114 قتيلاً وأكثر من 300 مصاب بحريق خلال حفل زفاف في العراق

توقيف 9 أشخاص من العاملين في القاعة وإصدار مذكرات قبض بحقّ المالكين

TT

114 قتيلاً وأكثر من 300 مصاب بحريق خلال حفل زفاف في العراق

جنود ومُسعفون يتجمعون لمحاولة إنقاذ ضحايا الحريق بمحافظة نينوى (أ.ف.ب)
جنود ومُسعفون يتجمعون لمحاولة إنقاذ ضحايا الحريق بمحافظة نينوى (أ.ف.ب)

أعلن «الهلال الأحمر العراقي» ارتفاع حصيلة قتلى ومصابي حريق نينوى إلى أكثر من 450 شخصاً، من بينهم 114 قتيلاً على الأقل.

وكانت وسائل إعلام عراقية قد ذكرت، في وقت سابق، أن ما لا يقل عن 100 شخص لقوا حتفهم، وأُصيب أكثر من 150 في حريق بحفل زفاف في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى، في حين توقعت مصادر محلية ارتفاع عدد الوفيات.

مواطنون يتفقدون الأضرار بعد الحريق الذي شبّ خلال حفل زفاف في قضاء الحمدانية (أ.ف.ب)

وفي مستشفى الحمدانية العام، شاهد مصوّرُ «وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد منتصف الليل، سيارات إسعاف تهرع ذهاباً وإياباً لنقل المصابين، في حين تجمَّع أمام المستشفى عشرات الأشخاص، منهم أقرباء للضحايا، وآخرون سكّان جاؤوا للتبرّع بالدم.

ووقف آخرون كذلك أمام شاحنة برّاد تكدّست فيها أكياس سوداء وُضعت فيها جثث القتلى، وفق المصوِّر.

«ألعاب نارية»

تقول السلطات إن «الألعاب النارية» ومواد بناء «شديدة الاشتعال» تقف خلف هذا الحريق الذي التهم قاعة للأعراس حيث تجمّع مئات المدعوين للمشاركة بحفل زفاف في بلدة قرقوش المسيحية الواقعة شرق مدينة الموصل، وتعرف كذلك باسم الحمدانية.

وقال المتحدّث باسم الدفاع المدني العراقي العميد جودت عبد الرحمن إن من بين الضحايا «رجالا ونساء وأطفالا».

وأوضح الدفاع المدني أن «معلومات أولية» تشير إلى أن سبب الحريق هو «استخدام الألعاب النارية أثناء حفل الزفاف»، ما أدّى إلى «إشعال النيران داخل القاعة بادئ الأمر»، ثمّ انتشر «الحريق بسرعة كبيرة».

وأضاف، في بيان، أن القاعة «مغلّفة بألواح الإيكوبوند»؛ وهي مادّة للبناء مكوّنة من الألمنيوم والبلاستيك و«سريعة الاشتعال»، موضحاً أن استخدام هذه الألواح في البناء «مخالف لتعليمات السلامة» المنصوص عليها قانوناً.

ووفق «الدفاع المدني»، فإن «الحريق أدّى إلى انهيار أجزاء من القاعة، نتيجة استخدام مواد بناء سريعة الاشتعال واطئة الكلفة تتداعى خلال دقائق عند اندلاع النيران».

وتابع «الدفاع المدني» بأن ما فاقم الأمر هو «الانبعاثات الغازية السامّة المصاحبة لاحتراق ألواح الإيكوبوند البلاستيكية السريعة الاشتعال».

وصباح اليوم، كان عناصر شرطة ودفاع مدني يتفقدون صالة الأعراس المحترقة تماماً، والتي تحوّلت إلى هيكل من الحديد المحترق، كما شاهد مصوّر من «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويروي مارتن إدريس البالغ من العمر 19 عاماً الذي يعمل في مطبخ القاعة ونجا من الحادثة: «اعتقدت أن انفجارا حصل في القاعة»، مضيفاً أن «النيران التهمت القاعة».

وتابع الشاب: «حينما دخلت إلى القاعة من جديد رأيت جثث ثلاثة أطفال محترقين»، عاداً أن إجراءات السلامة في المكان «لم تكن كافية».

وبحسب المتحدث باسم الدفاع المدني، فإن ما تسبب بهذا العدد الكبير من الضحايا هو أن «مخارج الطوارئ كانت مغلقة، والمتبقي باب واحد هو الباب الرئيسي لدخول وخروج الضيوف». وأضاف أن «معدات السلامة غير ملائمة وغير كافية للمبنى»، ما فاقم أيضاً من حدة الأعداد.

ومن بين الجرحى رانيا وعد (17 عاماً) التي أصيبت بحرق في يدها، ونُقلت إلى مستشفى الحمدانية مع شقيقتها المصابة أيضاً؛ لتلقّي العلاج.

وقالت الشابة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن العروسين «كانا يرقصان... حين طارت الألعاب النارية إلى السقف واشتعلت القاعة كلها».

وأضافت: «بعد ذلك لم نعد نرى شيئاً، اختنقنا فقط، ولم نعد نعرف كيف نخرج»، مؤكّدة أن عدد المدعوّين إلى حفل الزفاف «كان كبيراً جداً».

وشاهد مصوّرُ «وكالة الصحافة الفرنسية» عناصر الدفاع المدني والشرطة وهم يفتّشون بمساعدة أضواء هواتفهم الجوالة ومصابيح يدوية، أنقاض القاعة المحترقة، وسط ركام الكراسي المعدنية، في حين لم يبق من سقف القاعة إلا هيكلها الحديدي.

