شبح نكبة جديدة يخيم فوق الفلسطينيين المغادرين مدينة غزة المحاصرة

آلاف الفلسطينيين يعبرون الممر الذي حدده الجيش الإسرائيلي للاتجاه جنوبا بعدما تركوت وراءهم منازلهم (رويترز)
آلاف الفلسطينيين يعبرون الممر الذي حدده الجيش الإسرائيلي للاتجاه جنوبا بعدما تركوت وراءهم منازلهم (رويترز)
TT

شبح نكبة جديدة يخيم فوق الفلسطينيين المغادرين مدينة غزة المحاصرة

آلاف الفلسطينيين يعبرون الممر الذي حدده الجيش الإسرائيلي للاتجاه جنوبا بعدما تركوت وراءهم منازلهم (رويترز)
آلاف الفلسطينيين يعبرون الممر الذي حدده الجيش الإسرائيلي للاتجاه جنوبا بعدما تركوت وراءهم منازلهم (رويترز)

قال فلسطينيون يمشون بتثاقل أمام الدبابات الإسرائيلية والجثث المتحللة عبر ممر على خط الجبهة يؤدي إلى خارج مدينة غزة المحاصرة إنهم يخشون حدوث "نكبة" جديدة على غرار "كارثة" التهجير الجماعي للفلسطينيين بعد قيام إسرائيل عام 1948.

وتحرك الآلاف جنوبا على طريق صلاح الدين من مدينة غزة، وهو طريق الخروج الوحيد للمدنيين الفارين من الحصار المشدد مع توغل الدبابات الإسرائيلية أكثر في قطاع غزة.

وقالت امرأة تدعى أم حسن "ايش اللي فضل ورانا، دمار وموت"، مضيفة أنهم غادروا وهم خائفون. وكانت قد عبرت للتو إلى جنوب غزة قادمة من شمال الجيب الصغير المزدحم. وتابعت "نحنا الشعب الفلسطيني الفقير اللي دمرت بيوته"، واصفة ما حدث بالنكبة الثانية.

يدفع جدته المقعدة فوق كرسيها باتجاه جنوب قطاع غزة (رويترز)

ولا تزال حرب عام 1948، عندما فر الفلسطينيون أو طُردوا من منازلهم، محفورة في ذاكرتهم الجماعية. وعبر الكثيرون عن مخاوفهم من أنهم إذا أُجبروا على ترك منازلهم الآن، فلن يُسمح لهم بالعودة أبدا مثل أسلافهم.

والهدف العسكري الإسرائيلي المعلن هو القضاء على حركة حماس التي تقول إسرائيل إنها قتلت 1400 شخص واختطفت 240 آخرين في هجوم يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول). وتقول السلطات الصحية في قطاع غزة الذي تديره حماس إن القصف الإسرائيلي أدى إلى مقتل أكثر من 10 آلاف شخص منذ ذلك الحين.

وطلبت القوات الإسرائيلية منذ أسابيع من الفلسطينيين مغادرة شمال غزة إلى الجنوب الذي تقصفه أيضا، قائلة إنه سيسمح لهم بالعودة إلى ديارهم بمجرد انتهاء الصراع. ومنذ يوم الأربعاء، ومع تصاعد القتال داخل مدينة غزة، بدأ عدد كبير من السكان التحرك جنوبا.

يحمل طفلته ونظرات الخوف تملأ وجهه خلال رحلته من شمال القطاع إلى جنوبه (رويترز)

وقال خالد أبو عيسى، من مخيم الشاطئ للاجئين المتاخم لمدينة غزة، إنه غادر بعد تعرض حيه للقصف المدفعي بشكل متكرر. وأضاف أن "الرحيل كان صعبا جدا. كنت جالسا بأمان في المنزل وجاءت إسرائيل وشردتني مرة أخرى".

تم تسجيل معظم الفلسطينيين في غزة كلاجئين بعد أن فر أسلافهم من منازلهم داخل حدود إسرائيل في عام 1948. ومنذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، تم تهجير أكثر من نصف سكان القطاع. وقال العديد من الأشخاص الذين قاموا بالرحلة نحو الجنوب لرويترز إنهم رأوا جثثا على جانب الطريق، ما أثار رعب البالغين والأطفال على حد سواء.

وقال أبو عيسى "أثناء سيرنا رأينا جثثا متحللة. أشخاص (كانوا يستقلون) سيارات مدنية، مدنيون مثلنا، وليس مركبات عسكرية أو رجال حماس". وفر معظمهم سيرا على الأقدام حاملين ما استطاعوا. وعندما مروا بالدبابات الإسرائيلية على خط المواجهة، رفعوا أذرعهم لإظهار بطاقات هوياتهم.

وقالوا إنه في جنوب غزة هناك عدد قليل فقط من السيارات التي لا تزال مزودة بالوقود ويتعين على الكثيرين مواصلة السير حتى يتمكنوا من العثور على مكان جديد للاحتماء.


مقالات ذات صلة

الكنيست يقر إنشاء محكمة عسكرية لعناصر «حماس» بشأن «هجوم 7 أكتوبر»

شؤون إقليمية جلسة الكنيست 11 مايو 2026 (إ.ب.أ)

الكنيست يقر إنشاء محكمة عسكرية لعناصر «حماس» بشأن «هجوم 7 أكتوبر»

أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يقضي بإنشاء محكمة عسكرية لمحاكمة مئات المسلحين الفلسطينيين الذين شاركوا في هجوم أكتوبر (تشرين الأول) 2023

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

خاص «حماس» تقترب من آخر خطوة لحسم رئيس مكتبها السياسي الجديد

تقترب حركة «حماس» من انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي الذي سيدير شؤونها حتى نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل، لحين إجراء انتخابات شاملة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي بحي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها العريس)

زغاريد أفراح غزة تقطع دوي الغارات الإسرائيلية

لم تمنع الخروقات الإسرائيلية المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة، سكان القطاع من أن يُطلقوا زغاريد أفراحهم، لتقطع، ولو مؤقتاً، أزيز المُسيرات ودوي الغارات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي في حي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها محيسن) p-circle 01:43

خاص زغاريد أفراح غزة تقطع دوي الغارات الإسرائيلية

منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية، غير أن ذلك لم يمنع سكان القطاع من إطلاق زغاريد أفراحهم لتقطع ولو مؤقتاً دوي الغارات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ الرسمة التي نشرتها والدة أحد الطلاب داخل مجموعة مؤيدة لإسرائيل على «فيسبوك»

مدرسة أميركية تدفع 125 ألف دولار تعويضاً لطالبة بسبب رسمة مؤيدة لفلسطين

ستدفع إحدى المناطق التعليمية في نيويورك 125 ألف دولار أميركي لطالبة مسلمة أميركية من أصل باكستاني في المرحلة الثانوية، بعد إزالة عمل رسمته للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

خسائر متفاقمة لـ«حزب الله»... لا حصيلة للقتلى ومأساة النزوح تتعمق

مبان مدمرة بالضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ب)
مبان مدمرة بالضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ب)
TT

خسائر متفاقمة لـ«حزب الله»... لا حصيلة للقتلى ومأساة النزوح تتعمق

مبان مدمرة بالضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ب)
مبان مدمرة بالضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ب)

تكبّد «حزب الله» خسائر كبيرة، منذ إطلاقه الصواريخ الستة باتجاه إسرائيل، في بداية شهر مارس (آذار) الماضي، معلناً فتح جبهة «إسناد إيران»؛ ثأراً لمقتل المرشد علي خامنئي. وهذه الخسائر لا يمكن إحصاؤها حتى الآن نتيجة استمرار الحرب في الجنوب، رغم وقف إطلاق النار، فهي تتراوح بين البشرية والاقتصادية والاجتماعية.

آلاف القتلى من «حزب الله»

إذ إنه ورغم اعتماد «حزب الله» سياسة عدم الإعلان أو نعْي عناصره، لأسباب عدّة أهمها أن عدداً منهم لا يزال مصيره مفقوداً، ولا سيما الذين كانوا يقاتلون في المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي ودمّرها، فهناك تقديرات تشير إلى أن عدد القتلى في صفوف «الحزب» بالآلاف منذ بدء الحرب، وفق ما نقلت وكالة «رويترز» عن مصادر بالحزب، وهو ما عادت ونفته العلاقات الإعلامية في «حزب الله»، وقالت إن أرقام وزارة الصحة اللبنانية تشمل أعضاءه الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر؛ من بينهم مسؤولان في «حزب الله»، أن بيانات الوزارة لا تشمل كثيراً من قتلى الجماعة. وذكرت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي «حزب الله» قُتلوا، لكن «الحزب» ليس لديه إحصاء نهائي بعد.

أم تبكي ابنها المقاتل في «حزب الله» خلال تشييعه ببلدة القليلة جنوب لبنان (رويترز)

وذكر أحد المصادر، وهو قائد عسكري في «حزب الله»، أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى بلدتيْ بنت جبيل والخيام الواقعتين على خط المواجهة عازمين على القتال حتى الموت. ولم يجرِ انتشال جثثهم حتى الآن.

ويوم الأربعاء الماضي، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال جولةٍ أجراها في مدينة الخيام جنوب لبنان، إن الجيش الإسرائيلي قتل، منذ بدء الحرب، «أكثر من ألفيْ عنصر من (حزب الله)».

والثلاثاء، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية أن سلاح الجو الإسرائيلي أغار على أكثر من 1100 هدف تابع لـ«حزب الله»، منذ بدء تفاهمات وقف إطلاق النار، مؤكدة تصفية أكثر من 350 عنصراً في جنوب لبنان.

ووفق وزارة الصحة اللبنانية، وصلت الحصيلة الإجمالية للحرب، منذ 2 مارس (آذار) 2026 إلى 11 مايو (أيار)، إلى 2869 قتيلاً و8730 جريحاً.

مأساة النزوح

وتكاد تكون الأزمة الكبرى الناتجة عن الحرب، والتي انعكست سلباً على «حزب الله» داخل بيئته وتحولت إلى مأساة، هو موضوع النازحين الذين فاق عددهم المليون شخص، ويقيم عدد كبير منهم في مراكز نزوح بمناطق لبنانية عدة.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن عدد النازحين المسجلين في لبنان بسبب الحرب تجاوز 1.1 مليون شخص، في حين أشارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» إلى أنهم نحو 500 ألف؛ منهم أطفال في سن الدراسة.

نازحون على مقربة من الخيام التي يقيمون فيها وسط بيروت (إ.ب.أ)

التدمير الممنهج

وتُشكل سياسة التدمير المُمنهجة، التي تعتمدها إسرائيل في جنوب لبنان، إحدى أكثر الأزمات الإنسانية مع تحويلها القرى والبلدات إلى أرض محروقة بهدف منع عودة السكان إلى أراضيهم ومحو أي أثر للحياة فيها.

وبينما تغيب الإحصاءات الرسمية الدقيقة عن عدد المباني والمنازل التي دُمرت في الحرب الإسرائيلية المستمرة، تشير التقديرات إلى تدمير وتضرر عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، علماً بأنه سبق لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن أعلن صراحةً نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتيْ رفح وخان يونس جنوب قطاع غزة».


عبور الليطاني بالنار... هل تعيد إسرائيل رسم الشريط الحدودي شمال النهر؟

آلية عسكرية إسرائيلية تتحرّك داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)
آلية عسكرية إسرائيلية تتحرّك داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)
TT

عبور الليطاني بالنار... هل تعيد إسرائيل رسم الشريط الحدودي شمال النهر؟

آلية عسكرية إسرائيلية تتحرّك داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)
آلية عسكرية إسرائيلية تتحرّك داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

دخل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مرحلة جديدة مع إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات عسكرية شمال نهر الليطاني، بالتزامن مع عبور آليات ثقيلة باتجاه أطراف زوطر الشرقية، في خطوة عكست انتقال المعركة من سياسة الضربات الموضعية إلى محاولة تثبيت وقائع ميدانية جديدة في المناطق الواقعة شمال النهر.

وأعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن قوات من وحدة «إيغوز» واستطلاع «غولاني» نفذت عملية استمرت نحو أسبوع في أطراف زوطر الشرقية، بعد عبور آليات عسكرية ثقيلة لنهر الليطاني، مشيرةً إلى أن العملية هدفت إلى الوصول إلى مناطق كان «حزب الله» يطلق منها الصواريخ وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة باتجاه القوات الإسرائيلية.

أما القناة 12 الإسرائيلية فأكدت أن العملية استمرت عشرة أيام، وهدفت إلى الوصول إلى المنطقة التي انطلقت منها صواريخ «حزب الله» وطائراته المسيّرة، فيما تحدثت القناة 14 عن تنفيذ عمليات هندسية فوق نهر الليطاني تسمح مستقبلاً بعبور قوات مدرعة ومشاة إذا اقتضت الحاجة.

تصاعُد الدخان من موقع غارةٍ إسرائيلية استهدفت منطقة رأس العين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتزامن ذلك مع حملة إسرائيلية دعائية واضحة، إذ نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مقطع فيديو؛ دعماً للجنود المشاركين في العمليات، قائلاً: «فخورون بمقاتلينا الأبطال، الأفضل في العالم، الذين يواصلون تكثيف العمليات في لبنان».

في المقابل، وسّعت إسرائيل نطاق إنذارات الإخلاء في البقاع الغربي. ففي الرابعة فجراً، وُجّه إنذار إلى سكان بلدة سحمر لإخلائها قبل بدء غارات عنيفة عليها، فيما عاد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، صباحاً ليوجه إنذاراً عاجلاً لمرتين إلى سكان بلدات أرزون وطيردبا والبازورية والحوش، مطالباً بإخلائها والابتعاد لمسافة ألف متر نحو مناطق مفتوحة.

زوطر... العقدة العسكرية التي تتحكم بشمال الليطاني

في السياق، قال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن بلدة زوطر تُعد «من أكثر النقاط حساسية لإسرائيل، نظراً إلى موقعها الجغرافي وقربها من الحدود»، موضحاً أنها «تشكل أقرب نقطة في شمال الليطاني إلى الحدود الإسرائيلية مقارنةً بمناطق أخرى، كما أنها تُعد منطقة مكشوفة ميدانياً للطيران المسيّر».

وأضاف المصدر أن زوطر «تمثل عقدة استراتيجية تربط بين زوطر الغربية ويحمر وأرنون، وأي سيطرة عليها تعني عملياً سقوط القرى المحيطة بها ميدانياً»، مشيراً إلى أن إسرائيل تعدها «منطقة أساسية لنشاط (حزب الله) المسيّر». موضحاً أن المنطقة «مفتوحة جغرافياً وتخلو من العوائق الطبيعية التي تحدّ من حركة المسيّرات».

تصاعُد الدخان من القصف الإسرائيلي على أطراف بلدة القطراني في جنوب لبنان كما بدا من مرجعيون (أ.ف.ب)

إسرائيل تعيد إنتاج الشريط الحدودي... لكن التوسع الكبير ما زال مكلفاً

من جهته، قال العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن الإعلان الإسرائيلي عن عبور نهر الليطاني باتجاه منطقة زوطر «لا يمكن فصله عن طبيعة المنطقة العسكرية التي تعمل فيها القوات الإسرائيلية منذ أسابيع»، مشيراً إلى أن «الاشتباكات كانت قد بدأت فعلياً منذ نحو أسبوع في وادي راج، وهو الممر الذي يصل الليطاني بزوطر، فيما تقع زوطر الشرقية والغربية ويحمر ضمن ما تُعرف بالبقعة الواقعة تحت الخط الأصفر، أي ضمن نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية».

ورأى ياسين أن أهمية زوطر لإسرائيل «تنبع من موقعها الاستراتيجي، إذ تؤمّن حمايةً للوجود الإسرائيلي في محور الطيبة - دير سريان، كما أنها تشرف نارياً على مناطق واسعة شمال الليطاني».

وأضاف: «إذا تمكنت إسرائيل من تثبيت وجودها في مرتفعات قلعة الشقيف ويحمر وزوطر، فإنها تصبح قادرة على وضع مناطق النبطية وكفرتبنيت والنبطية الفوقا والتحتا تحت الضغط الناري المباشر، نظراً إلى الطبيعة المرتفعة للمنطقة».

وأشار إلى أن ما يجري حالياً «يشبه إلى حد بعيد إعادة إنتاج الشريط الحدودي الذي كان قائماً قبل عام 2000، حين كانت مناطق مثل أرنون ويحمر وقلعة الشقيف وزوطر تقع تحت الضغط العسكري الإسرائيلي المباشر، وكانت بلدات مثل كفرتبنيت شبه خالية من السكان بسبب استهدافها الدائم بالنيران».

وفي تقييمه لاحتمالات توسع العملية البرية، قال ياسين إن إسرائيل «أعلنت بالفعل توسيع عملياتها البرية، لكن التقدير العسكري يشير إلى أن هذا التوسيع قد يبقى محصوراً في البقعة التي تعدها إسرائيل ضرورية أمنياً، لأن شمال الليطاني يُعد خط الدفاع الثاني لـ(حزب الله)، وأي محاولة للتقدم الواسع هناك ستعني مواجهة قاسية ومكلفة».

وأضاف: «إذا تمكنت إسرائيل من تثبيت سيطرتها في هذه المنطقة، فهذا قد يفتح الباب لاحقاً أمام تمدد أوسع باتجاه الزهراني، مما يعني عملياً تحويل المنطقة الممتدة من الزهراني حتى الحدود الدولية إلى شريط عسكري معزول، لكنني لا أعتقد أن القرار الإسرائيلي وصل إلى هذا الحد حتى الآن».

وربط ياسين أي تحول كبير في المشهد العسكري بمصير المفاوضات السياسية، قائلاً: «إذا فشلت المفاوضات وحصلت إسرائيل على ضوء أخضر دولي، عندها يمكن الحديث عن مرحلة مختلفة كلياً».

أطفال نازحون يلعبون في مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للإيواء (إ.ب.أ)

ماذا عن البقاع الغربي؟

وفيما يتعلق بالبقاع الغربي، رأى أن إسرائيل تعتمد سياسة «الضغط بالنار والإنذارات والتهجير التدريجي»، موضحاً أن «الاستهدافات تتركز على المناطق التي يُعتقد أن مسيّرات أو صواريخ تُطلق منها، فيما تُقصف أحياناً مناطق من دون إنذارات مسبقة إذا توافرت أهداف ميدانية مباشرة».

وأضاف: «الإنذارات التي طالت سحمر وزلايا ومحيطهما تدخل في إطار محاولة تفريغ المنطقة سكانياً، لأن إخلاء القرى يسهّل أي تحرك عسكري لاحق ويزيد الضغط على البيئة الحاضنة لـ(حزب الله)».

ورأى أنّ «المؤشرات الحالية لا تدل على نية إسرائيل شن عملية برية واسعة في البقاع الغربي أو شمال الليطاني، إلا إذا انهارت المفاوضات بالكامل»، مضيفاً: «أعتقد أن إسرائيل تملك حالياً هامش تحرك للوصول إلى بعض النقاط التي حددتها ضمن البقعة الصفراء، لكنها لا تملك القدرة الكافية على توسيع احتلالها البري على نطاق واسع، ولذلك تركّز حالياً على التهديد، والقصف، وإفراغ المناطق من سكانها».

تصعيد عسكري واستهداف مباشر للدفاع المدني

ميدانياً استمر التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجنوب، حيث كان قد تم استهداف الدفاع المدني في النبطية، وأعلنت المديرية العامة للدفاع المدني مقتل عنصرين وإصابة ثالث من عديد مركز النبطية الاقليمي جراء غارة إسرائيلية استهدفتهم في أثناء تنفيذهم مهمة إسعاف مصاب جراء غارة إسرائيلية استهدفته في النبطية.

كذلك استهدفت غارات إسرائيلية بلدات جنوبية عدة بينها الحنية وخربة سلم وزوطر الشرقية والنبطية، مع قصف المنصوري ومجدل زون. وقُتل 3 من عدشيت بغارة على سيارة في الدوير خلال نقل جريح، وقُتل سوري وأُصيبت زوجته باستهداف دراجة في طيردبا، فيما أوقعت مسيّرة إصابات بالمنصوري. كما استُهدفت منطقة أثرية قرب مركز للجيش في رأس العين.

وأسفرت غارات إسرائيلية على النبطية وجبشيت وكفرا عن سقوط قتلى.

وأعلن «حزب الله»، الثلاثاء، شن هجمات استهدفت دبابتَين من طراز «ميركافا» في البياضة وخربة المنارة، وتجمعاً لجنود قرب دير سريان، وجندياً بمسيّرة مقابل حولا.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


بين التخوين وكمّ الأفواه... حزن محرّم على خسارات أبناء الجنوب والضاحية

سيدات ينتحبن خلال موكب جنازة ثلاثة من أعضاء الدفاع المدني اللبناني الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية على قرية مجدل زون جنوب لبنان (د.ب.أ)
سيدات ينتحبن خلال موكب جنازة ثلاثة من أعضاء الدفاع المدني اللبناني الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية على قرية مجدل زون جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

بين التخوين وكمّ الأفواه... حزن محرّم على خسارات أبناء الجنوب والضاحية

سيدات ينتحبن خلال موكب جنازة ثلاثة من أعضاء الدفاع المدني اللبناني الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية على قرية مجدل زون جنوب لبنان (د.ب.أ)
سيدات ينتحبن خلال موكب جنازة ثلاثة من أعضاء الدفاع المدني اللبناني الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية على قرية مجدل زون جنوب لبنان (د.ب.أ)

يعيش أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية في صراع بين الحزن والصمود. هذا الشعور الذي لا يشبه أي حالة أخرى، هو الذي يخنق معظم العائلات. بعضهم يملك الجرأة ليرفع صوت ألمه والتعبير عما يختلجه من حزن وحسرة على خساراته، بينما يشعر آخرون بالخجل من التعبير نتيجة القيود الاجتماعية التي تفرض عليهم والتي تجعل حزنهم أمراً معيباً ومحرماً، بحيث تحضر دائماً المقارنات في الفقد ويبقى التبرير الأساسي أن ما نخسره لا يساوي شيئاً أمام دماء من يسقط للدفاع عن أرضه.

أم علي خضر (75 عاماً) تنظر من خلال شقتها المتضررة إلى مبنى مدمر تعرض لغارة جوية إسرائيلية وذلك بعد عودتها إلى المنزل في مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ب)

في الجنوب شبه المدمر اليوم، لا يُسمح للحزن أن يأخذ مساحته الطبيعية. الأم التي تفقد ابنها أو زوجها، والسيدة التي تفقد منزلها، والأب الذي يخسر مصدر رزقه وغيرهم، كل هؤلاء يجدون أنفسهم جميعهم أمام منظومة اجتماعية تفرض عليهم «كبت المشاعر» التي تتحول بدورها إلى رقابة ذاتية تمنع أي مواطن عن الحزن والبكاء، فيكون الصمت هو الحل لأن التعبير عن الألم قد يُفسَّر ضعفاً، أو قلة صبر، أو حتى تقصيراً أخلاقياً تجاه «القضية الأكبر» التي يرفع شعارها «حزب الله».

هذا الواقع تكاد تعيشه اليوم كل العائلات التي خسرت وتخسر بيوتها وأحبابها في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، حيث تدمر البلدات، ويمحى أثر الذكريات، ويذهب أي أمل بإمكانية العودة، بينما بات التعبير عن الوجع خيانة تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي التي تحوّلت بدورها إلى محكمة اجتماعية تحاسب الناس على أحاسيسها ومشاعرها، وهذا ما حصل مع العديد من الأشخاص الذين تجرأوا ورفعوا صوت حزنهم محمّلين المسؤولية لمن اتخذ قرار الحرب أي «حزب الله». .

تهمة التخوين جاهزة... ومتروكون لمصيرنا

تقول نور، التي لا تزال نازحة مع عائلتها في إحدى المدارس، وتعيش يومياً على أمل ألّا يصلها خبر تدمير منزلها في الجنوب، «لا أحد يعيش مكان غيره، جميعنا نبذل جهدنا لنتحمل... لكن هناك من لا قدرة له على التحمّل فوق طاقته». وتقول: «بات التعبير عمّا يشعر به المواطن الجنوبي يُقابَل باتهامات جاهزة، فهو يُعدّ ضد المقاومة وعميل وخائن»، مضيفة: «الناس باتوا يضعون المعايير ويحدّدون ما هو الصحيح وما هو الخطأ».

وتضيف: «نحن أصبحنا شعباً متروكاً لمصيرنا ولا أحد يسأل عنا، ومن ينتقد التعبير عن وجعنا هو من يعيش حياة مرفّهة ويطلق الأحكام من بعيد». وتختم بالقول: «الذين يرون التعبير عن وجعنا جريمة، فليعيشوا يوماً واحداً كالذي نعيشه، ومن ثم يتحدثون عن الكرامة والوطنية».

ممنوع علينا التعبير عن وجعنا

بدورها، تتحدث زينب عن الضغوط التي يتعرض لها من يعبّر عن وجعه، قائلة: «كأنما المطلوب من العائلات التي تخسر أرزاقها وأبناءها وبيوتها وتعب السنين أن تتحلّى بالصبر وأخلاق أهل البيت التي لا يتمتعون هم بها ويرمون تهم التخوين كيفما كان».

وتضيف: «أنا ابنة هذه البيئة، وأدرك جيداً ما يُقال بين الناس عندما يتحدثون عن وجعهم، لكن لا يُسمح لنا بالتعبير عن هذا الألم بصوت عالٍ، وإلا نُصنَّف على أننا خائنون». وتتابع: «بيتي الذي بنيناه أنا وزوجي طوال عشر سنوات في الجنوب دُمّر، وخسر زوجي محله، وأنا اليوم أنظر إلى أولادي ولا أعرف أين أذهب بهم ولا كيف سيكون مستقبلهم ولا أعرف من سيعوّض علينا خساراتنا».

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت التي تحولت إلى مركز للنازحين (إ.ب.أ)

سردية مفروضة وكبت منظّم

وأمام هذا الواقع، تقول الدكتورة في علم الاجتماع منى فياض لـ«الشرق الأوسط»: «ما يجري اليوم في البيئة التي يسيطر عليها (حزب الله) هو سياسة كمّ الأفواه، ضمن سردية يُراد فرضها بالقوة». وتشير إلى أنه «في السابق، كان هناك نوع من النجاحات التي يقوم بها (حزب الله) تغطي على الخسائر، وكانت هناك جهات منظمة من قبل الحزب قادرة على مواساة العائلات نفسياً ومادياً، ما كان يساعد على احتواء الخسارات وإعطائها معنى عبر شعارات كتحرير القدس أو غيرها، وهي ما كانت تدفع الناس إلى كتم وجعهم والتعبير عنه ضمن هذا الإطار، أما اليوم فبدأ الوضع يتبدّل شيئاً فشيئاً، وبدأت الناس تتجرأ على رفع صوتها، وهو ما يجعل حملات التخوين ترتفع ضدّها».

وجع متعدّد المستويات وانفجار مؤجّل

وتتحدث فياض عن معاناة اللبنانيين بشكل عام وأبناء الجنوب والضاحية والمناطق التي تتعرض للقصف بشكل أساسي وتقول: «الناس موجوعة على أصعدة عدة، وكل اللبنانيين يعيشون حالة انتظار صعبة، في ظل عدم القدرة على التخطيط للمستقبل، وهو من أصعب ما يمكن أن يعيشه الإنسان». وتضيف: «نحن اليوم في المجهول ومهددون أمنياً واقتصادياً».

وتشير إلى أن «أبناء الجنوب والضاحية الذين يخسرون منازلهم يعانون معاناة مزدوجة، في ظل انعدام الأمان والنزوح وعشرات آلاف المنازل المدمرة التي تجعلهم غير قادرين على معرفة مصيرهم».

فادي الزين (يسار الصورة) الذي فقد منزليه في غارات إسرائيلية على قريته الخيام في جنوب لبنان يبحث بين أنقاض منزله المتضرر أيضاً في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

وتضيف فياض: «هؤلاء يحملون ثقلاً كبيراً، وممنوع عليهم التعبير، لكن الضغط لا بد أن ينفجر في مكان ما، والمشكلة أنه لا أفق أمامهم، في ظل تراجع الدعم، وتحول الخسائر إلى أرقام لا قيمة لها، وعدم الاعتراف بالهزيمة». وتوضح: «المعايير انقلبت بالنسبة إليهم، ورغم ذلك بدأت الأصوات تخرج، لكن الصدمة لا تزال مسيطرة، والناس لم تستوعب حتى الآن ما حصل ولا يعرفون مصيرهم، لكن مع الوقت، ومع اتضاح الصورة، سيخرج هذا الألم إلى العلن بأشكال مختلفة للأسف، من أمراض نفسية وجسدية إلى انهيارات عصبية».