إسرائيل تغير استراتيجية ضرباتها الجوية في سوريا

مشيّعون إيرانيون يحملون نعش سيد رضي موسوي وهو جنرال إيراني رفيع المستوى في «الحرس الثوري» الإيراني قُتل في 25 ديسمبر 2023 بغارة إسرائيلية في سوريا 28 ديسمبر 2023 (أ.ب)
مشيّعون إيرانيون يحملون نعش سيد رضي موسوي وهو جنرال إيراني رفيع المستوى في «الحرس الثوري» الإيراني قُتل في 25 ديسمبر 2023 بغارة إسرائيلية في سوريا 28 ديسمبر 2023 (أ.ب)
TT

إسرائيل تغير استراتيجية ضرباتها الجوية في سوريا

مشيّعون إيرانيون يحملون نعش سيد رضي موسوي وهو جنرال إيراني رفيع المستوى في «الحرس الثوري» الإيراني قُتل في 25 ديسمبر 2023 بغارة إسرائيلية في سوريا 28 ديسمبر 2023 (أ.ب)
مشيّعون إيرانيون يحملون نعش سيد رضي موسوي وهو جنرال إيراني رفيع المستوى في «الحرس الثوري» الإيراني قُتل في 25 ديسمبر 2023 بغارة إسرائيلية في سوريا 28 ديسمبر 2023 (أ.ب)

قالت 6 مصادر مطلعة بشكل مباشر لوكالة «رويترز» للأنباء، إن إسرائيل تنفذ موجة غير مسبوقة من الضربات القاتلة في سوريا تستهدف شاحنات بضائع وبنية تحتية وأفراداً مشاركين في نقل أسلحة إيران لجماعات متحالفة معها في المنطقة.

وذكرت المصادر، ومن بينها مسؤول بالمخابرات العسكرية السورية، وقائد في التحالف الإقليمي الذي يدعم الحكومة السورية، أن إسرائيل غيّرت استراتيجياتها في أعقاب الهجوم الذي شنه مسلحو حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وما أعقبه من عمليات القصف الإسرائيلية في غزة ولبنان.

وأوضحت المصادر أنه على الرغم من أن إسرائيل عمدت إلى ضرب أهداف مرتبطة بإيران في سوريا لسنوات، بما في ذلك المناطق التي تنشط فيها جماعة «حزب الله» اللبنانية المسلحة الموالية لإيران، فإنها تنفذ حالياً غارات جوية أكثر فتكاً وتواتراً تستهدف عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وأنظمة الدفاع الجوي في سوريا.

وقال القائد في التحالف الإقليمي ومصدران آخران مطلعان على تفكير «حزب الله»، إن إسرائيل تخلت عن «قواعد اللعبة» القائمة على التكتم لضرباتها في سوريا في السابق، ويبدو أنها «لم تعد حذرة» إزاء تكبيد «حزب الله» هناك خسائر فادحة.

وأضاف القائد: «لقد اعتادوا إطلاق نيران تحذيرية. كانوا يضربون بالقرب من الشاحنة، فيخرج رجالنا من الشاحنة ثم يضربون الشاحنة»، واصفاً الهجمات الإسرائيلية على عمليات نقل الأسلحة التي كانت جماعة «حزب الله» تقوم بها قبل السابع من أكتوبر.

وأردف قائلاً: «انتهى ذلك. إسرائيل تشن الآن غارات جوية أكثر فتكاً وأكثر تواتراً على عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وأنظمة الدفاع الجوي في سوريا. إنهم يقصفون الجميع مباشرة. إنهم يقصفون من أجل القتل».

وأدت الحملة الجوية المكثفة إلى مقتل 19 من أعضاء «حزب الله» في سوريا خلال 3 أشهر حتى الآن، وهو ما يزيد على مثلي العدد في عام 2023 بالكامل قبل السابع من أكتوبر، وفقاً لمسح لوكالة «رويترز». كما قُتل أكثر من 130 من مسلحي «حزب الله» جراء القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان في الفترة نفسها.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير للصحافيين مع اشتراط عدم الكشف عن هويته، إن «حزب الله» بدأ هذه الجولة من القتال بهجمات يوم الثامن من أكتوبر، وإن الاستراتيجية الإسرائيلية كانت انتقامية.

