غلاء السكن يجبر النازحين في دمشق على نزوح جديد

ارتفاع خيالي في إيجار الشقق بالعاصمة السورية

شارع في منطقة الزاهرة المنظمة جنوب دمشق (الشرق الأوسط)
شارع في منطقة الزاهرة المنظمة جنوب دمشق (الشرق الأوسط)
TT

غلاء السكن يجبر النازحين في دمشق على نزوح جديد

شارع في منطقة الزاهرة المنظمة جنوب دمشق (الشرق الأوسط)
شارع في منطقة الزاهرة المنظمة جنوب دمشق (الشرق الأوسط)

يجبر الارتفاع الخيالي والمستمر لبدل إيجار الشقق السكنية في العاصمة السورية دمشق كثيراً من سكانها، خصوصاً النازحين، على القيام برحلة نزوح جديد باتجاه الأرياف القريبة، كون بدل الإيجار فيها أقل، إلى أن بات الأمر ظاهرة تزداد يوماً بعد يوم، وذلك في ظل التدهور المستمر وغير المسبوق للأوضاع المعيشية للسواد الأعظم من المواطنين.

ومنذ فترة بعيدة تشهد أحياء دمشق الجنوبية عمليات رحيل عائلات، وازداد الأمر مؤخراً حيث بات من النادر أن يمر يوم لا تحصل خلاله عملية رحيل أو عمليتين في كل جادة من تلك الأحياء، حيث تتجه تلك العائلات للسكن في أرياف العاصمة.

ويروي «أبو سمير» معاناته من تبديل المنازل جراء استغلال أصحاب الشقق للباحثين عن سكن، ويوضح وهو ينقل أثاث منزله إلى شاحنة كبيرة تمهيداً للرحيل من الحي أنه رب عائلة مؤلفة من 4 أفراد، سبق أن نزحت إلى منطقة «الزاهرة» جنوب دمشق، بعدما تدمر منزلها في مدينة حمص في سنوات الحرب الأولى. ويؤكد أن هذه المرة هي الرابعة التي يبدل فيها مكان سكنه بسبب رفع أصحاب المنازل بدل الإيجار كلما انتهت مدة عقد الإيجار.

ويقول: «دفعنا في البداية 20 ألف ليرة في الشهر، ثم 50 ألفاً، وبعدها 100 ألف، إلى أن وصل إيجار الشهر إلى 300 ألف، وقبل نهاية (مدة) العقد الأخير تحدث معي صاحب الشقة، وقال إنه يريد 600 ألف شهرياً، وأن يتم دفع أجر سنة كاملة سلفاً، وأنا لا قدرة لي على دفع هذا المبلغ في الشهر»، موضحاً أنه سيرحل إلى بلدة «يلدا» بريف دمشق الجنوبي، التي وجد فيها شقة أكبر من التي يرحل منها حالياً، وببدل إيجار شهري يبلغ 200 ألف.

«أبو سمير» الذي يعمل موظفاً في أحد البنوك الخاصة، وتصله حوالة بقيمة 100 دولار أميركي (الدولار يساوي 15 ألف ليرة في السوق السوداء) كل شهر من ابنته اللاجئة في ألمانيا، يؤكد أن غالبية النازحين القاطنين في منطقة «الزاهرة» رحلوا، ومعظمهم توجه إلى الريف القريب، لأن بدل إيجارات الشقق في المنطقة أرهق كاهلهم. ويضيف: «يقولون (أصحاب الشقق) إن إيجارات الشقق هي موردهم الوحيد، والحياة (المعيشة) صارت صعبة، ويريدون سترة أنفسهم. بعضهم قد يكونون صادقين، لكن كثيراً منهم غير صادقين».

ويلفت الانتباه أنه رغم حركة الرحيل المتزايدة من أحياء دمشق إلى الأرياف القريبة، فإن الطلب على إيجار الشقق لم يتراجع، إذ لا يكاد يمر يومان أو 3 أيام على رحيل عائلة، حتى تأتي عائلة جديدة، وبحسب مشاهداتنا ومعلوماتنا، فإن أغلبية المستأجرين الجدد هم من محافظة دير الزور شرق البلاد.

