خلاف إسرائيل و«حماس» حول «ما بعد الحرب» يرجح إعادة اشتعالها

يعدّ المتطرفون الظرفَ «موسم تصفية» للقضية الفلسطينية

فلسطينيون في سوق أقيم في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة الخميس (رويترز)
فلسطينيون في سوق أقيم في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة الخميس (رويترز)
TT

خلاف إسرائيل و«حماس» حول «ما بعد الحرب» يرجح إعادة اشتعالها

فلسطينيون في سوق أقيم في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة الخميس (رويترز)
فلسطينيون في سوق أقيم في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة الخميس (رويترز)

لا تتمحور الخلافات الحقيقية بين إسرائيل و«حماس» التي تهدد الهدنة وتنذر باستئناف الحرب في وقت قريب، حول ما يعلنه كل طرف عن عدد الأسرى ونوعيتهم، بل تعود إلى الخاتمة التي رسمها كل طرف للحرب وتتناقض جوهرياً مع الأخرى، بل يبدو واضحاً أنها لن تتحقق، فلا إسرائيل تستطيع إبادة «حماس» وتحقيق الانتصار عليها، ولا «حماس» تستطيع كسر إسرائيل والانتصار عليها.

بالطبع هناك خلاف حول نوعية الأسرى، فالهدنة تتحدث حتى الآن عن تبادل أسرى من النساء والأطفال ما دون 19 عاماً، الذين تم إطلاق 81 منهم حتى الآن (4 قبل الصفقة قامت «حماس» بإطلاقهم كبادرة حسن نية، و77 أطلق سراحهم ضمن الصفقة)، ويفترض أن يرتفع عددهم مع إطلاق النبضة السابعة من الهدنة. إسرائيل تقول إنه بقي لدى «حماس» حتى الآن 11 أجنبياً و134 مخطوفاً إسرائيلياً، 3 منهم أطفال و10 مسنين تجاوزوا سن الـ75، إضافة لـ27 امرأة و118 رجلاً، من ضمنهم جنود وجنديات. و«حماس» تطلب في هؤلاء ثمناً آخر، وليس ثلاثة مقابل واحد كما حصل حتى الآن، لكن إسرائيل ترفض.

بقلاوة مالحة!

ظهر مند البداية أن إسرائيل تذهب نحو الهدنة وصفقة التبادل مرغمة وليس بإرادتها؛ فهي لا تريد أن ترى أسرى فلسطينيين يخرجون من الأسر الإسرائيلي يرفعون علامة النصر.

وعلى الرغم من أن الذين أطلقت سراحهم كانوا «أسرى خفيفين» من الأطفال والنساء، وليسوا من أصحاب المؤبدات والأحكام الكبيرة، فقد حاولت التنغيص على فرحتهم بالحرية، بأن داهمت بيوتهم وحذرت أهاليهم من أي مظاهر للفرح.

أسرى فلسطينيون بعد الإفراج عنهم من سجن عوفر الجمعة الماضية (أ.ف.ب)

وعندما تدفق الأهالي إلى سجن عوفر لاستقبال الأسرى المحررين، بطشت بهم القوات وأطلقت عليهم قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وحتى الرصاص الحي القاتل.

وفي القدس الشرقية، داهمت بيوتهم وطردت الصحافيين والأقارب منها. واستدعت أهالي الأسرى لتسلمهم في مركز شرطة المسكوبية، واحتجزتهم هناك لساعات طويلة، وكأنهم معتقلون، ثم سلمتهم تعليمات مضحكة مثل «ممنوع توزيع الحلوى»، ما جعل الناس يتهكمون عليهم، وانتشرت طرفة تقول إن «المقدسيين اخترعوا بقلاوة مالحة لتوزيعها على المهنئين».