ورداً على سؤال في الشهر الماضي حول غارة إسرائيلية في سوريا، قال قائد الجيش الإسرائيلي إن القوات تعمل في أنحاء المنطقة وتتخذ «كل الإجراءات اللازمة» لإظهار إصرار إسرائيل على الدفاع عن نفسها.

القوات الإيرانية

بدأت إسرائيل منذ سنوات استهداف أهداف مرتبطة بإيران في سوريا، لكن مصادر مطلعة على الضربات قالت إنها بدت كأنها تتجنب قتل أعضاء «حزب الله» قدر الإمكان.

وقال ضابط مخابرات إقليمي إن إسرائيل تخشى أن يؤدي ارتفاع عدد الضحايا إلى إثارة رغبة «حزب الله» في لبنان في الانتقام من القرى الإسرائيلية المجاورة للحدود.

وأضاف الضابط أنه مع استمرار تبادل إطلاق النار بين الجانبين بشكل يومي في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر، فإن إسرائيل تنوي أن تكون «أقل حذراً وضبطاً للنفس» في قتل أعضاء «حزب الله» اللبناني في سوريا.

وقال الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في خطاب بثه التلفزيون في الخامس من يناير (كانون الثاني)، إن الجماعة فقدت عدداً من المقاتلين جراء القصف الإسرائيلي في سوريا في أماكن عدة في الأشهر الثلاثة الماضية.

وأضاف أن الجماعة كانت تتبع نهجاً قبل عملية «طوفان الأقصى» يقضي بالرد على قتل أي من أعضائها في سوريا عبر الحدود اللبنانية، التي كانت هادئة حينها، لكن بسبب التطورات الحالية، تغيرت شروط هذا النهج.

وقال قائد في التحالف الموالي لسوريا، إن ضربة نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) أودت بحياة 3 مقاتلين من «حزب الله» كانوا يخططون لتنفيذ عمليات محتملة في شمال إسرائيل، كما استهدفت ضربة أخرى مدينة القنيطرة في جنوب سوريا اثنين من مقاتلي «حزب الله» المسؤولين عن نقل الأسلحة.

وقُتل 4 آخرون في أواخر ديسمبر جراء ضربة على مبانٍ وشاحنات تستخدمها جماعات مسلحة متحالفة مع إيران على طول الحدود الشرقية لسوريا مع العراق.

واستهدفت الغارات أيضاً الحرس الثوري الإيراني في سوريا. وتسببت ضربة وقعت في أوائل ديسمبر في مقتل اثنين من أعضاء الحرس وضربة أخرى في 25 ديسمبر أودت بحياة مستشار كبير في الحرس كان يشرف على التنسيق العسكري بين سوريا وإيران.

وقال مصدر مطلع على تفكير «حزب الله» وعملياته في سوريا: «لم يكن ليتعرض للقتل قبل الواقع الجديد الذي دخل حيز التنفيذ بعد السابع من أكتوبر».

تهديد للأسد

استهدفت غارات جوية منفصلة بنية تحتية عسكرية في جنوب سوريا منها قاعدة دفاع جوي في 28 ديسمبر بعدما استهدفت غارة أخرى نظاماً للدفاع الجوي.

وقال ضابط مخابرات سوري إن الغارات أصابت معدات دفاعية قبل أن تتمكن القوات من إدخالها للخدمة. وأصبحت المطارات في العاصمة السورية دمشق وشمال حلب، والتي تستخدمها إيران لنقل الأسلحة، خارج الخدمة بصورة شبه مستمرة بسبب الضربات.

وقال ضابط المخابرات الإقليمي: «إسرائيل تقول للرئيس السوري بشار الأسد، أنتم تسمحون للإيرانيين و(حزب الله) بنقل الأسلحة وتعزيز قدراتهم، لذلك سنضرب المطارات التي تمثل شرياناً للحياة لكم، وستجدون أنفسكم في مأزق».

وأكدت إسرائيل مراراً أنها لا تسعى لفتح جبهة حرب ثانية في لبنان أو سوريا.

ورغم تكثيف الغارات الإسرائيلية، فإن الجيش السوري، الذي اعتمد بشكل كبير على «حزب الله» وإيران في خوض الحرب الأهلية، لم يفتح جبهة خاصة به.

وقال ضابط المخابرات السوري: «لا نريد أن نضع أنفسنا في مواجهة أو حرب مفتوحة مع إسرائيل».

وذكرت 3 مصادر مطلعة لـ«رويترز» أن الأسد لم يتخذ أي إجراء لدعم «حماس» بعد تهديدات إسرائيلية.

ولم تتلق «رويترز» رداً من وزارة الإعلام السورية للتعليق على الخبر.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

المشرق العربي جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يصنّف مساحات واسعة في جنوب لبنان «منطقة قتال» وسط تواصل الضربات

أنذر الجيش الإسرائيلي، مساء الأربعاء، سكان جنوب لبنان للإخلاء إلى شمال نهر الزهراني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

أحرز الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تقدماً ميدانياً بمحيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، ونقل توغلاته إلى شمال نهر الليطاني بيما وسّع الحزام الناري إلى 20 كيلومتراً.

نذير رضا (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الجيش ينشر «قوات كبيرة على الأرض» في جنوب لبنان، ويسيطر على «مناطق استراتيجية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص رجل ينحني فوق جثث فلسطينيين قتلوا في غارة إسرائيلية على مخيم المغازي للاجئين وسط غزة الثلاثاء (أ.ب) p-circle 02:45

خاص يوم دامٍ في غزة... مقتل 9 فلسطينيين والعصابات تهاجم وسط القطاع

شهد قطاع غزة يوماً دامياً، إذ أسفرت غارات إسرائيلية في مواقع متفرقة عن مقتل 9 فلسطينيين، بينهم 4 قتلوا إثر هجوم بطائرة مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي وقت سابق من الأربعاء، حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة، القائد الجديد لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في جنازة بشوارع مدينة غزة.

وقُتل عودة على يد إسرائيل في إطار حملتها للقضاء على كبار قادة «حماس» على الرغم من وقف إطلاق النار.

وقال الجيش الإسرائيلي إن عودة قُتل في عملية دقيقة في غزة، مساء الثلاثاء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من مقتل سلفه، عز الدين الحداد، في هجوم إسرائيلي على مبنى سكني في قطاع غزة.


هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

شهد الشهر الماضي منعطفاً دراماتيكياً في تاريخ سوريا، الدولة التي مزَّقتها سنوات من الحرب الأهلية التي لم تنتهِ إلا في ديسمبر (كانون الأول) 2024. فبعد 16 شهراً من فرار الديكتاتور بشار الأسد إلى موسكو، بدأت السلطات الانتقالية السورية أخيراً باعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، المسؤولين عن أبشع جرائم الحرب. وقد تكون هذه نقطة تحوُّل للحكومة الوليدة، لكن من غير الواضح إلى أي اتجاه ستتجه، بحسب خبراء دوليِّين.

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

في الأسابيع الـ6 الماضية، ألقت قوات الأمن القبض على عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم السارين عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد وشخصية خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، ضابط المخابرات المتهم بقيادة مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم، وهو ما وثَّقه القتلة في ذلك الوقت بالفيديو.

اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى أحد أعمدة نظام الأسد (الداخلية السورية)

الاعتقالات أُعلن عنها عبر سيل من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التلفزيون السوري. الأسماء معروفة لدى معظم السوريين، فهم «الرأس المدبر» لنظام قمعي وحشي. وتزامنت الاعتقالات مع بدء محاكمة عاطف نجيب، الذي كان أول المختارين، رمزياً، لأنه الرجل الذي أسهم تعذيبه العنيف لمعارضي الأسد اليافعين في إشعال فتيل انتفاضة 2011 التي أدت إلى سقوطه بعد أكثر من عقد من الزمان.

