هل يكسر موقف الأسد إلحاح إردوغان على لقائه ويحطم دوافعه للتطبيع؟

أكراد تركيا قلقون من تحالف محتمل بين أنقرة ودمشق وبغداد... وأربيل

لقاء رجب طيب إردوغان وبشار الأسد في دمشق خلال مايو 2008 (أ.ب)
لقاء رجب طيب إردوغان وبشار الأسد في دمشق خلال مايو 2008 (أ.ب)
TT

هل يكسر موقف الأسد إلحاح إردوغان على لقائه ويحطم دوافعه للتطبيع؟

لقاء رجب طيب إردوغان وبشار الأسد في دمشق خلال مايو 2008 (أ.ب)
لقاء رجب طيب إردوغان وبشار الأسد في دمشق خلال مايو 2008 (أ.ب)

أعادت دمشق الجهود المبذولة لكسر الجمود المستمر لأكثر من عام في مسار محادثات إعادة العلاقات الطبيعية مع أنقرة، التي قادتها روسيا على مدى أكثر من 3 سنوات، إلى المربع الأول بإعلان التمسك بمطلبها الأساسي؛ وهو انسحاب تركيا من شمال سوريا ووقف دعم «المجموعات الإرهابية»، وتقديم ضمانات واضحة بذلك.

وبعدما أصدرت وزارة الخارجية السورية بياناً، السبت الماضي، كسر صمت دمشق المثير للتساؤلات تجاه تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المتكررة، عن توجيهه الدعوة إلى الرئيس بشار الأسد للقاء في تركيا أو في دولة ثالثة، خرج الأسد بنفسه ليؤكد استعداده للقاء «إذا كان ذلك يحقق مصلحة»، موضحاً أن المشكلة «ليست في اللقاء بحد ذاته؛ وإنما في مضمونه».

إردوغان (الرئاسة التركية)

ورفض الأسد وصف متطلبات دمشق بـ«الشروط» في ما يتعلق بالانسحاب التركي ووقف دعم «المجموعات الإرهابية»، قائلاً إن «هناك متطلبات تنبع من القانون الدولي وليست طلبات أو شروطاً».

أهداف ودوافع متباينة

وبينما تتمسك دمشق بالانسحاب و«وقف دعم الإرهاب» بوصف ذلك مطلباً وحيداً من أجل البدء في جهود إعادة العلاقات مع تركيا إلى طبيعتها، يشدد المسؤولون الأتراك، وفي مقدمهم الرئيس إردوغان، على سببين رئيسيين يدفعان باتجاه الرغبة القوية في إعادة العلاقات الطبيعية مع دمشق، هما: منع جهود «حزب العمال الكردستاني» و«امتداده في سوريا»؛ أي «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تقود «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، لإنشاء «دويلة إرهابية» في شمال سوريا. والثاني حل مشكلة اللاجئين وضمان عودتهم الآمنة واسترداد ممتلكاتهم.

ويضيف بعض الخبراء والمحللين دوافع أخرى، مثل فتح طرق التجارة الدولية عبر سوريا أمام البضائع التركية بغية إنعاش الاقتصاد التركي الذي يواجه أزمة خانقة، دفعت بدورها إلى حالة من الغضب والممارسات العنصرية تجاه اللاجئين السوريين في تركيا.

سوريون في إدلب يحتجّون على مواقف إردوغان بخصوص التطبيع مع الأسد (د.ب.أ)

ويبدو من سياق التطورات أن روسيا تريد دفع تركيا إلى انفتاح سريع على الأسد من دون الحديث عن ضمانات أو تنازلات، من خلال إيجاد صيغ أخرى ستتطور خلال المحادثات للقضاء على مخاوف تركيا من قيام «دولة كردية» على حدودها.

لكن الواضح أيضاً أن الجانب الإيراني، وهو الضلع الثالث في «مسار آستانة» للحل السياسي في سوريا مع كل من تركيا وروسيا، لا يرغب في الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، وبالتالي يريد ضمانات للانسحاب.

وكانت محادثات إعادة العلاقات بين تركيا وسوريا قد أدرجت ضمن «مسار آستانة» بعد عامين من إجرائها على مستوى ثلاثي ضم روسيا وتركيا وسوريا.

نطاق ضيق

وأظهرت تركيا في الأشهر الأخيرة «مرونة طفيفة» في مناقشة مسألة الانسحاب التي كانت تعدّها من «الخطوط الحُمر» من قبل، وربطت الانسحاب بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا «2254» الصادر عام 2015، والانتهاء من العملية السياسية، وإعداد الدستور، وإجراء انتخابات حرة بمشاركة جميع الأطياف السورية.

جنود أتراك قرب مدينة منبج التي تسيطر عليها قوات «قسد» بريف حلب الشرقي في أكتوبر 2019 (أ.ب)

وإذا كانت أنقرة يمكن أن تقبل صيغاً معينة؛ منها الصيغة الروسية التي طرحت خلال جولات المحادثات السابقة بشأن تحديث «اتفاقية أضنة» لعام 1998 التي أعطت لتركيا الحق في إرسال قواتها لمسافة 5 كيلومترات في عمق الأراضي السورية لمطاردة مسلحي «العمال الكردستاني»، مع توسيع مداها إلى ما يتراوح بين 30 و40 كيلومتراً كما تطلب أنقرة، فإنها تؤكد أن الجيش السوري غير قادر في الظروف الراهنة على بسط سيطرته على الحدود ومنع تهديدات المسلحين الأكراد، فضلاً عن أن هناك تنسيقاً بين القوات السورية و«قسد»، التي تسيطر على نحو 30 في المائة من مساحة البلاد، في كثير من المناطق بشمال سوريا.

التمسك بالوجود العسكري

وفي ما عُدّ رداً رسمياً من جانب أنقرة على بيان «الخارجية السورية»، الذي أكد تمسك دمشق بالانسحاب التركي، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الأحد غداة البيان السوري، إن «مساعي تركيا واضحة وصريحة، ورغبتها في تطبيع العلاقات مع سوريا طبيعية، وموقفها من تطبيع العلاقات سيصب في مصلحة جميع دول المنطقة».

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

واستدرك: «أما بالنسبة إلى الوجود العسكري لتركيا في شمال سوريا، فإنه يستهدف الإرهاب والتنظيمات الانفصالية». وأضاف أن «مساعينا المستمرة ضد التنظيمات الإرهابية داخل أو خارج حدودنا والقضاء على خلايا تنظيم (داعش)... وغيره من التنظيمات الإرهابية، لا سيما (حزب العمال الكردستاني) وامتداداته، إلى جانب قضية اللاجئين... كلها ستكون على طاولة المفاوضات».

وأكد أن دعوة تركيا إلى إحلال السلام وإعادة العلاقات مع سوريا «لا تنبع من موقف ضعف؛ بل ندعو الجانب السوري إلى التعاون معنا؛ لأن سوريا في أزمة كبيرة، ولذلك يجب أن نجلس إلى طاولة المفاوضات، التي من المعلوم أنها ستستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن هناك أطرافاً كثيرة في سوريا، مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة، ومناطق تحت سيطرة المعارضة، وأخرى تحت سيطرة تنظيمات إرهابية (وحدات حماية الشعب - الكردية)، مع ظهور لتنظيم (داعش) الإرهابي من فترة لأخرى».

وتطرق إلى مشكلة اللاجئين السوريين في تركيا، قائلاً: «إننا لم ولن نجبر أي لاجئ على العودة إلى بلاده قسراً، وسنواصل السياسة ذاتها. إرادتنا واضحة؛ هي إحلال السلام وإيجاد الحلول لجميع المشكلات في المنطقة، وننتظر من حليفتينا روسيا وإيران الدعم في هذا الأمر».

تدريبات مشتركة لـ«قسد» وقوات «التحالف الدولي» ضد «داعش» في ريف الحسكة (أ.ف.ب)

وبينما يشكل ملف اللاجئين هاجساً للجميع في تركيا؛ حكومة ومعارضة وعلى مستوى المجتمع بشكل عام، يعبر أكراد تركيا، عبر ممثلهم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، وهو ثالث أكبر أحزاب البرلمان التركي بعد حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم، و«الشعب الجمهوري» المعارض، عن مخاوف من إعادة العلاقات أو «التطبيع» مع سوريا، ومن احتمالات نشوء تحالف تركي - سوري - عراقي ضد الأكراد في المنطقة.

وتساءلت المتحدثة باسم الحزب، عائشة غل دوغان، تعليقاً على تصريحات وزير الخارجية، فيدان، عن رغبة تركيا في «إحلال السلام في سوريا»، وإشارته إلى أن الأمر سيحتاج إلى مفاوضات تستغرق وقتاً طويلاً، وأن الوضع في سوريا معقد، قائلة: «نحن نتحدث عن حالة حرب مستمرة لأكثر من 10 سنوات؛ ما الدور الذي لعبته تركيا في هذا الوضع المعقد في سوريا؟ وماذا ستفعل هذه المرة؟ إذا بدأ جنون التطبيع واستمر؛ فماذا سيحدث؟ ألا نرى في الأشهر الأخيرة أنه لا تطبيع بقول تطبيع؟».

وأضافت: «إذا كانت الحكومة تبحث عن التطبيع مع سوريا، وإذا كانت ستفعل ذلك بالفعل من خلال إعادة التفكير في الماضي، فلا بد من مشاركة ذلك مع الجمهور بطريقة مفتوحة وشفافة، وأن توضح ماذا ستفعل تركيا بشأن اللاجئين، وما نوع التخطيط الذي سيجري؛ بما في ذلك العودة الطوعية».

القوات التركية في منبج (إكس)

وتابعت: «الشعب الذي يعيش في سوريا يريد أن يعيش في سوريا موحدة وديمقراطية، هل تحترم أيضاً إرادة هذا الشعب؟ نحن قلقون للغاية بشأن ما يحدث في إقليم كردستان العراق (العمليات العسكرية التركية في شمال العراق). يتعين على الأكراد أن يناضلوا من أجل البقاء في جميع المناطق الجغرافية، أينما كانوا، ويستخدموا حقوقهم المشروعة تماماً ضد هذه الهجمات».

وعدّت أن «التحالف الذي سيقام بين أنقرة وبغداد ودمشق وأربيل ينبغي ألا يكون تحالف حرب وصراع، وإذا كان للتحالف أن يقام، فيجب أن يكون تحالفاً ضد الحرب والصراع ولحماية مكتسبات الشعب، على عكس ما جرى تأسيسه حتى الآن. كل الحسابات التي يجب إجراؤها في هذه الفترة يجب أن تكون من أجل مزيد من السلام والتعايش».


مقالات ذات صلة

تركيا: اتهامات للحكومة بالمماطلة في «السلام» مع الأكراد

شؤون إقليمية انسحبت مجموعة من مسلحي حزب «العمال الكردستاني» من تركيا في 26 أكتوبر 2025 لتأكيد الالتزام بدعوة زعيم الحزب عبد الله أوجلان للسلام (رويترز)

تركيا: اتهامات للحكومة بالمماطلة في «السلام» مع الأكراد

تواجه الحكومة التركية اتهامات من الجانب الكردي بالتردد والممطالة في اتخاذ خطوات لدفع «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

طالب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان الأكراد باتباع نهج الديمقراطية لحل مشاكلهم الداخلية وفي مفاوضاتهم مع الدول

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس حزب «الشعب الجمهوري» عقب فوز الحزب في الانتخابات المحلية عام 2024 (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان وأوزيل يتبادلان رسائل حول إمكانية اللقاء

تبادل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وزعيم المعارضة أوزغور أوزيل، حول إمكانية عقد لقاء رغم التوتر والتراشق بالتصريحات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)

تركيا: حزمة قرارات لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال

أعلنت تركيا حزمة قرارات جديدة لتعزيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال من الخارج لدعم الاقتصاد وتعزيز مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع، عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء، حسبما قالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط».

وباتت هذه المنطقة «المحظورة» و«الخطرة»، أمراً واقعاً فرضته القوات الإسرائيلية من غير الإعلان عنه؛ إذ تتعرض لقصف يومي أو خضعت لإنذارات إخلاء، وتمتد من جنوب غربي لبنان، إلى محيط مدينة النبطية على شعاع يتجاوز الـ35 كيلومتراً، ويمتد في العمق إلى نحو 25 كيلومتراً عن الحدود، ويضم عشرات القرى والبلدات الواقعة في عمق جنوب لبنان، إلى لائحة المناطق الخطرة المعرضة للقصف، مما أجبر سكانها على النزوح.

نازحون من مدينة النبطية في مركز إيواء مؤقت في العاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)

وفيما يقع معظم «الخط الأصفر» في المنطقة الحدودية إلى عمق يتراوح بين 8 و12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، تتوسع المنطقة الحمراء إلى مسافة نحو 12 كيلومتراً انطلاقاً من الخط الأصفر؛ أي لا يقل عمقها عن 20 كيلومتراً من الحدود.

إنذار 23 بلدة خارج «الخط الأصفر»

وقالت المصادر الأمنية في الجنوب إن المنطقة التي حددها الجيش الإسرائيلي بالنار، تنقسم إلى منطقة معرضة لإنذارات إخلاء وتبلغ 23 بلدة تقع في العمق شمال وجنوب نهر الليطاني، إضافة إلى منطقة شبيهة لم يأتِ على ذكرها، وتبعد مسافة 12 كيلومتراً على الأقل عن حدود «الخط الأصفر»، تتعرض لقصف يومي مما يجعلها منطقة خطرة، ولا توفر الأمان لسكانها، وتتوزع على أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون والنبطية.

وبعد إنذار الإخلاء الذي أصدره، الأحد، لقرى واقعة شمال الليطاني بمحيط مدينة النبطية، ويبلغ عددها 7 قرى تطل على مجرى نهر الليطاني وعلى المدخل الشمالي لوادي الحجير، أصدر الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إنذار إخلاء لـ16 بلدة وقرية تقع في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور، وتشرف على واديي الحجير والسلوقي، وهما حدود منطقة الخط الأصفر الذي كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن عنه قبل ثلاثة أسابيع.

عمق لـ«حزب الله»

ويقول خبراء عسكريون إن اختيار تلك القرى يأتي بسبب طبيعتها الجغرافية؛ إذ تضم ودياناً ومرتفعات، يمكن أن تطل على المنطقة الحدودية المحددة بـ«الخطر الأصفر»، وتمثل عمقاً حيوياً لمقاتلي الحزب، يستطيعون خلاله التحرك والتنقل، وإطلاق المسيرات التي تلاحق الأفراد والآليات، وهي أحدث أسلحة أدخلها الحزب إلى المعركة الأخيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي في الإنذار: «في ضوء قيام (حزب الله) بخرق اتفاق وقف إطلاق النار يضطر الجيش الإسرائيلي على العمل ضده بقوة»، حسبما جاء في البيان.

وتطل البلدات المعرضة للقصف والمستهدفة بالإنذارات، على أودية فاصلة مع الخط الأصفر، وتوازي بتضاريسها ارتفاعات البلدات المحتلة، أو المعرضة للاحتلال. فمن جهة البلدات السبع التي تعرضت لإنذارات إخلاء يوم الأحد، تطل أرنون ويحمر الشقيف وزوطر وكفرتبنيت على بلدات الطيبة وديرسريان والقنطرة المحتلة... أما بلدات خربة سلم ومجدل سلم وقبريخا وتولين، فتطل على بلدات عدشيت القصير وطلوسة وبني حيان... أما شقرا ومجدل سلم وبرعشيت فتطل على حولا وميس الجبل وسائر الطرقات في وادي السلوقي المؤدية إلى بنت جبيل.

عمق 25 كيلومتراً

والواضح أن المنطقة الحمراء لا تقتصر على البلدات التي تم إنذارها بالإخلاء، بالنظر إلى أن خريطة القصف والاستهدافات بالغارات الجوية وغارات المسيرات والقصف المدفعي، تتجاوز الـ25 بلدة، ووصلت، الثلاثاء، إلى بلدة جبشيت (قضاء النبطية)، والخميس، إلى بلدة دبعال (قضاء صور) التي تبعد عن الحدود مسافة 25 كيلومتراً، أما الأسبوع الماضي فقد وصل القصف المدفعي إلى بلدة البازورية في شرق مدينة صور، وتبعد نحو 25 كيلومتراً عن الحدود.

دبابات إسرائيلية تتحرك بين أبنية مدمرة في إحدى قرى جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأفادت وسائل إعلام محلية، الأربعاء، بأن الاستهدافات الإسرائيلية شملت بلدات مجدل سلم، وتولين وقبريخا، وبرج قلاويه وخربة سلم وبرعشيت والنبطية الفوقا وحاريص وكفرا، أما في القطاع الغربي، فقد شمل القصف بلدات الشعيتية ودبعال والحنية والمنصوري ومجدل زون، وهي بلدات غير مستهدفة بإنذارات إخلاء.

وفي تعليقه على القصف، قال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم، الثلاثاء، عدة بنى تحتية تابعة لـ«حزب الله» في عدة مناطق جنوب لبنان، شمال خط الدفاع الأمامي. وأوضح أنه من بين الأهداف، منصات إطلاق محمّلة وجاهزة للإطلاق، ومخازن وسائل قتالية ومبانٍ عسكرية استُخدمت من قبل «حزب الله» لتدعيم مخططات ضد القوات الإسرائيلية، إضافة إلى «ملاحقة 3 عناصر من (حزب الله) كانوا يعملون على تعزيز مخطط إطلاق نار باتجاه قواتنا».

عمليات «حزب الله» والقصف الإسرائيلي

وتتركز عمليات «حزب الله» داخل الأراضي اللبنانية في داخل الخط الأصفر، وأعلن «حزب الله» في بيانات متتالية، أنه استهدف تجمّعاً لجنود إسرائيليّين في موقع نمر الجمل المستحدث بسربٍ من المسيّرات الانقضاضيّة، كما أعلن استهدافه دبابتي ميركافا في القنطرة، بمحلّقتين انقضاضيّتين.

ونتيجة الغارات الإسرائيلية، أعلنت قيادة الجيش اللبناني عن «استشهاد عسكري وشقيقه جراء غارة إسرائيلية معادية استهدفَتْهما في بلدة خربة سلم - بنت جبيل في أثناء انتقالهما على متن دراجة نارية من مركز عمل العسكري إلى منزله في بلدة الصوانة».

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت بلدة حدودية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

إلى ذلك، استهدفت غارة بلدة الحنية أسفرت عن مقتل عائلة شوقي دياب مكونة من الوالد والوالدة وابنهما. وفي بلدة جويا استمرت أعمال رفع الأنقاض، حيث تم انتشال قتيلتين، ويعتقد بوجود أربعة قتلى آخرين على الأقل. وفي طيردبا، تم العثور على جثة الطفلة ميلا عباس زيات التي قتلت مع والدتها.

وأدت غارة على بلدة جبشيت إلى تدمير المبنى ومقتل محمَّد جواد بهجة وزوجته، وأماني جابر وابنتها وابنها، وعملت فرق من الإسعاف والإغاثة طوال الليل، على رفع ركام المبنى المدمر وسحب الجثث.

إلى ذلك، واصلت القوات الإسرائيلية تفجير منازل في شمع والناقورة، حيث سمعت أصوات التفجيرات في قرى صور، وسط تحليق مستمر للطيران المسيّر في أجواء البياضة المنصوري وساحل صور الجنوبي والشمالي. وكانت الغارة التي شنها الجيش الإسرائيلي فجراً على حانين، وعمليات النسف التي قام بها خلفت أضراراً جسيمة في المنازل والبنى التحتية والطرق وشبكات الكهرباء.


«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

كشفت 3 مصادر من حركة «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في كتائب «القسام» (الذراع العسكرية للحركة).

وبحسب المصادر الثلاثة التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن «(حماس) اعتبرت هذه الخروقات واغتيال قيادات أمنية بشكل خاص، ضربةً لجهود الوسطاء في محاولة إرساء اتفاق واضح يلزم إسرائيل بتنفيذ ما عليها، داعية إياهم للتدخل «الجاد والحازم» لوقف هذه العمليات التي أدت لقتل نحو ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025. ووفقاً للمصادر، فإن الوسطاء أكدوا أنهم يواصلون جهودهم من أجل وضع حد للخروقات الإسرائيلية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني على تواصل مع «لجنة إدارة غزة» أن الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف كان قد «طلب يوم الاثنين من إسرائيل وقف الهجمات الجوية في قطاع غزة لمدة 48 ساعة لمنح مفاوضات القاهرة فرصة للنجاح؛ إلا أنه لم يتلقَّ رداً منها». وقالت المصادر من «حماس» إنها لا علم لديها بهذا الطلب.

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وبعد يوم من مقترح جديد قدمه الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن غزة والمضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، قالت المصادر من «حماس» إن الحركة تجهز رداً يحمل ملاحظات وطلبات تعديلات سيقدمها الوفد المفاوض لملادينوف والوسطاء.

وكانت «الشرق الأوسط» قد حصلت على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام»، والوسطاء من الدول الثلاث؛ مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الولايات المتحدة، بشأن قطاع غزة، خاصةً نزع السلاح منه. وأظهرت الوثيقة المعنونة بـ«خريطة طريق» لإتمام تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة للسلام بغزة، 15 بنداً للتعامل مع تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

وسيركز الرد، وفق المصادر، على مطالبات بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، وإيجاد مقاربات وضمانات دولية واضحة لإلزام إسرائيل، وعدم ربط قضية إعادة الإعمار، بحصر ونزع السلاح، والتأكيد على حق الفصائل بممارسة دورها السياسي بشكل كامل دون قيود.

وتشير الورقة الجديدة إلى تشكيل لجنة سُميت «التحقق من التنفيذ»، سيتم إنشاؤها من قبل الممثل الأعلى لغزة، تتألف من الدول الضامنة، وقوة الاستقرار الدولية و«مجلس السلام»، لضمان تنفيذ الأطراف ما يقع على عاتقها، على أن يتم تدعيم هذه اللجنة من خلال آلية مراقبة معززة.

وتؤكد الوثيقة في أول بنودها أهمية التزام الأطراف كافة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشكل كامل، وخطة ترمب الشاملة، بعدّهما يشكلان إطاراً دولياً متفقاً عليه وسيتم الاسترشاد بهما لتنفيذ هذه العملية، بما يضمن تحقيق الهدف الأهم باستعادة الحياة المدنية، وتمكين الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار والأمن والتعافي الاقتصادي، وتوفير الظروف للوصول إلى مسار موثوق به لتحقيق تقرير المصير والدولة الفلسطينية بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن.


مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.