حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري قال لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لا يستطيع أن يتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
TT

حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)

قد لا يكون منصفاً مقارنة 30 سنة قضاها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في إدارة السياسة المالية بـ30 يوماً قضاها نائبه وسيم منصوري في الموقع، بعد إعلان القوى السياسية اللبنانية عجزها عن تعيين بديل لسلامة الذي يواجه إجراءات قضائية في لبنان وأوروبا وعقوبات أميركية ترتبط كلها بطريقة إدارته للملفات المالية.

لكن منصوري، الآتي إلى عالم المال من خلفية حقوقية، بدأ سريعاً بـ«هدم» السياسات المالية للحاكم السابق، في مواجهة عوامل متناقضة، فكان أمام امتحان ضبط سعر صرف الليرة مقابل الحرص على تمويل الدولة بالعملة الصعبة، وهو ما بدا أنه نجح فيه إلى حد كبير، مع ملاحظة لافتة تتعلق بشفافية الأرقام التي بدأت تظهر في بيانات المصرف نصف الشهرية.

ونجح منصوري في ضبط سعر صرف الليرة الذي كان البعض يتوقع أن يشهد انهياراً لافتاً مع رحيل سلامة، لكن هذا النجاح مؤقت، ويحتاج إلى تدعيم بإجراءات حكومية ونيابية تسهم في إعادة التوازن إلى المالية العامة للدولة. ويعمل منصوري حالياً على إكمال منصة جديدة «أكثر شفافية» لتحويل العملات، فيما يستبشر كثيرون بالتجاوب الخارجي مع سياساته وأكثرها تعبيراً عودة كثير من المصارف المراسلة إلى التعامل مع مصرف لبنان، بعد أن أحجمت عن ذلك في الفترة السابقة، بينها مصرفا «سيتي بنك» و«مورغان ستانلي».

أول إجراءات منصوري كانت بحق الدولة اللبنانية التي كانت تغرف من أموال مصرف لبنان بداية، ثم من احتياطاته النقدية العائدة للمودعين في المصارف اللبنانية، ما تسبب بانهيار مالي كبير في أواخر عام 2019 لم تخرج البلاد منه حتى اليوم.

فترة سماح

في المؤتمر الصحافي الأول، الذي عقده منصوري قبل يوم من نهاية ولاية سلامة، قال إنه مستعد لإعطاء فترة سماح للدولة للانتقال، كي لا يقطع التمويل عنها نهائياً. اقترح منصوري إعطاء الدولة قرضاً لـ3 أو 6 أشهر للمرة الأخيرة، ضمن آلية لتسديد القرض، لكن الحكومة والقوى السياسية لم تتجاوب بإصدار قوانين بهذا الإطار، فلجأ منصوري إلى خطة بديلة، فهذا الشهر سدد مصرف لبنان رواتب القطاع العام بالدولار بشراء الدولارات من السوق بليرات حولتها الحكومة إلى مصرف لبنان، وبالتالي لم يطبع أموالاً إضافية، ولا اضطر لاحقاً لسحب أموال الاحتياطي لإعادة الهدوء إلى السوق، كما كان يحصل سابقاً.

كانت الفكرة تغطية العجز مقابل الإصلاحات على قاعدة إعطاء الحكومة وقتاً لتحصل على الأموال من صندوق النقد أو أي مصدر آخر تقترحه الدولة، فيما يؤمن مصرف لبنان الانتظام المالي في مقابل تأمين القوانين الإصلاحية والضمانات للمودع.

لكن منصوري يجزم بأنه «طالما لم تؤمن كل تلك المطالب، فلن أقرض أحداً». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن لا رجوع إطلاقاً عن وقت تمويل الدولة، «لأنني أسعى لإعادة الانتظام لمالية الدولة. هذا القرار حاسم وليس سهلاً لكنني لن أتراجع عنه». ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بتأكيده أنه «حتى لو صدر قانون بمجلس النواب بالاستدانة، ولم تكن هناك قوانين إصلاحية في مقابلها، لن أصرف الأموال. هذا حقي بالقانون. لا قانون يلزمني بالدفع. هناك قانون يجيز لي استخدام أموال الناس لإقراض الدولة، لكنني لن أستخدم أموال الناس. أرفض استخدامها لسبب بسيط، لأنه إذا لم تقترن بالإصلاحات نكون نرميها في الهواء».

في الواقع، لا يمكن إعادة الانتظام لمالية الدولة دون الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية. المشكلة أنه في المرات الماضية، كانت الدولة تعتمد على أموال مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتغطية عجز الموازنة. والمشكلة الكبرى أن حجم الاعتماد كان كبيراً لدرجة أنه استنزف مخزون المركزي من العملة الصعبة إلى درجة النضوب، وفي المرحلة الأخيرة كان هذا المخزون للمودعين وليس للمصرف المركزي، وهو أوصل إلى فجوة مالية كبيرة جداً تقتضي العمل على معالجتها.

معالجات الموازنة العامة للدولة لعام 2023 حتى هذه اللحظة، خرجت بعجز معلن قدره 46 تريليون ليرة، أي 500 مليون دولار، رغم أنه يفترض أن تكون متوازنة. ويرى منصوري أن العجز سيتجاوز ذلك.

وينقل زوار منصوري عنه قوله إن هذا العجز يجب أن تتم تغطيته، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة. هذه المعضلة - كما ينقل عن الحاكم بالإنابة - لا تُعالج إلا بإطار قانون جديد مختلف عن إطار المعالجة السابقة، حيث يجب أن يتم العمل على الموازنة بشكل جدي لتكون بلا عجز، حتى لو تأخرنا بذلك لفترة معينة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان ثمة استحالة لإنجاز موازنة من دون عجز، في حين أن مصرف لبنان اتخذ قراراً نهائياً بعدم تغطية أي عجز، فكيف ستتم تغطيته؟ الجواب البديهي أن هذا العجز لا يمكن تغطيته إلا من خلال برنامج مع صندوق النقد الدولي بعد إنجاز الإصلاحات المطلوبة من قبله، لأنه من دونها، لا انتظام لمالية الدولة ولا أمل للمودع بتحصيل وديعته. أو من خلال مورد خارجي آخر، وهذا من شأن الحكومة إيجاده لا مصرف لبنان.

وفي ملف أموال المودعين، يشدد منصوري على أنه «لا يمكن معاملة الناس كما يعاملون الآن. هذه قلة احترام للناس، وقلة قيمة للدولة». ويقول كما ينقل عنه زواره: «في أموال المودعين، تجب مصارحة الناس بالملف، والعمل بجد لإيجاد حلول جدية، وهذا الأمر لا يتم إلا بموجب القوانين التي أطالب بها. القوانين الإصلاحية، وهي (الكابيتال كونترول)، وإعادة هيكلة المصارف، وقانون التوازن المالي. هذه القوانين الثلاثة مع الموازنة التي تخفف العجز إلى أقصى حد، إذا أنجزت، يمكن إيجاد توازن».

وسيم منصوري (د.ب.أ)

الاقتصاد النقدي ومخاطره:

منذ بدء الأزمة واحتجاز أموال المودعين في المصارف، فقد اللبنانيون الثقة بهذا القطاع، وذهبوا نحو اقتصاد نقدي له كثير من المخاطر. يقول منصوري لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتصاد النقدي الذي يعيشه البلد، لا يمكن ولا يجب أن يستمر. أنا كمصرف مركزي لا يمكن أن أستمر بشراء الدولار من السوق إلى ما لا نهاية. ويجب أن أتأكد من كل مصادرها. بالنهاية، الاقتصاد النقدي، سيقضي على البلد. نحن بحاجة لمساعدة. لكن إذا لم نساعد أنفسنا، فمن سيساعدنا؟».

وفي محاولة للخروج من هذه الأزمة، قام مصرف لبنان بإصدار التعميم رقم 165 الذي أتاح فتح حسابات «فريش» بالدولار والليرة، لنقل السوق الموازية إلى القطاع المصرفي، بما يتيح لمصرف لبنان المراقبة والتأكد من مصدر الأموال في البلد وتفعيل إجراءات مكافحة تبييض الأموال. لكن إذا لم تحصل أي حلول قانونية جذرية، تتيح للقطاع المصرفي العمل بفاعلية، فستبقى ضمن اقتصاد الكاش. الأمور كلها مترابطة، يقول منصوري: «تنجز القوانين الإصلاحية، تنتظم مالية الدولة، المودع يعرف كيف ومتى سيحصل على أمواله، تستعاد الثقة بالمصارف، عندها تدفع هذه الثقة الناس لإعادة جزء من أموالها إلى المصارف، وهو ما يتيح لمصرف لبنان، كمنظم للقطاع المصرفي، أن يضع شروطاً أقوى للحد من اقتصاد الكاش والعودة للعمل عبر المصارف». ويحذر منصوري من أن «الاقتصاد النقدي يمثل خطراً على الدولة ككل».

العلاقات مع الخارج

يجزم منصوري لزواره بأن «لبنان لا يستطيع أن يستمر ويتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي الطبيعي. كل ما تسمعه من الدول الصديقة للبنان، يدعونا لإيجاد حل سياسي، وسيجدوننا إلى جانبهم. هذا الملف ليس بيدي، لكن من واجباتي دعوتهم لإنجاز القوانين المتصلة بالنقد والإصلاحات لإعادة بناء الاقتصاد. أعتقد أنه إذا هذا القطاع تم بناؤه، باقي الأمور ستحل».

منصة جديدة

من سياسات منصوري المختلفة، وقف العمل بمنصة «صيرفة» التي اعترى عملها كثير من الشوائب، مقابل آلية جديدة يتم إنجازها مع وكالة «بلومبرغ» العالمية، وسيتم من خلالها تبادل العملات الأجنبية والمحلية بصيغة أكثر شفافية ووضوحاً. «صيرفة» أصلاً لم تعد متاحة للتجار ورجال الأعمال الذين حققوا مكاسب كبيرة منها، وباتت فقط لموظفي الدولة. يوم الأربعاء ستكون منصة التداول الجديدة بنداً على جدول مجلس الوزراء لإقرارها، وبعدما سجل 13 مصرفاً عليها، ستبدأ المصارف الأخرى التسجيل عليها للدخول إلى سوق تداول.

هذه الآلية عندما تتكامل، ستصبح لدينا منصة تحدد سعر صرف الدولار، وتحقق انتظاماً لسعر صرفه. يؤكد منصوري أنه من الناحية النقدية وحجم الكتلة النقدية بالليرة يمكن القول إن سعر الصرف مضبوط في المدى المنظور. ويقول: «طالما أنني أضبط الكتلة النقدية في المركزي، فلا خوف من انفلات بسعر صرف الدولار».

إجراءات منصوري لضبط العملة بدأت بالإحجام عن «التغول في شراء الدولارات من السوق، مقابل خفض حجم الكتلة النقدية التي انخفضت من 80 إلى 60 تريليون ليرة في أول أغسطس (آب) الماضي (نحو نصف مليار دولار). بالتوازي تقوم القوى الأمنية بضبط المضاربين بالسوق، وباتت تعرفهم. أي متلاعب بالسوق يتم القبض عليه. كما أن مصرف لبنان طلب من المصارف بألا تصرف أكثر من 50 مليار ليرة باليوم الواحد لزبائنها. أما وزارة المال فلا تضخ ليرة بالسوق قبل التنسيق مع مصرف لبنان، علماً بأن وزارة المالية جمعت في أغسطس وحده نحو 20 تريليون ليرة، بينها ما يفوق 11 تريليون نقداً».

السؤال الكبير: هل تستطيع الحكومة تدبير أمورها بالمبلغ الذي يؤمنه لها مصرف لبنان؟ يقول منصوري: «هنا السؤال الكبير، وإذا لم ننجز الإصلاحات، فلا نستطيع أن نستمر بهذا الوضع مع عودة التلاميذ إلى المدارس وتراجع عرض الدولارات في السوق».

يجزم منصوري بأن «الوضع النقدي مضبوط على أسس علمية». ويقول: «ما أقوم به هو وسائل نقدية تقليدية لا تكلف المصرف المركزي سنتاً واحداً»، ولعل هذا الأمر يشكل فارقاً كبيراً عما كان يحصل من قبل.

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أ.ب)

ورداً على اتهامات تساق لمنصوري وبقية نواب الحاكم، بأنهم كانوا جزءاً من سياسات رياض سلامة، فقد أصبح من الواضح بالرجوع إلى ما أصبح معلوماً من مداولات المجلس المركزي أن أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان كانوا يعترضون على كثير من الإنفاق الحاصل، لكن القانون يعطي الحاكم سلطة تنفيذية واسعة مستقلة عن المجلس المركزي، وبالتالي كان نواب الحاكم يعترضون على إقراض الدولة، وأصدر المجلس قراراً أُبلغ للحكومة في عام 2021، أن كل دولار يُطلب هو من الاحتياطي، لكن للأسف استمر الدفع. وقد نشر في الإعلام بعض من هذه المراسلات.



مقتل فلسطيني برصاص مستوطنين شمال رام الله

مستوطنون وجنود إسرائيليون في نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون في نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

مقتل فلسطيني برصاص مستوطنين شمال رام الله

مستوطنون وجنود إسرائيليون في نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون في نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

قُتل فلسطيني برصاص مستوطنين، مساء اليوم الجمعة، في بلدة كوبر شمال رام الله بالضفة الغربية المحتلة، واحتُجز جثمانه.

وأفادت وزارة الصحة، في بيان أوردته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا»، بـ«استشهاد شاب (19 عاماً)، متأثراً بجروح حرجة أصيب بها برصاص مستعمرين في كوبر».

كانت «قوات الاحتلال الإسرائيلي قد منعت الإسعاف الفلسطيني من الوصول إلى المصابين وتسلُّمهم وتقديم العلاج لهم»، وفقاً لما أفادت به جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

وقالت مصادر محلية إن «مواطناً أُصيبَ بقنبلة غاز في الرأس، أطلقتها قوة من جيش الاحتلال اقتحمت بلدة كوبر، ونُقل الجريح إلى عيادة في البلدة، ووُصفت حالته بأنها طفيفة».


عون: الجيش والقوى الشرعية المرجع الوحيد لأمن اللبنانيين

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي وفداً من بلدة دير ميماس الجنوبية (الوكالة الوطنية للإعلام)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي وفداً من بلدة دير ميماس الجنوبية (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

عون: الجيش والقوى الشرعية المرجع الوحيد لأمن اللبنانيين

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي وفداً من بلدة دير ميماس الجنوبية (الوكالة الوطنية للإعلام)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي وفداً من بلدة دير ميماس الجنوبية (الوكالة الوطنية للإعلام)

تقدّم ملف حصر السلاح ومرجعية الدولة في الجنوب مجدداً إلى واجهة المواقف السياسية اللبنانية، بالتزامن مع استمرار الغارات والقصف والتفجيرات الإسرائيلية في عدد من البلدات؛ إذ شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن الجيش والقوى الأمنية الشرعية هما المرجع الوحيد لأمن المواطنين، فيما دعا المطارنة الموارنة إلى دعم المفاوضات الجارية وعملية حصر السلاح بيد الدولة.

وجاء موقف عون خلال استقباله وفداً من بلدية دير ميماس، ذات الغالبية المسيحية التي تقع جنوب نهر الليطاني؛ إذ ربط بين صمود السكان في أرضهم ودور الدولة ومؤسساتها، مؤكداً أن تمسك الجنوبيين بأرضهم «هو أبلغ رد على كل محاولات التهجير والتخويف والاعتداءات التي ترتكبها إسرائيل، مشدداً على أن الدولة ستبقى إلى جانب أبناء الجنوب، الصامدين منهم والنازحين قسراً من قراهم وبلداتهم، حتى زوال الاحتلال الإسرائيلي أو الحصار عن كل قرية جنوبية».

حصر السلاح وقرار الحرب والسلم

وحضر ملف حصرية السلاح في اللقاء من مدخل مطالب أبناء دير ميماس؛ إذ أكدت رئيسة البلدية تانيا برنابه، باسم الوفد، تقدير الأهالي لإصرار عون على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وعلى أن يعود قرار الحرب والسلم إليها وإلى مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش والقوى الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية.

وعرضت برنابه الواقع الذي تعيشه البلدة وأبناؤها في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية والإنسانية الاستثنائية، مؤكدة أنهم «حريصون على أن تبقى البلدة جزءاً حياً من الدولة اللبنانية، حاضرة في مؤسساتها وخدماتها، وألا يشعر أهلها بأنهم متروكون أو معزولون عن سائر القوى اللبنانية».

لا مرجعية أمنية خارج الدولة

وفي رده على الوفد، حيّا عون صمود سكان البلدة، معرباً عن تضامنه مع الأهالي فيما يتحملونه من أضرار ومعاناة وتهجير، أسوة بسائر الجنوبيين، سواء الذين بقوا في قراهم أو الذين نزحوا قسراً نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية.

وقال: «إن الدولة حاضرة، بقدر ما تسمح به الظروف الأمنية في كل منطقة، لحماية أبنائها وتوفير مقومات الصمود»، معتبراً ذلك «أولوية وطنية لا تقبل المساومة، ولن يكون هناك سوى الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، المرجع الوحيد المسؤول عن أمن المواطنين».

وشدد على أن «الجهود السياسية والدبلوماسية والتفاوضية مستمرة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإعادة الاستقرار، وتحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، ونشر الجيش حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً، وعودة الأهالي إلى قراهم، وبدء الأعمار، ودعم البلديات لتمكينها من القيام بدورها، وتأمين الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وطرق ومدارس ومراكز صحية».

صورة للاجتماع الشهري لمجلس البطاركة الموارنة في لبنان (وكالة الأنباء المركزية)

المطارنة يدعمون المفاوضات وحصر السلاح

وتقاطع موقف عون بشأن حصرية المرجعية الأمنية مع موقف مجلس المطارنة الموارنة، الذي وضع في اجتماعه الشهري في بكركي وقف الاعتداءات الإسرائيلية ودعم المفاوضات وحصر السلاح بيد الدولة في سياق واحد.

وقال المطارنة في بيانهم: «يُندِّد أعضاء المجلس تكراراً بتمادي الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وأهله ويدعون المجتمع الدّولي إلى بذل الجهود لعودة السكان إلى أرضهم ودعم المفاوضات الجارية وعملية حصر السلاح بيد الدولة».

النبطية الفوقا... عودة سيراً تحت التهديد

وعلى وقع زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية، عكس مشهد النبطية الفوقا حجم التعقيدات التي لا تزال تعترض العودة إلى بعض البلدات الجنوبية؛ إذ دخل عدد من أهالي البلدة سيراً على الأقدام رغم التهديدات الإسرائيلية، في خطوة عكست تمسكهم بالوصول إلى بلدتهم في ظل استمرار الظروف الأمنية التي تحول دون عودة طبيعية وكاملة.

وجاء المشهد متقاطعاً مع الرسائل التي حملتها زيارة سلام بشأن تثبيت الأهالي في أرضهم واستعادة مؤسسات الدولة لدورها، لكنه أظهر في الوقت نفسه الفجوة بين مسار العودة الذي تدفع به الحكومة والواقع الميداني الذي لا يزال محكوماً بالتهديدات والعمليات الإسرائيلية.

دخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تصعيد ميداني متواصل

وتزامنت المواقف السياسية مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، حيث توزعت العمليات بين القصف المدفعي والغارات وعمليات التفجير في عدد من البلدات.

وأفادت معلومات ميدانية بقصف إسرائيلي استهدف ميس الجبل، فيما نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه أطراف برعشيت، وتفجيرات كبيرة في بلدتي بيت ليف وعيترون في قضاء بنت جبيل.

كما أغار الطيران الإسرائيلي على دفعتين على بلدة المنصوري جنوب صور، التي شهدت أيضاً تفجيراً ضخماً أحدث أصواتاً وارتجاجات شعر بها سكان صور والبلدات المجاورة.

ونفذت القوات الإسرائيلية تفجيراً ضخماً في مجدل زون على دفعتين، بعدما كانت المدفعية الإسرائيلية قد قصفت فجراً بيت ياحون والمنصوري ووادي زبقين ووادي السلوقي، بالتزامن مع إطلاق النار بالأسلحة الرشاشة باتجاه حداثا وأطراف برعشيت.


الحوادث الأمنية في سوريا... من المستفيد من إضعاف السلطة ونشر الفوضى؟

رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)
رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

الحوادث الأمنية في سوريا... من المستفيد من إضعاف السلطة ونشر الفوضى؟

رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)
رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

تصاعدت بشكل ملحوظ، خلال الأيام الماضية، الحوادث الأمنية في سوريا، وجاءت بصور متعددة، آخرها استهداف حافلة تقل موظفين في شركة كهرباء على جسر مصياف بحمص، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين. وترافق ذلك مع تعرّض خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية بريف دمشق لانفجار أدى إلى إخراج ثلاث محطات توليد من الخدمة، وامتد أثره إلى شبكات مياه الشرب. وقبل ذلك بيومين، وقع انفجار على خط للغاز في شرق البلاد، كما وقعت محاولة اغتيال ضابط في وزارة الدفاع في مدينة الصنمين بريف درعا.

واللافت في هذه الحوادث قصر الفاصل الزمني بينها، بخلاف ما كان يحصل في الحوادث السابقة التي كانت تفصل بينها فترات متباعدة نسبياً. كما أن الحوادث الجديدة جاءت في توقيت حساس؛ إذ تعاني السلطات السورية من تزايد الضغوط الاقتصادية، فيما تسعى إلى بسط الاستقرار والأمن في البلاد، وجذب الاستثمارات لإعادة الإعمار، إضافة إلى سعيها لتحويل سوريا إلى ممر استراتيجي يربط خطوط الطاقة بين دول عربية ثم إلى تركيا وصولاً إلى أوروبا، في ظل تأثر حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي بفعل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبينما يفضّل مصدر أمني سوري عدم التعليق حالياً على الوضع الأمني في البلاد، استطلعت «الشرق الأوسط» آراء خبيرين أمنيين وعسكريين حول المستفيدين من محاولات إضعاف السلطة في سوريا ونشر الفوضى.

في تعليقه على الأوضاع الأمنية الحالية، قال الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي: «نحن أمام نمط متعمد من أعمال التخريب، لا أمام حوادث معزولة». ورأى العبسي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن وقوع تلك الأحداث خلال أسبوع واحد فقط «ليس صدفة ولا تراكماً عشوائياً؛ إنه حملة منهجية تهدف إلى ضرب البنية التحتية الحيوية وإظهار الدولة عاجزة عن حماية أبسط حقوق مواطنيها».

ورجّح أن الهدف من وراء تلك الحوادث «نفسي»، ويتمثل بزرع اليقين بأن لا مكان آمناً في سوريا، وأن الدولة الجديدة لم تستطع بعد فرض السيطرة الفعلية خارج مراكز المدن الكبرى.

المستفيدون

صورة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لحريق في محطة تشرين للطاقة قرب قرية العتيبة بريف دمشق الشرقي يوم 30 سبتمبر الماضي (رويترز)

ورأى العبسي أن خلايا تنظيم «داعش» النائمة لها مصلحة مباشرة في إظهار فشل الحكومة السورية الجديدة أمنياً، في إطار جهود التنظيم لإعادة بناء هيكله السري وتجنيد عناصر جديدة. وأضاف أن بقايا النظام السابق وشبكاته المالية والعسكرية لديها أيضاً دافع كبير لإبقاء البلاد في دوامة عدم استقرار تمنع قيام دولة قوية قادرة على المحاسبة. ولفت العبسي إلى أن هذه الجهات لديها معرفة عميقة بمواقع المنشآت الحيوية وأساليب العمل الأمني القديم، وقدرة مالية كبيرة مولّدة من سنوات الفساد، مشيراً إلى أنها تستخدم أدوات متعددة لتحقيق غاياتها، بما في ذلك تشكيل خلايا مسلحة صغيرة، وتنفيذ عمليات تخريبية تستهدف البنية التحتية، والاغتيالات الموجهة ضد الضباط الذين شاركوا في عملية الانتقال، أو ضد أولئك الذين يطاردون الشبكات المرتبطة بنظام الأسد.

وأوضح الخبير ذاته أن من بين الأطراف التي لها مصلحة في إبقاء سوريا مقسمة أمنياً وضعيفة عسكرياً إسرائيل. وتابع أن إيران فقدت في الواقع نفوذها السابق لكنها ما زالت تحتفظ بشبكات مؤثرة، خاصة في مناطق الساحل السوري.

وأشار العبسي إلى أن كل طرف من هذه الأطراف يجد من مصلحته أن تبقى سوريا غير مستقرة تماماً؛ لأن سوريا موحدة وقوية ستكون أكثر قدرة على رفض الإملاءات الخارجية.

إضافة إلى هؤلاء، قال العبسي إن هناك أيضاً تجار السلاح والمخدرات الذين استفادوا اقتصادياً من انهيار القانون والنظام، ووجود جيش ضعيف وأمن منهار يعني استمرار طرق التهريب عبر الحدود سواء مع تركيا أو العراق أو الأردن أو لبنان، وبالتالي استمرار أرباحهم.

وأضاف: «ليست جهة واحدة مسؤولة، بل شبكة مصالح متقاطعة تجد كلها في الفوضى الأمنية مكسباً مباشراً».

الحل... 5 مسارات متزامنة

ويتطلب تجاوز السلطات السورية للواقع الراهن، بحسب العبسي، خمسة مسارات متزامنة، لا متتابعة، مشدداً على أنه لا يوجد حل أمني بمعزل عن الحل السياسي - الاقتصادي - المؤسساتي. وبيّن أن تلك المسارات هي أولاً: «استكمال عملية حصر السلاح بيد الدولة، وهو شرط جوهري»، فيما يتمثل المسار الثاني في «بناء جهاز مخابرات فعّال ونظيف، فمشكلة سوريا الحالية ليست غياب الأجهزة الأمنية، بل تشتتها وضعف تكاملها». أما المسار الثالث، فهو «معالجة الأزمة الاقتصادية التي تغذي العنف»؛ لأنه، بحسب العبسي، «لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. فعندما يكون متوسط دخل الفرد أقل من خط الفقر، وعندما تكون البطالة فوق 40 في المائة في بعض المحافظات، يصبح تجنيد الشباب في الخلايا المسلحة أو عصابات الجريمة المنظمة مسألة حسابية بسيطة بالنسبة لهم».

وأوضح أن الحكومة تستطيع تقديم بديل أفضل إذا فعلت ثلاثة أشياء هي: «إعادة تشغيل مشاريع صغيرة ومتوسطة في المناطق المهمشة، وتوفير فرص عمل مؤقتة عبر برامج الأشغال العامة، وضمان وصول الخدمات الأساسية إلى الريف حيث تنتشر الأفكار الراديكالية بسبب الفراغ الاقتصادي والثقافي»، معتبراً أن «الاستثمار في الأمل أرخص بكثير من الاستثمار في السجون».

بينما يتمثل المسار الرابع بـ«حوار وطني شامل يشمل الجميع»؛ لأن الفراغ السياسي بعد سقوط الأسد خلق مساحة للتفسيرات المتضاربة، وفق العبسي الذي أشار إلى أن كل طائفة وكل منطقة تقرأ الأحداث من منظور خوفها الخاص، فالدروز يخافون من هيمنة المركز، والعلويون يتذكرون أحداث الساحل في مارس (آذار) 2025، والسنّة يريدون ضمانات ضد عودة أي شكل من أشكال الحكم الفردي، والأكراد يسعون للحفاظ على مكتسباتهم الإدارية في الشمال الشرقي. وفي رأيه: «هذا التنوع ليس ضعفاً، لكنه يحتاج إلى إطار مؤسسي، فالدستور الجديد يجب أن يُكتب عبر جمعية تأسيسية منتخبة تضم ممثلين حقيقيين من جميع المكونات، لا قائمة مغلقة تحددها السلطة التنفيذية. واللامركزية الإدارية الحقيقية، مع صلاحيات مالية واضحة للمحافظات، هي الطريقة الوحيدة لتحويل القلق من الهوية إلى المشاركة في البناء».

حاجز لقوات الأمن السورية في الريف الشمالي لمحافظة السويداء في جنوب سوريا يوم 15 سبتمبر 2026 (رويترز)

ويرى العبسي أن المسار الخامس يتمثل في «التواصل الشفاف مع الشعب». وبالنسبة لهذا المسار، قال إن «الصمت الرسمي حول الانفجارات والاغتيالات يغذي نظريات المؤامرة والخوف، والشعب السوري يستحق أن يعرف الحقيقة، حتى لو كانت غير مريحة. إذا كان انفجار العيس (مستودع ذخيرة بريف حلب الجنوبي يوم 21 سبتمبر الماضي) ناتجاً عن سوء تخزين، قل ذلك. وإذا كانت هناك شبهات حول اختراق أمني داخلي، اشرح الإجراءات التي اتخذتموها. الثقة تُبنى بالشفافية، لا بالإعلانات الضخمة عن الانتصارات الأمنية. كما أن الإعلام الحكومي بحاجة إلى تحديث جذري: ليس بروباغاندا، بل إعلاماً مهنياً يقدم المعلومة أولاً ويترك للرأي العام تقييم الأداء».

وعدّ العبسي أن «سوريا لديها فرصة تاريخية للبناء من جديد، لكن الفرصة لا تدوم. كل أسبوع يمر دون تقدم ملموس في الملفات الخمسة أعلاه يمنح الخصوم الداخليين والخارجيين مساحة أكبر للعمل، والمطلوب ليس مثالية، بل زخماً: قرارات سريعة قابلة للقياس، نتائج ميدانية تظهر للشعب خلال أشهر وليس سنوات، وقيادة تعرف أن الشرعية تُكسب بالأفعال لا بالشعارات».

معالجة دقيقة وسريعة

من جانبه، أوضح الباحث السياسي والأمني السوري ضياء قدور لـ«الشرق الأوسط»، أن سوريا الجديدة تعاني من تحديات أمنية كثيرة ومتعددة.

وذهب قدور إلى ما ذهب إليه العبسي من حيث ضرورة الإسراع في معالجة هذا الوضع. وقال: «عندما تأتي هذه التحديات مجتمعة يصبح الوضع أكثر تعقيداً، وهو ما يتطلب معالجة أكثر دقة وأكثر سرعة».

ورأى قدور أن الأحداث الأمنية التي وقعت خلال الأيام الماضية قد لا تكون مرتبطة ببعضها، وقد تكون مرتبطة. لكنه ذكر أن الظرف الذي تمر به سوريا حساس، فقد تم رفع سوريا من قوائم العقوبات والإرهاب، وهناك تهديدات تنظيم «داعش»، إضافة إلى العلاقة المتوترة مع «حزب الله» اللبناني والميليشيات الإيرانية في العراق، معتبراً أن كل هذا له تأثير في الداخل السوري، إضافة إلى فوضى السلاح ووجود الرافضين للتغييرات السياسية التي حدثت في البلاد.

وأضاف: «صحيح أن هذه العوامل تبدو متفرقة لكنها مجتمعة تعمل وفق هدف رئيسي واحد هو إضعاف الحكومة وإفشال جهودها في بسط الاستقرار والأمن».