«مشروع أميركي» لتهجير الفلسطينيين يُفاقم قلقاً مصرياً

يتضمن محاولات جديدة لـ«إغراء» دول عربية بشأن استضافة لاجئي غزة

مواطنون ينزحون من مدينة غزة إلى الجنوب في بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع (أ.ف.ب)
مواطنون ينزحون من مدينة غزة إلى الجنوب في بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع (أ.ف.ب)
TT

«مشروع أميركي» لتهجير الفلسطينيين يُفاقم قلقاً مصرياً

مواطنون ينزحون من مدينة غزة إلى الجنوب في بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع (أ.ف.ب)
مواطنون ينزحون من مدينة غزة إلى الجنوب في بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع (أ.ف.ب)

عززت معلومات قيل إنها لمشروع قُدم إلى مسؤولين بارزين في الكونغرس الأميركي بشأن تهجير سكان غزة إلى دول الجوار، مخاوف مصر من استمرار إسرائيل في مساعيها الرامية إلى تهجير سكان القطاع الفلسطيني، ودفعهم بوسائل شتى نحو الأراضي المصرية. ولا تزال مصر ترى أن سياسة «التهجير القسري» والنقل الجماعي لسكان غزة الفلسطينيين «هدف إسرائيلي» على الرغم من رفضها من دول العالم.

وكشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية أن خطة إسرائيلية عُرضت على مسؤولين كبار من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، و«نالت مباركتهم»، وفق الصحيفة، سيُرَوَّج لها مباشرة عقب الموافقة عليها.

وتشمل الخطة 4 مبادرات اقتصادية لـ 4 دول في المنطقة، هي مصر والعراق واليمن وتركيا، بحيث تقبل «هجرة طوعية وليس بالإكراه» للفلسطينيين إلى أراضيها.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مِراراً رفض بلاده «التهجير القسري» لسكان غزة، مشدداً على أن مصر «لم ولن تسمح بتصفية القضية على حساب دول الجوار».

وفي استعراض عسكري لإحدى فرق الجيش المصري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حذر السيسي من خطورة المساس بالأمن القومي المصري، مؤكداً أنه «لا تهاون في حماية الأمن القومي لمصر»، وأضاف في مناسبة أخرى أن «مصر دولة قوية ولا تُمس».

وفي جلسة مجلس الأمن الدولي حول الوضع في الشرق الأوسط، الأربعاء، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن «سياسة التهجير القسري والنقل الجماعي التي رفضها العالم ويعدها انتهاكاً للقانون الدولي، ما زالت هدفاً لإسرائيل، ليس فقط من خلال التصريحات والدعوات التي صدرت عن مسؤولين إسرائيليين، وإنما من خلال خلق واقع مرير على الأرض يستهدف طرد سكان غزة الفلسطينيين من أرضهم، وتصفية قضيتهم من خلال عزل الشعب عن أرضه والاستحواذ عليها».

وقال إن المجتمع الدولي لم ينهض للحيلولة دون تلك الممارسات، كما «تقاعس من قبل عن مواجهة الضم والهدم والاستيطان والقتل خارج القانون، فتم تكريس تلك الممارسات غير الشرعية، وتمادت، وأمعنت فيها دولة الاحتلال».

وأعلنت الإدارة الأميركية في المراحل الأولى من الحرب أنها ستعارض التهجير القسري لسكان غزة من القطاع، لكن التصريحات الرسمية لم تشر إلى موقفها بشأن ما وصفه المقترح الإسرائيلي بـ«المغادرة الطوعية».

معبر رفح بين مصر وقطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

تهجير لـ 4 دول

وأوضحت «يسرائيل هيوم» أن المبادرة يرعاها علناً عضو مجلس النواب الأميركي جوي ويلسون، وتقضي بأن الولايات المتحدة ستشترط استمرار مساعداتها الاقتصادية لمصر وتركيا واليمن بشرط خروج السكان من غزة من أجل الاستقرار في أراضي تلك الدول. ووصف ويلسون المقترح بأنه «الحل الأخلاقي الوحيد لضمان أن تفتح مصر حدودها، وتسمح للاجئين بالهروب من سيطرة إسرائيل و(حماس)».