في العاشر من مايو (أيار) الحالي، جلس عاطف نجيب، ابن عم الأسد، في إحدى قاعات محكمة دمشق، مكبلاً بالأصفاد داخل قفص معدني، مرتدياً زي السجن المخطط الباهت. كان نجيب يشغل منصب رئيس الأمن في محافظة درعا الجنوبية عندما اعتُقل تلاميذ المدارس وعُذِّبوا لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد على جدران مدارسهم. سُجن التلاميذ لمدة 45 يوماً، وبحلول وقت إطلاق سراحهم، كانت درعا تشهد مظاهرات أسبوعية سرعان ما امتدت إلى باقي أنحاء البلاد.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

كان هذا ثاني مثول لنجيب أمام المحكمة. تلا القاضي 10 تهم، من بينها القتل والتعذيب. وُجِّهت التهم غيابياً إلى بشار وشقيقه ماهر الأسد. ونظراً لفرارهما إلى موسكو، لا يتوقع أحد اعتقالهما قريباً، لكن هذا الإجراء رمزي، كما كتب فضل عبد الغني، رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «لقد نُقل الأسد من موقع الرئيس السابق، وصاحب السلطة المطلقة، إلى موقع المتهم أمام القضاء السوري».

كان بعض «فتيان الكتابة على الجدران»، الذين أصبحوا الآن بالغين، موجودين أيضاً في المحكمة. وكان القاضي الذي يرأس الجلسة، فخر الدين العريان، قد حُكم عليه بالإعدام سابقاً من قبل النظام الذي سيحكم عليه الآن.

تزامن كل هذا مع توجيه اتهامات جديدة لأكبر مرتكبي الجرائم في الحرب الأهلية السورية. لم يكن هذا التسارع وليد الصدفة، ولم تكن المساءلة هي الدافع الوحيد، بحسب موقع «سليت»، فقد تعرَّض الرئيس أحمد الشرع، رئيس الحكومة الانتقالية، لضغوط متواصلة من عائلات الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان السورية، ونشطاء المجتمع المدني، وعواصم غربية تدرس تخفيف العقوبات، لإثبات جدوى خطابه حول العدالة الانتقالية. وقد أمضى العام الماضي في بناء أسس المساءلة، وإنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم صدر في مايو الماضي، ولجنة المفقودين التي تُولي العدالة الانتقالية أولويةً قصوى.

سيارة محترقة قرب مقر وزارة الدفاع السورية في حي الباب الشرقي بدمشق الثلاثاء نتيجة انفجار سيارة مفخخة (د.ب.أ)

لكن الأمن هو المحرِّك الآخر. لم تختفِ شبكات النظام السابق، فبعض الشخصيات لا تزال تمتلك أسلحةً وأموالاً ونفوذاً محلياً، فضلاً عن صلات بجهات خارجية، لا سيما روسيا وإيران. لدى هذه الشبكات دوافع لاستغلال الوعود غير المُحقَّقة للمرحلة الانتقالية في بلدٍ تتسم فيه سلطة الدولة الجديدة بالتفاوت، وتشهد فيه أسعار الوقود والكهرباء ارتفاعاً حاداً، ويكافح فيه السوريون لإطعام أسرهم. وكان افتتاح المحاكمة الأولى وسيلةً لتلبية أحد هذه المطالب على الأقل.

«تتعرَّض السلطات لضغوط مشروعة من المجتمع، فيما يتعلق بالعدالة والاقتصاد؛ والآن، عليهم أن يستجيبوا، لذلك لا يمكنهم تجاهل مطالب الشعب»، كما يقول معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة «اليوم التالي»، وهي منظمة تعمل على دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا.