وقالت وكالة الأمم المتحدة إن نصف سكان سوريا، المقدر عددهم 23 مليوناً عند بداية الحرب في البلاد في 2011، اضطروا للفرار من منازلهم، ولفتت إلى أن عدد النازحين بالداخل 6.7 مليون.

وذكر مجلس الأمم المتحدة الاقتصادي والاجتماعي لغرب آسيا (الإسكوا) أن ثلث العقارات في سوريا دمرت جراء عمليات القصف، وبلغ عدد المنازل المدمرة كلياً حوالي 400 ألف منزل، و300 ألف مدمر جزئياً، مع تضرر البنية الأساسية لحوالي نصف مليون منزل.

ووفق إحصاءات العام 2010، بلغ عدد سكان العاصمة السورية نحو مليونين و800 ألف نسمة، إلا أنه مع اندلاع الحراك السلمي في البلاد منتصف مارس (آذار) 2011 وتحوله إلى حرب طاحنة بعد عدة أشهر، نزح إليها عدد كبير من سكان محافظات أخرى كريف دمشق ودير الزور وحمص ودرعا والرقة وحلب، ما أدى إلى زيادة الطلب على إيجار المنازل مقابل عروض محدودة.

ولا توجد إحصاءات حديثة لعدد السكان القاطنين حالياً في دمشق، بيد أن خبراء يقدرون العدد بأكثر من 4 ملايين نسمة.

وبينما يذكر مصدر محلي في دمشق، لنا، أنه يأخذ 45 مليون ليرة سورية بدل إيجار سنوي لشقة يمتلكها على أوتوستراد حي المزة الراقي، يؤكد صاحب مكتب عقاري أن إيجار شقة مفروشة ذات مواصفات جديدة في أوتوستراد المزة أو منطقة الفيلات في ذات الحي يصل حالياً إلى 4 ملايين ليرة في الشهر، وينخفض إلى 3 ملايين في بعض مناطق الحي، ومليوني في مناطق أخرى مثل الشيخ سعد.

ويوضح صاحب المكتب العقاري أن الرقم في أحياء مثل أبو رمانة يرتفع إلى 5 ملايين في الشهر، على أن يدفع المستأجر إيجار 6 أشهر سلفاً، وبعض أصحاب الشقق يريد إيجار سنة كاملة.

ويشير إلى أن الأسعار تنخفض تدريجياً كلما ابتعدنا عن وسط العاصمة، إذ يصل إيجار الشقة المفروشة في حي ركن الدين ومنطقة المجتهد ما بين مليون ومليون ونصف مليون في الشهر، وينخفض إلى ما بين مليون و750 ألف في منطقة الزاهرة الجديدة للشقة المفروشة.

ويلفت إلى أن الأسعار في مناطق دمشق العشوائية مثل «دف الشوك، نهر عيشة، وعش الورور» تصل إلى ما بين 500 ألف و400 ألف في الشهر لشقة غير مفروشة، مساحتها 70 متراً، على حين يبلغ إيجار شقة مؤلفة من غرفة واحدة، وبداخلها مطبخ صغير جداً وحمام، 200 ألف ليرة شهرياً.

أحد أصحاب المكاتب العقارية في ريف دمشق يشير لنا إلى أن أسعار بدل إيجار الشقق السكنية في الريف الملاصق للعاصمة تصل إلى ما بين 200 ألف و300 ألف ليرة شهرياً لشقة جيدة غير مفروشة، مساحتها 100 متر مربع، بينما يبلغ بدل إيجار شقة مساحتها 50 متراً مربعاً في الشهر ما بين 125 ألف و150 ألف ليرة.

خبير اقتصادي في دمشق ذكر أن الارتفاع الجنوني لبدل إيجار الشقق السكنية لا يقتصر على مدينة دمشق فقط، وإنما ينسحب على المحافظات كافة، ويرجع السبب في ذلك إلى كثرة الطلب وقلة العرض، ويقول: «الحرب دمرت عدداً كبيراً من القرى ومئات آلاف المنازل وتسببت بنزوح الملايين من قراهم، والزلزال فاقم الأمر أكثر. هؤلاء يريدون مأوى، وبالتالي ازداد الطلب على شقق للإيجار»، ويضيف: «حل أزمة السكن يكون بإعادة الإعمار وإقامة مشروعات بناء، وحتى الآن لا توجد في البلاد إعادة إعمار ولا مشروعات بناء جديدة».

