حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري قال لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لا يستطيع أن يتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
TT

حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)

قد لا يكون منصفاً مقارنة 30 سنة قضاها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في إدارة السياسة المالية بـ30 يوماً قضاها نائبه وسيم منصوري في الموقع، بعد إعلان القوى السياسية اللبنانية عجزها عن تعيين بديل لسلامة الذي يواجه إجراءات قضائية في لبنان وأوروبا وعقوبات أميركية ترتبط كلها بطريقة إدارته للملفات المالية.

لكن منصوري، الآتي إلى عالم المال من خلفية حقوقية، بدأ سريعاً بـ«هدم» السياسات المالية للحاكم السابق، في مواجهة عوامل متناقضة، فكان أمام امتحان ضبط سعر صرف الليرة مقابل الحرص على تمويل الدولة بالعملة الصعبة، وهو ما بدا أنه نجح فيه إلى حد كبير، مع ملاحظة لافتة تتعلق بشفافية الأرقام التي بدأت تظهر في بيانات المصرف نصف الشهرية.

ونجح منصوري في ضبط سعر صرف الليرة الذي كان البعض يتوقع أن يشهد انهياراً لافتاً مع رحيل سلامة، لكن هذا النجاح مؤقت، ويحتاج إلى تدعيم بإجراءات حكومية ونيابية تسهم في إعادة التوازن إلى المالية العامة للدولة. ويعمل منصوري حالياً على إكمال منصة جديدة «أكثر شفافية» لتحويل العملات، فيما يستبشر كثيرون بالتجاوب الخارجي مع سياساته وأكثرها تعبيراً عودة كثير من المصارف المراسلة إلى التعامل مع مصرف لبنان، بعد أن أحجمت عن ذلك في الفترة السابقة، بينها مصرفا «سيتي بنك» و«مورغان ستانلي».

أول إجراءات منصوري كانت بحق الدولة اللبنانية التي كانت تغرف من أموال مصرف لبنان بداية، ثم من احتياطاته النقدية العائدة للمودعين في المصارف اللبنانية، ما تسبب بانهيار مالي كبير في أواخر عام 2019 لم تخرج البلاد منه حتى اليوم.

فترة سماح

في المؤتمر الصحافي الأول، الذي عقده منصوري قبل يوم من نهاية ولاية سلامة، قال إنه مستعد لإعطاء فترة سماح للدولة للانتقال، كي لا يقطع التمويل عنها نهائياً. اقترح منصوري إعطاء الدولة قرضاً لـ3 أو 6 أشهر للمرة الأخيرة، ضمن آلية لتسديد القرض، لكن الحكومة والقوى السياسية لم تتجاوب بإصدار قوانين بهذا الإطار، فلجأ منصوري إلى خطة بديلة، فهذا الشهر سدد مصرف لبنان رواتب القطاع العام بالدولار بشراء الدولارات من السوق بليرات حولتها الحكومة إلى مصرف لبنان، وبالتالي لم يطبع أموالاً إضافية، ولا اضطر لاحقاً لسحب أموال الاحتياطي لإعادة الهدوء إلى السوق، كما كان يحصل سابقاً.

كانت الفكرة تغطية العجز مقابل الإصلاحات على قاعدة إعطاء الحكومة وقتاً لتحصل على الأموال من صندوق النقد أو أي مصدر آخر تقترحه الدولة، فيما يؤمن مصرف لبنان الانتظام المالي في مقابل تأمين القوانين الإصلاحية والضمانات للمودع.

لكن منصوري يجزم بأنه «طالما لم تؤمن كل تلك المطالب، فلن أقرض أحداً». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن لا رجوع إطلاقاً عن وقت تمويل الدولة، «لأنني أسعى لإعادة الانتظام لمالية الدولة. هذا القرار حاسم وليس سهلاً لكنني لن أتراجع عنه». ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بتأكيده أنه «حتى لو صدر قانون بمجلس النواب بالاستدانة، ولم تكن هناك قوانين إصلاحية في مقابلها، لن أصرف الأموال. هذا حقي بالقانون. لا قانون يلزمني بالدفع. هناك قانون يجيز لي استخدام أموال الناس لإقراض الدولة، لكنني لن أستخدم أموال الناس. أرفض استخدامها لسبب بسيط، لأنه إذا لم تقترن بالإصلاحات نكون نرميها في الهواء».

في الواقع، لا يمكن إعادة الانتظام لمالية الدولة دون الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية. المشكلة أنه في المرات الماضية، كانت الدولة تعتمد على أموال مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتغطية عجز الموازنة. والمشكلة الكبرى أن حجم الاعتماد كان كبيراً لدرجة أنه استنزف مخزون المركزي من العملة الصعبة إلى درجة النضوب، وفي المرحلة الأخيرة كان هذا المخزون للمودعين وليس للمصرف المركزي، وهو أوصل إلى فجوة مالية كبيرة جداً تقتضي العمل على معالجتها.

معالجات الموازنة العامة للدولة لعام 2023 حتى هذه اللحظة، خرجت بعجز معلن قدره 46 تريليون ليرة، أي 500 مليون دولار، رغم أنه يفترض أن تكون متوازنة. ويرى منصوري أن العجز سيتجاوز ذلك.

وينقل زوار منصوري عنه قوله إن هذا العجز يجب أن تتم تغطيته، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة. هذه المعضلة - كما ينقل عن الحاكم بالإنابة - لا تُعالج إلا بإطار قانون جديد مختلف عن إطار المعالجة السابقة، حيث يجب أن يتم العمل على الموازنة بشكل جدي لتكون بلا عجز، حتى لو تأخرنا بذلك لفترة معينة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان ثمة استحالة لإنجاز موازنة من دون عجز، في حين أن مصرف لبنان اتخذ قراراً نهائياً بعدم تغطية أي عجز، فكيف ستتم تغطيته؟ الجواب البديهي أن هذا العجز لا يمكن تغطيته إلا من خلال برنامج مع صندوق النقد الدولي بعد إنجاز الإصلاحات المطلوبة من قبله، لأنه من دونها، لا انتظام لمالية الدولة ولا أمل للمودع بتحصيل وديعته. أو من خلال مورد خارجي آخر، وهذا من شأن الحكومة إيجاده لا مصرف لبنان.

وفي ملف أموال المودعين، يشدد منصوري على أنه «لا يمكن معاملة الناس كما يعاملون الآن. هذه قلة احترام للناس، وقلة قيمة للدولة». ويقول كما ينقل عنه زواره: «في أموال المودعين، تجب مصارحة الناس بالملف، والعمل بجد لإيجاد حلول جدية، وهذا الأمر لا يتم إلا بموجب القوانين التي أطالب بها. القوانين الإصلاحية، وهي (الكابيتال كونترول)، وإعادة هيكلة المصارف، وقانون التوازن المالي. هذه القوانين الثلاثة مع الموازنة التي تخفف العجز إلى أقصى حد، إذا أنجزت، يمكن إيجاد توازن».

وسيم منصوري (د.ب.أ)

الاقتصاد النقدي ومخاطره:

منذ بدء الأزمة واحتجاز أموال المودعين في المصارف، فقد اللبنانيون الثقة بهذا القطاع، وذهبوا نحو اقتصاد نقدي له كثير من المخاطر. يقول منصوري لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتصاد النقدي الذي يعيشه البلد، لا يمكن ولا يجب أن يستمر. أنا كمصرف مركزي لا يمكن أن أستمر بشراء الدولار من السوق إلى ما لا نهاية. ويجب أن أتأكد من كل مصادرها. بالنهاية، الاقتصاد النقدي، سيقضي على البلد. نحن بحاجة لمساعدة. لكن إذا لم نساعد أنفسنا، فمن سيساعدنا؟».

وفي محاولة للخروج من هذه الأزمة، قام مصرف لبنان بإصدار التعميم رقم 165 الذي أتاح فتح حسابات «فريش» بالدولار والليرة، لنقل السوق الموازية إلى القطاع المصرفي، بما يتيح لمصرف لبنان المراقبة والتأكد من مصدر الأموال في البلد وتفعيل إجراءات مكافحة تبييض الأموال. لكن إذا لم تحصل أي حلول قانونية جذرية، تتيح للقطاع المصرفي العمل بفاعلية، فستبقى ضمن اقتصاد الكاش. الأمور كلها مترابطة، يقول منصوري: «تنجز القوانين الإصلاحية، تنتظم مالية الدولة، المودع يعرف كيف ومتى سيحصل على أمواله، تستعاد الثقة بالمصارف، عندها تدفع هذه الثقة الناس لإعادة جزء من أموالها إلى المصارف، وهو ما يتيح لمصرف لبنان، كمنظم للقطاع المصرفي، أن يضع شروطاً أقوى للحد من اقتصاد الكاش والعودة للعمل عبر المصارف». ويحذر منصوري من أن «الاقتصاد النقدي يمثل خطراً على الدولة ككل».

العلاقات مع الخارج

يجزم منصوري لزواره بأن «لبنان لا يستطيع أن يستمر ويتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي الطبيعي. كل ما تسمعه من الدول الصديقة للبنان، يدعونا لإيجاد حل سياسي، وسيجدوننا إلى جانبهم. هذا الملف ليس بيدي، لكن من واجباتي دعوتهم لإنجاز القوانين المتصلة بالنقد والإصلاحات لإعادة بناء الاقتصاد. أعتقد أنه إذا هذا القطاع تم بناؤه، باقي الأمور ستحل».

منصة جديدة

من سياسات منصوري المختلفة، وقف العمل بمنصة «صيرفة» التي اعترى عملها كثير من الشوائب، مقابل آلية جديدة يتم إنجازها مع وكالة «بلومبرغ» العالمية، وسيتم من خلالها تبادل العملات الأجنبية والمحلية بصيغة أكثر شفافية ووضوحاً. «صيرفة» أصلاً لم تعد متاحة للتجار ورجال الأعمال الذين حققوا مكاسب كبيرة منها، وباتت فقط لموظفي الدولة. يوم الأربعاء ستكون منصة التداول الجديدة بنداً على جدول مجلس الوزراء لإقرارها، وبعدما سجل 13 مصرفاً عليها، ستبدأ المصارف الأخرى التسجيل عليها للدخول إلى سوق تداول.

هذه الآلية عندما تتكامل، ستصبح لدينا منصة تحدد سعر صرف الدولار، وتحقق انتظاماً لسعر صرفه. يؤكد منصوري أنه من الناحية النقدية وحجم الكتلة النقدية بالليرة يمكن القول إن سعر الصرف مضبوط في المدى المنظور. ويقول: «طالما أنني أضبط الكتلة النقدية في المركزي، فلا خوف من انفلات بسعر صرف الدولار».

إجراءات منصوري لضبط العملة بدأت بالإحجام عن «التغول في شراء الدولارات من السوق، مقابل خفض حجم الكتلة النقدية التي انخفضت من 80 إلى 60 تريليون ليرة في أول أغسطس (آب) الماضي (نحو نصف مليار دولار). بالتوازي تقوم القوى الأمنية بضبط المضاربين بالسوق، وباتت تعرفهم. أي متلاعب بالسوق يتم القبض عليه. كما أن مصرف لبنان طلب من المصارف بألا تصرف أكثر من 50 مليار ليرة باليوم الواحد لزبائنها. أما وزارة المال فلا تضخ ليرة بالسوق قبل التنسيق مع مصرف لبنان، علماً بأن وزارة المالية جمعت في أغسطس وحده نحو 20 تريليون ليرة، بينها ما يفوق 11 تريليون نقداً».

السؤال الكبير: هل تستطيع الحكومة تدبير أمورها بالمبلغ الذي يؤمنه لها مصرف لبنان؟ يقول منصوري: «هنا السؤال الكبير، وإذا لم ننجز الإصلاحات، فلا نستطيع أن نستمر بهذا الوضع مع عودة التلاميذ إلى المدارس وتراجع عرض الدولارات في السوق».

يجزم منصوري بأن «الوضع النقدي مضبوط على أسس علمية». ويقول: «ما أقوم به هو وسائل نقدية تقليدية لا تكلف المصرف المركزي سنتاً واحداً»، ولعل هذا الأمر يشكل فارقاً كبيراً عما كان يحصل من قبل.

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أ.ب)

ورداً على اتهامات تساق لمنصوري وبقية نواب الحاكم، بأنهم كانوا جزءاً من سياسات رياض سلامة، فقد أصبح من الواضح بالرجوع إلى ما أصبح معلوماً من مداولات المجلس المركزي أن أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان كانوا يعترضون على كثير من الإنفاق الحاصل، لكن القانون يعطي الحاكم سلطة تنفيذية واسعة مستقلة عن المجلس المركزي، وبالتالي كان نواب الحاكم يعترضون على إقراض الدولة، وأصدر المجلس قراراً أُبلغ للحكومة في عام 2021، أن كل دولار يُطلب هو من الاحتياطي، لكن للأسف استمر الدفع. وقد نشر في الإعلام بعض من هذه المراسلات.



«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

قال ياسر السليمان المتحدث باسم وفد «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، والذي يتفاوض مع الحكومة السورية، إنه من المتوقع بدء تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس (آذار) خلال أيام.

وأضاف المتحدث في تصريحات نقلها تلفزيون سوريا اليوم (الخميس) أن الطرف الأميركي سيكون حاضراً في الإشراف على تنفيذ الاتفاق مع الحكومة.

وتابع السليمان أن سوريا «لا تحتمل سوى جيش واحد بتشكيلات متنوعة»، حسب تعبيره.

وأضاف: «نعوّل على وطنية الرئيس أحمد الشرع وحرصه على أن تتحقق عملية الدمج من أجل التفرغ لبناء سوريا كما يليق بتضحيات السوريين».

طريق يؤدي إلى مناطق خاضعة لسيطرة «قسد» و«الإدارة الذاتية» (الشرق الأوسط)

ورداً على سؤال حول النفط، قال المتحدث باسم الوفد المفاوض لـ«الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا إن المشتقات النفطية ستكون في متناول جميع السوريين ضمن مؤسسات الدولة، لكنه أشار إلى أن جزءاً من عائدات المشتقات النفطية سيخصص للمناطق التي تُستخرج منها.

وأشار المتحدث إلى أن «هناك الكثير من الخلافات مع تركيا، ونطمح لحلها عبر بنية الدولة السورية».


الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية  (القوات المسلحة الأردنية)
اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية (القوات المسلحة الأردنية)
TT

الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية  (القوات المسلحة الأردنية)
اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية (القوات المسلحة الأردنية)

لا تملك المصادر الأردنية إجابات محددة عن التقديرات الرسمية للخطر القادم من الجنوب السوري بعد أن انتعشت الفوضى فيه مجدداً، بسبب تضارب المصالح لمجموعات وفصائل مسلحة وتجار مخدرات، واستمرار المحاولات الإسرائيلية في خلق واقع جديد يخدم مشروع تقسيم سوريا.

ومؤخراً، عاد سلاح الجو الأردني التابع للقوات المسلحة (الجيش العربي) لقصف بؤر تجارة المخدرات في الجنوب السوري. وعلى مدى يومين، الشهر الماضي، نفذت طائرات سلاح الجو ضربات موجهة لمجموعات من مصنّعي ومروّجي مواد مخدرة في الداخل السوري.

وعشية 25 ديسمبر (كانون الأول)، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أنها تعاملت «مع عدد من الجماعات التي تعمل على تهريب الأسلحة والمواد المخدرة على الواجهة الحدودية الشمالية للمملكة»، مبينة أنها تجري تقييماً للموقف عملياتياً واستخبارياً لتحييد تلك الجماعات والتعامل معها، ومنع مختلف أشكال التسلل والتهريب للأسلحة والمخدرات، في إطار دورها في حماية أمن واستقرار المملكة.

وعلى الرغم من تنفيذ سلاح الجو الأردني عدداً من الضربات في الجنوب السوري من دون إعلان رسمي خلال عامَي 2023 و2024، فقد شكّل الإعلان العسكري عن تنفيذ ضربة جوية استهدفت مجموعات إرهابية محسوبة على تنظيم «داعش»، محاولة استعادة نفوذ الأردن في الجنوب السوري، وضرب مهربين وخطوط إنتاج مواد مخدرة، في سابقة هي الأولى من نوعها خلال سنوات الحرب في سوريا.

لا تنفصل القصة عن سياق مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والذي انضمت له مؤخراً الجمهورية العربية السورية بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع للبيت الأبيض ولقائه الرئيس دونالد ترمب، قبل نحو شهر تقريباً.

بالنسبة لعمّان، فإن جهود مكافحة الإرهاب ستطول مجموعات إرهابية منتمية لجماعات متطرفة، إلى جانب ضرب بؤر صناعة وتجارة المخدرات في الجنوب السوري. لكن على ما يبدو، فإن معلومات مؤكدة دفعت القوات المسلحة الأردنية لتنفيذ ضربة جوية استباقية تحول دون عودة محاولات تهريب المواد المخدرة من الجنوب السوري نحو المملكة.

ويتزامن ذلك مع دخول فصل الشتاء الذي ينشط فيه المهربون بسبب محدودية الرؤية في الأجواء الماطرة والضباب الكثيف، الأمر الذي يرفع من تكلفة حماية الحدود من جانب واحد.

وأحبطت قوات حرس الحدود محاولات تهريب بواسطة المسيّرات و«البالونات» التي حملت كميات من مواد مخدرة وتم إسقاطها. كما أحبط الجيش على الحدود عشرات محاولات تسلل مهربين وعناصر مسلحة قادمة من الجنوب السوري.

تفاهمات أمنية

أكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق، كان موقف الأردن واضحاً «إلى جانب الشعب السوري وتقديم كل أشكال الدعم والمساندة لتحقيق أمن سوريا واستقرارها، وتلبية تطلعات شعبها نحو مستقبل أفضل».

تضيف المصادر أن المملكة تتعامل مع «الأمر الواقع»، بهدف تأمين المصالح الأردنية على الحدود المشتركة مع الجارة الشمالية سوريا، والتي يبلغ طولها نحو (375 كم) شكّلت على مدى سنوات الأزمة السورية قلقاً أمنياً مضاعفاً للمملكة، في حين بدأت الأزمة منذ وصول أولى دفعات اللاجئين السوريين الذين غادروا مدنهم بحثاً عن الأمن بعيداً عن الحرب.

سيدتان تنتظران المرور من معبر جابر إلى معبر نصيب بعد غياب طويل عن سوريا (أ.ف.ب)

وبينما قالت المصادر إن الأردن «ملتزم بمبدأ العودة الطوعية للاجئين السوريين»، فقد أكدت أنه منذ 8 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، عاد أكثر من 176 ألف لاجئ سوري من الأردن. وعلى الرغم من تراجع التمويل الدولي للدول المستضيفة، فإن المملكة قدمت «كافة الخدمات الأساسية لضمان العيش الكريم للاجئين السوريين».

موافقة سورية على دور أردني

وأبدت عمّان رسمياً دعمها للنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، وبادرت المملكة باستضافة اجتماعات عربية ودولية في مدينة العقبة الجنوبية منتصف ديسمبر 2024، بعد أيام من سقوط النظام، لبحث الأوضاع في سوريا والتنسيق بشأن سبل دعمها، ليكون وزير الخارجية أيمن الصفدي أول وزير خارجية عربي يزور دمشق بعد سقوط النظام، في رسالة واضحة تؤكد أن عمّان في مقدمة الدول الساعية لمساعدة سوريا، وفق ما أفادت به المصادر.

الشيباني والصفدي والمبعوث الأميركي توم برّاك خلال مؤتمر صحافي في دمشق حول خريطة طريق للسويداء (إ.ب.أ)

وتوضح المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن بناء الثقة مع النظام السوري الجديد، مكّن الأردن من العمل مع الحكومة السورية والولايات المتحدة لاحتواء أزمة السويداء عبر خريطة طريق متفق عليها تضمن أمن ووحدة وسيادة سوريا، في إطار دعم الأردن جهود الاستقرار الشامل. وعلى الرغم من التداعيات الحاصلة، ما يزال الأردن فاتحاً على قنوات اتصال مع قيادات في الجنوب السوري بحثاً عن مساندة جهود عودة الاستقرار لتلك المناطق دعماً لوحدة الأراضي السورية.

وكانت «الشرق الأوسط» نقلت في وقت سابق عن مصادر سياسية أردنية مطلعة، أن الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته الرسمية الأولى لعمّان في السادس والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، ولقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، قد «أبدى رغبته في أن يكون هناك دور أمني أردني في درعا»، بهدف مساعدة الحكم الجديد في بسط السيطرة على الأراضي السورية كافة، مما يعكس مدى مرونة وتجاوب التنسيق الأمني بين عمّان ودمشق في هذه الفترة.

التهريب من الجنوب السوري

في شهر أغسطس (آب) الماضي، نشرت «الشرق الأوسط» معلومات إحصائية تحدثت عن ارتفاع عدد عمليات التهريب عبر الحدود مع سوريا، في مقابل انخفاض حجم المواد المهربة، بسبب هروب «الفرقة الرابعة» بقيادة ماهر الأسد وميليشيات إيرانية، وأخرى محسوبة على «حزب الله» اللبناني أو تابعة للنظام السوري السابق.

مخدرات وأسلحة مهربة عبر الحدود السورية - الأردنية (القوات المسلحة الأردنية)

لكن مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن أن كميات كبيرة من المخدرات الموجودة في الجنوب السوري ما زالت في أيادي وسطاء يحاولون التخلص منها في ظل انخفاض الكميات المتوفرة في أسواق التهريب، بعد قتل عدد من كبار التجار والمهربين، وتدمير خطوط إنتاج وتصنيع حبوب «الكبتاغون» ومواد مخدرة مصنّعة كمادة «الكريستال».

وأظهرت بيانات نشرها الإعلام العسكري أنَّ القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) منعت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الماضي دخول 14 مليوناً و134 ألفاً و87 حبَّة مخدر، و92 كيلوغراماً و126 غراماً من المخدرات، و10 آلاف و603 كفوف من مادة الحشيش المخدر.

وفي إحصائية غطت المدة الزمنية من 1 يناير (كانون الثاني) إلى 16 يوليو (تموز) من العام الماضي، قال الإعلام العسكري بحسب بيانات منشورة، إن القوات المسلحة الأردنية أسقطت 310 طائرات من دون طيار محملة بالمخدرات، بمعدل 51 طائرة مُسيّرة شهرياً، أو نحو مسيّرتين يومياً، خلال هذه الفترة، وكشفت كل أساليب تجار المخدرات، وضبطت هذه الطائرات قبل أن تصل إلى وجهتها أو تعود إلى أوكار مرسليها.

طائرة مسيّرة من سوريا تحمل مخدرات أسقطها الجيش الأردني في يوليو 2023 (رويترز)

وبحسب البيانات أيضاً، نفذ تجار مخدرات 69 عملية تهريب، و69 عملية تسلل، واستخدموا 84 قطعة سلاح، وحاولوا تغيير أساليبهم واستخدام التكنولوجيا. في حين كشف الإعلام العسكري عن طرق جديدة لتهريب المواد المخدرة؛ فبعد إسقاط مقذوف قادم من الأراضي السورية، تم الكشف عن «بالونات» يتم التحكم بها عن بُعد حتى تصل إلى وجهتها. وبعد إسقاط «البالونات» التي حاولت العبور من الحدود، تبين أنها تحمل في أسفلها 500 غرام من مادة «الكريستال» المخدّر.


القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
TT

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

أكدت «دار الفتوى» في لبنان، الخميس، أنها لا تتدخل في المسار القضائي الذي يلاحق رجل دين متهماً بالاشتراك مع شخص آخر موقوف لدى السلطات اللبنانية بتهمة انتحال صفة مسؤول سعودي، ويتواصل مع شخصيات لبنانية بهذه الصفة.

كانت السلطات اللبنانية قد أوقفت الشهر الماضي، لبنانياً يدّعي أن اسمه «أبو عمر»، ينتحل صفة مسؤول سعودي، ويتواصل مع شخصيات لبنانية، مدعياً أنه يساعد في بلورة تحالفات انتخابية، وهي حادثة تكررت بأشكال مختلفة قبيل الاستحقاقات الانتخابية في لبنان في 2018 و2022، علماً بأن سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان كانت قد حذَّرت في بيان سابق لها من «التعامل مع مجهولين يقدمون أنفسهم على أنهم شخصيات سعودية اعتبارية». وإثر التوسع في التحقيق، أوقف القضاء اللبناني، الأربعاء، رجل دين بتهمة الاشتراك مع الموقوف في الجرم.

بيان «دار الفتوى»

وعلى أثر التوقيف، أعلن المكتب الإعلامي في «دار الفتوى» في بيان، أن قضية منتحل الصفة «وملاحقة كل متورط في عهدة القضاء»، مشدداً على أن «ما يجري من توقيف على ذمة التحقيق، لا تتدخل فيه (دار الفتوى) ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، لا من قريب ولا من بعيد، باعتبار ان مَن يُذكر اسمه (رجل الدين) غير موظف لدى دار الفتوى والمؤسسات التابعة لها».

ورداً على حملة استهدفت دار الفتوى بعد توقيف رجل الدين، أكد البيان أن حملة الافتراء والتشويه والأضاليل المبرمجة، تتناقض مع أخلاقيات التعامل مع دار الفتوى التي تعرف حق المعرفة ما يجب لها وعليها، وتتابع كل القضايا بدقة وتأنٍّ».

ادعاء يتكرر منذ 2018

ولا يُنظر إلى هذا الادعاء على أنه جديد، إذ تكرر قبيل انتخابات 2018 وانتخابات 2022 النيابية، ويتكرر الآن قبيل الانتخابات النيابية المزمعة في مايو (أيار) 2026، وتتابع السفارة السعودية لدى لبنان هذه الادعاءات من كثب، وتُحذر منها.

ففي عام 2018، حذّرت سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان من «أشخاص مجهولين يقدمون أنفسهم في لبنان على أنهم شخصيات سعودية اعتبارية، أو ممثلين لجهات معينة، أو باحثين، وغير ذلك، ويعقدون لقاءات مع شخصيات لبنانية مختلفة لأهداف غير معروفة، واتضح أن بعضهم لا يحمل الجنسية السعودية».

وأهابت السفارة بـ«ضرورة التثبت من هويات تلك الشخصيات وصفاتها قبل التعامل معها»، ورحبت «بالتنسيق معها والاستفسار عن أي شخص يدَّعي أنه يمثل جهة سعودية»، كما حذرت من التعامل مع تلك الشخصيات المجهولة. ويكرر سفير المملكة لدى لبنان وليد بخاري، موقف بلاده الداعم لاستقرار لبنان، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.