من بعض النواحي، كان اعتقال هؤلاء الرجال الجزء الأسهل. أما المشكلة الأصعب فهي بناء نظام قضائي من الصفر لمحاكمتهم. ثمة فراغ في القضاء بعد إقالة معظم قضاة عهد الأسد. وتحاكم الحكومة الانتقالية عاطف نجيب بموجب قانون العقوبات لعام 1949، وهو قانون كُتب للقتل العادي، لا للجرائم ضد الإنسانية. ودون برلمان فاعل، سيتعيَّن تأجيلُ سنِّ قوانين جديدة تفي بالمعايير الدولية لجرائم الحرب.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

يقول النقاد إنَّ الإطار القانوني المحلي غير كافٍ. فلا يوجد قانون ينصُّ على مسؤولية القيادة في القانون السوري. وتقتصر ولاية لجنة العدالة الانتقالية على جرائم عهد الأسد، مستثنيةً انتهاكات قوات الأمن الجديدة خلال المجازر الساحلية التي استهدفت العلويين العام الماضي، والعنف الطائفي ضد الدروز في مدينة السويداء الجنوبية.

يُمثل حجم القضايا المحتملة تحدياً آخر. فقد سجنت الحكومة الانتقالية الجديدة ما يُقدَّر بنحو 4 آلاف مسؤول سابق في النظام؛ ولا يزال آلاف آخرون، بمَن فيهم مَن ارتكب جرائم تعذيب بحق المعتقلين، في البلاد.

على سبيل المثال، اتُّهمت امرأة تُدعى هالة، كانت تُعرَف داخل سجون النظام باسم «مونيا»، من قِبَل ناجين، في أثناء عملها حارسةً في مركز احتجاز المخابرات الجوية سيئ السمعة، بأنها شاركت في التعذيب وسوء المعاملة خلال عهد الأسد. وقد أبلغ الضحايا السلطات بعد أن رأوها تعمل علناً حلاقة في حي راقٍ بوسط دمشق، ونشرت صوراً لتسريحات محلها، على الإنترنت. تَعرَّف المعتقلون السابقون على وجهها وصوتها. وأُلقي القبض عليها في مارس (آذار).

جثمانا طفلَي قال أقاربهما إنهما قُتلا جراء انفجار ناجم عن مخلفات الحرب خلال لعبهما في قرية بريف إدلب الشرقي يوم 21 مايو (أ.ب)

وكشف موقع «سليت»، عن أنَّ أكثر من 300 طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، حضروا حلقة نقاش عُقدت مؤخراً، قدّمها متخصصون قانونيون دوليون في جرائم الحرب، من بينهم ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتجول لشؤون جرائم الحرب. ويهدف البرنامج إلى إنشاء برنامج عملي يُشرك الطلاب فوراً في العمل القانوني، ويُزوّدهم بأدوات تُساعد القضاة والمدعين العامين. ويقول راب: «إنّ كيفية بناء القضايا، وتحديد ما إذا كانت هناك جريمة، ومناقشة أشكال المسؤولية، هي مفتاح النجاح».

يقول بعض المسؤولين الحكوميين للموقع، إنَّ الهدف هو إجراء 500 محاكمة على مدى السنوات الـ5 المقبلة، لكن راب يقول: «حتى هذا الهدف قد يكون صعب المنال: سيواجهون صعوبةً في إقامة 500 محاكمة، وسيتعيَّن عليهم اتخاذ خيار استراتيجي بشأن مَن سيحاكمون».

ستكون لتلك الخيارات أهمية بالغة بالنسبة لمجتمع مُصاب بصدمة نفسية، وسيُصرّ أفراده على أن يكون لهم رأي في القرارات. إنَّ الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عملية عدالة انتقالية شفافة وتعزيز سيادة القانون لأول مرة في سوريا.


الجيش الإسرائيلي يصنّف مساحات واسعة في جنوب لبنان «منطقة قتال» وسط تواصل الضربات

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يصنّف مساحات واسعة في جنوب لبنان «منطقة قتال» وسط تواصل الضربات

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أنذر الجيش الإسرائيلي، مساء الأربعاء، سكان جنوب لبنان بأن المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني الذي يبعد نحو أربعين كلم من الحدود بين إسرائيل ولبنان، تعدّ «منطقة قتال».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، دعا المتحدث باسم الجيش باللغة العربية أفيخاي أدرعي، جميع سكان هذه المناطق إلى إخلائها في اتجاه الضفة الشمالية من نهر الزهراني.

وقال أدرعي: «في ظلّ الانتهاكات المتكرّرة لاتفاق وقف إطلاق النار من قِبل (حزب الله) الإرهابي، سيعمل جيش الدفاع ضدّه بقوة شديدة»، مضيفاً: «ننصح سكان جنوب لبنان بالإخلاء إلى شمال نهر الزهراني؛ إذ إن جميع المناطق الواقعة جنوب النهر تُعدّ منطقة قتال».

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم تسلّم طائرة إمداد جديدة لسلاح الجو: «نكثّف عملياتنا في لبنان كي نوجّه ضربات تزداد قوّة لمنظمة (حزب الله)».

وأضاف في تسجيل مصوّر للمراسم نشرته الخدمة الإعلامية للجيش: «تنفّذ هذه العملية بدقّة، على كلّ الجبهات، جوّاً وبرّاً، بمسؤولية وعزم لمواجهة عدوّ أُضعف وانتكس بشدّة».

وتابع قائلاً إن «(حزب الله) يوجّه ضدّنا تهديدات واسعة، أبرزها المسيّرات» المتفجّرة، متعهّداً بمواصلة «الجهود بلا هوادة لتكبيد العدوّ ثمناً باهظاً، أكان على الجبهة أو في العمق».

سكان وصحافيون يتفقدون مبنى تضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في اليوم السابق بشرناي في جنوب لبنان 27 مايو 2026 (أ.ب)

استهداف محيط مدينة صور

واستهدفت غارتان إسرائيليتان على الأقل محيط مدينة صور في جنوب لبنان، الأربعاء، وفق ما أفادت به «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، وذلك بعد إصدار الجيش الإسرائيلي إنذار إخلاء شمل المدينة ومناطق قريبة منها.

وأفادت «الوكالة» بأن الطيران الإسرائيلي شنّ «غارة على محيط صور، كما أغار مستهدفاً منطقة المساكن قرب صور». وأفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في صور بوقوع غارة واحدة على الأقل في محيط المدينة.

وأعلن «حزب الله»، الأربعاء، خوض اشتباكات مع قوات إسرائيلية تقدمت إلى بلدة تقع خارج «الخط الأصفر» الذي حددته في جنوب لبنان، على وقع تهديد تل أبيب بتوسيع نطاق عملياتها، وإنذارها مجدداً سكان مدينة النبطية بإخلائها غداة ضربات دامية.

وتوعّدت إسرائيل، هذا الأسبوع، بتصعيد عملياتها في لبنان، تزامناً مع استعداد البلدين لخوض محادثات جديدة في واشنطن، يبدأها وفدان عسكريان، الجمعة، وتُستكمل بجولة تفاوض بين ممثلين عن البلدين في 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وكثّفت إسرائيل، الثلاثاء، غاراتها على لبنان، مستهدفة مناطق في جنوب البلاد وشرقها مع إنذارها سكان أكثر من 50 بلدة ومدينة لإخلائها قبل قصفها؛ ما أسفر عن مقتل 31 شخصاً على الأقل وفق السلطات اللبنانية، رغم سريان هدنة هشّة مع «حزب الله» منذ 17 أبريل (نيسان) الماضي.

وقال «حزب الله»، في بيان، إن مقاتليه «اشتبكوا»، صباح الأربعاء، «مع قوات العدو من مسافة صفر» في بلدة زوطر الشرقية «بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، وأجبروا العدو على التراجع ليعمد بعدها إلى تنفيذ أحزمة ناريّة في المنطقة».

وكان «الحزب» أعلن في بيانات متلاحقة منذ فجر الثلاثاء، استهدافه قوات إسرائيلية حاولت التوغل في البلدة بالقذائف الصاروخية والمسيّرات المفخخة.

وتكتسب البلدة الواقعة شمال مجرى الليطاني أهمية استراتيجية لقربها من مدينة النبطية؛ كبرى مدن الجنوب التي أنذر الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، لثاني يوم على التوالي، سكانها بإخلائها والتوجه شمالاً، متهماً «حزب الله» بخرق وقف إطلاق النار.

والبلدة ملاصقة لـ«الخط الأصفر» الذي حدده الجيش الإسرائيلي، الشهر الماضي، في جنوب لبنان، لفصل منطقة بعمق 10 كيلومترات عن الحدود، يمنع سكانها من العودة إليها، عن بقية أجزاء الجنوب.

وتزامن تقدم القوات الإسرائيلية إلى البلدة الواقعة على بعد نحو 10 كيلومترات في مسافة مباشرة عن أقرب نقطة حدودية مع إسرائيل، مع إعلان الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، أنه «يعمل بشكل موجّه بعد خط الدفاع الأمامي بهدف القضاء على التهديدات المباشرة التي تخيم على مواطني دولة إسرائيل وعلى الجنود».

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية - اللبنانية كما شوهدت من شمال إسرائيل 27 مايو 2026 (رويترز)

وكانت القوات الإسرائيلية موجودة براً داخل «الخط الأصفر»، حيث واصلت تنفيذ عمليات تفجير وهدم واسعة النطاق رغم سريان هدنة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء: «نحن بصدد تكثيف عملنا في لبنان... وتعزيز المنطقة الأمنية من أجل حماية مناطق الشمال» في إسرائيل من تهديد «حزب الله»، على وقع ازدياد الشكوك بشأن إمكانية إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

طريق إمداد

ومنذ اندلاع الحرب التي بدأها «حزب الله» باستهداف شمال إسرائيل في الثاني من مارس (آذار)، رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الإسرائيلية - الأميركية على إيران، تنفذ إسرائيل بين الحين والآخر ضربات على منطقة البقاع الغربي وتنذر سكان بلدات عدة بإخلائها.

وتركزت الغارات في اليومين الأخيرين بشكل خاص على بلدة مشغرة، التي كانت تؤوي مئات العائلات النازحة من بلدات مجاورة استهدفتها إسرائيل منذ بدء الحرب، وباتت اليوم خالية تماماً من قاطنيها.

ومع تكرار الغارات والإنذارات، أبدى رئيس بلدية مشغرة إسكندر بركة في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خشيته من أن «تصبح منطقة البقاع الغربي ساحة مواجهة خلفية» مع «حزب الله»، بعد الجنوب.

وتشكل منطقة البقاع الغربي منطقة استراتيجية لـ«حزب الله»؛ إذ تربط البقاع الشمالي، معقل «حزب الله» بجنوب البلاد وتشكل طريق إمداد رئيسياً لقواته.

ويقول الخبير العسكري حسن جوني للوكالة: «تشكل منطقة البقاع الغربي ممراً إلزامياً لعناصر (حزب الله) إذا أرادوا أن يتحركوا بين البقاع والجنوب»؛ وهو ما يرجّح أن يجعلها «منطقة استهداف مركز ومتواصل في هذه المرحلة» من إسرائيل.

ولا يستبعد جوني أن يعمل نتنياهو في الأيام المقبلة على «توسيع العمليات الحربية باتجاهات تتخطى البقاع الغربي، وربما يستهدف البقاع الشمالي بشكل مكثف وحتى ضاحية بيروت الجنوبية» اللذين بقيا بمنأى نسبياً عن القصف منذ سريان الهدنة.

ورغم التصعيد الإسرائيلي، يأمل لبنان في أن يتمكن خلال جولة المفاوضات المقبلة من تثبيت وقف إطلاق النار.

ويشارك وفد عسكري شكّله لبنان، يضم ستة ضباط من اختصاصات عدة برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، في محادثات مع وفد إسرائيلي تقام، الجمعة، في وزارة الدفاع الأميركية.

وقال مصدر عسكري للوكالة إن الوفد «سيشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، ويعرّض خطة الجيش لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية».