السوريون يستقبلون عيد الميلاد بفرحة... وأكثر من غصة

زينة الميلاد في باب توما (أرشيفية)
زينة الميلاد في باب توما (أرشيفية)
TT

السوريون يستقبلون عيد الميلاد بفرحة... وأكثر من غصة

زينة الميلاد في باب توما (أرشيفية)
زينة الميلاد في باب توما (أرشيفية)

شرفات مزينة وأشجار مضاءة، تتسرب أخيلتها من خلف ستائر منازل السوريين في معظم مناطق البلاد، خصوصاً المسيحية منها. فمع حلول عيد الميلاد، ارتدت أسواق سوريا وشوارعها ومتاجرها حلّة هذه المناسبة، رغم ما تمر به من ظروف اقتصادية صعبة.

في العاصمة، دمشق، تزدحم الشوارع خلال هذه الفترة من السنة، ويقصد آلاف المواطنين منطقة باب توما وحيّ القصاع، التي يغلب عليها الطابع المسيحي، حيث ترتكز على أطراف الشوارع وأمام الكنائس الموجودة فيها أشجار عيد الميلاد ومخاريط من الإضاءة الصفراء ومجسمات كرتونية لبابا نويل (سانتا كلوز) والغزلان التي تجر عربات ممتلئة بالهدايا وغيرها.

يقف السوري جورج سركيس (35 عاماً) أمام إحدى كنائس حي القصاع في دمشق، حيث يشارك المحتفلين أجواء عيد الميلاد كما اعتاد أن يفعل كل عام، وقد اصطحب معه زوجته وابنتيه.

في حوار أجرته معه «أنباء العالم العربي» قال سركيس: «يختلف شكل العيد عن السنوات السابقة؛ إلا أنه ما زال يحافظ على جزء كبير من بهجته ومتعته في مظاهر الفرح والاحتفالات، وإن بدت خجولة».

أضاف، وهو يضم إليه ابنته الصغرى ماري: «على الرغم من كل الظروف التي نعيشها، فإن العيد يجلب الفرح، ويُضفي أجواء من المحبة... صحيح أننا تخلينا عن أمور كثيرة؛ بسبب الغلاء والوضع المعيش، إلا أننا لم نتخلَ عن الفرح».

ويرى سركيس أن هذا العيد يمثل متنفساً لكثير من الناس يُشعرهم بقدر من السعادة، بدلاً من القلق الذي لا يكاد يفارقهم.

وضع اقتصادي متأزم

ما زال الوضع المعيش المتأزم يعصف بأجواء الاستعداد للاحتفال بعيد الميلاد في سوريا، وذلك بالتزامن مع تفاقم أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها البلاد منذ سنوات، التي أدت إلى انهيار قياسي في قيمة العملة المحلية (الليرة) مقابل الدولار الأميركي، وارتفاع الأسعار.

وبحسب تقرير لـ«المركز اﻟﺴﻮري ﻟﺒﺤﻮث اﻟﺴﻴﺎﺳﺎت»، فقد وصل خط الفقر المدقع للأسرة، بوصفه مؤشراً على الحرمان من الغذاء، في أبريل (نيسان) الماضي على مستوى سوريا، إلى 1.19 مليون ليرة سورية (نحو 149.6 دولار أميركي) بزيادة 41 ألف ليرة عن مارس (آذار) من العام ذاته، بينما وصل خط الفقر الأدنى إلى 1.87 مليون ليرة بزيادة 64 ألفاً، وخط الفقر الأعلى إلى 2.59 مليون ليرة بزيادة 88 ألفاً.

إضاءة شجرة الميلاد في أحد شوارع دمشق (أرشيفية)

وأكد التقرير أن فجوة الأجور مقارنة مع خط الفقر الأعلى بلغت 89 في المائة بالنسبة للموظف الجامعي في القطاع العام، و55 في المائة بالنسبة للعامل في القطاع الخاص، في حين بلغت 54 في المائة للموظف في القطاع المدني، ما يدل على ارتفاع مستوى الفقر بين شريحة كبيرة من السكان، خصوصاً موظفي القطاع العام.

أمام تردي الوضع المعيش، وتآكل المدخرات مع تراجع مستويات الدخل، والارتفاع الجنوني في الأسعار، قصدت السورية فاديا صباغ متجراً للمجوهرات وسط دمشق، وباعت مصاغاً ذهبياً بقيمة بلغت 7 ملايين ليرة؛ لتأمين شجرة ميلاد صغيرة وشراء زينتها لوضعها في أحد أركان غرفة المعيشة، وشراء بعض احتياجات أطفالها.