«جهود إغاثة»

وعلى أثر المأساة، قال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في بيان، إنّه طلب من «وزيري الداخلية والصحة استنفار كلّ الجهود، لإغاثة المتضرّرين جرّاء الحادث المؤسف».

وأعلنت وزارة الصحة بدورها «استنفار دوائر الوزارة في محافظة نينوى، والدوائر المجاورة لها، لإسعاف وعلاج المصابين»، و«إرسال شحنات تعزيزات طبية من بغداد والمحافظات الأخرى».

وأكد مدير دائرة الإعلام والعلاقات العامة في وزارة الداخلية سعد معن أنه تمّ «توقيف تسعة أشخاص من العاملين في القاعة كإجراء احترازي وإصدار مذكرات قبض بحقّ أربعة هم المالكون لهذه القاعة»، على أثر هذه الحادثة.

شاب عراقي يعاني من حروق يخضع للعلاج بعد الحريق في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى (د.ب.أ)

والحمدانية، التي تُعرَف أيضاً باسميْ قرقوش وبغديدا، هي بلدة مسيحية يتحدّث سكّانها لهجة حديثة من الآرامية، وقد زارها البابا فرنسيس في مارس (آذار) 2021، خلال جولته التاريخية في العراق.

ولحق دمار كبير هذه البلدة على أيدي تنظيم «داعش»، الذي سيطر على مناطق شاسعة من العراق بين عامي 2014 و2017.

وغادر هذه البلدة غالبية أبنائها عندما وقعت في قبضة تنظيم «داعش»، لكنّهم عادوا إليها تدريجياً منذ أعلن العراق انتصاره على الإرهابيين، وأُعيد إعمارها منذ ذلك الحين.

الوضع «مسيطَر عليه»

من جهتها، أكدت وزارة الصحة أن الوضع مسيطَر عليه في دائرة صحة نينوى، لافتة إلى أن هناك متابعة دقيقة من مركز العمليات في الوزارة لإسعاف المصابين جراء الحريق.

وقال المتحدث باسم الوزارة، سيف البدر، في تصريح صوتي تلقّته «وكالة الأنباء العراقية (واع)»، إنه «بتوجيه مباشر من قِبل وزير الصحة، فإن جميع دوائر الصحة مستنفَرة لتقديم الدعم لدائرة صحة نينوى»، مؤكداً أن «الوضع مسيطَر عليه بحدود دائرة صحة نينوى».

وأضاف أن «الدعم وصل من جميع المحافظات المجاورة وإقليم كردستان إلى دائرة صحة نينوى»، لافتاً إلى أن «هناك متابعة للإسعافات الأولية المقدَّمة للمصابين ووفق نوع الإصابة، حيث إن بعض الحالات تكون بسيطة إلى متوسطة، وأخرى تكون صعبة تُحال إلى المراكز التخصصية».

المكان الذي اندلع فيه الحريق بمحافظة نينوى (رويترز)

وغالباً ما لا يجري الالتزام بتعليمات السلامة في العراق، ولا سيّما في قطاعي البناء والنقل، كما أن البنى التحتية في هذا البلد متداعية نتيجة عقود من النزاعات، ما يؤدّي مراراً إلى اندلاع حرائق وكوارث مميتة أخرى.

وفي أبريل (نيسان) 2021، قضى أكثر من 80 شخصاً جراء حريق في مستشفى لمرضى «كوفيد» في بغداد نجم عن انفجار أسطوانات أكسجين.

وبعد ذلك ببضعة أشهر، في يوليو (تمّوز) من العام نفسه، لقي 64 شخصاً حتفهم جرّاء حريق في مستشفى بالناصرية في جنوب العراق اندلع في جناح لمرضى «كوفيد».


مقالات ذات صلة

سويسرا تطالب إيطاليا بتكاليف علاج ضحايا حريق ليلة رأس السنة

أوروبا سويسريون يشعلون الشموع أمام حانة في منتجع تزلج سويسري اشتعلت بها النيران ليلة رأس السنة (رويترز) p-circle

سويسرا تطالب إيطاليا بتكاليف علاج ضحايا حريق ليلة رأس السنة

قال المكتب الحكومي المسؤول عن شؤون التأمينات الاجتماعية في سويسرا إن الحكومة ستطالب روما بتغطية تكاليف علاج مواطنين إيطاليين أصيبوا في حريق إحدى الحانات.

«الشرق الأوسط» (برن)
أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
المشرق العربي دخان يتصاعد من مستودع نفطي على مشارف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق في أعقاب غارة بطائرة مسيّرة 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle 00:30

هجوم مُسيّرات يشعل حريقاً في مستودع شركة بريطانية بكردستان العراق

نشب حريق في مستودع للزيوت تابع لشركة بريطانية بإقليم كردستان العراق، صباح الأربعاء، جرّاء هجوم بمسيّرات لم يخلّف ضحايا.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
يوميات الشرق منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صحافيون يتجمّعون خارج مبنى اندلع فيه حريق أسفر عن مقتل 5 أشخاص في مانليو بالقرب من برشلونة 17 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل 5 أطفال جراء حريق بغرفة تخزين في إسبانيا

قال مسؤولون، الثلاثاء، إن حريقاً اندلع في غرفة تخزين في الطابق العلوي من مبنى سكني بشمال شرقي إسبانيا، ما أسفر عن مقتل خمسة أطفال حوصروا داخل الغرفة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.