ويوضح الخبير أن الأزمة الاقتصادية المستمرة وغير المسبوقة في البلاد، ومواصلة الليرة السورية انهيارها أمام العملات الأجنبية، تسببا بارتفاع جنوني لعموم الأسعار، وهذا الأمر انسحب على قيمة بدل إيجار الشقق السكنية بشكل خيالي، وأثقل كاهل المواطنين المعدمين أصلاً، بعدما كانت أفضل شقة في دمشق في أرقى المناطق لا يتجاوز بدل إيجارها في الشهر 50 ألف ليرة.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يضبط ربع طن من مادة «تي إن تي» مهرّبة من سوريا

المشرق العربي جانب من المواد المتفجرة التي أعلن الجيش اللبناني ضبطها اليوم الخميس (صفحة الجيش على «إكس»)

الجيش اللبناني يضبط ربع طن من مادة «تي إن تي» مهرّبة من سوريا

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الخميس، ضبطه ربع طن من مادة «تي إن تي» الشديدة الانفجار، بعد تهريبها عبر الحدود من الجانب السوري، دون أن يتمكن من توقيف المهرّبين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يحملون العلم اللبناني وعلم الحزب خلال إحياء الذكرى الثانية لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (إ.ب.أ)

رسائل تهدئة أمنية بين سوريا و«حزب الله» بوساطة تركية

تصدر الملف الأمني مباحثات سرية بين «حزب الله» والجانب السوري برعاية تركيا، تبادلا خلالها «رسائل التهدئة».

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي قوى الأمن السوري أمام مبنى اجتمع فيه 5 من عناصر «حزب الله» في سوريا (الداخلية السورية)

دمشق تنفي «مزاعم» عقد اجتماع مع «حزب الله» في تركيا

نفت دمشق الأخبار المتداولة، الخميس، حول «مزاعم» عقد اجتماع مع «حزب الله» في تركيا.

«الشرق الأوسط» (بيروت - دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي انفجار خط الغازأدى إلى خروج 3 محطات توليد كهرباء عن الخدمة (سانا)

سوريا: خروج 3 محطات توليد كهرباء عن الخدمة إثر انفجار خط أنابيب غاز

أعلنت شركة الكهرباء السورية، الأربعاء، خروج 3 محطات توليد عن الخدمة، نتيجة انفجار وقع على خط الغاز في محطة تشرين، ما أدى إلى توقف الإمدادات اللازمة للتشغيل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مسؤول أممي رفيع انتقاده السياسات الإسرائيلية في غزة كلّفه وظيفته

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي رفيع انتقاده السياسات الإسرائيلية في غزة كلّفه وظيفته

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال مسؤول رفيع في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الأربعاء إن انتقاده السياسات الإسرائيلية في غزة أفقده وظيفته، في حين حذّر المدير العام للوكالة موظفيه من الانخراط في حملات ذات طابع حقوقي.

وقال مدير شعبة التحوّل الريفي والمساواة بين الجنسين في منظمة الأغذية والزراعة (فاو) بن ديفيس في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه تبلغ في يوليو (تموز) بأن عقده لن يُجدَّد بعد 26 عاماً قضاها في الوكالة، وذلك بحجة مخالفة قواعد الحياد.

وأضاف: «لقد اتّهموني بتنظيم هذه الوقفات الصامتة احتجاجاً على أوضاع التجويع والمجاعة في غزة»؛ في إشارة إلى وقفات احتجاجية صامتة ينظّمها أسبوعياً موظفون في المنظمة التي تتّخذ مقرّاً في روما.

وتعرّض ديفيس لانتقادات كذلك على خلفية تقرير ساهم في إعداده بشأن توافر الغذاء في غزة والقانون الإنساني، ونُشر في مايو (أيار).

جنود إسرائيليون قرب الحدود مع قطاع غزة (أ.ب)

وقال: «طُلب منا سحبه»، وتابع: «لم يُسمح لنا بأن نشير إلى القانون الإنساني».

وبدا أن المدير العام لـ«الفاو» تشو دونغيو وجّه تحذيراً للموظفين الثلاثاء من مغبة الانخراط في أنشطة أو حملات ذات طابع حقوقي داخل الوكالة.

وجاءت تصريحاته خلال مداخلة علنية في بداية جلسة مصوَّرة حول الغابات.

وتابع: «إن حقوق الإنسان مهمّة جداً بالطبع، لكن لدينا وكالة حقوق الإنسان في جنيف. من يعنيه ذلك فليذهب إلى هناك».

وأضاف: «إذا انخرط أحد كبار المسؤولين هنا في العمل السياسي، أطرده... عليكم أن تتّبعوا دستور (الفاو)... أنتم تخالفون أنظمة الموظفين... لكنّي شخص لطيف جداً، لم أطرد كثراً».

وأضاف: «سأطرد مزيداً من الناس إذا خالفوا القانون».

ولم ترد «الفاو» على طلب للإدلاء بتعليق.

ولدى سؤاله عما إذا يعتقد أنه المعني بتصريحات المدير العام، قال ديفيس: «بالتأكيد»، موضحاً: «لقد وبّخني علناً في السابق، إذ اعتبرني شديد الانخراط في السياسة».

وأبدى ديفيس أيضاً «قلقه» إزاء تصريحات المدير العام بشأن طرد مزيد من الأشخاص.

ولفت إلى أن مئات الأشخاص شاركوا في وقفات احتجاجية صامتة في ذروة تلك التحركات، فيما يقتصر حالياً عدد المشاركين على ما بين 30 و40 شخصاً أسبوعياً.

وأسفرت الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة التي انطلقت إثر هجوم حركة «حماس» عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 174 ألفاً، بحسب وزارة الصحة التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقاً بها.

وكان هجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على جنوب إسرائيل أسفر عن مقتل 1219 شخصاً.


«العليا الإسرائيلية» لإبقاء قوائم العرب في الانتخابات مع استثناء واحد

محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية - أ.ف.ب)
محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«العليا الإسرائيلية» لإبقاء قوائم العرب في الانتخابات مع استثناء واحد

محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية - أ.ف.ب)
محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية - أ.ف.ب)

أبدت محكمة العدل العليا الإسرائيلية، الخميس، نيتها إلغاء قرارات لجنة الانتخابات المركزية شطب القوائم العربية للمرشحين للانتخابات المقبلة، بوصفها قرارات سياسية لا تستند إلى أسس قانونية، لكنها في الوقت ذاته اقترحت على المرشح الثالث في القائمة المشتركة، رئيس حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، سامي أبو شحادة، أن يسحب ترشّحه.

وقال رئيس المحكمة العليا، يتسحاق عَميت: «عقدنا مناقشات بين القضاة؛ لأن العبارات التي كتبها المرشح سامي أبو شحادة مطوّلة ومثيرة للجدل، وتُسبب اضطراباً عاطفياً».

مواطنة عربية في إسرائيل تبكي شاباً قُتل بسبب الجرائم ضد المجتمع العربي خلال مظاهرة في تل أبيب يناير الماضي (رويترز)

وأضاف أنه «بعد الاستماع إلى حجج الأطراف، أجرينا مشاورات، ووجدنا اختلافاً في الآراء، ولكن يبدو أن أكثرية القضاة تؤيد قرار الشطب، بكل ما يترتب عليه».

وتابع عميت: «لهذه الأسباب، وبناء على رأي جميع أعضاء الهيئة، نوصي السيد أبو شحادة بالتفكير ملياً فيما إذا كان متمسكاً بترشّحه، أو لا، بما قد يحول دون إصدار حكم مَعلَّل في قضيته».

وقد منحت المحكمة مهلة يوم واحد لأبو شحادة حتى يقرر موقفه، وبناء على ذلك قرر حزبه عقد اجتماع للمكتب السياسي للتداول في اقتراح المحكمة.

وقال رئيس القائمة المشتركة، يوسف جبارين، إن قرار المحكمة إزاء أبو شحادة مخزٍ، وهو يدل على أن القضاة يحاولون إرضاء اليمين المتطرف في إسرائيل. وقدر فريق محامين داعمين لشحادة أن «الأدلة المقدمة ضده لا تستوفي مستوى الإثبات المطلوب قضائياً»، وإنها «لا تدعم الاستنتاج القائل بتأييده للكفاح المسلح».

محاولة تبييض وجه أمام الغرب

وفسر أحد محامي الدفاع اقتراح المحكمة على أبو شحادة بأنه محاولة من المحكمة تبييض وجهها أمام أجهزة القضاء؛ ففي العالم الغربي، التي ما زالت تكنُّ الاحترام للقضاء الإسرائيلي رغم ابتعاده المتواصل عن العدالة. فالمحكمة العليا تحاول التهرب من اتخاذ قرار وإتاحة الفرصة لأبو شحادة أن ينسحب لوحده. وبذلك تكسب من جهتين؛ فهي تنجو من النقد الغربي على دعمها لقرار يقيد حرية التعبير، ومن جهة ثانية تكسب رضا اليمين العنصري المتطرف.

ومع ذلك، فإن نشطاء اليمين المتطرف هاجموا المحكمة، وقال الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، صاحب اقتراح شطب القوائم العربية، إن «المحكمة تنحو منحى الرحمة مع أعداء إسرائيل، وكان عليها أن تقبل قرارات لجنة الانتخابات، التي تعبر عن رغبة وإرادة غالبية الشعب في إسرائيل».

بن غفير يشارك في احتفال ديني بملعب خارج مستوطنة قرب الحدود مع غزة سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وكان بضع مئات من المواطنين العرب قد تظاهروا أمام المحكمة. وعندما وصل بن غفير راح يصرخ في وجوههم: «أنتم أنصار الإرهاب. أخرجوا من هنا. برا. برا». وقد ردوا عليه بالهتاف: «الفاشية لن تمر».

وأقرت «لجنة الانتخابات المركزية» في 23 سبتمبر (كانون الأول) شطب القوائم والمرشحين، لكن اللجنة الحزبية المؤلفة من ممثلي الأحزاب في الكنيست لا تملك سلطة الشطب النهائي، ولا يصبح قراراها نافذاً إلا إذا صادقت عليه المحكمة العليا.

والتأمت هيئة المحكمة من تسعة قضاة، الخميس، للتداول في قرارات اللجنة، وبدا من المرحلة الأولى للمداولات أن غالبية القضاة يتجهون لرفض جميع تلك القرارات، باستثناء قرار شطب أبو شحادة.

وأكد مركز «عدالة»، الذي يتولى الدفاع عن القوائم العربية، أن قرارات الشطب لا تستند إلى الأدلة والمعايير القانونية المطلوبة، داعياً إلى إلغائها والسماح للقوائم والمرشحين بخوض انتخابات الكنيست الـ26. وأن أبو شحادة، الذي شطب بسبب كتابته مقالاً قال فيه إن «هجوم (حماس) في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مهم وتاريخي، تراجع عن المقال، وقال إنه أخطأ، ويفترض أن يقبل اعتذاره».

وقال أبو شحادة، خلال مثوله أمام المحكمة، إنه يرفض العنف بكل أشكاله إضافة إلى معارضته الحرب والاحتلال. واتهم الحكومة الإسرائيلية بملاحقة المواطنين العرب والأحزاب والقيادات العربية، معتبراً أن نتنياهو وبن غفير ويائير غولان يسعون إلى فرض قيادة عربية تتبنى مواقف القيادة الصهيونية.


العصابات المسلحة تختطف وتهاجم في غزة وسط قصف إسرائيلي

مشيعون يتجمعون الخميس حول جثامين فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية على غزة قبل سنوات بعد انتشالها من تحت الأنقاض (أ.ب)
مشيعون يتجمعون الخميس حول جثامين فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية على غزة قبل سنوات بعد انتشالها من تحت الأنقاض (أ.ب)
TT

العصابات المسلحة تختطف وتهاجم في غزة وسط قصف إسرائيلي

مشيعون يتجمعون الخميس حول جثامين فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية على غزة قبل سنوات بعد انتشالها من تحت الأنقاض (أ.ب)
مشيعون يتجمعون الخميس حول جثامين فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية على غزة قبل سنوات بعد انتشالها من تحت الأنقاض (أ.ب)

أعلنت منصات تابعة لعصابات مسلحة تدعمها إسرائيل في غزة، عن تنفيذها عمليات اختطاف لأشخاص وصفتهم بـ«المطلوبين»، وتنفيذ إطلاق نار ضد من سمّته بـ«إرهابي»، ضمن نشاط موسع أقدمت عليه عناصرها، الخميس، في مواقع عدة بالقطاع.

وتنشط العصابات المسلحة شرق الخط الأصفر الافتراضي (الفاصل بين مناطق سيطرة إسرائيل و«حماس») منذ اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، الذي تخرقه إسرائيل بشكل يومي تقريباً.

وأكدت 4 مصادر ميدانية، لـ«الشرق الأوسط»، وقوع تلك الهجمات وكان من بينها اختطاف شابّ فلسطيني على مدخل مخيم البريج وسط قطاع غزة، من قبل مجهولين عبر مركبة، هربت باتجاه مناطق انتشار العصابات المسلحة وقوات الجيش الإسرائيلي، وذلك عند نحو الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي.

فيما وقع حدث ثانٍ، تعرض فيه شاب لإطلاق نار، فيما تمكن آخر من النجاة إثر محاولة اختطافه في منطقة مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، بينما وقعت عملية قصف جوي من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية لأرض فارغة أثناء وقوع الحدث، ما قد يشير إلى أن الحدثين مترابطان.

وجاءت هجمات العصابات بعد ليلة متوترة، قصفت فيها طائرات حربية إسرائيلية 4 منازل وبنايات سكنية على أطراف حيي الشجاعية والتفاح، وسط قصف مدفعي وإطلاق نار لليلة الثانية على التوالي.

ورجّح مصدر ميداني أن الغارات ربما تكون مرتبطة بتحركات عناصر العصابات المسلحة، بحسب ما جرى في عمليات سابقة لتلك المجموعات، مشيراً إلى أن «هذه الهجمات الإسرائيلية وقعت بعد نحو 10 أيام من انفجار عبوة ناسفة في عناصر من العصابات، ما تسبب فيما يبدو بوقوع قتلى وجرحى في صفوفهم».

وقال قائد فرقة غزة بالجيش الإسرائيلي، ليرون باتيتو، إنه تم إنشاء 40 موقعاً جديداً على الخط الأصفر تم تدمير معظم الأنفاق الموجودة فيه، مشيراً إلى أنه لا تزال هناك أنفاق داخل القطاع، ويتم البحث عن المزيد بوسائل تكنولوجية.

وفي سياق الأحداث الميدانية، أصيب 4 فلسطينيين في إطلاق نار من آليات ومسيرات في مناطق متفرقة من جنوب وشمال القطاع، وتحديداً قرب الخط الأصفر. فيما أعلن عن مقتل مصعب البلبيسي أحد قادة «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي» متأثراً بجروحه التي أصيب بها قبل يومين، نتيجة قصف من طائرة مسيرة إسرائيلية في مخيم جباليا شمال القطاع. واغتالت إسرائيل، مساء الأربعاء، فلسطينيين، قال الجيش الإسرائيلي لاحقاً إنهم ناشطين في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

وشيّع مئات من سكان مدينة غزة جثامين 105 من الضحايا بعد انتشالهم من تحت أنقاض مربع التاج السكني في حي اليرموك وسط مدينة غزة، وذلك بعد نحو 3 سنوات على قصف طائرات حربية إسرائيلية المنطقة في الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على القطاع.

فلسطيني يبكي خلال مشاركته في جنازة جماعية بحي اليرموك في غزة عقب انتشال جثامين ضحايا برج سكني دمرته إسرائيل قبل 3 سنوات (أ.ف.ب)

وتسببت الهجمات الإسرائيلية بتدمير بناية سكنية على من فيها، فيما لا تزال هناك جثث مفقودة أسفل المنطقة والبناية. ووقعت مجزرة «مربع التاج» في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بعد تعرض المنطقة لنحو 20 قنبلة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 120 فلسطينياً على الأقل، من بينها عائلات محيت من السجل المدني بشكل كامل، مثل عائلة شرف والمحلاوي.

ومن بين من تم تشييعهم، الخميس، 47 طفلاً و32 سيدة، حيث تم انتشال جميع الضحايا على مدار 17 يوماً من قبل طواقم الدفاع المدني واللجنة المصرية لإعمار غزة، وسط صعوبات ومعيقات كبيرة واجهت تلك الطواقم لانتشال الضحايا بسبب نقص المعدات ومنع إسرائيل إدخال أي مواد لإزالة الأنقاض وانتشال ضحايا الحرب.