خرجت الأربعينية فاديا، وهي أم لثلاثة أطفال، من المتجر حاضنة طفلها الصغير الذي لم يتجاوز عمره الخامسة، وقد بدت عليها ملامح الغضب لما آلت إليه الأوضاع في سوريا من تردٍ اقتصادي، وغلاء جعلها غير قادرة على شراء ملابس العيد أو الطعام والضيافة، ولا حتى شجرة صغيرة، بحسب تعبيرها.

وقالت فاديا، لوكالة «أنباء العالم العربي»: «فرحة العيد شيء لا يمكننا حرمان أطفالنا منه؛ فالبسمة على وجوههم في الأعياد المجيدة أثمن بكثير من كنوز الأرض. ورغم الغلاء الفاحش والجيوب الفارغة، فإننا سنفعل المستحيل لنصنع لهم عيداً متواضعاً بقدر الحال».

شجرة الميلاد إرث بعد غلاء ثمنها

ترى السورية مارينا (32 عاماً) أن احتفال الأسرة بعيد الميلاد سيكلفها ملايين الليرات إذا أرادت إتمام الطقوس الاحتفالية المعهودة، عادّةً أن أسعار الزينة أصبحت غير مقبولة ومبالَغاً فيها.

وقالت مارينا إنها تحتاج نحو 1.5 مليون ليرة لوضع شجرة عيد الميلاد في منزلها، الأمر الذي دفعها وزوجها، الذي يتقاضى راتباً قدره 500 ألف ليرة شهرياً من وظيفته الحكومية، إلى العزوف عن الشراء.

زينة الميلاد في باب توما (أرشيفية)

السورية ريتا (25 عاماً)، التي تعمل في محل لبيع الزينة والهدايا، قالت إن الأسعار ارتفعت إلى أكثر من الضعف، مشيرة إلى أن الشجرة الصناعية متوسطة الحجم أصبح سعرها لا يقل عن مليون ليرة مقارنة مع 500 ألف ليرة العام الماضي، مضيفة أن أقل نوع للزينة تبلغ تكلفته حالياً 600 ألف ليرة، في حين كان في العام الماضي لا يتجاوز 250 ألفاً.

وأكدت ريتا لوكالة «أنباء العالم العربي» أن شراء المواطنين أشجار الميلاد والزينة لم يتوقف، لكن الإقبال أصبح ضعيفاً جداً مقارنة مع الأعوام السابقة، مشيرة إلى أنها باعت 20 شجرة حتى الآن، بينما كانت تصل مبيعات المتجر إلى المئات من أشجار عيد الميلاد ومئات القطع من الألعاب في السابق.

قاطعت حديثها نهال، التي كانت تبتاع أضواء لشجرتها، قائلة إن «معظم العائلات باتت تورّث شجرة عيد الميلاد لغلاء ثمنها حالياً وقلة جودتها. واليوم نشتري الزينة بالقطعة، بينما كنّا نشتريها في السابق بالدزينة».

أما سلمى محمود، وهي موظفة وأم لطفلين، فقالت: «لأن أولوياتنا خلال الوقت الراهن تتركز على تأمين الطعام والأدوية والاحتياجات الطارئة، قررنا الاكتفاء بوضع شجرة ميلاد العام الماضي من دون تزيين؛ فمحاولة ربط حبال الضوء الملونة، تشبه وضع مساحيق تجميل لجثة هامدة»، مشيرة إلى انقطاع التيار الكهربائي لمدد تصل إلى 21 ساعة يومياً في منطقتها.

لكن أحد تجار الحلوى في حي القصور بدمشق، أكد في الوقت ذاته تأثره وغيره من التجار جراء تراجع القدرة الشرائية. وقال التاجر، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن «العشرات من الزبائن والمواطنين يأتون لمعرفة الأسعار فقط من دون شراء».

وقال جورج مقدسي، وهو صاحب محل لبيع الملابس في شارع الحمراء وسط دمشق، لوكالة «أنباء العالم العربي» إن السوريين باتوا يواسون أنفسهم في العيد بعبارة «العيد عيد العافية»، ومغزاها أنهم «ما زالوا على قيد الحياة».

