مبعوث أميركي في بيروت يبحث ضمان الاستقرار على الحدود مع إسرائيل

طُرح في اجتماعاته ملفا النزاع الحدودي البري والتنقيب عن الغاز

الرئيس نبيه بري مستقبلاً هوكستاين (الشرق الأوسط)
الرئيس نبيه بري مستقبلاً هوكستاين (الشرق الأوسط)
TT

مبعوث أميركي في بيروت يبحث ضمان الاستقرار على الحدود مع إسرائيل

الرئيس نبيه بري مستقبلاً هوكستاين (الشرق الأوسط)
الرئيس نبيه بري مستقبلاً هوكستاين (الشرق الأوسط)

عكست زيارة المبعوث الأميركي لشؤون أمن الطاقة آموس هوكستاين إلى بيروت، اهتمام واشنطن بالاستقرار الأمني في جنوب لبنان، بموازاة انطلاق أعمال التنقيب عن النفط والغاز في الرقعة البحرية رقم 9 الحدودية مع إسرائيل؛ حيث جرى البحث في ملف النزاع الحدودي البري مع إسرائيل، إلى جانب ملف استخراج النفط، عشية تجديد ولاية «اليونيفيل» في مجلس الأمن لسنة إضافية.

وبعدما توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بوساطة أميركية تولاها هوكستاين، بات النزاع الحدودي البري في الجنوب، مصدر قلق من أن يؤدي أي تصعيد إلى زعزعة للاستقرار في الجنوب، وهو ما تسعى واشنطن لاحتوائه، كما قالت مصادر لبنانية مواكبة للزيارة، مشيرة إلى أن حل الخلافات الحدودية البرية سيكون ضمانة للاستقرار في المنطقة.

وقالت مصادر لبنانية مواكبة للزيارة، لـ«الشرق الأوسط»، إن ملف تحديد الحدود البرية كان مطروحاً في لقاءات هوكستاين، لا سيما النقاط الحدودية البرية العالقة التي تحول دون إنجاز الترسيم، وذلك لطرح المطلب اللبناني في زيارة مقبلة لهوكستاين إلى تل أبيب. وإضافة إلى هذا الملف الحيوي، بحث المسؤولون اللبنانيون معه ملفات متصلة بالكهرباء واستخراج الغاز في حال أسفرت نتائج التنقيب في البلوك رقم 9 عن وجود كميات تجارية، فضلاً عن ملف تصديره والحاجة إلى ضمانة أميركية للمساعدة على عملية التصدير.

ولا تزال هناك 13 نقطة حدودية عالقة بين لبنان وإسرائيل، تتصدرها نقطة B1 التي يؤكد لبنان أنها حقه ولن يتخلى عنها. وعُرضت النقاط الخلافية الـ13 في اجتماع اللجنة الثلاثية التي تضم ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي وقيادة «اليونيفيل» في لبنان، وذلك في مقر الأمم المتحدة في الناقورة قبل أسبوعين؛ حيث عرض الوفد اللبناني مطالبه، مرفقة بالوثائق القانونية والطوبوغرافية، ومن المفترض أن يحمل الوفد الإسرائيلي الرد في اجتماع اللجنة الثلاثية المقبل في الناقورة، بحسب ما تقول مصادر مواكبة لنتائج الاجتماعات لـ«الشرق الأوسط».

وتحدثت مصادر نيابية مواكبة للزيارة عن «إيجابية» عكستها الزيارة التي التقى فيها هوكستاين رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ووزير الطاقة وليد فياض. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن طرح ملف الثروة النفطية والتشريعات المطلوبة والاستقرار في المنطقة الحدودية ونزع فتيل التوترات، كل ذلك يؤكد جدية الحراك الذي يتطلع لبنان إلى نتائج إيجابية تسفر عنه.

هوكستاين يتناول الفطور مع السفيرة الأميركية على شاطئ البحر في بيروت (صورة نشرها هوكستاين على حسابه على فيسبوك)

واستهل هوكستاين لقاءاته الرسمية مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت بلقاء الرئيس نبيه بري الذي أكد للمنسق الأميركي الخاص لشؤون الطاقة أن جهود البرلمان ستبقى منصبة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية واستكمال إنجاز التشريعات المطلوبة في المجال النفطي، وفي مقدمتها الصندوق السيادي.

