في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، صدم رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي عائلات المغيبين الذين اختفى أثرهم خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، وقال إنهم «مغدورون فارقوا الحياة»، وقبل ذلك التصريح المتلفز، كان قادة الإطار التنسيقي يتجنبون الكشف عن مصيرهم، بينما كان الاعتقاد السائد في المدن المحررة بأن هؤلاء سيعودون يوماً إلى منازلهم.
بعد نحو تسعة شهور، نكأ رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي الجرح نفسه مرة ثانية، حين أكد أنه رفض التوقيع على بند في الاتفاق السياسي يقر بمنح تعويضات لقتلى «داعش» باعتبارهم «شهداء»، ليشتعل الجدل السياسي حول موقفه، وتبين لاحقاً أنه كان يرفض اعتبار «المغيبين شهداء»، وفقاً لتوضيح صدر لاحقاً من تحالفه «النصر»، نقلته وسائل إعلام محلية.
وبين عامي 2016 و2020، يقدر عدد الذين غيبوا خلال العمليات العسكرية في مدن غرب العراق وشماله بنحو مليون شخص، وفقاً لبيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وعجز الصحافيون العراقيون، والمنظمات الدولية عن اقتفاء أثرهم طوال السنوات الماضية، لكن تقارير أشارت إلى أنهم راحوا ضحية مجازر ارتكبتها فصائل مسلحة خلال معارك التحرير من تنظيم «داعش»، ويقول عسكريون ميدانيون إن مجموعات مسلحة كانت «تمشط قرى وقصبات باعتقال جميع سكانها من الرجال وتقوم بقتلهم لاحقاً، لأنها تعجز عن فرز الإرهابيين عن المدنيين».
وتقول تقارير صحافية إن مئات اقتادتهم الميليشيات من قراهم في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى إلى سجون سرية خارج سلطة الدولة، ويعتقد أنهم تعرضوا هناك إلى التصفية.
وقال نواب من أحزاب سنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» إن محاولات الكشف عن مصير هؤلاء قادتهم إلى اليأس، فيما كانت الأحزاب الشيعية ترفض التعاون للتحقيق في هذا الملف، وأوصلت أخيراً رسالة غير مباشرة خلال اجتماعات عاصفة أنه «بالإمكان اعتبارهم قتلى».
واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في 2015، ميليشيات مسلحة بأعمال القتل الوحشية في مدن محافظة صلاح الدين، وهي كل من «فيلق بدر» و«لواء علي الأكبر» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«سرايا الخرساني» و«جند الإمام»، عقب استعادة القوات العراقية السيطرة على مدينة تكريت (مركز صلاح الدين) شمال بغداد.
ويرى ناشطون عراقيون أن الفعاليات السياسية والحكومة العراقية تواطأت لإخفاء الملف طوال السنوات الماضية، لكن التسوية السياسية الأخيرة التي قادت إلى تشكيل حكومة محمد شياع السوداني «أقفلت القضية ضد مجهول واكتفت بتعويض عوائل المغدورين برواتب من مؤسسة الشهداء»، وفقاً لقيادي في الإطار التنسيقي.
ومع ذلك، لم تحظَ هذه التسوية بقبول قيادات مثل العبادي، الذي وجد تحالفه أن تعويض هؤلاء سيمثل دعماً للإرهاب، لأن «غالبية المغيبين عملوا لدى تنظيم داعش»، لكن الرجل يبدو أنه اضطر إلى استخدام هذا الملف الحساس كجزء من حملة هجومية يشنها منذ أسبوع ضد حلفائه في الإطار التنسيقي، على بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات المحلية.
وقال رئيس لجنة الشهداء النيابية حسن سالم، في منشور على منصة «إكس»، إنها «لن تسمح لأي اتفاق سياسي بتحويل قتلى (داعش) إلى شهداء (...) لأن هذا الأمر سيكون من أحلام اليقظة»، مشيراً إلى أنه «سيعمل مع مؤسسة الشهداء لإيقاف كل المعاملات التي تروج التعويضات للإرهابيين».