كان الإسرائيليون يفضلون الاستمرار في الحرب حتى كسر «حماس»، أو العثور على أسرى يتم تحريرهم بالقوة، أو كليهما معاً. وعندما اضطروا تحت ضغط عائلات الأسرى المدعومين من جماهير غفيرة، رضخ المسؤولون ووافقوا على الصفقة. لكن لم يخفوا غضبهم الشديد وغيظهم، فقبيل إطلاق سراح كل أسير وأسيرة من الفلسطينيين، ودّعوه وودعوها بالضرب والتنكيل والإذلال. وقرروا ألا يكملوا صفقات تحرير بقية الأسرى.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو يظهر أحد أعضاء كتائب القسام وهو يشير إلى رهينة قبل تسليمها إلى مسؤولين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

في المقابل، حرصت «حماس» على إظهار التعامل الإنساني مع الأسرى الإسرائيليين المحررين. وقام شبانها بمرافقتهم ومساعدة العاجزات منهم، وفارقوهم بالتحيات الودودة، وحتى بالاحتضان في إحدى المرات.

الأسيرة الفلسطينية المفرج عنها ربى عاصي يحملها أنصار خلال حفل ترحيب بالأسرى المحررين برام الله بالضفة الغربية الثلاثاء (أ.ف.ب)

وبدا واضحاً أن «حماس» تعد إطلاق سراح كل أسير وأسيرة فلسطينية مكسباً كبيراً تعتز به أمام الشعب الفلسطيني.

وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي حصل في غزة بسبب الحرب، والعدد المخيف من الشهداء والجرحى والمشردين، وهو ثمن باهظ جداً، تستقطب «حماس» جراء إطلاق سراح الأسرى مزيداً من الشعبية والتمجيد. فالأسرى يعدون لدى الفلسطينيين أكبر المضحين، ويحظون باحترام يبلغ حد التبجيل.

سقف عال

لكن المشكلة تكمن في مرحلة ما بعد الحرب. ففي إسرائيل وضعوا خططاً للحرب بسقف عال يبلغ تحقيقها حد المستحيل: إبادة «حماس» وتدمير حكمها في القطاع، وتصفية قادتها في غزة وأي مكان آخر، وإطلاق سراح الرهائن بالقوة. وبالمناسبة، كشفوا خططاً أخرى لترحيل أهالي غزة إلى مصر أو إلى البحر.

عائدون إلى مدينة غزة وسط الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي (أ.ب)

في الخلفية كانت بارزة سيادة الغطرسة، فالجيش الإسرائيلي الذي يعد واحداً من أقوى جيوش العالم، تلقى ضربة قاسية من هجوم «حماس»، واهتزت هيبته أمام الجمهور الإسرائيلي وأمام جيوش العالم التي كانت معجبة به. وهو يريد أن يسترد هذه الهيبة بأي ثمن. وقد تمكن من تدمير ثلث قطاع غزة وقتل نحو 20 ألف فلسطيني، بينهم 5300 عسكري (بحسب المعطيات الإسرائيلية)، ودمر البنى التحتية والمدارس والجوامع والكنائس والمستشفيات. ولا يكتفي. يريد أن يدفع الفلسطينيون ثمناً أكبر. يريد أن تحفر هذه الحرب في الذاكرة الفلسطينية نكبة ثانية، حتى لا يجرؤوا على «التطاول» مرة أخرى على «السيد» الإسرائيلي.

وقد التقت مصلحة الجيش هذه مع أجندة خصومه في اليمين الحاكم، خصوصاً مع المتطرفين الأشداء في قيادة حزب «الليكود» وحزبي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يريدون إبادة غزة والضفة الغربية، وترحيل أهل غزة وأهل الضفة الغربية وحتى المواطنين العرب في إسرائيل. يعد هؤلاء هذه الحرب «موسم تصفية» للقضية الفلسطينية. ولكي يبرروا هذا الجنون، يرفعون دوماً صور آثار هجوم «حماس» على المدنيين الإسرائيليين في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي تظهر جثث أطفال محروقين وعائلات مبادة بأكملها وأشلاء وأطفال أسرى بينهم طفلة رضيعة ومسنون عاجزون من الرجال والنساء.

الإفراج عن 30 معتقلاً بينهم 15 امرأة و15 طفلاً من السجون الإسرائيلية ضمن الدفعة الخامسة من صفقة التبادل الأربعاء (وفا)

بالمقابل، تنطلق «حماس» من نشوة الضربة القاسية للجيش الإسرائيلي، التي نفذها بضع مئات من عناصر النخبة الشباب، وتمكنوا خلالها من اختراق جدار إلكتروني حصين، وخط دفاع كلف مليارات، والسيطرة على 11 ثكنة عسكرية و22 بلدة ومصادرة مواد ثمينة عن الجيش الإسرائيلي وخططه العسكرية (التي قدمت هدية لإيران وغيرها). وتريد الحركة أن تحظى بمكانة راسخة في قيادة الشعب الفلسطيني بقيمة هذا الإنجاز. وتريد لإسرائيل أن تنكسر وتقبل بـ«حماس» عنصراً مقرراً في المنطقة. ولأنها لا تقرأ الخريطة الإسرائيلية والإقليمية والعالمية جيداً، تثق بأنها ستحقق مرماها وسترى إسرائيل راكعة على الركبتين. وتعد العدة لإقامة احتفالات النصر، على ركام غزة وجروحها العميقة.

جهود عقلانية

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يتوسط وفداً يضم وزراء خارجية السلطة الفلسطينية وأربع دول عربية ومسلمة في بكين 20 نوفمبر (إ.ب.أ)

وفي غياب التواضع، وفي ظل هذا الابتعاد عن المواقف العقلانية التي تضع مصلحة الناس، الضحايا الحقيقيين للحرب فوق كل اعتبار، تبذل العديد من القوى، وفي مقدمتها الدول العربية، جهوداً خارقة لوقف الحرب وويلاتها، ووضع حد للمعاناة لدى الطرفين وتحرير الرهائن والأسرى، وتحويل الكارثة إلى فرصة، وذلك بفتح آفاق لحل جذري للصراع ينهي الحروب ويبدأ مساراً جديداً وطموحاً لبناء مستقبل مختلف في المنطقة بأسرها. يحاولون صياغة انفراج يفضي إلى سلام شامل بين إسرائيل وجميع الدول العربية على أساس إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية تنعم بنزع السلاح وبتحقيق الاستقلال والحرية والازدهار.

في الوقت الحاضر، يضع العراقيل أمام هذا المسار أولئك القادة (في إسرائيل والحركة)، الذين يفترض أن تكون شعوبهم أول المستفيدين من هذا التوجه. لو اعترفوا بأن هناك حدوداً للقوة، مهما كبرت وتضخمت، لكانت الصورة مختلفة تماماً ولما كنا قابعين في تعقيدات صفقات صغيرة وهدن قصيرة أو مديدة على هذا النحو، ولما كنا مرة أخرى على شفا الحرب.


مقالات ذات صلة

قاليباف: الهدنة غير منطقية ما دام ينتهكها الحصار البحري

شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

قاليباف: الهدنة غير منطقية ما دام ينتهكها الحصار البحري

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار الكامل لا معنى له في ظل الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رجل إيراني يسير بجوار ملصق للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في ساحة في طهران - 22 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

إيران تؤكد تقديرها للجهود الباكستانية لإنهاء الحرب

عبّرت وزارة الخارجية الإيرانية عن تقديرها للجهود الباكستانية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

بعد قرار التمديد «غير المشروط»... العقود الآجلة الأميركية تكتسي بالأخضر

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية في «وول ستريت» يوم الأربعاء، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

«حزب الله» يعلن استهداف شمال إسرائيل

أعلن «حزب الله» اللبناني استهداف شمال إسرائيل، الثلاثاء، رداً على ما اعتبره «خروقات فاضحة» لوقف إطلاق النار من قبل الدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة عشرة أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
TT

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

اندلع سجال مفاجئ بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري على خلفية المفاوضات مع إسرائيل، بعد أن قال عون إنه نسق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك».

وكان عون قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، على عكس ما يحكى في الإعلام» وهو ما رد عليه بري سريعاً، قائلاً في بيان: «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلا أن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان عون قال إنه «يبذل كل جهد ممكن للوصول إلى حل بعيداً عن العنف والدماء الزكية التي تهرق على أرض الجنوب، وهذا الحل يتحقق بالمفاوضات، التي هي حرب بلا دماء».

«كل خطوة اتخذتها كانت بالتنسيق مع بري وسلام»

وفي ظل الحملة التي يتعرض لها عون، على خلفية قرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، أكد عون «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، على عكس ما يحكى في الإعلام».

وأضاف: «أما بالنسبة للانتقادات بأن لبنان وافق من خلال البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، فأقول إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».

تطبيق وقف النار بشكل كامل قبل المفاوضات

وشدد الرئيس عون على أنه إذا اعتقدت إسرائيل أنها من خلال الانتهاكات وتدمير القرى الحدودية، بإمكانها الحصول على الأمن، فهي مخطئة؛ لأنها جربت ذلك قبلاً دون نتيجة، مضيفاً: «الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحمي الحدود هو عندما تكون الدولة اللبنانية بكامل قوتها موجودة في كامل الجنوب وحتى الحدود الدولية». وقال: «على إسرائيل أن تدرك بشكل نهائي أن الطريق الوحيد للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات».

بانتظار تحديد موعد للمفاوضات وملف لبنان على طاولة ترمب

وتحدث عون عن «صعوبات كثيرة تعترضنا لتحقيق ذلك، ونعمل قدر المستطاع للتخفيف من تبعات الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ونقوم باتصالات مكثفة من أجل ذلك، فلا يجوز أن تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على حالها بعد إعلان وقف إطلاق النار».

وقال: «نحن الآن بانتظار تحديد موعد من قِبَل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات. دول الاتحاد الأوروبي بأسرها والدول العربية معها، دعمت خيارنا بالمفاوضات، وهناك إجماع على مستوى الشعب اللبناني، وخاصة أهل الجنوب، على ضرورة الانتهاء من الحرب».

واعتبر الرئيس عون أن هناك أمراً إيجابياً قد تحقق، وهو أن الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، «الذي يحمل مكانة خاصة للبنان، وقد أشاد خلال الاتصال الهاتفي بيننا بشكل مؤثر بلبنان وشعبه، وهذه فرصة لنا علينا الاستفادة منها للعبور ببلدنا إلى شاطئ الأمان والسلام».


«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
TT

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن، أمجد يوسف، وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه ستتم إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات الرابعة بدمشق التي يمثل أمامها رئيس فرع المخابرات العسكرية بدرعا عاطف نجيب، وذلك «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا».

ولا تزال قضية أمجد يوسف تتفاعل في الشارع السوري مع تجدد فتح ملف المفقودين والمغيبين قسرياً، لا سيما في «حي التضامن» الذي عاد إلى دائرة الاهتمام الإعلامي.

ومع انطلاق المحاكمات، قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، رديف مصطفى، إن ملف قضية أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجازر التضامن 2013، «يشهد تقدماً واضحاً بعد إلقاء القبض عليه»، وذلك رداً على سؤال «الشرق الأوسط» عما إذا كانت محاكمة المتهم قريبة.

وأوضح مصطفى أن «هناك عملاً مستمراً على استكمال التحقيقات وتجهيز الملف القضائي وفق الأصول القانونية»، لافتاً إلى أنه بعد الانتهاء من التحقيقات سيتم تحويل يوسف إلى النيابة العامة للادعاء عليه، ثم سيتم تحويله إلى قاضي التحقيق وإصدار القرار الظني، ومن ثم إحالته لقاضي الإحالة ليصدر القرار الاتهامي بتحويله إلى المحكمة المتخصصة بالعدالة الانتقالية.

سكان حي التضامن الدمشقي يتحدثون إلى وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا

ورأى مصطفى أن الحديث عن «موعد محدد للمحاكمة يبقى مرتبطاً باستكمال الإجراءات وضمان جاهزية الملف بشكل متكامل»، مع التأكيد على أن «القضية انتقلت إلى مرحلة متقدمة ضمن مسار المساءلة».

وزار وفد من الهيئة موقع مجزرة التضامن، أمس الثلاثاء، «ضمن مسار كشف الحقيقة والتواصل المباشر مع الضحايا وذويهم، والاطلاع الميداني على الموقع المرتبط بالجريمة، إضافة إلى الاستماع للشهادات والإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بالمسارات القانونية».

وهدفت الزيارة إلى «تعزيز ثقة الأهالي بمسار العدالة الانتقالية، والتأكيد أن هذه الملفات تُتابع بشكل جدي ومباشر»، وفق مصطفى، الذي أشار إلى العمل على «تنظيم وتمكين الضحايا وتقديم المساعدة القانونية المجانية لهم وتسهيل آليات رفع الدعاوى من قبل المتضررين وذوي الضحايا، بما يضمن السير بالإجراءات بشكل قانوني ومنظم، ويساعد في دعم ملفات المساءلة بالأدلة والشهادات اللازمة»، وذلك رداً على سؤال عما إذا تم بالفعل تنظيم رفع دعاوى من ذوي الضحايا بحق المتهم، وكم بلغ عددها؟

سيدة من أهالي ضحايا مجزرة التضامن تتحدث لوفد هيئة العدالة

وأكد «وجود دعاوى وإفادات وشهادات تم العمل عليها ضمن عدد من الملفات المرتبطة بالانتهاكات والجرائم الجسيمة، لكن في هذه المرحلة لا يتم الإعلان عن الأرقام الدقيقة أو تفاصيل بعض الإجراءات، حفاظاً على سرية التحقيقات وسلامة المسار القضائي».

خلال زيارته الميدانية إلى موقع «مجزرة التضامن»، شرح وفد هيئة العدالة لأهالي الضحايا آليات رفع الدعاوى بحق مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب الإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بالمسارات القانونية والإجراءات المتبعة ضمن إطار العدالة الانتقالية. ويطالب أهالي الضحايا في «حي التضامن»، بالإنصاف وإخراج رفاة شهدائهم ونقلها إلى قبور تحمل أسمائهم، كما يطالبون بالقصاص من المجرمين وتحقيق العدالة.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وفيما يتعلق بالمحكمة المختصة بالعدالة الانتقالية التي سيمثل أمامها المتهم والقانون الذي سيحاكم على أساسه، سيما وأن القانون الخاص بالعدالة الانتقالية لم يصدر بعد؟ قال مصطفى إن «المتهم سيمثل أمام محكمة الجنايات الرابعة فور الانتهاء من الإجراءات القانونية المذكورة أعلاه»، وستتم إحالة المتهم أمجد يوسف إلى المحكمة نفسها التي أحيل إليها عاطف نجيب، «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا، ولكن نحن نأمل ومقتنعون بأن أمجد سيحاكم وفق قانون.

يشار إلى أن قانون العقوبات السوري الذي تعمل به المحاكم السورية، وبدأت بموجبه محاكمة رموز النظام البائد، غير منصوص فيه على جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وفي محاكمة عاطف نجيب «عمل قاضي التحقيق مواءمة ما بين قانون العقوبات السوري والقوانين والأعراف الدولية في جرائم الإرهاب وجرائم الحرب والإبادة الجماعية»، وفق تصريحات سابقة لنقيب المحامين في سوريا، محمد علي الطويل.

وألقت السلطات السورية القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي في قضية «مجازر التضامن 2013» وراح ضحيتها نحو 500 مدني بينهم نساء وأطفال، حسب اعترافات متورطين في تلك المجازر تم القبض عليهم العام الماضي.

وكشف مقطع فيديو مسرب لإحدى المجازر عام 2022 في تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» عن أمجد يوسف مع رفاقه يقتلون نحو أربعين شخصاً بإطلاق النار عليهم ثم حرق جثثهم في حفرة أعدت مسبقاً لدفنهم.

وبين حين وآخر يعثر أهالي الحي على رفاة وعظام بشرية مبعثرة في الأزقة الترابية والحارات قيد الإنشاء، في الوقت الذي لا يزال مصير العشرات من أبناء الحي مجهولاً.


بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
TT

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري، بوصفها أحد العوامل الأساسية المؤثرة في مسار القرار الداخلي. وبينما يفرض الواقع تواصلاً مستمراً وتنسيقاً على مستوى المؤسسات، تكشف التطورات الأخيرة عن تباينات واضحة في المقاربات السياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، وهو ما يضع العلاقة أمام اختبار فعلي في ظل تعقيدات المرحلة والتحديات المتزايدة على الداخل اللبناني والمسؤولين في بيروت.

وفيما كان لافتاً كلام رئيس الجمهورية، الأربعاء، بتأكيده أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام»، يتقاطع التباين بين عون وبري من موقع كل منهما ضمن التموضع السياسي للأفرقاء اللبنانيين، حيث يرتبط بري بتحالف وثيق مع «حزب الله» الذي يقود حملة ضد الرئيس عون على خلفية التفاوض مع إسرائيل، في حين يسعى الأخير إلى تقديم مقاربة أكثر مرونة تجاه المجتمع الدولي ولا تدفع باتجاه مواجهة داخلية، ما يضع العلاقة بينهما ضمن إطار «شدّ الحبال» السياسي المستمر.

من الاطمئنان إلى الخلاف

وآخر لقاء كان قد جمع بري وعون كان في 23 مارس (آذار) الماضي، خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعبّر حينها عن ثقته بما يقوم به الرئيس عون عند سؤاله عما إذا كان مطمئناً للوضع الداخلي، قائلاً: «بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن».

أما اليوم، ومع التبدلات التي طرأت على الوضع الداخلي اللبناني، والاختلاف في مقاربة بعض الأمور الأساسية بين الطرفين، وعلى رأسها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي التي أعلن بري رفضه لها، يطرح السؤال عما إذا كان بري لا يزال مطمئناً أم أن التوتّر دخل إلى العلاقة بينهما، لا سيما بعد تأجيل الاجتماع الثلاثي الذي كان مقرراً الأربعاء في القصر الرئاسي ليجمع بين عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام للبحث في المفاوضات مع إسرائيل، بحيث أشارت بعض المعلومات إلى أن السبب كان الخطاب الأخير للرئيس عون الذي توجه به إلى «حزب الله» رداً على حملات التخوين ضده قائلاً: «الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية».

مبنى مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

تواصل مستمر ولقاء مؤجل

ومع إقرارها بالاختلاف في وجهات النظر، تصف مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية العلاقة بين عون وبري بـ«الجيدة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات مستمرة بينهما، وأن آخر اتصال بينهما كان مساء الثلاثاء.

وهذا الأمر يؤكده النائب في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، علي خريس، رابطاً اللقاء بوقف إطلاق النار، ويقول: «الاتصالات بين الطرفين لم تنقطع، وكان آخرها مساء الثلاثاء بحيث الأولوية تبقى لتكريس وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أنه بعد ذلك قد يحصل اللقاء.

ويوضح خريس: «ليس هناك تباعد أو انقطاع بين الطرفين، إنما هو اختلاف في وجهات النظر حول آلية التفاوض، بحيث ندعم خيار المفاوضات غير المباشرة، في حين أخذ رئيس الجمهورية خيار المفاوضات المباشرة».

من هنا، يشير خريس إلى أن المشاورات مستمرة بوتيرة مكثفة، بانتظار ما ستسفر عنه في المرحلة المقبلة، مؤكداً «أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو وقف العدوان على لبنان وترسيخ التهدئة، خصوصاً في ظل استمرار سقوط ضحايا من المدنيين والصحافيين وعناصر الدفاع المدني، بما يعكس واقعاً ميدانياً يتناقض مع الحديث عن وقف لإطلاق النار ولا يمت إليه بصلة».

بدورها، تؤكد المصادر الوزارية أن جهود الرئيس عون تنصب لتكريس وقف إطلاق النار، مؤكدة «أن اللقاء سيحصل في وقته».

سيدة تصلي أمام تمثال مار شربل على مقربة من صور معلقة في الشارع دعماً لرئيس الجمهورية جوزيف عون (أ.ف.ب)

منسى موفداً من عون وسلام إلى المجلس الشيعي

وسجل يوم الثلاثاء زيارة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، كما إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ناقلاً تحيات رئيسي الجمهورية والحكومة.

وقال منسى إنه «يقوم بجولة على القيادات الروحية للمساهمة في جمع البلد على كلمة واحدة»، فيما أكد الخطيب «ضرورة التفاهم الوطني على كل الأمور؛ لأننا لن نصل إلى نتيجة من دون هذا التفاهم ومن خلال المبادرات الفردية».

وفي إشارة واضحة إلى الخلاف حول المفاوضات مع إسرائيل، قال الخطيب: «نحن نريد النجاح لفخامة الرئيس، وقد أيدناه ودعمناه، ولكن يجب أن تحظى كل خطوة بإجماع وطني، وننصحه بالاستعانة بخبرة وحكمة دولة الرئيس نبيه بري».