وقالت رئاسة مجلس النواب، في بيان صحافي، إن بري التقى مع هوكستاين بحضور السفيرة الأميركية دوروثي شيا؛ حيث أكد أيضاً أن البرلمان سيركز على استكمال التشريعات المطلوبة لإنجاز الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. كما وجّه رئيس مجلس النواب الشكر لهوكستاين على الجهود التي بذلها وأثمرت البدء بعملية التنقيب في البلوك رقم 9.

وأضافت أن بري شدد أيضاً على «ضرورة وقف الانتهاكات» الإسرائيلية للقرار الدولي 1701 وعلى «عمق العلاقة» مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل). وقال بري إن «لبنان حريص جداً على المحافظة على الاستقرار كما حرصه على سيادته على كامل التراب اللبناني». ونقل البيان عن هوكستاين القول إن اللقاء مع رئيس البرلمان كان «ممتازاً وبناء».

الرئيس ميقاتي مجتمعاً مع هوكستاين بحضور السفيرة الأميركية دوروثي شيا (الشرق الأوسط)

محطة هوكستاين الثانية كانت في القصر الحكومي، حيث التقى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بحضور السفيرة الأميركية ومنسق الحكومة لدى قوات «اليونيفيل» العميد منير شحادة. ولم تذكر رئاسة الحكومة اللبنانية تفاصيل أخرى على الفور بشأن لقاء ميقاتي مع هوكستاين.

وقالت السفارة الأميركية، في بيان، إن الموفد الأميركي سيبحث خلال زيارته للبنان القضايا الثنائية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

واستبقت زيارة هوكستاين مؤشرات أميركية على الاهتمام بالاستقرار في المنطقة الحدودية الجنوبية؛ حيث نقل موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي عن مصادر إسرائيلية وأميركية، الثلاثاء، أن واشنطن تكثف جهودها لنزع فتيل التوترات المتزايدة بين إسرائيل و«حزب الله» على الحدود. وقالت المصادر إن زيارة هوكستاين إلى بيروت تسعى لتهدئة التوتر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية.

ونقل الموقع عن المصدر الأميركي قوله إن إدارة بايدن تعتقد أن بدء التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية يمكن أن يساعد في كبح جماح «حزب الله»، بينما يسعى لبنان للخروج من أزمة اقتصادية طاحنة، وهو تقييم يتفق معه مسؤولون أمنيون إسرائيليون.



تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
TT

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)

تتسارع المشاورات السياسية في العراق لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المكلف علي الزيدي، وسط انقسام داخلي وتقاطعات إقليمية ودولية، في وقت أثارت فيه مواقف كل من الولايات المتحدة وإيران تساؤلات بشأن طبيعة دعمهما للعملية السياسية. فقد اعتُبرت رسالة التأييد الأميركية المقتضبة للزيدي بمنزلة إشارة غير حاسمة؛ إذ رأى مراقبون أنها تحمل «رسائل مشفرة» بشأن حدود هذا الدعم.

في المقابل، يلف الغموض الموقف الإيراني، رغم ما وُصف بشبه إجماع داخل القوى الشيعية، خاصة بعد زيارة إسماعيل قاآني إلى العراق قبل يومين من إعلان التكليف.

على الصعيد الداخلي، كثّف الزيدي لقاءاته مع قادة الكتل السياسية، بالتوازي مع استكمال تشكيل مكتبه، مستفيداً من مهلة دستورية تمتد 30 يوماً لتقديم حكومته إلى البرلمان.

وبينما تشير تقديرات إلى إمكانية إنجاز التشكيلة قبل انتهاء المهلة، تتصدر المنافسة على الحقائب الوزارية أولويات الكتل، في ظل غياب مؤشرات على تشكّل معارضة برلمانية واضحة.

وتخضع عملية توزيع الوزارات لنظام معقد يجمع بين مبدأ التوافق الطائفي (الشيعة والسنة والأكراد) والأوزان الانتخابية. وفي هذا السياق، تبدو وزارتا الدفاع والداخلية شبه محسومتين للسُّنة والشيعة على التوالي، في حين برزت وزارة الخارجية كساحة تنافس مبكر، بعد أن احتفظ بها الأكراد لفترات طويلة منذ عام 2003، باستثناء فترتَي الوزيرين السابقين إبراهيم الجعفري ومحمد علي الحكيم.

ويتمسك «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني بالوزارة، التي شغلها سابقاً كل من هوشيار زيباري وفؤاد حسين، في حين تطرح أطراف شيعية وسنية فكرة نقلها إلى العرب مقابل منح الأكراد حقائب سيادية أخرى مثل «المالية» أو «النفط» أو «التخطيط».

تأييد أميركي غير صريح

وفي قراءة للموقف الأميركي، قال قصي محبوبة، من ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، إن التأييد الصادر حتى الآن جاء من البعثة الدبلوماسية وليس من الإدارة الأميركية، معتبراً أن ذلك «لا يعني دعماً كاملاً»، بل غياب اعتراض. ولم يستبعد صدور مواقف لاحقة من واشنطن تتضمن شروطاً لدعم الحكومة الجديدة.

من جهته، اعتبر الباحث السياسي عباس عبود أن الترقب للموقف الأميركي يعكس استمرار تأثير واشنطن في القرار العراقي، مضيفاً أن الرسالة الأميركية ركزت على «التضامن مع الشعب العراقي» دون الإشارة المباشرة للحكومة أو رئيسها المكلف، وهو ما فسره على أنه تجنب لدعم الطبقة السياسية بشكل صريح، مع الإبقاء على النفوذ الأميركي في البلاد.

وفيما يتعلق بإيران، أشار عبود إلى أن أدوار التأثير تبدو وكأنها شهدت تحولاً، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها طهران صاحبة الدور الأبرز في تشكيل الحكومات.

على صعيد الفصائل المسلحة، لم تصدر «كتائب حزب الله» موقفاً حتى الآن، في حين دعت «كتائب سيد الشهداء»، بزعامة «أبو آلاء الولائي»، الحكومة المقبلة إلى تحقيق «السيادة الكاملة» للعراق. وشدد المتحدث باسمها، كاظم حبيب، على ضرورة تضمين البرنامج الحكومي أهدافاً تتعلق بالسيادة.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

صراع الحقائب

في موازاة ذلك، تتصاعد المطالبات داخل الكتل السياسية بحصص وزارية تعكس ثقلها الانتخابي. وفي هذا السياق، صرح النائب عباس حيال عن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بأن الائتلاف، باعتباره الكتلة الكبرى في البرلمان بعد انتخابات 2025، يسعى للحصول على ما لا يقل عن خمس وزارات، بينها حقيبة سيادية.

ووفق تسريبات أولية لخريطة توزيع الوزارات، يتجه الائتلاف ذاته للحصول على خمس حقائب، من بينها «المالية»، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، في حين قد تحصل قوى أخرى على وزارات رئيسية، مثل «النفط» لـ«دولة القانون»، و«الداخلية» لـ«منظمة بدر»، و«التخطيط» لـ«تيار الحكمة»، و«الدفاع» لتحالف «العزم»، و«الخارجية» و«العدل» لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مع تزايد حصة حركة «صادقون» من المناصب التنفيذية.

وشهدت العاصمة بغداد سلسلة اجتماعات ومباحثات بين رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وأبرز زعامات «الإطار التنسيقي»، تناولت حصص «الإطار» من الوزارات والهيئات والمناصب، وفق تقارير محلية.

وأفيد بأن «حصة (الإطار التنسيقي) تبلغ 12 وزارة، تقسم حسب الأوزان الانتخابية وعدد المقاعد، وهي تضم وزارات سيادية، مثل (النفط) و(المالية) و(الداخلية)، وربما وزارة الخارجية هذه المرة».

ومنذ أسابيع، تتركز النقاشات حول وزارة النفط، التي تشهد تنازعاً بين تيار الحكيم، وائتلاف نوري المالكي؛ إذ يريد الأخير أن تكون جزءاً من حصته في حكومة الزيدي.

تبدو مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق محكومة بحسابات معقدة، بين ضغوط التوازنات الداخلية وترقب المواقف الخارجية، في وقت يسعى فيه الزيدي إلى تحقيق توافق يضمن تمرير حكومته داخل البرلمان ضمن المهلة الدستورية.


زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل نقاشات حادة حول استمرار الحرب، ويتم توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة على أنها لم تحقق أياً من أهدافها، لا في لبنان ولا إيران ولا في غزة، وبدأت هذه الانتقادات توجه أيضاً للجيش، باعتبار أنه هو أيضاً لا يقول الحقيقة، خرج رئيس الأركان، إيال زامير، بتصريحات (قيلت في جلسات مغلقة أمس الأربعاء على أرض الجنوب اللبناني لكن الجيش حرص على تسريبها للإعلام)، ليقول إن «كل ما حدده لنا المستوى السياسي فيما يتعلق بالمعركة الحالية في إيران ولبنان، حققناه بل وأكثر من ذلك، وبذلك خلقنا الظروف المواتية للعمليات السياسية التي يقودها المستوى السياسي الآن».

ولكن إطلاق مسيرة حديثة من «حزب الله» اللبناني على مدفعية إسرائيلية في بلدة شومرا، تسببت في إصابة 12 جندياً (إصابتين بالغتين و10 خفيفة)، غيرت من حسابات زامير.

وهذه البلدة اليهودية قائمة على أنقاض قرية طربيخا، التي تم احتلالها في نهاية عام 1948، واعتبرتها حكومة بيروت لبنانية ومنحت سكانها المهجرين الجنسية اللبنانية. وقامت إسرائيل بتدمير غالبية بيوتها ومسجدين، وحولتها إلى بلدة يهودية. وفي الحرب الحالية، تم تفريغ شومرا من السكان وأقام فيها الجيش الإسرائيلي عدة مواقع.

تجمع شعبي في جنازة عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين قتلوا بقصف إسرائيلي في بلدة مجدل زون في الجنوب (أ.ف.ب)

هجمات انتقامية

على أثر عملية «حزب الله»، اليوم، ردت قوات سلاح الجو الإسرائيلي بهجوم انتقامي. وقالت إن «هذا هجوم خطير لا يمكن السكوت عنه». فقصفت عدة مواقع وأمرت سكان 16 قرية في الجنوب اللبناني بالرحيل تمهيداً لتدميرها. والقرى المستهدفة هي: بشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعبا وعدشيت والشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا والمجادل وارزون ودونين والحميري ومعروب.

وقد جاء ذلك في وقت ادعت فيه أوساط مقربة من الحكومة بأنها «تسعى إلى فرض مهلة زمنية محددة للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، تنتهي بحلول منتصف مايو (أيار)، ملوّحة بالانتقال إلى ما تصفه بـ(الخطة الأصلية) لحربها على لبنان في حال عدم تحقيق تقدم». وبحسب ما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، فإن هذه المقاربة طُرحت في اتصال جرى مساء الأربعاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية طلب إسرائيلي وُصف بالعاجل لتحديد سقف زمني للمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين تل أبيب وبيروت. وادّعت هذه الجهات أن سياسة «الرد المحدود» المتبعة حالياً تؤدي إلى تآكل الردع وتضر بالسكان وبالجاهزية العملياتية، على حد تعبيرها.

فلسطينيون يعبرون بحيّ مهدّم بقصف إسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

غزة لم تنته بعد

وبحسب تقرير «القناة 12»، يعمل الجيش الإسرائيلي في ظل تعليمات من المستوى السياسي تقضي بضبط العمليات في لبنان، حيث يمتنع عن تنفيذ هجمات في عمق الأراضي اللبنانية، فيما تتطلب أي عملية شمال نهر الليطاني موافقة خاصة من المستوى السياسي. واعتبر التقرير أن الوضع الحالي، الذي يقتصر فيه دور الجيش الإسرائيلي على «الرد» بدل المبادرة، يخدم «حزب الله» ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، ما يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر إضافية.

وإزاء الانتقادات للجيش، أجرى زامير، جولة في المناطق التي يحتلها جيشه في لبنان، الأربعاء، حيث أكد أن الجيش ينفذ تعليمات المستوى السياسي وينتظر القرارات بشأن مواصلة العمليات. وقال خلال الزيارة: «تموضعنا على الخط لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات»، مضيفاً: «لن نتسامح مع هجمات أو إطلاق نار»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن الجيش حقق الأهداف التي وُضعت له حتى الآن، وأن القوات ستبقى في الميدان لضمان أمن بلدات الشمال.

وفي ختام التقرير، طرح تساؤلات حول جدوى الثمن الذي تدفعه إسرائيل في هذه المرحلة، في ظل ما وصفه بمراعاة المصالح الأميركية في المواجهة مع إيران.

وكان لافتاً أن زامير، عندما تحدث عن إتمام المهمات التي حددتها له الحكومة، في لبنان وإيران، ذكر أن المعركة القادمة يمكن أن تكون في قطاع غزة. وقال إن المعركة هناك لم تنته بعد، وإذا عرقلت «حماس» مهمة نزع سلاحها فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة.


«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».