بشأن التصعيد الإقليمي، بأن «سيطرة الحكومة على الأوضاع في حال اندلاع الحرب محل شك، سواء بشأن كبح الفصائل المسلحة الحليفة لإيران، وبشأن انعكاسات الحرب على استمرار تدفق صادرات النفط العراقية التي بدأت تتعافى مؤخراً وتجاوزت سقف 3 ملايين برميل يومياً».

وقبل تصاعد التوتر الإقليمي، كانت الحكومة تحاول حل مسألة سلاح الفصائل، لكن الشكوك ازدادت أخيراً بشأن تعثر خطة الحكومة لحصره، بعدما تأجلت من 30 سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 30 يونيو (حزيران) 2027.

وكان «الإطار التنسيقي» يفاوض الفصائل عبر «لجنة سياسية» تضم زعامات سياسية. وأشيع على نطاق واسع أن رئيس الحكومة بدأ اتصالات مع هذه الجماعات المسلحة بمعزل عن «اللجنة» بسبب ازدياد المخاوف من تجدد الحرب.

وأفاد مصدر سياسي «الشرق الأوسط» بأن «الفصائل المسلحة الموالية لإيران قد تكون حدّثت بنك أهدافها المحلية والإقليمية مع تصاعد احتمالات الحرب».

لكن النائب عن حركة «حقوق»؛ الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»، سعود الساعدى، نفى تدخل الزيدي بشكل شخصي في ملف التفاوض مع الفصائل.

وقال في تصريحات صحافية إن «الإطار التنسيقي» توصل إلى «تفاهمات واتفق مع الفصائل بشأن إعادة تنظيم السلاح».

وأضاف الساعدي أن «الخطة تضمنت تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الفصائل، والحكومة، و(الحشد الشعبي)، و(الإطار التنسيقي)، لكن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يوقع على الاتفاق حتى الآن»، ملمحاً إلى تعرضه لضغوط أميركية.

جانب من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم في بغداد (واع)

«دولة راعية للإرهاب»

في غضون ذلك، قالت مصادر سياسية إن القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى العراق، ستيفن فاغن، أوصل خلال الأيام الماضية رسائل مباشرة إلى شخصيات حكومية وسياسية، أكد فيها أن واشنطن تراقب خطوات حصر السلاح بيد الدولة، وفق وكالة «شفق نيوز» المحلية.

ووفق المصادر، فإن المسؤول الأميركي «حذّر بأن عدم التزام التعهدات، وعدم وضع خطة ملموسة لإنهاء وجود السلاح خارج سيطرة الدولة بحلول 30 يونيو المقبل، سيدفع واشنطن إلى عدّ العراق (دولة راعية للإرهاب)، واتخاذ عقوبات وإجراءات مختلفة بحقه»، على حد تعبير المصادر.

وعلى غرار الصمت الحكومي بشأن إمكانية تجدد الحرب، تمارس الفصائل المسلحة صمتاً مماثلاً هذه الأيام، لكن حركة «أنصار الله الأوفياء»، الحليفة لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، حذّرت الجمعة الماضي الولايات المتحدة من استخدام الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران، لكنها أكدت وقوفها على الحياد في حال وقعت الحرب.

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، في تصريحات صحافية، إن «الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدَم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، وواشنطن مطالبة بالتزام عدم خرق الأجواء العراقية».

واضاف أن «أي انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة، وطبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة».

وبشأن ملف السلاح، أكد الفتلاوي أن «الحركة لم تسلّم سلاحها، وأن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من أيلول (سبتمبر) 2026 حتى حزيران 2027، وليس سحبه أو تسليمه».

وما زال الغموض يحيط بالموقف النهائي للفصائل حيال الحرب، غير أن بعض الفصائل المرتبطة بطهران تلتزم حالياً حالة من الهدوء الحذر؛ تفادياً لإقحام العراق في صدام مدمر أو تعريض البلاد لعقوبات اقتصادية قاسية وضربات مباشرة.

لكن إمكانية التزام الفصائل حالة الهدوء الحالية غير مضمونة في حال تفجر الأوضاع، وفق مراقبين، وهناك خشية من إمكانية تعرض الفصائل الموالية لإيران لضربات جوية إسرائيلية وأميركية؛ مما سيجعل انخراطها في الحرب مبرَّراً.

وكانت فصائل ومنصات إعلامية مقربة منها تحدثت خلال الأيام الماضية عن رصد عشرات الاختراقات من قبل الطيران الحربي والاستطلاعي الأميركي، وتزامن ذلك مع تقارير غربية تحدثت عن أن مقاتلات إسرائيلية وأميركية أجرت تدريبات عسكرية في سماء العراق ودول عدة بالمنطقة تحاكي توجيه ضربات لإيران.

ميدانياً؛ أفادت تقارير صحافية، الثلاثاء، بأن موقعاً تابعاً لـ«هيئة الحشد الشعبي» في ديالى (شرق) تعرض لقصف جوي، لكن مسؤول خلية الإعلام الأمني؛ الفريق سعد معنى، نفى ذلك، وقال في بيان مقتضب: «لا صحة لوجود أي استهداف أو قصف جوي في المحافظة».


تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)
TT

تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)

​تتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة، جراء القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر وحركة الأشخاص والبضائع والسلع، تزامناً مع استمرار الهجمات الميدانية للعصابات المسلحة المدعومة من الجيش الإسرائيلي.

وبشكل مفاجئ أبلغت إسرائيل، صباح الثلاثاء، جهات التنسيق في الجانبين المصري والفلسطيني، بنيتها منع دخول البضائع والسلع والمساعدات الإنسانية التي تصل من معبر رفح البري (بين مصر وغزة) إلى داخل قطاع غزة، وذلك بزعم استمرار عمليات تهريب مواد ممنوعة، في إشارة بشكل أساسي إلى السجائر ومنتجات التبغ، وبعض المواد التي قررت إسرائيل منع إدخالها إلى القطاع.

وبعد أن خرج أكثر من 20 مريضاً و35 مرافقاً للسفر عبر معبر رفح البري لتلقي العلاج، أعادتهم إسرائيل بشكل مفاجئ ومنعتهم من السفر بحجة الأوضاع الأمنية، لكن بعد ساعات من المنع أبلغ المرضى مجدداً بالسماح لهم بالسفر.

شح في الخضار المعروض بسوق محلية بدير البلح وسط قطاع غزة - الجمعة (أ.ب)

ويأتي ذلك في وقت ما زالت تتحكم فيه إسرائيل بحركة دخول البضائع والمساعدات من معبر كرم أبو سالم، حيث ما زالت دون الحد الذي بلغته قبل الأزمة الأخيرة التي تسببت في تدفق البضائع على مدار أسبوع كامل للقطاع، قبل أن تستأنف عملية إدخالها بشكل محدود منذ نحو أسبوع ونصف الأسبوع.

وتسبب المنع الإسرائيلي في «نقص حاد في الأصناف الأساسية تزامناً مع ارتفاع قياسي وكبير في الأسعار، وانهيار شبه كامل في القدرة الشرائية للمواطنين»، وفق ما أفادت الغرفة التجارية في غزة.

وقال ماهر الطباع مدير عام الغرفة التجارية بغزة، في إحاطة صحافية، إن نحو 200 سلعة تقريباً يسمح بإدخالها مع تشديد القيود الإسرائيلية الصارمة، مشيراً إلى أن التعنت انعكس على حركة الأسعار التي قفزت بنسب كبيرة وصلت ما بين 500 و600 في المائة، بينما سجلت السلع الممنوعة من جهة إسرائيل ارتفاعات بين ألفين و3 آلاف في المائة.

تدهور ميداني

لم يختلف الوضع الأمني عن التردي الإنساني؛ إذ تواصلت العمليات العسكرية عبر غارات إسرائيلية، أو باستخدام العصابات المسلحة التي تتمركز في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي.

ومنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، بموجب خطة قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يفصل خط افتراضي يسمى «الخط الأصفر» بين المناطق التي تحتلها إسرائيل (شرق الخط) في غزة، وتقدَّر بأكثر من 60 في المائة من مساحة القطاع، بينما تسيطر «حماس» والفصائل الفلسطينية على المناطق غرب الخط.

وفي خطوة وصفت بأنها مماثلة لعمليات الجيش الإسرائيلي، أقدم عناصر من العصابات المسلحة، بعد منتصف ليل الأحد - الاثنين، على التسلل إلى مخيم للنازحين في منطقة دوار أبو حميد ما بين وسط وشرق خان يونس جنوب قطاع غزة، وسط غطاء من طائرات مسيرة إسرائيلية كانت تحلق في سماء المنطقة.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وكان عناصر تلك العصابات تسللوا سيراً على الأقدام قبل أن تصل تعزيزات بمركبات رباعية الدفع، لاستكمال عملية السيطرة على المخيم، ومحاصرته بشكل كامل، قبل أن يطالبوا عدداً من الأشخاص عبر مكبرات الصوت بتسليم أنفسهم، إلا أنه تبين عدم وجود أحد منهم في المخيم حينها، كما أوضح مصدر ميداني لـ«الشرق الأوسط».

وأكد 3 مصادر وشهود عيان من سكان محيط المخيم، أن أفراد العصابة المسلحة فتشوا الخيام وكانوا يطلقون النار وأرعبوا السكان، خصوصاً من الأطفال والنساء، قبل أن يختطفوا ويقتادوا أكثر من 35 شخصاً جميعهم من عائلة «بربخ» بينهم فتية، إلى مناطق سيطرتهم شرق خان يونس، وسط تحليق للطائرات المسيرة الإسرائيلية.

ووفق المصادر والشهادات، فإنه بعد أكثر من 10 ساعات على اختطافهم، أفرجت العصابات المسلحة عن جميع المختطفين، عدا 4 شبان أبقتهم في التحقيق. ونقل مصدر ميداني عن بعض المفرج عنهم، أن من «حقق معهم هم ضباط إسرائيليون، وليس عناصر العصابات الذين سلموهم للقوات الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة».

وقدر مصدر فصائلي في خان يونس أن «العملية هدفها إحداث الفوضى وفرد العضلات من قبل العصابات التي يساندها الجيش الإسرائيلي بالغطاء الجوي لتنفيذ مهام أمنية محددة ولنشر الفوضى».

فلسطينيون يشيعون شخصاً بعد مقتله في غارة إسرائيلية استهدفت مركبة بمدينة غزة - 2 نوفمبر (رويترز)

ولا يستبعد مصدر آخر أن يكون ذلك تمهيداً لتقدم القوات الإسرائيلية وتوسيع سيطرتها وتوغلها في تلك المناطق، بهدف توسيع الخط الأصفر، الذي يبعد عن مكان المخيم الذي وقع فيه الحدث، مئات الأمتار المحدودة، كما فُعل سابقاً عدة مرات في مناطق مختلفة من القطاع.

واستكمل الجيش الإسرائيلي التصعيد حيث قتل فلسطينياً، ظهر الثلاثاء، في غارة استهدفت ضباطاً وعناصر من جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة «حماس» داخل الكلية التطبيقية في خان يونس جنوب قطاع غزة، كما ذكرت وزارة الداخلية بالقطاع.

فيما أعلن صباحاً عن وفاة فلسطيني آخر إثر هجوم استهدف أمس، مجموعة من الغزيين في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة. وقتل أمس 7 فلسطينيين في سلسلة غارات متفرقة، من بينهم واحد في غارة استهدفت مركبة بحي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، وآخران في غارتين منفصلتين بخان يونس، ورابع إثر استهدافه بقنبلة من طائرة مسيرة بقرية المصدر شرقي وسط القطاع.

ومن بين الضحايا كان الموظف الإداري في وزارة التربية والتعليم بغزة، محمود قفة، من سكان مدينة رفح، والذي كان في طريقه للعمل حين استهدف في مواصي خان يونس، ليكون الثاني الذي يقتل في غضون 3 أيام من العاملين في مجال التعليم بالقطاع.

ارتباك إسرائيلي

في السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه في الأيام الأخيرة قتل 4 من نشطاء «حماس» الميدانيين، في سلسلة عمليات نفذها بقطاع غزة. وقالت مصادر فصائلية لـ«الشرق الأوسط»، إن اثنين من المذكورة أسماؤهم في البيان الإسرائيلي هما قياديان ميدانيان في «كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة، وأصيبا في هجمات استهدفتهما ولم يقتلا.

وفي عديد المرات أعلن الجيش الإسرائيلي خلال الحرب اغتيال قيادات ونشطاء في «حماس» وجناحها المسلح، إلا أنه تبين لاحقاً أنهم أصيبوا وبقوا على قيد الحياة، وآخرون نجوا بأنفسهم.

وفي سياق رصد الانتهاكات الإسرائيلية، رصد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة 5.989 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، منها 753 خرقاً خلال الشهر الماضي.

وأسفرت الخروقات عن مقتل 1599 فلسطينياً وإصابة نحو 6 آلاف آخرين، واعتقال 217، وبينت الإحصائية أن الخروقات في أكتوبر الماضي، بلغت بشكل متوسط يومي 24.3 خرق، منها 346 حادثة إطلاق نار، و310 عمليات قصف، و64 عملية نسف لمنازل، و21 توغلاً للآليات العسكرية، و12 حالة اعتقال لمواطنين.

وأدت تلك الخروقات إلى مقتل 145 فلسطينياً، منهم 21 طفلاً و14 امرأة و2 من المسنين و108 رجال، فيما أصيب 672، منهم 182 طفلاً، و129 سيدة، و30 مسناً، واعتقال 19 آخرين.