قصف جديد على غزة... وإسرائيل تكثف هجماتها على القطاع

دخان يتصاعد فوق خان يونس بعد قصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد فوق خان يونس بعد قصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

قصف جديد على غزة... وإسرائيل تكثف هجماتها على القطاع

دخان يتصاعد فوق خان يونس بعد قصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد فوق خان يونس بعد قصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

تعرض قطاع غزة اليوم (الثلاثاء)، لعمليات قصف جديدة مع إعلان إسرائيل تكثيفاً جديداً للقتال ضد حركة «حماس» رغم الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار والخسائر البشرية المدنية الفادحة في القطاع الفلسطيني المحاصَر، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، أن السلم لن يتحقق إلا في حال كانت غزة «منزوعة السلاح وخالية من التطرف»، بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر على اندلاع الحرب بين الدولة العبرية وحركة «حماس».

ورداً على ذلك، توعدت إسرائيل حركة «حماس» بالقضاء عليها. واستتبعت ذلك بحرب ألحقت دماراً هائلاً بقطاع غزة وكارثة إنسانية، إذ يتهدد الجوع السكان، فيما خرجت غالبية المستشفيات عن الخدمة.

وصباح الثلاثاء ارتفعت أعمدة دخان في سماء خان يونس جنوب قطاع غزة، بعد عملية قصف، فيما أعلنت إسرائيل أنها باتت تركز هجومها على «حماس» في هذه المدينة التي نزح إليها الكثير من سكان القطاع بعد فرارهم من الشمال.

وأفاد أحد مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الضربات الإسرائيلية تواصلت خلال الليل، خصوصاً على خان يونس ورفح المجاورة عند الحدود مع مصر، حيث يُقيم عشرات آلاف النازحين في خيام.

ونُقلت جثث نحو 30 ضحية سقطوا في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، إلى مستشفى ناصر في خان يونس، حسبما أفادت وزارة الصحة في حكومة «حماس».

وأفاد الجيش الإٍسرائيلي اليوم بأنه ضرب في الساعات الـ24 الأخيرة 100 هدف لحركة «حماس» بينها «فتحات أنفاق ومنشآت ومواقع عسكرية تُستخدم لشن هجمات على الجنود في قطاع غزة» بما يشمل جباليا في شمال قطاع غزة وخان يونس.

وقالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الثلاثاء، إن مدفعية القوات الإسرائيلية استهدفت الطوابق العلوية في مقر الجمعية بخان يونس، جنوب قطاع غزة، مشيرةً إلى أن المقر يضم آلاف النازحين، حسب «وكالة أنباء العالم العربي».

وأفاد تلفزيون فلسطين في وقت سابق، بأن 26 فلسطينياً قُتلوا في خان يونس جنوب قطاع غزة منذ مساء أمس، ولم يعطِ التلفزيون مزيداً من التفاصيل.

من ناحية أخرى، قالت «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، إن مقاتليها يخوضون «اشتباكات ضارية» في خان يونس منذ صباح اليوم.

وكتبت «سرايا القدس» على حسابها بـ«تلغرام»: «يخوض مجاهدونا اشتباكات ضارية بالقذائف المضادة للدروع والأسلحة الرشاشة وقذائف الهاون مع قوات العدو المتوغلة في محاور التقدم شرق وشمال خان يونس منذ ساعات الصباح».

وقال نتنياهو، الاثنين، بعدما زار غزة: «لن نتوقف (...) سنكثّف القتال في الأيام المقبلة. ستكون الحرب طويلة».

وفي مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» حدد نتنياهو ثلاثة «شروط مسبقة» لتحقيق السلام.

وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقاله: «يجب تدمير حماس، ويجب نزع سلاح غزة، ويجب استئصال التطرّف من المجتمع الفلسطيني».

«شهادات مروِّعة»

ارتفعت حصيلة القصف الإسرائيلي على القطاع إلى 20674 قتيلاً وزهاء 55 ألف جريح غالبيتهم من النساء والأطفال، وفق ما أعلنت وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس».

وبدأت الحملة الإسرائيلية الأكثر حصداً للأرواح، ضد حركة «حماس» في قطاع غزة، بعد هجوم الحركة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) داخل أراضي الدولة العبرية الذي خلَّف نحو 1140 قتيلاً، معظمهم من المدنيين، وخُطف خلاله نحو 250 شخصاً، لا يزال 129 منهم محتجزين في غزة، وفق الأرقام الإسرائيلية.

وصباح الثلاثاء أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عنصرين في صفوفه لترتفع إلى 158 حصيلة الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا منذ بدء الهجوم البري في قطاع غزة في 27 أكتوبر.

وفي القطاع الذي تفرض عليه إسرائيل حصاراً مطبقاً منذ 9 أكتوبر، صار وضع 1.9 مليون نازح -أي 85 في المائة من السكان- يائساً، وفق وكالات الأمم المتحدة التي تقول إنه لا يوجد مكان آمن في قطاع غزة.

وحصدت عمليات القصف في الأيام الأخيرة أعداداً كبيرة من القتلى.

وقادت منظمة الصحة العالمية، السبت، بعثة جديدة إلى المستشفيات في مدينة غزة، سلمت خلالها خصوصاً من 19 ألف لتر من الوقود إلى مجمع الشفاء الطبي الأكبر في القطاع.

ونقلت منظمة الصحّة العالمية شهادات «مروّعة» عن قصف مخيّم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط غزة، مشيرةً إلى أنّ هذه الروايات جمعتها طواقمها من «مستشفى الأقصى» الذي نُقل إليه ضحايا هذا القصف الإسرائيلي الذي أوقع عشرات القتلى والجرحى.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس أدهانوم غيبريسوس في منشور على منصّة «إكس» إنّ «هذه الضربة الأخيرة تُظهر ضرورة وقف إطلاق النار فوراً».

وأدت الضربة على مخيم المغازي إلى سقوط ما لا يقل عن 70 قتيلاً، حسب وزارة الصحة التابعة لـ«حماس»، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه «يتحقق من الحادث».

ولم يشهد وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ارتفاعاً ملحوظاً رغم اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً، الجمعة، يطالب بنقل المساعدات «فوراً وعلى نطاق واسع» إلى القطاع.

ضغوط إسرائيلية للإفراج عن الرهائن

في إسرائيل، تتواصل الضغوط للإفراج عن الرهائن. وأطلقت عائلات رهائن محتجزين في قطاع غزة صيحات استهجان ضد رئيس الوزراء نتنياهو في أثناء إلقائه خطاباً في الكنيست، الاثنين.

وردّد أقارب المحتجزين الذين حملوا لافتات وصوراً لأبنائهم: «الآن! الآن!»، رداً على قول نتنياهو إن الجيش يحتاج إلى «المزيد من الوقت» لاستكمال العملية العسكرية.

ومساء الاثنين، تظاهرت عائلات رهائن أمام وزارة الدفاع في تل أبيب.

وتشترط حركة «حماس» وقف القتال قبل بدء مفاوضات جديدة للإفراج عن رهائن جدد.

وعلى الرغم من مواقف طرفي النزاع المتشددة، لا يزال الوسطاء المصريون والقطريون يحاولون التفاوض على هدنة جديدة، بعد هدنة أولى دامت أسبوعاً في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، أتاحت الإفراج عن 105 رهائن و240 معتقلاً فلسطينياً، بالإضافة إلى إدخال قوافل مساعدات إنسانية أكبر إلى غزة.

ضربات أميركية في العراق

وثمة مخاوف كبيرة من توسع نطاق القتال على الصعيد الإقليمي، مع تبادل شبه يومي للقصف بين «حزب الله» اللبناني الموالي لإيران والجيش الإسرائيلي عند الحدود بين الدولة العبرية ولبنان وهجمات المتمردين الحوثيين على سفن في البحر الأحمر وبحر العرب.

وكثرت الهجمات المنسوبة إلى فصائل موالية لإيران على القوات الأميركية في العراق وسوريا.

والثلاثاء، أعلنت الولايات المتحدة أنها شنت ضربات جوية على ثلاثة مواقع تستخدمها فصائل موالية لإيران في العراق.

ونددت الحكومة العراقية «بفعل عدائي واضح» أدى إلى مقتل عنصر على الأقلّ من فصيل عراقي في «الحشد الشعبي» وإصابة 18 شخصاً بينهم مدنيون.

والاثنين اتّهمت طهران إسرائيل بقتل أحد قادة «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» بضربة على منطقة السيدة زينب قرب دمشق، في «هجوم صاروخي» إسرائيلي في دمشق، حسب الإعلام الرسمي الإيراني.

ولم يصدر تعليق على الفور من إسرائيل، واكتفى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بالقول: «لا نعلّق على تقارير إعلامية أجنبية».

أما «حزب الله» الموالي لإيران، فأكد في بيان: «نَعدّ هذا الاغتيال اعتداءً صارخاً ووقحاً وتجاوزاً للحدود».

وأكد الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، أن إسرائيل «ستدفع ثمن هذه الجريمة».


مقالات ذات صلة

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
TT

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)

يحتاج عقد أولى جلسات البرلمان السوري (مجلس الشعب) في الموعد الذي حدده الرئيس السوري أحمد الشرع في أنطاليا قبل أيام، إلى تكثيف الجهود والتعجيل في اختيار الأعضاء الممثلين عن محافظة الحسكة، حيث تستعد «اللجنة العليا للانتخابات» لمعالجة الملفات الشائكة المرتبطة بانطلاق أعمال المجلس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ذكر خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة الماضي، أن أولى جلسات البرلمان السوري ستعقد في نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، وأن مجلس الشعب المقبل يتضمن جدول أعمال يُشكّل من خلاله مسار مرحلة ما بعد السنوات الخمس الانتقالية، ومن أبرزها صياغة الدستور الذي سيضع أساساً للقوانين ومهام مؤسسات الدولة وتحديد صلاحيات ومهام رئيس الجمهورية وشكل الحكم في سوريا الجديدة، وكلها سيُجري التصويت عليها.

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على أسماء الناجحين في انتخابات الحسكة شمال شرقي سوريا، ليكتمل بذلك نصابه ويكون جاهزاً لأولى الجلسات البرلمانية.

الحسكة وحساسية التنوع

تصريحات الرئيس الشرع تشير إلى وجود تقدم كبير في الملفات التي كانت تعيق انطلاق جلسات البرلمان واكتمال نصابه، وفي مقدمتها محافظة الحسكة، إلا أن الإعلان أثار أيضاً حالة من القلق إزاء المدة المفترضة لإنهاء انتخابات المحافظة لتتناسب مع الموعد المحدد.

ويرى أصحاب هذا الرأي، ومنهم الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط، سامر الأحمد، أن طبيعة المحافظة والتنوع العرقي والطائفي والمجتمعي فيها يفرضان على الحكومة السورية التعامل بتأن وخطوات مدروسة مع العملية الانتخابية التي تحمل أيضاً تبعات ورسائل سياسية، خصوصاً أن هذه الأمور يجب مراعاتها في آلية اختيار الممثلين وقبلها اللجان الفرعية والهيئات الناخبة.

ويشير الأحمد إلى الحضور الثقافي والسياسي في المحافظة وتعدد الأحزاب السياسية الناشطة، وفي مقدمتها الأحزاب الكردية والسريانية، إضافة إلى القبائل ومجالسها التي تأخذ طابعاً سياسياً، وأيضاً المجتمع الثائر، وأخيراً كيان الإدارة الذاتية.

هذا التنوع، كما يقول الأحمد، يضفي على انتخابات الحسكة حساسية خاصة، تحتم على دمشق العمل على إرضاء جميع الأطراف ومنع فتح أبواب التدخل الخارجي. وأضاف: «هذه الانتخابات تخضع لتفاهمات 29 يناير (كانون الثاني) بين (قسد) والحكومة السورية، وقد تطالب (قسد) بحصة خاصة على غرار حصة الرئيس السوري، أو قد يحدث تعطيل، كما جرى قبل أيام برفض تسليم المكاتب والقصر العدلي في القامشلي، وهي أمور يجب أخذها في الاعتبار، وتحتاج إلى الوقت الكافي».

محافظ الحسكة نورالدين أحمد استقبل السبت وفد «اللجنة العليا للانتخابات» التي تستعد لانتخابات الحسكة استكمالاً لمقاعد مجلس الشعب (محافظة الحسكة)

من جهته، يتوقع عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد ولي، أن تأخذ العملية الانتخابية في محافظة الحسكة فترة تتراوح بين 15 و21 يوماً.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللجنة باشرت التحضير لاستئناف العملية وفق المقاعد المخصصة لمحافظة الحسكة، من خلال تشكيل الهيئة الناخبة التي بدأت بالتواصل مع الفعاليات الرسمية والمجتمعية، حرصاً على تمثيل جميع المكونات السورية في أول برلمان سوري بعد التحرير».

ويلفت ولي إلى أن «تأجيل الانتخابات في محافظة الحسكة (سابقاً) وتأخر انطلاق مجلس الشعب الجديد، كان بدافع الحرص على توفير بيئة ملائمة للانتخابات هناك، في ظل سيادة الدولة السورية وحرصها على وجود ممثلين من المحافظة التي تمثل جزءاً أصيلاً من سوريا».

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

وأكد أن العملية الانتخابية أطلقت استحقاقها مع زيارة اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب للحسكة قبل أيام، ولقاء المحافظ والمبعوث الرئاسي، لتطبيق اتفاقية 29 ديسمبر (كانون الأول) والبدء بالترتيبات اللوجستية والتنظيمية، والتشاور لإعلان القوائم الأولية للجان الفرعية للانتخابات التي بدورها ستقوم بتشكيل الهيئات الناخبة.

نهاية الأسبوع الأول من مايو؟

تتفق مصادر حكومية سورية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» مع الرأي القائل بصعوبة عقد أولى جلسات البرلمان خلال الفترة التي حددها الرئيس الشرع، «سنشهد صدامات واعتراضات على غرار ما حصل في انتخابات الرقة الأخيرة».

واستبعدت المصادر أن «تكون السلطة السورية متمسكة بالموعد المعلن عنه، ورأت أنها ستتوافق مع مطالب شعبية في الحصول على مهلة أطول، مرجحة أن يكون موعد انطلاق مجلس الشعب نهاية الأسبوع الأول من شهر مايو (أيار) المقبل». وتعتقد أن «التصريحات الرئاسية الأخيرة تعكس رغبة السلطة التنفيذية في بدء السلطة التشريعية ممارسة مهامها، خصوصاً مع وجود العديد من الملفات العالقة التي تحتاج موافقتها، وفي مقدمتها القوانين الداخلية وملف الدستور والعدالة الانتقالية، والاتفاقيات الخارجية».

انتخابات مجلس الشعب لدائرتي تل أبيض ورأس العين بمحافظة الرقة أكتوبر الماضي (اللجنة العليا للانتخابات)

وشددت المصادر الحكومية على أن الإدارة السياسية أولت أهمية لوجود ممثلين عن عموم المنطقة الشرقية ووصولهم إلى قبة البرلمان عبر انتخابات مماثلة لما حدث في المحافظات السورية الأخرى، لضمان شرعية المجلس وتمثيله عموم السوريين.

وسبق أن شهدت محافظة الرقة التي كانت تخضع لسيطرة «قسد»، انتخابات محلية أسفرت عن اختيار أربعة أعضاء، ثلاثة منهم عن دائرة الرقة، والأخير عن مدينة الطبقة، ليكتمل نصاب ممثلي المحافظة بوجود عضوين عن دائرة تل أبيض في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني).

السويداء وثلث الرئيسد

الحديث عن الحسكة يفتح ملف انتخابات السويداء، إلى جانب حصة الرئيس السوري في المجلس، المحددة بالثلث، والتي يعتقد أنها ستكون الإطار المحافظ على توازن التمثيل السياسي والاجتماعي بما يراعي أوضاع البلاد المعقدة والشائكة.

ويرى مدير «مركز الحوار السوري للدراسات»، أحمد قربي، أن الحل في السويداء لا يزال بعيداً مع استمرار جماعة «الهجري» برفع مطالب الانفصال، وبالتالي عجز الحكومة عن إقامة انتخابات برلمانية في المحافظة، ما يدفعها إلى خيارات أكثر واقعية لتفادي هذه المعضلة.

يتوقع قربي أن يكون هناك استثناء لحصة محافظة السويداء من الأعضاء المنتخبين المحددة بثلاثة مقاعد من أصل 140، ليتم تعويضها من حصة الرئيس المؤلفة من 70 مقعداً، وفق المادة 24 من الإعلان الدستوري الفقرة الثالثة التي تشير إلى أن هذا الثلث يهدف إلى ضمان التمثيل العادل، والذي يمكن قراءته بضمان التمثيل الإثني والطائفي والجندري، ما يرجح ضمان وجود ممثلين عن الطائفة الدرزية تحت قبة البرلمان.

عضو لجنة الانتخابات في الرقة تؤدي اليمين أمام رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد (سانا)

يوضح قربي أن هذا الحل لن يكون وفق قاعدة «الكوتا» أو المحاصصة، بقدر ما هو ضمان لوجود ممثلين عن عموم المجتمع السوري، وتغطية الفراغات التي تكون قد ظهرت خلال الانتخابات، ومراعاة الكفاءة، وترميم غياب بعض التخصصات، وفق المعايير الانتخابية التي تقوم على التمثيل العادل والكفاءات.

ويقول: «لا يمكن تعطيل برلمان دولة بحضور 207 أعضاء من أصل 210، وتستطيع الحكومة تغطية غياب الطائفة الدرزية من خلال اختيار شخصيات من مناطق تضم المكون الدرزي، مثل جرمانا وأشرفية صحنايا، إضافة إلى شخصيات تحمل ثقلاً وازناً داخل السويداء رافضة لمطالب الانفصال».

ضرورة إطلاق البرلمان

إلى جانب الدور التشريعي الذي يمثل عماد عمل مجلس الشعب وسن الأنظمة وتعديل القوانين المخالفة للإعلان الدستوري، التي لا تزال سارية حتى اليوم بسبب غياب المؤسسة التشريعية، تبرز حاجة سياسية إلى وجود المجلس بحد ذاته، وهو أمر يؤكده عضو مجلس الشعب الجديد المنتخب، عبد العزيز مغربي، الذي يعتبر أن انعقاد مجلس الشعب السوري يحمل أهمية كبيرة على المستويين الداخلي والسياسات الخارجية.

مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

ويقول: «لأول مرة، وبعد عقود من تعطيل دور مجلس الشعب فترة حكم آل الأسد، ينتظر الشعب انعقاد مجلسه ليأخذ دوره الرقابي الذي يعني تفعيل السلطة التشريعية لدورها في سوريا، وتحسين عمل المؤسسات عبر اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل القوانين السابقة التي قد تتضمن ثغرات تتسبب في البيروقراطية والتعطيل، إضافة إلى إقرار الموازنة العامة للبلاد، وهي من أبرز مهام المجلس».

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على أسماء الناجحين في انتخابات الحسكة شرق سوريا، ليكتمل معها نصابه استعداداً لانعقاد أولى الجلسات البرلمانية.

تجدر الإشارة إلى أن عملية انتخابات البرلمان السوري انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في العديد من المحافظات السورية، وفق نظام انتخابي استثنائي يقوم على فكرة المجمعات الانتخابية، حيث تم اختيار الهيئات الناخبة لكل مدينة ومنطقة بحيث تمثل مكونات وفئات المجتمع، لتقوم هذه المجمعات بانتخاب ثلثي أعضاء المجلس الذين يبلغ عددهم 210 أعضاء.


وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
TT

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية «وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض»، وأن لبنان «ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور»، آسفاً لأن مساعي الدولة لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، «تواجه طرفاً داخلياً، هو (حزب الله)، الذي لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمة لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الأولوية الوطنية اليوم هي استعادة السيادة كاملة غير منقوصة»، مؤكداً أنه «لا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض». واستنكر «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية»، مُديناً في الوقت نفسه استهداف الدول العربية الشقيقة واستهداف أمنها واستقرارها.

حصرية التفاوض بيد الدولة

عقدت السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض، مع نظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، لقاءً مباشراً ثانياً في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين، ضمن مسار هو الأول في المحادثات المباشرة منذ عام 1993.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)

وقال رجي: «لقد أدخلت إيران لبنان في حربٍ لم تكن خيار الدولة اللبنانية ولا خيار غالبية اللبنانيين، بل فرضت عليه ضمن مقاربة تَعدّ لبنان ورقة ضغط تُستخدم على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية». وتابع: «من هنا جاءت الخطوة المتقدمة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية جوزيف عون، حين اختار الذهاب إلى مسار التفاوض المباشر، معلناً بوضوح أن الدولة اللبنانية وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض، وأن لبنان ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور». وشدد رجي على أن «هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها التفاوضي، بل تؤسس لاستعادة القرار الوطني المستقل، ولإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في الحرب والسلم والسياسة الخارجية».

وجدد رجي التأكيد «أن المسار اللبناني بات منفصلاً عن المسار الإيراني»، وأن «مصلحة لبنان لم تعد رهينة تعثر المفاوضات الإيرانية أو تقدمها»، بدليل أن «الاجتماع التمهيدي الثاني يُعقد فيما المفاوضات المتعلقة بإيران تشهد جموداً وتعقيدات، مما يثبت أن لبنان بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين». وقال: «هذه نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، لأنها تُنهي مرحلة طويلة جرى فيها ربط الاستحقاقات الوطنية بالأجندات الخارجية».

نهاية الساحات

وأكد رجي «أننا لن نقبل بعد اليوم أن يكون لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة للمغامرات العسكرية والسياسية التي يدفع ثمنها اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم ووحدتهم الوطنية»، شارحاً: «لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات لم يجلب له إلا الدمار والعزلة والانهيار، فيما المطلوب اليوم إعادة تثبيت موقعه كدولة ذات سيادة، لا كساحة نفوذ أو خط تماسٍّ دائم».

أهداف التفاوض

وحول أهداف التفاوض، قال رجي إن «ذهاب لبنان إلى التفاوض يهدف إلى معالجة النقاط العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها القضايا الحدودية والأمنية والإنسانية»، مشدداً على أن «التفاوض ليس استسلاماً كما يحاول البعض تصويره، بل هو أداة من أدوات الدفاع عن المصالح الوطنية حين يُدار من موقع الدولة وبحسابات دقيقة». وقال إن «ميزان القوى لا يُقاس فقط بالسلاح، بل أيضاً بشرعية الدولة، ووحدة الموقف الوطني، والدعم الدولي، والقدرة على استخدام القانون والدبلوماسية لحماية الحقوق»، مشيراً إلى أنه «من الخطأ الجسيم تصوير لبنان كأنه في موقع ضعف مطلق، كما من الخطأ المقابل تصويره في موقع استسلامي. الحقيقة أن لبنان يستطيع، إذا توحدت مؤسساته، أن يفاوض من موقع المصلحة الوطنية الواضحة».

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي خلال لقائه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لإدارة عمليات السلام جان بيار لاكروا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأوضح رجي: «الأولوية الوطنية اليوم هي لاستعادة السيادة كاملة غير منقوصة. ولا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض، وتأمين سلام مستدام يحفظ كرامة اللبنانيين ويمنع تكرار المآسي، ولا سيما لأهلنا في الجنوب الذين دفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم». وتابع: «لقد أثبتت المغامرات العبثية التي جرى خوضها عبر ما تسمى (الأذرع) أن نتائجها لم تكن تحريراً ولا نصراً، بل مزيداً من تفكيك الدولة اللبنانية وإضعافها واستنزاف مجتمعها واقتصادها».

حصرية السلاح

ورأى رجي أن لبنان «تأخر كثيراً في تنفيذ القرارات الحكومية والدستورية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، لا سيما سلاح (حزب الله)، في وقت تطالب فيه غالبية اللبنانيين بقيام دولة فعلية تحتكر وحدها حق استخدام القوة». وقال: «حصر السلاح ليس مطلباً سياسياً لفريق ضد آخر، بل هو المدخل الوحيد لبناء الدولة الحديثة، لأن مفهوم الدولة يتناقض جذرياً مع وجود مجموعات مسلحة خارجة عن سلطتها. فلا يمكن أن تقوم دولة بسلاحين، ولا بسيادتين، ولا بقرارين في الحرب والسلم».

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي (أ.ف.ب)

ولفت رجي إلى أن الوقائع «أثبتت أن السلاح الموازي لم يحرر الأراضي المحتلة، ولم يحمِ المواطن اللبناني، ولم يمنع الدمار، بل أسهم في تعميق الخسائر الوطنية»، موضحاً: «قبل حرب (إسناد غزة) وربط لبنان بالمواجهة الإيرانية، كانت النقاط الخلافية الحدودية محدودة ومحصورة بمسائل معروفة، منها النقاط الثلاث عشرة، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا. أما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد توسع الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في خمس نقاط، وبعد الثاني من مارس (آذار) الماضي، أصبحت المساحات المحتلة أوسع، فيما دُمّرت عشرات القرى وتعرضت مناطق واسعة للخراب والتهجير». وأضاف: «هذه الحصيلة الكارثية تؤكد أن منطق السلاح المنفلت لم ينتج حماية، بل إن معادلات (حزب الله) القاتلة هي ما فرض في نهاية المطاف مسار التفاوض المباشر بوصفه المخرج الوحيد لاستعادة ما خسره لبنان».

استهداف الدول العربية

وأعلن رجي استنكار الدولة اللبنانية بأشد العبارات «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية». وقال: «هذا السلوك يشكل نموذجاً إضافياً لطبيعة المشروع الإيراني العابر للحدود، وخطورته ليست فقط على سيادة لبنان، بل أيضاً على أمن الدول الشقيقة والصديقة التي لطالما وقفت إلى جانب لبنان في أصعب الظروف». وتابع: «أبلغنا الأصدقاء في الدول المعنية استعداد لبنان الكامل للتعاون القضائي والأمني، ولملاحقة المسؤولين عن هذه الشبكات وتقديم كل مساعدة لازمة. كما نجدد رفضنا المطلق استخدام الأراضي اللبنانية أو أي جهة لبنانية للإضرار بأمن أي دولة عربية أو صديقة».

«حزب الله» يقامر بالجنوبيين

في هذا الوقت، تواصل إسرائيل التفجيرات داخل القرى الحدودية في الجنوب. وقال رجي: «نتابع بقلق بالغ التطورات الميدانية في الجنوب، لا سيما الحزام الأمني الذي فرضته إسرائيل، وتعمل وزارة الخارجية عبر مختلف القنوات الدبلوماسية المتاحة للوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار». وتابع: «لكن المؤسف أن الدولة، بينما تسعى لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، تواجه في المقابل طرفاً داخلياً هو (حزب الله)، لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمةً لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي: «إن المشهد المحزن للقرى المدمرة في الجنوب، وللأهالي الذين خسروا بيوتهم ومواسمهم وأمانهم، يجب أن يشكل لحظة مراجعة وطنية شجاعة»، مضيفاً: «على من تسبب بهذه الحرب وأدخل لبنان فيها رغماً عن إرادة شعبه أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية والتاريخية، وأن يراجع حساباته قبل فوات الأوان»، مشدداً على أن «لبنان لم يعد يحتمل حروب الآخرين، ولا مشاريعهم، ولا أوهام الانتصارات التي لا تخلّف إلا الخراب». وقال: «المستقبل يجب أن يكون للدولة، للسيادة، وللسلام العادل الذي يحمي جميع اللبنانيين».


فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».