وتقدم الحكومة الأميركية لمصر ما يقرب من 1.3 مليار دولار من المساعدات الخارجية سنوياً.

وأضاف ويلسون في تصريحات واكبت دعمه للمشروع أنه «لا ينبغي أن تكون مصر الدولة الوحيدة التي تستقبل اللاجئين، فالعراق واليمن يتلقيان نحو مليار دولار من المساعدات الخارجية الأميركية، وتتلقى تركيا أكثر من 150 مليون دولار، وتتلقى كل دولة من هذه الدول ما يكفي من المساعدات الخارجية، ولديها عدد كبير من السكان بما يكفي لتكون قادرة على امتصاص اللاجئين الذين يشكلون ما لا يقل عن واحد في المائة من سكانها».

«هلوسة سياسية»

ويصف وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي، المشروع المقترح بأنه «هلوسة سياسية»، مشيراً إلى أن المساعي الإسرائيلية لتخفيف الكثافة السكانية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية تمثل «توجهاً استراتيجياً لدولة الاحتلال منذ سنوات طويلة»، لكنه أضاف أن ذلك «لا يُلزم مصر في شيء».

وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن تقديم المقترح الإسرائيلي للكونغرس أو حتى مناقشته داخل أروقة المؤسسة التشريعية الأميركية «لا يجعله ذا جدوى»، لافتاً إلى أن الإدارة الأميركية لا تتبنى مثل هذه الأفكار، بل أعلنت علناً رفضها فكرة التهجير، وحتى لو تبنته فإن ذلك «لا يغير من الموقف المصري الحاسم رسمياً وشعبياً» برفض أي إجراءات من شأنها تصفية القضية الفلسطينية، ومنها التهجير القسري لسكان غزة.

وشدد وزير الخارجية المصري السابق على أن مصر لا تؤسس مواقفها على تصريحات أو مشاريع من جهات أخرى، لكنها تتحرك وفق بوصلة مصالحها العليا وحماية أمنها القومي وثوابتها والتزاماتها الإقليمية والدولية، مجدداً وصف أي أفكار إسرائيلية بشأن التهجير بأنها «هلوسة»، ومنوهاً بأن إسرائيل لم تسمح يوماً بعودة لاجئ فلسطيني إلى أرضه منذ عام 1948، وأن ما تروجه من حجج بشأن حماية المدنيين مؤقتاً من تداعيات الحرب هي «خدعة لا تنطلي على أحد».

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية قرب رفح على الحدود بين مصر وقطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

إلحاح إسرائيلي

كانت مصر قد انتقدت الشهر الماضي تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتس، تعليقاً على مقال نشره عضو الكنيست رام بن باراك وداني دانون في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، اقترحا فيه خطة هجرة طوعية للاجئي غزة، قائلاً: «هذا هو الحل الإنساني الصحيح لسكان غزة والمنطقة بأكملها بعد 75 عاماً من اللجوء والفقر والمخاطر».

وقال الوزير الإسرائيلي إن «قبول اللاجئين من قبل دول العالم بدعم ومساعدة مالية سخية من المجتمع الدولي، بما في ذلك دولة إسرائيل، هو الحل الوحيد الذي سيضع حداً لمعاناة وألم اليهود والعرب على حد سواء»، مشدداً على أن «إسرائيل لن تكون قادرة بعد الآن على تحمل وجود كيان مستقل في غزة، يقوم بطبيعته على كراهية إسرائيل والرغبة في تدميرها».

قضية أمن قومي

بدوره، وصف السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رداً على الخطة الجديدة التي أشارت إليها صحيفة «يسرائيل هيوم» بأنها «أفكار غير واقعية»، مشدداً على موقف مصر الرافض على مدى عقود فكرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

ورفض حسن في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» المقارنة بين تهجير الفلسطينيين وبين استيعاب مصر ودول أخرى للاجئين السوريين، مؤكداً أن الأزمة السورية مؤقتة وستنتهي يوماً ما، وسيعود النازحون إلى أراضيهم، بينما خروج الفلسطينيين يعنى تصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد، وانتهاء فكرة إقامة دولة مستقلة.

وشدد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق على أن مصر رفضت على مدى العقود الماضية أي أفكار لتهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، رغم ما قدمته الولايات المتحدة وإسرائيل من أفكار تتضمن تبادلاً للأراضي أو مشروعات اقتصادية مغرية، مجدداً التأكيد على أن القضية ترتبط بالأمن القومي المصري، وهذه المسألة «ليست محل نقاش».

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر منذ بداية عملياته العسكرية تحذيرات لسكان شمال قطاع غزة بضرورة إخلاء منازلهم فوراً والتوجه نحو الجنوب (باتجاه الحدود المصرية)، كما قطع خدمات المياه والكهرباء عن معظم مناطق القطاع لدفعهم إلى النزوح.

وتعددت مشروعات تهجير الفلسطينيين إلى دول الجوار، بصيغ وأفكار متباينة، جاء أولها في خمسينات القرن الماضي، بعد فرار 200 ألف لاجئ فلسطيني من فلسطين التاريخية إلى غزة بحلول مارس (آذار) 1949، عندما وُضع مخطط أمني بواجهة اقتصادية واجتماعية لتوطين عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مشاريع التنمية الزراعية الجديدة بسيناء، وخصصت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من التمويل للمشروع، والذي قُدر بنحو 30 مليون دولار في عام 1955، ونوقشت الفكرة مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لكن انتفاضة الفلسطينيين في ما عُرف بـ«هبّة مارس» أجهضت المشروع قبل أن ترفضه مصر.

وخلال احتلال إسرائيل لسيناء (1967 - 1973) حاولت إسرائيل استغلال سيطرتها على الأرض، في تهجير آلاف الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية المحتلة آنذاك، في ما عُرف بـ«مشروع العريش» عام 1970.

كما تكرر الطرح الإسرائيلي المدعوم أميركياً مرات عدة عقب توقيع اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، إذ تراجعت إسرائيل عن مقترح لتبادل الأراضي بين مناطق في سيناء تخصص لسكان غزة مقابل حصول مصر على أراضٍ في صحراء النقب بعدما اشترط الرئيس المصري الراحل أنور السادات الحصول على المنطقة التي يقع بها ميناء إيلات، المنفذ الوحيد لإسرائيل على البحر الأحمر.

وتكرر طرح فكرة التهجير أكثر من مرة على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والذي رفضها جميعاً، سواء تلك التي اقترحتها دول وسيطة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أو جاء من إسرائيل مباشرة، مثل مشروع عام 2000، عندما قدم اللواء في الاحتياط الذي ترأس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي «غيورا أيلاند» مشروعاً أطلق عليه «البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين»، ونشرت أوراقه في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية.

ومع وصول تنظيم «الإخوان» إلى الحكم عام 2013، أشارت مجلة أميركية إلى أن الرئيس الأسبق محمد مرسي ناقش عرضاً أميركياً حمله وزير الخارجية آنذاك جون كيري، يقضي بموافقة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي على شطب الديون الخارجية لمصر مقابل توطين الفلسطينيين في سيناء.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن إسرائيل وافقت على دخول شركة أميركية إلى غزة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فتاة فلسطينية تصعد درجاً في مبنى مدمر استُهدف بغارات جوية إسرائيلية بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

إسرائيل توسّع «الخط الأصفر» مجدداً... وتكثّف الغارات في عمق غزة

وسّعت إسرائيل حدود «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل بين مناطق تحتلها وأخرى تسيطر عليها «حماس»، الأحد، قبالة مدينتَي غزة ودير البلح بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

عام على وقف النار... إسرائيل تشن حرباً مصغرة في غزة

عشية مرور أول عام على وقف إطلاق النار الهش، شهد قطاع غزة ليلة ساخنة ذكَّرت الآلاف من سكانها بأيام الحرب الصعبة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسافرون على طول شارع محاط بالمباني التي دمرتها الضربات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب بين إسرائيل و«حماس» في مدينة غزة يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

7 قتلى بضربات إسرائيلية على غزة

قُتل سبعة أشخاص في ضربات إسرائيلية الخميس في غزة، حسب ما أفاد الدفاع المدني في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)

تحذيرات من «حرب بأهداف انتخابية» يحضّرها نتنياهو ضد كل الفلسطينيين

حذّر رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت والمرشح البارز لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، الرئيس الحالي لمجلس الوزراء بنيامين نتنياهو من مغامرات حربية عشية الانتخابات.

نظير مجلي (تل أبيب)

مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
TT

مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)

قدّر مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا توجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، رغم الدعوة الفرنسية الصريحة لذلك، مضيفاً أن «تقديم موعدها (المقرر في سبتمبر/أيلول 2027) إذا سمحت الظروف، مسألة محتملة».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» مشترطاً عدم ذكر اسمه، إن «توافقاً فصائلياً واسعاً، وعقبات جوهرية كانت تقف وراء القرار، وقد تم إبلاغ الفرنسيين تحديداً مع أطراف أخرى بكل التفاصيل».

وأضاف: «صحيح أن الرئيس عباس تعهد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإجراء الانتخابات، وهو يدرك ضرورتها بالتأكيد، وأهمية الموقف الفرنسي في دعم السلطة ومسار حل الدولتين؛ لكن لا يمكن إجراء الانتخابات فعلاً الآن، وستجري في موعدها الجديد».

وبحسب المصدر، فقد «أبلغت القيادة الفلسطينية فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، وجهات أخرى بقرار التأجيل وأسبابه قبل إصداره، وكانت تتوقع من الجميع تفهم أسباب ومنطلقات القرار وخصوصية الحالة الفلسطينية».

وأصدر عباس، السبت الماضي، مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، في 11 سبتمبر من العام المقبل 2027، ملغياً بذلك الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر المقبل.

وقدر مراقبون محليون أن عباس لجأ إلى إصدار مرسوم يجمع الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، للبرهنة على الجدية في إتمام الاستحقاق وطمأنة الأطراف الدولية والإقليمية.

باريس غير مقتنعة

يبدو أن تلك المحاولات من رام الله لم تقنع باريس؛ إذ قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين في لوكسمبورغ، إن تأجيل الانتخابات الفلسطينية هو «أسوأ ما يمكن تقديمه للفلسطينيين الذين يحق لهم التعبير عن تطلعهم إلى تقرير المصير، والقيام بذلك عبر انتخابات حرّة وديمقراطية».

وجدّد بارو دعوة السلطات الفرنسية الرئيس عباس إلى التراجع عن قراره، وقال إنه طلب إرسال بعثة من الاتحاد الأوروبي إلى الأراضي الفلسطينية «لتقييم العقبات المادية والسياسية التي تحول دون إجراء هذه الانتخابات».

وكانت فرنسا، أحد أبرز داعمي السلطة الفلسطينية، دعت الأحد، قادتها إلى «التراجع عن قرارهم» تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى سبتمبر 2027، و«تنظيم هذه الانتخابات في أقرب وقت»، وفق بيان لوزارة الخارجية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمسك بيد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لدى وصوله الثلاثاء إلى قصر الإليزيه (د.ب.أ)

وفيما بدا رداً على وزير الخارجية الفرنسي، قال حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني، إن «السلطة ملتزمة بتطبيق القانون الأساسي والجزء المتعلق بإجراء الانتخابات العامة إيماناً بالتعددية وتداول السلطة بالطرق السلمية، وتجديد القيادات وشرعيتها عبر طريق واحد وهو صندوق الاقتراع».

وطالب الشيخ بالضغط على سلطات الاحتلال لخلق مناخ يساعد في إجراء هذه الانتخابات بالقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

وتابع: «نتعهد بتقديم موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن ومترابط فور توفر الظروف المناسبة التي تضمن نزاهة وشفافية ومصداقية العملية الانتخابية. الانتخابات ليست استعراضاً شكلياً؛ بل مسألة جوهرية تعبر عن إرادة شعب يجب أن تمارس بالحد الأدنى من الكرامة والاستقلالية».

وكان عباس برر قراره بتأجيل الانتخابات، بالاتفاق بين الفصائل الفلسطينية على التأجيل ومن أجل إتاحة الفرصة لإجراء حوار وطني فلسطيني، وحتى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة في الضفة وغزة والقدس.

وبخلاف التأجيل السابق، حظي قرار عباس بموافقة فلسطينية نادرة من مختلف الأطراف بما فيها المعارضة.

وكانت حركة «فتح» أوصت بتأجيل الانتخابات، ثم عدّت «حماس» قرار عباس «خطوة في الطريق الصحيح». كما وافقت «الجبهة الشعبية» و«الجهاد الإسلامي»، وفصائل أخرى في «منظمة التحرير»، على هذا التأجيل. ولأول مرة تؤيد النقابات الفلسطينية تأجيل الانتخابات.

لافتة عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية في شارع قرب مدينة جنين بالضفة الغربية (أرشيفية - إ.ب.أ)

لكن «التيار الإصلاحي» المنشق عن «فتح» الذي يقوده محمد دحلان، هاجم قرار التأجيل، وعدّه «ازدراءً صريحاً للإرادة الشعبية». كما رفضت الجبهة الديمقراطية قرار التأجيل، وقالت إنه «قفزة في الهواء».

وكتب عضو مجلس نقابة المحامين الفلسطينيين، المحامي أنس الكسواني، أن التوافق الفصائلي لا يشكّل سنداً قانونياً لتأجيل الانتخابات، ولا يمنح أي جهة صلاحية تعطيل إرادة المواطنين أو مصادرة حقهم في اختيار ممثليهم، مشدداً على أن «التفاهمات السياسية لا تعلو على القانون، والشعب هو مصدر الشرعية والسلطات».


إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى وعودة العالقين من وإلى غزة عبر الحدود مع مصر، كما فرضت قيوداً جديداً على إجلاء المسافرين بمن فيهم المرضى والجرحى عبر معبر كرم أبو سالم باتجاه الأردن، ومنها إلى دول أخرى عربية وأوروبية.

وتمنع قوات الاحتلال الإسرائيلي خروج المسافرين والمرضى والجرحى ومرافقيهم، دون توضيحات، في وقت تشير فيه معلومات متداولة في القطاع إلى خلافات تتعلق بترتيبات جديدة حول إمكانية نشر شركة أمن خاصة لتأمين عملية نقل المرضى من القطاع إلى بوابة معبر رفح.

ولم تُحدَّد، حتى إعداد هذا التقرير بعد ظهر الاثنين، أي معلومات عن موعد إعادة فتح المعبر، بينما رجحت مصادر في القطاع إمكانية تشغيله خلال يوم الثلاثاء أو بعده بأيام قليلة.

كانت وزارة الصحة بغزة قد قالت منذ أيام إن «القائمة الحالية من المرضى والجرحى والبالغ عددهم 21 ألف مريض، تحتاج إلى 4 سنوات كاملة كمدة مطلوبة لإجلائهم في ظل الآلية المتبعة للسفر، من دون حساب أي حالات مرضية جديدة».

وبيَّنت أنه «مع استمرار اعتماد التحويلات الطبية الجديدة شهرياً، تتطلب عملية السفر 4 سنوات إضافية للتعامل مع الحالات المتراكمة حديثاً»، مبينةً أن «الإجمالي التقريبي المروّع لسفر المرضى يمتد إلى 8 سنوات كاملة، وهو ما يمثل حكماً بالإعدام المباشر والبطيء على آلاف المرضى الذين لا تحتمل أجسادهم الانتظار لأيام أو أسابيع».

يأتي إغلاق معبر رفح البري مع فرض إسرائيل قيوداً جديدة على حركة إجلاء المرضى والجرحى عبر معبر كرم أبو سالم، وهي عملية تنظمها «منظمة الصحة العالمية» مرتين أو ثلاثاً أسبوعياً في الأفضل الأحوال، أو مرة على الأقل، وكانت تشمل جرحى ومرضى وحالات إنسانية من طلاب وغيرهم، ويتم نقلهم من القطاع إلى الأردن ومنها إلى دول مختلفة، وتشمل العشرات وأحياناً يقترب العدد من 100 فأكثر.

ووفقاً لمصدر أمني معنيّ بحركة المعابر في غزة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «تم تقليص عدد رحلة الإجلاء التي غادرت القطاع يوم الأحد، إلى 10 مرضى ومرافقيهم فقط، فيما تم إرجاع مرضى آخرين وطُلب من حالات إجلاء أخرى عدم التوجه إلى نقطة اللقاء تمهيداً لنقلهم إلى معبر كرم أبو سالم من دون إبداء أي أسباب.

وأوضح المصدر أن بعض الجهات التي تشرف على عملية السفر أوضحت أن هناك قيوداً جديدة ستُفرض على الأعداد التي سيسمح لها بالسفر لأسباب أمنية لم توضحها إسرائيل.

في سياق متصل، تواصلت الهجمات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وقُتل 6 فلسطينيين منذ وقت متأخر من مساء الأحد حتى ظهر الاثنين، من بينهم 5 قُتلوا بغارتين منفصلتين في مواصي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة.

فلسطينيون يتفقدون مبنى دُمِّر جراء غارة جوية إسرائيلية في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة 11 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وهاجمت طائرة مسيَّرة إسرائيلية، خيمة للنازحين بمواصي خان يونس، مما أدى إلى مقتل 3 فلسطينيين بينهم نشطاء من «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل ناشطان آخران من «حماس» بغارة استهدفتهما في أثناء وجودهما في منطقة مواصي رفح، وذلك فجر الاثنين. كما أُعلن عن مقتل فلسطيني سادس متأثراً بجروحه الحرجة التي أُصيب بها قبل أيام في غارة استهدفته بمدينة غزة. وأُصيب 4 فلسطينيين بإطلاق نار من آليات ومسيَّرات إسرائيلية في مناطق متفرقة قرب الخط الأصفر.

وشاهد سكان من قطاع غزة، إقدام جرافات إسرائيلية على هدم منازل في المنطقة الموسعة حديثاً داخل الخط الأصفر شرق دير البلح وسط القطاع، وذلك تزامناً مع إطلاق نار وقصف مدفعي طال المناطق الغربية من المدينة.

في السياق، أعربت المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة، عن بالغ قلقها من ارتفاع وتيرة النزوح القسري للمواطنين، وتضرر مئات خيام النازحين، وتصدع كثير من المنازل المستهدفة سابقاً الواقعة في محيط «الخط الأصفر» شرقي قطاع غزة.

وحذرت من أن استمرار هذا العدوان الإسرائيلي زاد من معاناة آلاف النازحين، ودفعهم للبحث عن أماكن إيواء جديدة، كما أنه يضعهم أمام خطر حدوث انهيارات في منازلهم بسبب تصدعها، مناشدةً دول العالم والضامنين لاتفاق وقف النار في القطاع التدخل العاجل، والضغط على الاحتلال لوقف هذه الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات بحق المواطنين.


كالاس: يجب تنظيم الانتخابات الفلسطينية «في أسرع وقت ممكن»

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

كالاس: يجب تنظيم الانتخابات الفلسطينية «في أسرع وقت ممكن»

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الاثنين، إن الانتخابات الفلسطينية يجب أن تجرى «في أسرع وقت ممكن»، وذلك بعد يومين من إعلان الرئيس محمود عباس إرجاءها إلى العام المقبل.

وقالت كالاس عقب اجتماع لوزراء الخارجية الأوروبيين إن هؤلاء «أعربوا عن أسفهم لإرجاء الانتخابات الفلسطينية. الانتخابات التشريعية والرئاسية يجب أن تجرى في أسرع وقت ممكن».

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

وكان عباس أعلن السبت إرجاء الانتخابات التشريعية التي كان من المرتقب أن تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ودعا لإجرائها مع الانتخابات الرئاسية في سبتمبر (أيلول) 2027.