جنين ساحة حرب مستمرة... والسلطة: نتنياهو يستنجد بالفوضى

قتلت 8 في يومين وقصفت مطلوبين ومنازل

جنين - عائلة تتفقد الدمار في منزلها في الحي الشرقي من المدينة بعد قصفه من قبل إسرائيل ليلة الثلاثاء-الأربعاء (وفا)
جنين - عائلة تتفقد الدمار في منزلها في الحي الشرقي من المدينة بعد قصفه من قبل إسرائيل ليلة الثلاثاء-الأربعاء (وفا)
TT

جنين ساحة حرب مستمرة... والسلطة: نتنياهو يستنجد بالفوضى

جنين - عائلة تتفقد الدمار في منزلها في الحي الشرقي من المدينة بعد قصفه من قبل إسرائيل ليلة الثلاثاء-الأربعاء (وفا)
جنين - عائلة تتفقد الدمار في منزلها في الحي الشرقي من المدينة بعد قصفه من قبل إسرائيل ليلة الثلاثاء-الأربعاء (وفا)

حولت إسرائيل مدينة جنين ومخيمها إلى ساحة حرب صغيرة، بعد هجوم واسع استمر أكثر من 48 ساعة، قتلت خلاله 8 فلسطينيين وجرحت آخرين واعتقلت نحو 200.

وقتل الجيش الإسرائيلي الشاب قسام زيدان (29 عاماً) في جنين، في مواجهات لم تتوقف يوم الأربعاء، ليرتفع بذلك عدد الذين قتلهم الجيش في يومين في العملية المستمرة إلى 8. وقالت وزارة الصحة إن زيدان قضى برصاصة في الرأس.

وكان الجيش الإسرائيلي اقتحم جنين، الثلاثاء، وقتل 7 فلسطينيين، بينهم 4 في قصف طائرات استهدف مطلوبين، وهو نهج بدأت إسرائيل باستخدامه أكثر في الضفة بعد عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ثم واصل عمليته يوم الأربعاء.

واشتبك مسلحون فلسطينيون مع الجيش الإسرائيلي في جنين ومخيمها، وأظهرت لقطات فيديو حرباً مصغرة يتخللها اشتباكات مسلحة وانفجارات وأصوات إسعافات.

وأعلنت كتائب القسام وسرايا القدس وكتائب الأقصى في جنين، أن مقاتليها يخوضون اشتباكات عنيفة مع قوات الاحتلال في المخيم ما أدى لوقوع إصابات في صفوفه، إضافة إلى وقوع إصابات مؤكدة في الآليات.

وأكدت الفصائل المسلحة أنه إضافة إلى المواجهات المباشرة، استخدم مقاتلوها عبوات ناسفة في مواجهة الجيش المتوغل.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن 4 من جنوده أصيبوا خلال الاشتباكات في جنين، التي شهدت كذلك تفجير الجيش الإسرائيلي منازل وتدمير طرقات.

سيارات جيب تابعة للجيش الإسرائيلي بالقرب من إطارات مشتعلة أثناء توغل عند مدخل مخيم جنين (أ.ف.ب)

وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية إن الجيش الإسرائيلي قتل 8 فلسطينيين، واعتقل العشرات وقصف سبعة منازل، واستولى على عدد من المركبات، وخلف دماراً كبيراً في حملته على جنين.

وذكرت مصادر أمنية أن قوات الاحتلال قصفت سبعة منازل بصواريخ «الأنيرجا» في جنين ومخيمها، كما قصفت محلات تجارية في منطقة الساحة في المخيم، ومنعت طواقم الدفاع المدني من الاقتراب من المنازل المستهدفة، لإخماد النيران.

وفي أثناء العملية الواسعة، داهمت القوات الإسرائيلية منازل واستولت عليها وحولتها إلى نقاط عسكرية وثكنات، كما قامت بتدمير متعمد للبنية التحتية في المخيم. وبحسب أرقام محلية، اعتقلت إسرائيل، الأربعاء، نحو 70 فلسطينياً من جنين.

وصعدت إسرائيل في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر، في مسعى لقتل وتحييد كل المطلوبين والخلايا المسلحة، مستغلة الحرب الكبيرة على قطاع غزة.

فلسطينيون يتجمعون في المستشفى عند مدخل مخيم جنين في أثناء توغل للجيش الإسرائيلي الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال ناطق باسم الجيش الإسرائيلي إن قواته وجهاز الأمن العام وحرس الحدود، شنوا حملة في مخيم جنين، ومشطوا حتى مساء الأربعاء، ما يزيد على 400 مبنى واعتقلوا المئات، وصادروا قطع سلاح وأنواع الذخيرة، ودمروا عبوات ناسفة والعديد من البنى التحتية الإرهابية، وفق تعبيره.

وجاء في البيان أنه «خلال نشاط يستغرق ما يزيد على 30 ساعة، ومستمر، يتصرف احتياط تابعون للجيش ومستعربو حرس الحدود وقوات هندسة، بتوجيه من جهاز الأمن العام وهيئة الاستخبارات العسكرية في إطار حملة لإحباط الإرهاب بقيادة لواء ميناشيه في مخيم جنين».

وأضاف البيان: «حتى الآن خلال النشاط، مشطت القوات مئات المباني، واعتقلت مئات المشتبه فيهم للتحقيق معهم. وتمت مصادرة نحو 30 قطعة سلاح، والكثير من أنواع الذخيرة والعتاد العسكري والعديد من قطع السلاح. كما تم تدمير ستة مختبرات لصناعة العبوات الناسفة، وعدة فتحات لحفر تحت أرضية تم العثور عليها في محيط المخيم، وأربع غرف عمليات للاستطلاع، والعديد من العبوات الناسفة التي تم العثور عليها خلال عمليات التمشيط». وأضاف البيان: «القوات تستمر في نشاطها».

دخان يتصاعد من استهداف منزل قال الجيش الإسرائيلي إنه لمشتبه به خلال عملية عسكرية داخل مخيم جنين في الضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب)

استنجاد بالفوضى

وفميا اعتبرت الخارجية الفلسطينية أن اجتياح جنين هو «بمثابة استنجاد إسرائيلي بالفوضى للهرب من الاستحقاقات السياسية المقبلة»، قالت حركة «حماس» إنه «محاولة يائسة لإخماد جذوة المقاومة». وقالت الخارجية، الأربعاء، إن اجتياح الجيش الإسرائيلي مدينة جنين ومخيمها شمال الضفة الغربية لليوم الثاني، «وحشي»، ويمثل «استنجاداً بالفوضى؛ هروباً من أي استحقاقات سياسية مقبلة».

وأضافت الخارجية: «ننظر بخطورة بالغة لهذا الاجتياح المتواصل، ونحذر من نتائجه وتداعياته، وما يخلفه من عقوبات جماعية وخراب يعبر عن العقلية الانتقامية المأزومة التي تسيطر على صناعة القرار في تل أبيب».

واتهمت الخارجية الفلسطينية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بأنه «يشعل المزيد من الحرائق في ساحة الصراع، ويحاول إخفاء مخططاته الاستعمارية التوسعية خلف موجات متلاحقة من التصعيد، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، لإطالة أمد استمراره في الحكم، ضارباً بعرض الحائط جميع المطالبات والمناشدات الدولية والأميركية التي تدعو لحماية المدنيين الفلسطينيين».

وأكدت الخارجية أن الحل السياسي للصراع هو المدخل الوحيد لتحقيق السلام والأمن والاستقرار للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وطالبت الإدارة الأميركية «بوضع حد لاختطاف نتنياهو الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لصالح أطماعه السياسية الضيقة».

أما «حماس» فدعت الفلسطينيين في الضفة الغربية «لتصعيد المقاومة في كافة المدن والقرى، حتى دحر الاحتلال عن أرضنا ومقدساتنا الإسلامية والمسيحية».


مقالات ذات صلة

رد عسكري على نتنياهو: هجمات المستوطنين في الضفة «منظمة ومتوحشة»

المشرق العربي فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز) p-circle

رد عسكري على نتنياهو: هجمات المستوطنين في الضفة «منظمة ومتوحشة»

دخلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة غير مباشرة مع نتنياهو، متهمةً مجموعة «شباب التلال» الاستيطانية في الضفة بأنهم نواة «منظمة صلبة ومتوحشة».

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي صحافيون يفرون من قنابل غاز أطلقتها قوات الجيش الإسرائيلي في أثناء مداهمة في رام الله بالضفة الغربية الثلاثاء (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يقتحم رام الله ويداهم مؤسسات حقوقية ومدنية

اقتحم الجيش الإسرائيلي مدينة رام الله في الضفة الغربية، معقل السلطة الفلسطينية، وشن سلسلة مداهمات في قلب المدينة، وسيطر على بعض شوارعها وأغلقها.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تهدم مبنى في القدس الشرقية في وقت سابق هذا الشهر (د.ب.أ)

إسرائيل تبدأ بهدم منازل 80 عائلة في النقب

باشرت السلطات الإسرائيلية، صباح اليوم (الاثنين)، عمليات هدم منازل 80 عائلة في قرية الظحية بمنطقة النقب.

«الشرق الأوسط» (رام الله )
المشرق العربي القوات الإسرائيلية تفرج عن فلسطيني خلال مداهمة في نابلس بالضفة الغربية يوم 7 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

تقرير: السلطة الفلسطينية تعتزم تأجيل الانتخابات التشريعية عدة أشهر بسبب تدهور الأوضاع

كشفت رسالة اطلعت عليها «رويترز» إبلاغ الجانب الفلسطيني فرنسا بتأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر لعدة أشهر بسبب تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.