غزة حاضرة في المشهد

وأشار مقدسي إلى أن معظم السوريين يشعرون أيضاً بالأسى تجاه الأحداث في قطاع غزة، ما ينعكس على الاستعدادات للأعياد، ويدفعهم إلى الإحجام عن شراء مستلزمات العيد.

وطلب النائب الرسولي ورئيس طائفة اللاتين في سوريا، المطران حنا جلوف، في بيان حصر احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة داخل الكنائس والأديرة والرعايا «بسبب الأوضاع الراهنة التي تمر بها بلادنا بشكل عام، وتضامناً مع الشعب الفلسطيني المعذّب، خصوصاً في غزة».

وقال القس بطرس زاعور، الرئيس الروحي للكنيسة الإنجيلية الوطنية في دمشق، إن الصلوات والتراتيل في عيد الميلاد تدعو المحتفلين لعيش المصالحة وطلب الغفران «فنجد تكثيفاً في الصلوات التي تسبق هذا العيد، وتُسمى (صلوات التهيئة) قبل الميلاد وبعده».

وأشار زاعور إلى كثرة الأسواق الخيرية التي تقام في الكنائس، والتي يذهب ريعها للمحتاجين، ليعم الفرح والشعور بالأمان على الجميع في هذه المناسبة.


مقالات ذات صلة

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
TT

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

تشهد واشنطن، الخميس، جولة ثانية من المحادثات رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومستشاره مايكل نيدهام، والسفيران الأميركيان: في لبنان ميشال عيسى، وإسرائيل مايك هاكابي، وفقاً لما كشف عنه مسؤول أميركي لـ«الشرق الأوسط»، في ظل ضغوط متزايدة لوقف «إبادة» القرى اللبنانية وبدء عملية نزع سلاح «حزب الله».

وفيما تسعى السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض إلى المطالبة بتمديد وقف إطلاق النار لما لا يقل عن شهر للسماح بانطلاق المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، تردد في واشنطن أن ضغوطاً تمارس على إدارة الرئيس دونالد ترمب لوقف سياسة «إبادة» القرى والبلدات اللبنانية التي تمارسها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بغطاء إزالة البنية التحتية العسكرية التي أقامها «حزب الله».

ويتوقع أن تطالب حمادة معوض السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر بـ«وقف عمليات التدمير المنهجية» التي تنفذها القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة.

مسجد مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي على بلدة كفرصير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتيسر وزارة الخارجية الأميركية «المحادثات المباشرة» بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. ويؤكد حضور الوزير روبيو والسفيرين هاكابي وعيسى للجلسة اهتمام الرئيس دونالد ترمب برعايته الشخصية لأي اتفاق يمكن أن يتوصل إليه الطرفان. ولم يتضح الأربعاء ما إذا كان المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، سيشارك في الجلسة الثانية على غرار ما فعل في الأولى التي عقدت في 14 أبريل (نيسان) الماضي.

مفاوضات في واشنطن؟

ويرتقب أن تدعو ندى حمادة معوض في الجولة الثانية إلى إجراء المفاوضات في واشنطن العاصمة، نظراً إلى الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في هذه العملية. وبعد الاجتماع الأول، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الجانبين اتفقا على بدء مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يتفق عليهما الطرفان.

وكان ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية قال إن «الولايات المتحدة ترحب بالانخراط المثمر الذي بدأ في 14 أبريل»، مضيفاً: «سنواصل تيسير النقاشات المباشرة بحسن نية بين الحكومتين» اللبنانية والإسرائيلية. وقال المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، الذي طلب عدم نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزخم خلف هذه المحادثات التاريخية، التي جرى تمكينها بقيادة الرئيس ترمب، يتزايد». وأوضح أنه «خلال وجوده في واشنطن، سيجري السفير هاكابي مشاورات معتادة مع قيادة وزارة الخارجية والشركاء عبر الوكالات الأخرى، بما في ذلك حول مسائل إقليمية» لم يحدد طبيعتها.

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

خلال تشييع عناصر من «حزب الله» قتلوا في مواجهات بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.


«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة في جنوب لبنان، ردّاً على خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار.

وقال «حزب الله»، في بيانه، إنه استهدف مربض المدفعية المستحدث التابع لجيش العدو الإسرائيلي في بلدة البياضة بمحلّقة انقضاضية، وشوهدت النيران تشتعل في إحدى غرف إدارة النيران، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أعلن عن وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام، بين لبنان وإسرائيل، ابتداء من منتصف ليل الخميس الماضي.

إلى ذلك، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، مشدداً على «أولوية عودة النازحين» إلى قراهم، بموازاة حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت.

وتعقد السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى حمادة معوض، مع سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، لقاءً ثانياً الخميس في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين.


الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كشفت مصادر لبنانية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله»، تمهيداً لإعادة التواصل بينهما الذي انقطع منذ أن تفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بعدم التدخل بإسناد إيران، وبلغ ذروته بتنظيمه حملة سياسية إعلامية ضد رئيس الجمهورية غلبت عليها لغة التهديد والتخوين، على خلفية موافقته على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقالت إن المحاولات قوبلت باشتراط الحزب على عون سحب المفاوضات المباشرة من التداول، وبعدها لكل حادث حديث.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه الثلاثاء (أ.ب)

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «حزب الله» ذهب بعيداً في تخوينه وتهديده لعون، وكان حرياً به الاكتفاء بتسجيل موقف معارض أسوة بحليفه بري من دون أن يهدم جسور التواصل مع عون. ولفتت إلى تسرّع الحزب في إصدار أحكامه على النيّات من دون أن يأخذ بتمسك عون بالثوابت التي يكررها على الدوام أمام الموفدين الأجانب والقيادات التي يلتقيها، وعدم تفريطه بحقوق لبنان كأساس لرهانه على المفاوضات. وقالت إن الحزب، كما تبين لها، ماضٍ في رهانه على المفاوضات الإيرانية - الأميركية برعاية باكستانية، اعتقاداً منه بأن ربطه وحدة المسار والمصير بإيران سيشمله بالحل الذي يتوقعه من المفاوضات، ويواصل حملته برفض المفاوضات المباشرة، مع أن لبنان باقٍ على موقفه برفض أي ربط بين المسارين.

ترمب يتفهم عون

ورأت المصادر أن الحزب لم يكن مضطراً لإعلانه الاستنفار في هجومه على عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكان يُفترض بقيادته ألا تصدر الأحكام المسبقة عليهما والتعاطي مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء بين عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وكأنها حاصلة، رغم أن عون كان صريحاً بإبلاغه بأن اللقاء لا يُعقد بالتزامن مع بدء المفاوضات بين البلدين، وإنما يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق يلبي الثوابت الوطنية التي يتمسك بها لبنان

عاملو إغاثة يرافقون جرافة تعمل على إزالة الركام من موقع استهداف إسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، نقلت مصادر نيابية متعددة الاتجاهات عن عون اطمئنانه للأجواء التي سادت اتصاله بترمب وتفهمه لوجهة نظره، سواءً بما يتعلق بعدم استعجال اجتماعه بنتنياهو وتمسكه بالثوابت اللبنانية التي تجمع عليها كل القوى السياسية على اختلاف انتماءاتها، وعدم التفريط فيها تحت أي ضغط.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن عون كان ولا يزال يبدي انفتاحاً على جميع المكوّنات السياسية بلا استثناء، ويتفهّم ما صدر عنها بموافقتها على المفاوضات أو اعتراضها عليها، شرط أن تبقى تحت سقف الاحترام المتبادل لوجهات النظر، والتقيد بأصول الخطاب السياسي على أن يخلو من التهديد والتخوين.

تشاور مع جنبلاط

وكشفت عن أن عون على تواصل مع بري وسلام ورئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط، تحضيراً لبدء المفاوضات. وقالت إن إيجاد حل لسلاح «حزب الله» يبقى من وجهة نظره لبنانياً بامتياز، وهذا ما أبلغه لأصدقاء لبنان، وهذا ما أكده سلام أيضاً، وكان بدأ حواره مع «حزب الله» حول سلاحه قبل أن ينقطع.

وقالت المصادر إن حالة من القلق سيطرت لساعات على لبنان، وتحديداً ليل الثلاثاء - الأربعاء من جراء إطلاق «حزب الله» صلية من الصواريخ مدعومة بمسيّرة على موقع عسكري في شمال إسرائيل بذريعة الرد على خروق إسرائيل لوقف النار، لكنها سرعان ما تبددت بامتناع تل أبيب عن الرد، وربما بتدخل مباشر من الولايات المتحدة للحفاظ على التهدئة استعداداً للقاء سفيري البلدين، الذي يُفترض أن ينتهي إلى تحديد موعد لبدء المفاوضات في واشنطن وتمديد سريان مفعول الهدنة.

ورأت أن لا عودة عن تكليف السفير السابق سيمون كرم بترؤسه الوفد اللبناني المفاوض. وقالت إنه لم يتقرر حتى الساعة من سينضم إليه، وما إذا كان في عداده ضابط متخصص في ترسيم الحدود إلى جانب من يُنتدب لتدوين محاضر المفاوضات.

ورداً على سؤال، أكدت أن عون يتحدث بارتياح عن علاقته ببري، وهذا ما خرج به النواب الذين التقوه في اليومين الأخيرين، رغم أنهما يقاربان المفاوضات من موقع الاختلاف، ولكن على قاعدة تمسكهما بالثوابت اللبنانية وعدم التفريط بها. وقالت إن بري لن يكون منزعجاً في حال أدت المفاوضات لتحقيق ما يصبو إليه لبنان، مع أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة التي التزمت بتطبيقه، وهي تحظى بتأييد محلي وعربي ودولي، وهي تترك للسلطة اللبنانية إيجاد حل لسلاح «حزب الله»، وهذا ما تبلّغته الولايات المتحدة التي تتفهم الموقف اللبناني وأبعاده حفاظاً على الاستقرار.

رهان «حزب الله» على مفاوضات إيران

وأضافت المصادر أن المأخذ على «حزب الله» يكمن في أنه لا يتّبع وحدة المعايير في موقفه من المفاوضات، وإلا فكيف يمنع على لبنان التفاوض المباشر، فيما ينزل بكل ثقله تأييداً للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة برعاية باكستانية، وتتصرف قيادته بلا أي تردد وكأنها معنية بها وتواكب الاتصالات لمعاودتها؟

فموافقة «حزب الله» على الهدنة، يفتح الباب أمام سؤال الحزب: ماذا بعد هذا التمديد؟ وهل يستعيد الجنوب استقراره من دون الدخول في مفاوضات تؤدي، بإصرار من الجانب اللبناني، إلى انسحاب إسرائيل للحدود الدولية، خصوصاً أن عون لا يخفي اطمئنانه لما سمعه من ترمب؟

نساء يبكين خلال تشييع جماعي لمقاتلين من «حزب الله» قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

لذلك تستغرب المصادر رهان «حزب الله» على إيران، وربط مصيره بها، بذريعة أنها الأقدر على شموله بالحل، رغم إصرار لبنان على عدم الربط بين المسارين، وهذا ما أبلغه إلى الإدارة الأميركية. وهي تسأل، أي المصادر، ما إذا كان الحزب قرر وضع أوراقه في السلة الإيرانية، بما فيها سلاحه باعتبارها مصدره الوحيد، لعلها تتمكن من تحسين شروطها في المفاوضات، فيما يمتنع عن وضعه بعهدة الدولة، وأن لا مجال أمامه لشراء الوقت بعد أن جرب الحل العسكري وبات محكوماً بوقوفه خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لعل المفاوضات تؤدي لانسحاب إسرائيل في إطار اتفاق ترعاه واشنطن، وهذا لن يتحقق ما لم يوافق على تسليم سلاحه؛ لأنه لا حل إلا بتطبيق حصريته على كافة الأراضي اللبنانية.

وعليه، يخطئ الحزب إذا قرر الاحتفاظ بسلاحه؛ لأنه، كما تقول المصادر، سيلقى معارضة شديدة في حال قرر استدراج لبنان لمغامرة عسكرية كان جربها، ويُدخل لبنان في أتون حرب لا قدرة له عليها بسبب الاختلال في ميزان القوى، والتي من شأنها زيادة حجم الأزمات التي ستترتب على لبنان مع ارتفاع عدد النازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض البلدات البقاعية الذين ينتظرون الاستقرار للعودة إلى قراهم، وهم عاينوا بأم العين التدمير الممنهج الذي ألحقته إسرائيل بمنازلهم لدى تفقدهم لها في اليوم الأول لبدء الهدنة، وهذا يتطلب من الحزب التواضع وقراءة التحولات جيداً، ومراعاة المزاج العام للشيعة الذي ينشد الاستقرار، ويتطلع لإعادة الإعمار، بعد أن جرّبوا حرب الآخرين على أرضهم، كما يقول خصومه، بقراره المنفرد بإسناده لغزة وطهران الذي حوّل الجنوب إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش.