تقرير: نظام الاتصالات منخفض التقنية ينقذ السنوار من الموت المحتم

زعيم حركة «حماس» يحيى السنوار (د.ب.أ)
زعيم حركة «حماس» يحيى السنوار (د.ب.أ)
TT

تقرير: نظام الاتصالات منخفض التقنية ينقذ السنوار من الموت المحتم

زعيم حركة «حماس» يحيى السنوار (د.ب.أ)
زعيم حركة «حماس» يحيى السنوار (د.ب.أ)

كان من الممكن أن يكون زعيم حركة «حماس» يحيى السنوار مقتولاً اليوم، لولا نظام الاتصالات منخفض التقنية الذي يحميه من شبكة جمع المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، حسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

لقد تجنّب السنوار، إلى حد كبير، المكالمات الهاتفية والرسائل النصية، وغيرها من الاتصالات الإلكترونية التي يمكن لإسرائيل تعقبها، والتي أدت إلى موت نشطاء آخرين في «حماس».

وبدلاً من ذلك، فإن السنوار يستخدم نظاماً معقّداً من الرسائل والرموز والملاحظات المكتوبة بخط اليد التي تسمح له بتوجيه عمليات «حماس» حتى في أثناء الاختباء داخل الأنفاق تحت الأرض، وفقاً لوسطاء في وقف إطلاق النار.

أزعجت هذه الطريقة منخفضة التقنية وسائل الاتصال العسكرية الإسرائيلية، العازمة على العثور على مهندس هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) على إسرائيل الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، وبدء الحرب في غزة.

حتى مع السيطرة العسكرية على قطاع غزة لم تتوصل المخابرات الإسرائيلية إلى السنوار الذي تضعه على رأس لائحة استهدافاتها. ولم يُشاهد السنوار علناً منذ بدء الحرب في الخريف الماضي.

وقال مسؤولون إسرائيليون إنهم يعتقدون أنه مختبئ في مدينة غزة. إن لمحة عن كيفية بقاء السنوار على قيد الحياة تأتي من وسطاء عرب نقلوا الرسائل ذهاباً وإياباً خلال محادثات وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل، التي لا تتحدث مباشرة مع بعضها.

قال الوسطاء إن الرسالة النموذجية من السنوار ستكون الآن مكتوبة بخط اليد، ويجري تمريرها أولاً إلى عضو موثوق به في «حماس» ينقلها على طول سلسلة من الرسل، وقد يكون بعضهم مدنيين. وغالباً ما تكون الرسائل مشفرة، برموز مختلفة لمتسلمين مختلفين وظروف وأوقات مختلفة، بناءً على نظام طوّره السنوار وسجناء آخرون في أثناء وجودهم داخل السجون الإسرائيلية.

وقال الوسطاء إن المذكرة قد تصل بعد ذلك إلى وسيط عربي داخل غزة، أو عميل آخر لحركة «حماس» يستخدم هاتفاً أو طريقة أخرى؛ لإرسالها إلى أعضاء الجماعة.

لقد أصبحت أساليب اتصالات السنوار أكثر حذراً وتعقيداً، إذ تمكّنت إسرائيل من العثور على رفاقه رفيعي المستوى وقتلهم، خصوصاً هجوم بيروت الذي قتل نائب الزعيم السياسي لـ«حماس»، مؤسس الجناح العسكري للجماعة، صالح العاروري.

 

سلوك شخصي صارم

يقول رئيس الشؤون الفلسطينية السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، مايكل ميلشتاين: «أنا متأكد تماماً من أن هذه الطريقة (منخفضة التقنية) هي أحد الأسباب البارزة التي جعلت الجيش الإسرائيلي لا يجد السنوار». وأضاف: «إنه (السنوار) يحافظ حقاً على جميع أنماط سلوكه الشخصية الأساسية بشكل صارم للغاية».

رفضت «حماس» الإجابة عن أسئلة حول كيفية تواصل السنوار.

وتتمتع الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ببعض من أكثر القدرات تطوراً في العالم لاعتراض الاتصالات الإلكترونية التي تُسمّى غالباً «استخبارات الإشارات».

وبعد مقتل العاروري، تحوّل السنوار بالكامل تقريباً إلى المذكرات المكتوبة بخط اليد والاتصالات الشفوية، وأحياناً يتداول التسجيلات الصوتية عبر دائرة صغيرة من المساعدين، وفقاً لوسطاء عرب.

وقد أعقب مقتل العاروري عدد من عمليات القتل الأخرى لكبار المسؤولين في «حماس» و«حزب الله».

ففي يوليو (تموز)، شنّت إسرائيل غارة جوية ضخمة قالت إنها قتلت القائد العسكري الأعلى لـ«حماس»، محمد الضيف. وفي ذلك الشهر، أكدت إسرائيل أيضاً أنها قتلت الزعيم السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، في ذلك الوقت، في طهران، وشنت غارة على مبنى سكني في بيروت أودت بحياة فؤاد شكر، أحد قادة «حزب الله» الأساسيين الذي أفلت من الولايات المتحدة لعقود من الزمن.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن قائد «حزب الله» تم توجيهه إلى شقة بعد تلقي مكالمة هاتفية من المرجح أن تكون من شخص اخترق شبكة الاتصالات الداخلية لـ«حزب الله».

وقال الباحث في مجموعة الأزمات الدولية الذي عاش في غزة، عزمي كيشاوي: «إنهم يعرفون حال استخدامهم أي أجهزة إلكترونية فستُكتشف».

وقال إن السنوار عاد إلى طرق «حماس» القديمة. إن النهج البدائي الذي يتبعه السنوار في التعامل مع الاتصالات يعود إلى نظام استخدمته «حماس» في سنواتها الأولى، الذي تبناه زعيم «حماس» عندما اعتُقل في عام 1988 وسُجن لاحقاً في سجن إسرائيلي، وفقاً لخبراء في المجموعة.

قبل سجنه، أسّس السنوار شرطة الأمن الداخلي لـ«حماس» التي طاردت المشتبه بتعاونهم مع إسرائيل. وكانت هذه الشرطة نشطة في السجون الإسرائيلية؛ إذ جنّدت عملاء داخل السجن يُطلق عليهم «السواعد» الذين وزّعوا الرسائل المشفرة من قسم إلى آخر، وفقاً لكتاب «ابن حماس» الذي كتبه عميل سابق في الحركة تحول إلى جاسوس إسرائيلي.

وفقاً للكتاب، كان السواعد يلفون الرسائل المكتوبة بخط اليد في خبز أبيض، ويشكلونها على شكل كرات، ثم يتركونها تجف وتتصلب. ومثل لاعبي البيسبول، كان العملاء يرمون الكرات من قسم إلى آخر في السجن، وهم يصرخون «بريد من مقاتلي الحرية!». وتقدّر إسرائيل أن السنوار أمضى سنوات في التخطيط لحرب كبرى مع إسرائيل، بما في ذلك بناء شبكة أنفاق واسعة النطاق. وقال المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ميلشتاين، إن استعدادات السنوار شملت على الأرجح إنشاء شبكة اتصالات مع إسرائيل.

إن الأساليب التي يستخدمها السنوار، وفق التقرير، فعالة للغاية، لدرجة أن مطارديه لا يستطيعون استبعاد أنه ليس في غزة. إن الوصول إلى السنوار أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة إلى الإسرائيليين.

 

تواصل سريع عند الضرورة

وخلال مفاوضات وقف إطلاق النار، من غير الواضح ما إذا كان تأخير عملية الاتصال تكتيكاً تفاوضياً أم انعكاساً لبروتوكولات السنوار الصارمة. لكن السنوار تمكّن من التواصل بسرعة عند الضرورة.

وكتب في رسالة إلى هنية في أبريل (نيسان) بعد مقتل ثلاثة من أبنائه في غارة جوية إسرائيلية: «نقدّم إليك وإلى عائلتك الموقرة تعازينا الحارة وبركاتنا على تضحياتك المقدسة».

ووفقاً لمسؤولين عرب، وصلت هذه الرسالة إلى هنية عبر سعاة بعد ساعات فقط من مقتلهم.

وليس من الواضح كيف كان السنوار ينقل أوامره خلال المفاوضات. وقد عرفت إسرائيل منذ عقد من الزمان على الأقل أن «حماس» أنشأت نظام هاتف أرضياً في أنفاقها تحت الأرض. كانت عملية «الكوماندوز» الإسرائيلية الفاشلة في عام 2018 التي أشعلت تبادل إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» لبضعة أيام، محاولة من قِبل الجيش الإسرائيلي للتنصت على شبكة الهاتف التابعة لـ«حماس»، وفقاً لبيان عام لاحق من الحركة.

ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على العملية. في بداية الحرب الحالية، كان الوسطاء يسعون إلى التوسط في صفقة رهائن بين إسرائيل و«حماس» من شأنها أن تمنع الغزو العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة، وأرسلوا رسلاً داخل غزة للقاء أعضاء الجناح العسكري للحركة وتمرير رسائل مشفرة.

وقال الوسطاء إن السنوار نظّم أيضاً مكالمات هاتفية مع الوسطاء على شبكة الهاتف الثابت لـ«حماس» في الأنفاق، باستخدام رموز لتحديد اليوم والوقت بالإضافة إلى الأسماء المستعارة في الرسائل لإعداد المكالمات. وقال الوسطاء إن السنوار استخدم في بعض الأحيان أسماء الأشخاص الذين كانوا معه في السجن لإخفاء هويته الحقيقية.

وقال الخبير في الحرب الإلكترونية، زميل الأبحاث المشارك في معهد الخدمات المتحدة الملكي في لندن، توماس ويثينغتون، إنه على الرغم من حرصه فإن زعيم «حماس» لا يحتاج إلا إلى ارتكاب خطأ واحد لإعطاء إسرائيل فرصة. وقال ويثينغتون: «تلك الثانية التي تنسى فيها الانضباط، يمكن أن توقع حكم إعدامك».


مقالات ذات صلة

قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

شؤون إقليمية فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

كشفت مصادرفي تل أبيب أن إسرائيل كانت قد طلبت من قطر، في بداية شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2023 زيادة مبلغ الأموال التي تنقلها إلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي لافتة تُصوّر زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار خلال مظاهرة احتجاجية ضد إسرائيل في صنعاء (إ.ب.أ)

وزيرة إسرائيلية تقترح حرق جثة يحيى السنوار

اقترحت وزيرة النقل والمواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف حرق جثة زعيم حركة «حماس» السابق يحيى السنوار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يعملون بالقرب من الحدود بين إسرائيل وغزة جنوب إسرائيل (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي: ضغط الجيش أفضى إلى «الانتصار» على «حماس»

قال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، اليوم (الأحد)، إن «الجيش صنع واقعاً أمنياً جديداً وأعاد صياغة وجه الشرق الأوسط».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة أرشيفية للقيادي حينها في حركة «حماس» يحيى السنوار 1 أكتوبر 2022 (رويترز)

إسرائيل ترفض الإفراج عن البرغوثي وتسليم جثمانَي يحيى ومحمد السنوار

نقلت شبكة تلفزيون «سي إن إن» الأميركية، اليوم (الخميس)، عن مسؤول إسرائيلي قوله إنه من غير المتوقع تسليم جثمانَي يحيى ومحمد السنوار ضمن اتفاق غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتدحرج وتيرة التصعيد في جنوب لبنان نحو مستويات غير مسبوقة، مع انتقال العمليات الإسرائيلية من نمط الضربات الموضعية إلى استهداف واسع ومتزامن لبلدات وقرى عدة، بالتوازي مع توسيع دائرة الإنذارات الميدانية، إذ وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى بلدة حبوش في قضاء النبطية، في موازاة اشتباكات متصاعدة وإعلانات متقابلة من الجانبين تعكس انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

وفي مؤشر إلى احتمال اتساع رقعة الاستهداف نحو مناطق إضافية في العمق، وتوسع رقعة قصف «حزب الله» إلى شمال إسرائيل، بالتوازي مع أي توسعة للعملية، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي أصدر تعليمات بتقييد تجمّعات مفتوحة في بلدات حدودية مع لبنان لما يصل إلى 200 شخص، وفي المباني لما يصل إلى 600 شخص.

توسع في الخط الأصفر

وبدا لافتاً، الجمعة، أن الجيش الإسرائيلي كثّف ضرباته المدفعية باتجاه بلدتيْ طلوسة وبني حيان، الواقعتين داخل الخط الأصفر، لكنه لم يسيطر عليهما، مما يرفع المخاوف من أن يكون القصف تمهيداً لتوغل في البلدتين الواقعتين شرق وادي الحجير الاستراتيجي، وذلك تكراراً لوتيرة قصف مدفعي كانت تستهدف بلدات قبل التوغل فيها.

انفجار قذيفة يُعتقد أنها من الفوسفور الأبيض أطلقها الجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود (رويترز)

وتزامن القصف مع قصف مُشابه لبلدات الصوانة وقلاويه وأطراف وادي الحجير ومحيط بلدات فرون والغندورية وتولين، وهي بلدات تطل على وادي الحجير، وتشرف على البلدات الواقعة داخل الخط الأصفر، سواء تلك التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي، أم لم يستكمل السيطرة عليها.

قصف متواصل

وغداة يوم دمويّ، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية بأن الجيش الإسرائيلي قصف 15 بلدة في جنوب لبنان، الجمعة، ضِمن خروقاته اليومية لاتفاق وقف النار. وشنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات طالت برعشيت وياطر وعين بعال وكونين ومجدل زون ويحمر الشقيف وكفرا في قضاء بنت جبيل، إضافة إلى دير قانون رأس العين، حيث أدت الضربات إلى سقوط قتيلين وجريحين، في حين أسفرت غارات أخرى على الغندورية وبرج قلاويه عن مقتل مواطن.

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة يحمر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وامتدت الضربات إلى العمق، إذ استهدفت مُسيّرة إسرائيلية دراجة نارية في بلدة المنصوري (قضاء صور)، في حين طالت غارة أخرى مدينة صور قرب مؤسسات الإمام الصدر. كذلك نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير في منطقة حامول - الناقورة، وأخرى في بلدة شمع، بالتوازي مع تحليق مُسيّرات على علو منخفض فوق صور والبقاع الغربي (جب جنين وكامد اللوز) والضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي مهاجمة أكثر من 40 هدفاً لـ«حزب الله» في آخِر 24 ساعة، وذكر أن الأهداف التي هُوجمت تقع «في مناطق متفرقة من جنوب لبنان، حيث دمرها»، مشيراً إلى أنها «شملت مقرات كانت (العناصر) تنشط فيها، ومنشآت عسكرية وبنى تحتية أخرى».

هجمات متبادلة بين «حزب الله» وإسرائيل

بالتوازي، أعلن «حزب الله»، في سلسلة بيانات، استهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي في محيط مدرسة بلدة حولا، وقصف تجمُّع آخر في محيط مجمع موسى عباس في بنت جبيل بالمدفعية، فضلاً عن استهداف موقع في البياضة بمسيّرة انقضاضية قال إنها حققت إصابة مؤكَّدة.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن «حزب الله» أطلق صاروخاً ومسيّرة مفخخة سقطا قرب منطقة تعمل فيها قواته في جنوب لبنان دون تسجيل إصابات، مشيراً إلى اعتراض مسيّرة أخرى. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية وقوع إصابتين واندلاع حريق في مركبة عسكرية قرب مستوطنة مسكفعام نتيجة انفجار مسيّرة.

عمليات الفرقة 98 وتدمير ملعب بنت جبيل

وعلى صعيد العمليات البرية، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 98، التي تضم ألوية المظليين و«جفعاتي» والكوماندو ولواء النيران (214)، نفّذت، خلال الأسابيع الأخيرة، عمليات في منطقة بنت جبيل؛ «بهدف تطهيرها من البنى التحتية»، مشيرة إلى تدمير أكثر من 900 هدف، والعثور على مئات الوسائل القتالية، وقتل أكثر من 200 مقاتل في اشتباكات من مسافة قريبة وبغطاء جوي. وأضافت أن سلاح الجو دمّر ملعب البلدة بعد العثور عليه مفخخاً، في حين أعلن الجيش تفكيك أكثر من 7500 قطعة سلاح، ومصادرة كميات كبيرة من الذخائر والمُعدات.

انتشال ضحايا من تحت الأنقاض

وواصلت فِرق الدفاع المدني انتشال الجثث جراء ضربات الخميس الذي شهد تنفيذ أكثر من 84 غارة على قضاءيْ صور وبنت جبيل، بالتزامن مع قصف مدفعيّ، ما أسفر، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل 29 شخصاً، بينهم عسكري في الجيش اللبناني مع أفراد من عائلته، في غارة استهدفت منزلهم بكفررمان، إضافة إلى مقتل مسؤول في «حزب الله»، وإصابة 33 آخرين.

في سياق العمليات الإغاثية، أنهت فِرق الدفاع المدني والإسعاف، التابعة لكشافة «الرسالة الإسلامية» في مركز كفررمان، عمليات رفع الأنقاض من مبنى استُهدف في غارة ليلية، وتمكّنت بعد جهودٍ استمرت حتى ما قبل ظهر اليوم من انتشال خمسة جثامين.

فرق الإسعاف والإنقاذ اللبنانية تبحث عن أشلاء بين الأنقاض غداة استهداف منزل بغارة جوية إسرائيلية بمدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كما استهدفت مسيّرات إسرائيلية بلدة زبدين بصاروخين موجّهين، خلال تجمع لمواطنين قرب مقبرة البلدة، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص، في حين أدت غارة على بلدة تول إلى سقوط أربعة قتلى، وإصابة 13 آخرين؛ بينهم خمسة أطفال، في حين توزعت غارات أخرى على بلدات قانا وقلاوية والبازورية، حيث استهدفت مسيّرة سيارة مدنية في قلاوية، ما أدى إلى سقوط قتيل واحتراق المركبة بالكامل.

ومع استمرار العمليات، ترتفع الحصيلة الإجمالية للضحايا، منذ مطلع مارس (آذار) الماضي، إلى 2586 قتيلاً، وأكثر من 8 آلاف جريح، وفق بيانات وزارة الصحة، في مؤشر إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة المواجهات واتساع نطاقها الجغرافي.


الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
TT

الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

يصرّ الرئيس اللبناني جوزيف عون على تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف إسرائيل للمدنيين في لبنان، قبل استكمال الاجتماعات الثنائية بين ممثلي لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط تصعيد من قبل «حزب الله» ضد المسار التفاوضي ككل، واعتبره «مداناً ومرفوضاً».

وبدا الرئيس اللبناني في منتصف ضغوط من الجانبين؛ فمن جهة تضغط الولايات المتحدة باتجاه انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، وعقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يقابله «حزب الله» برفض المفاوضات المباشرة من أساسها. وفيما يرى عون أن الخيار الدبلوماسي هو الوحيد المتاح في هذا الوقت لوقف إطلاق النار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سيطرة الدولة على كافة أراضيها، يرفض أي لقاء ثنائي مع نتنياهو، بعدما أعلن رفضه حتى اتصالاً هاتفياً يجمعه به، ضمن اتصال ثلاثي ينخرط فيه الجانب الأميركي، وهو الوسيط بين الطرفين.

تثبيت وقف النار

وكان ملف تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وإصرار عون عليه، مدار البحث بين عون والسفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى الذي جاء بعد ساعات على بيان أصدرته السفارة، قالت فيه إن عقد لقاء مباشر بين عون ونتنياهو، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها».

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون استقبل عيسى بعد عودته من واشنطن، وعرض معه التطورات الراهنة لا سيما ملف تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، تمهيداً لاستكمال الاجتماعات في واشنطن، ما يؤدي إلى تحقيق إنجاز السلم والاستقرار على الحدود والإعلان عن ذلك في واشنطن. وأكد السفير عيسى دعم الولايات المتحدة المستمر للبنان ومؤسساته.

من جهته، شكر الرئيس عون السفير الأميركي على استمرار الدعم الأميركي من أجل تحقيق الاستقرار في لبنان.

كذلك، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام، السفير عيسى، وبحثا تثبيت وقف إطلاق النار، والمحادثات المتعلقة بالتفاوض مع إسرائيل، حسبما أفادت رئاسة الحكومة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائهما في قبرص الأسبوع الماضي (رويترز)

وينطلق إصرار عون على مطالبه من «تحقيق المصلحة الوطنية». وقالت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية «هما أساس لاستكمال المفاوضات»، لافتة إلى أن السفير عيسى «شرح البيان، ووجه أسئلة لعون الذي أكد موقف لبنان، وإصرار الرئيس على تحقيق تلك النقاط ودور الولايات المتحدة في هذا المجال»، وذلك تمهيداً لنقل الموقف اللبناني إلى واشنطن. وأكدت المصادر أن موقف عون «معروف ومعلن تجاه اللقاء المباشر»، قائلة: «من رفض الاتصال الهاتفي مع نتنياهو، بالتأكيد سيرفض اللقاء به».

ضغوط «حزب الله»

وفي مقابل الضغوط و«الضمانات الأميركية»، يتعرض عون لضغوط مقابلة من «حزب الله» الذي يرفض التفاوض المباشر، ويتعهد بمواصلة القتال على الجبهة الجنوبية، ويحمّل الدولة مسؤولية المسار الذي تمضي به.

وقالت كتلته النيابية (الوفاء للمقاومة)، في بيان، بعد اجتماعها، الجمعة، إن «مسار التفاوض المباشر مع العدو الذي ذهبت إليه السلطة مرفوض ومدان، ويشكل انحرافاً عن الثوابت الوطنية ومساساً بالسيادة، ويناقض الوفاق الوطني واتفاق الطائف، ويجافي منطق تحقيق المكاسب واستعادة الحقوق الوطنية»، مشددة على أن «أي مخرجات أو نتائج تحصل لسنا معنيين بها على الإطلاق».

وقالت إن «ما يرتكبه العدو من أعمال القتل اليومي للمدنيين العزل في الجنوب، والتدمير الممنهج لقرانا الحدودية، هي جرائم حرب ضد الإنسانية، لن تثني شعبنا عن التمسك بحقه المشروع في الدفاع عن بلده، وهي تزيده قناعة بخيار المقاومة كسبيل للتحرير والدفاع عن وجوده»، مضيفة: «إن جرائم العدو يجب أن تكون حافزاً للسلطة كي تعود إلى شعبها وتوقف مسلسل تنازلاتها المجانية».

واعتبر عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب إبراهيم الموسوي، أن «أداء السلطة ينجرف في مسار استسلامي تفاوضي مباشر يتلقى الإملاءات». كما أشار الموسوي إلى «أننا سنرفع رايات النصر الخفاقة في كل قرى الجنوب المحتل».

التزام بالمسار الإصلاحي

وكان عون قال، الجمعة، بمناسبة عيد العمال: «لقد عملنا، بالتعاون مع الحكومة، على إطلاق مسار إصلاحي يهدف إلى النهوض بالوضع الاقتصادي وتحقيق الاستقرار، قبل أن تعصف الحرب الأخيرة بالبلاد، وتزيد الأمور تعقيداً. ومع ذلك، فإن إرادتنا لم ولن تنكسر، ونحن ماضون في بذل كل الجهود الممكنة لإعادة بناء ما تهدّم، واستعادة الثقة، وخلق فرص عمل تليق بكرامة اللبنانيين». وأكد التزامه والحكومة «بمواصلة العمل على تحسين أوضاع العمال، من خلال دعم حقوقهم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتأمين بيئة عمل عادلة تحفظ كرامتهم وتكافئ جهودهم».

من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام مواصلة العمل «لاستعادة كل شبرٍ من أرضنا المحتلة، واستكمال مسيرة الإصلاح، والنهوض بالاقتصاد بما يخلق فرص عمل جديدة، ويعيد الاستقرار، ويضع البلاد على مسار التعافي الحقيقي».

جعجع

إلى ذلك، تلقى خطوة التفاوض المباشر مع إسرائيل، تأييداً من بعض القوى السياسية، وفي مقدمها حزب «القوات اللبنانية» الذي قالت النائبة عنه ستريدا جعجع إن «ما يمرّ به لبنان في هذه المرحلة المصيرية لا يحتمل المزيد من المزايدات ولا الخطابات الشعبوية التي أثبتت التجارب المتراكمة أنها لم تُنتج إلا مزيداً من الانهيار والخراب».

وأضافت: «من هنا، فإننا في حزب (القوات اللبنانية)، ومن موقعنا الوطني الصريح، نؤكد دعمنا الكامل للمساعي التي يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون لوضع حدّ للحرب الدائرة، عبر مسار تفاوضي واضح وصريح يهدف أولاً وأخيراً إلى حماية لبنان وشعبه وإعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة ونهائية لكل اللبنانيين».


بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

في أول تعليق له على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي دعت فيه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى عقد اجتماع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«الشرق الأوسط» إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه، مؤكداً أنه أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية «جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية» (في إشارة إلى ما قاله عون عن تنسيق كامل مع بري بخصوص المفاوضات)، وهذا ما يكمن وراء اعتذاره عن حضور اللقاء الذي كان مقرراً مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري.

وتطرّق الرئيس بري إلى تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متسائلاً: أين هي هذه الهدنة؟ وهل أوقفت إسرائيل تجريفها البلدات وهدمها المنازل، واستباحتها دماء الأطفال والنساء والشيوخ، ومنعها فرق الإسعاف من إنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، أو سحب من علقوا تحت الركام حتى فارقوا الحياة؟ كما أشار إلى استهداف الهيئات الصحية والمسعفين، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، متسائلاً عمّا إذا كان جميع هؤلاء الضحايا جزءاً من البنى العسكرية لـ«حزب الله»، كما تدّعي إسرائيل لتبرير تدميرها للبلدات الجنوبية.

وقال إن الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ وماذا سنقول لذوي شهداء الغدر الإسرائيلي من الجنوبيين؟

عون وبري... تباين لا خلاف

وفي هذا السياق، كشف مصدر نيابي مواكب للعلاقات الرئاسية عن أن الخلاف الطارئ بين الرئيسين عون وبري يبقى تحت سقف التباين الذي حصل في تفسيرهما للبيان الصادر عن «الخارجية الأميركية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن وسطاء تدخّلوا لتبريد الأجواء بين الطرفين، مستبعداً أن تترتب على الخلاف أي قطيعة، في ظل الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، والتي تتطلب من الجميع، بدءاً من الرؤساء، تضافر الجهود لإلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتثبيته، قبل الطلب من لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة، وإن كان يفضَّل أن تكون غير مباشرة، وهو ما يُفترض أن تعمل عليه الإدارة الأميركية.

وأضاف المصدر أنه ما دام الرؤساء الثلاثة يُجمعون على ضرورة وقف الأعمال العدائية استباقاً لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، فإن تصويب الموقف على هامش جلسة مجلس الوزراء أسهم في ترطيب الأجواء بين الرئيسين، ما يفتح الباب أمام عودة الحيوية إلى العلاقات الرئاسية، انطلاقاً من عدم وجود مصلحة لأي من الرؤساء في غياب التشاور، بوصفه ضرورياً للتوصل إلى خريطة طريق في مقاربة ملف المفاوضات.

عون وبري (أرشيفية - رويترز)

ولفت إلى أنه لا مفر من معاودة التلاقي بين الرؤساء الثلاثة، ما داموا يتمسكون بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها بوصفه ممراً إلزامياً لبدء المفاوضات التي من غير الجائز أن تُعقد من دون أن تتلازم مع تثبيت وقف النار، وهذا ما يدعو ترمب للتدخل لدى إسرائيل لمنعها من التمادي في عدوانها.

موقف بري من المفاوضات

ودافع المصدر النيابي عن موقف بري من المفاوضات، وسأل عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل الإدارة الأميركية لإلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته بالتفاهم مع فرنسا (عام 2024)، والذي لم يرَ النور، بل أتاح لإسرائيل التمادي في خرقه بتوسعة عدوانها الذي تجاوز الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات بقاعية.

وأكد أن «حزب الله» تجاوب مع رغبة بري، والتزم إلى أقصى الحدود بوقف الأعمال العدائية، وكان له -بتفويض من الحزب- دور في التوصل إليه مع الوسيط الأميركي آنذاك، آموس هوكستين، وحظي برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، في مقابل إطلاق يد إسرائيل لمواصلة عدوانها بذريعة أنه يعطيها حق الدفاع عن النفس بتوجيه ضربات وقائية تستهدف ما يخطط له الحزب بتهديده أمن مستوطناتها الشمالية.

وقال المصدر إن التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار طوال 15 شهراً، في مقابل إصرار إسرائيل على خرقه، شكّل إحراجاً له، خصوصاً مع امتناع واشنطن عن التدخل للضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها، وصولاً إلى توسعة عدوانها، رغم أنها كانت قد تعهّدت بتلازم الخطوات بين الجانبين بوصفه شرطاً لتطبيق الاتفاق، مضيفاً أن حكومة نواف سلام، وإن كانت قد راهنت أساساً على الخيار الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بالانسحاب من الجنوب، فإنها واجهت تمرداً إسرائيلياً على الاتفاق واستمراراً في سياسة الضغط بالنار لدفع لبنان إلى التسليم بشروطها.

هدنة الأسابيع الثلاثة

وعدّ أن هدنة الأسابيع الثلاثة بقيت حبراً على ورق، وأتاحت لإسرائيل تحويل الجنوب إلى منطقة عمليات عسكرية مفتوحة بمواصلة تدميرها الممنهج الذي طاول منطقة جنوب نهر الليطاني وشماله لتهجير سكانه تحت ضغط مطالبتهم بإخلاء بلداتهم.

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

وقال المصدر إنه على ثقة بأن الرئيس عون ثابتٌ على موقفه القائم على اشتراط تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، بوصفه ممراً إلزامياً لبدء مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية، من دون التفريط، مهما كانت الضغوط، بالثوابت الوطنية التي يتمسك بها، مضيفاً أن هذا الموقف يأتي في إطار تفاهمه مع بري وسلام، وقد أكده في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بقوله إن المفاوضات لم تبدأ حتى الساعة، ما يعني رفضه أي مسار تفاوضي قبل توقف إسرائيل عن ضغطها العسكري على لبنان.

تثبيت وقف إطلاق النار

ولفت المصدر إلى أن الرئيس عون لن يُسلّم ببدء المفاوضات بشكل مطلق من دون أي مقابل، وفي مقدمته تثبيت وقف إطلاق النار، ورأى المصدر، من وجهة نظره، أن الضغط الأميركي لعقد لقاء مع نتنياهو على نحو عاجل قد يؤدي إلى توتير الأجواء الداخلية ورفع منسوب الاحتقان، في ظل تصاعد وتيرة الخلافات، في حال الاستجابة لهذا الضغط من دون توفير ضمانات للبنان، وفي مقدمها وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى قراهم.

وأكد أنه يقف إلى جانب الرئيس عون في تفضيله عدم حرق المراحل عبر لقاء مع نتنياهو، معتبراً أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا اللقاء، وأنه يفترض أن يأتي تتويجاً للتوصل إلى اتفاق يقوم على الاستجابة للثوابت الوطنية التي يتمسك بها رئيس الجمهورية، مقابل إنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن يُترك ما بعد ذلك لكل حادث حديث، مستغرباً صدور بيان دعوة عون للقاء نتنياهو عن السفارة الأميركية في بيروت بدلاً من صدوره عن البيت الأبيض، مشيراً إلى أن هذا الأمر استوضحه الرئيس عون خلال استقباله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى العائد حديثاً من واشنطن، للوقوف على الدوافع التي أملت صدور البيان عن السفارة، والذي يُعد سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين.