الأجهزة الأمنية اللبنانية تتعايش مع الأزمة المالية بفضل مساعدات الخارج

عمداء متقاعدون يضطرون للعمل في الزراعة أو سائقي سيارات أجرة

عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)
عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)
TT

الأجهزة الأمنية اللبنانية تتعايش مع الأزمة المالية بفضل مساعدات الخارج

عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)
عناصر من الجيش اللبناني خلال دورة تدريب (مديرية التوجيه في قيادة الجيش)

لم يعد حدثاً عابراً أن يطلب عميد سابق في الجيش اللبناني عبر الهاتف على أحد التلفزيونات المحلية عملاً كناطور مبنى أو عامل تنظيفات في إحدى البلديات بعدما لم يعد راتبه الذي قال إنه يبلغ 220 دولاراً أميركياً يكفيه لتأمين مقومات العيش الأساسية له ولأسرته.

فالعميد المتقاعد الذي كان يتقاضى شهريا نحو 6 ملايين ليرة لبنانية، أي ما كان يوازي 4 آلاف دولار أميركي وكان يعيش برفاهية، بات بعد الانهيار المالي الذي يشهده لبنان منذ عام 2019 في عوز ويضطر للعودة للعمل في سنوات متقدمة من عمره، خاصة أن قسما كبيرا من العمداء الذين أنهوا خدمتهم العسكرية حُجزت مدخراتهم في المصارف كما كل المودعين اللبنانيين، وباتوا يحصلون على مبالغ شهرية منها بالقطارة.

وإذا كان بعضهم يعمل مثلا بالتعليم الجامعي وآخرون في التجارة فإن بعضهم لجأ للزراعة ولمشاريع صغيرة. أما أولئك المتقدمون في السن فيجدون صعوبة في العودة إلى سوق العمل.

ويقول العميد المتقاعد جورج نادر لـ«الشرق الأوسط»: «صعوبات كثيرة تعترضنا كعسكريين متقاعدين. هناك ضباط يعملون في شركات متخصصة بالحماية والأمن، بعضهم في مسابح وآخرون في مهن أخرى. أنا أزرع الأرض حول بيتي وأبيع الزعتر والعنب كما أن أولادي يساعدونني في المصاريف»، متسائلا: «في أي بلد في العالم نسمع أن عميداً متقاعداً يبلغ من العمر 82 عاما يبحث عن عمل ويطلب المساعدة ليكون ناطور مبنى... مع احترامنا لكل المهن دون استثناء!».

عنصر من الجيش يتدرب على سلاحه (مديرية التوجيه)

رواتب رمزية!

حال العمداء المتقاعدين تبقى أفضل بكثير من أحوال العناصر الأدنى رتبا، سواء الذين ما زالوا يوجدون في السلك أو الذين أحيلوا إلى التقاعد. ويختصر تلاشي قيمة الرواتب حجم التحديات التي يرزح تحتها هؤلاء. فرغم الزيادات التي أقرتها الحكومة مؤخرا وبلغت نحو 3 رواتب إضافية، بقيت المعاشات أقل من ربع ما كانت عليه قبل الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

وفيما يلي رواتب العسكريين بالدولار قبل وبعد الأزمة:

جندي: 800 - 100

عميد: 4800 - 330

لواء: 6000 - 420

قائد الجيش: 6200 - 530

ويتقاضى العسكريون إلى جانب هذه الرواتب منذ مدة مساعدة مالية دولية عبارة عن 100 دولار أميركي شهريا. ويشكل مبلغ الـ100 دولار جرعة أكسجين لعناصر الجيش الذين ينتظرون قبضه بفارغ الصبر لسد بعض احتياجات عائلاتهم.

ويسعى قائد الجيش العماد جوزيف عون جاهدا مع الدول الصديقة للبنان ليكون هذا المبلغ متوافرا دائما لعسكرييه لدعم صمودهم ولعلمه بأن الرواتب ومهما ارتفعت بالليرة اللبنانية تبقى رمزية بعدما ارتفع سعر صرف الدولار من 1500 ليرة للدولار الواحد قبل عام 2019 إلى نحو 93 ألفا للدولار حالياً.

ولا يأبه قائد الجيش بكل الانتقادات التي تطوله ومعظمها بخلفيات «الانتخابات الرئاسية» لجهة قبوله مساعدات مالية خارجية والتصرف بها دون الرجوع إلى وزراء الدفاع أو الحكومة، إلى حدّ اعتبار بعض منتقدي العماد عون أنه حوّل الجيش «منظمةً غير حكومية يموّلها الخارج».

ويُعد رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل أبرز معارضي ومنتقدي عون. ولاقت تصريحات باسيل استياء عناصر وضباط الجيش الذين يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط»: «بدل أن يشدوا على يد القائد الذي يبقي المؤسسة صامدة من خلال علاقاته بدول تمدنا بالأكسجين، يواجهونه ويحاربونه، علما أنهم يعلمون تماما أن هذه الدول لا تثق بمؤسسات الدولة وبالقيمين عليها الذين سرقوا أموال الناس بسياساتهم، لذلك تحول الأموال مباشرة للجيش لثقتها بالقائد».

إجراءات استثنائية

وتشير مصادر مواكبة لما يقوم به العماد عون إلى أن «الجيش هو الجهة الوحيدة بين الأجهزة الأمنية التي تؤمن الطبابة لعناصرها وعائلاتهم بفضل المساعدات الأميركية وبعض مساعدات الدول الأخرى كما مبالغ يقدمها لبنانيون لدعم المؤسسة، بحيث لا يُجبر هؤلاء على دفع أي مبلغ قبل الدخول إلى أي مستشفى».

وتعد المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم مرور أكثر من 3 أعوام ونصف على الأزمة المالية وكل التحسينات التي طالت الرواتب والمساعدات، فإنه لا يمكن القول إن العسكر تأقلموا مع الواقع الحالي، وإن كنا على ثقة أنه رغم صعوبة الوضع فإن المؤسسة ستبقى قائمة لثقة العناصر والضباط بأن القائد يقوم بواجباته وزيادة لتحسين أوضاعهم».

وتضيف: «كل فترة يحصل العسكر على حصص غذائية مجانية كما أن هناك مواد تباع لهم بسعر مدعوم. أضف أنه تم تقليص عدد أيام الخدمة وتم تحديد مراكز خدمة العناصر تبعا لقربها من منازلهم. من دون أن ننسى خطة النقل المعتمدة بعد شراء باصات لوضعها بتصرف العسكر في القطع المتحركة. كذلك تقوم بعض الوحدات بالزراعة والاستفادة من المحصول كما أن بعضها الآخر يعمل بعدد من الصناعات، وهذا ما يحول جيشنا لجيش منتج. من دون أن نغفل عن تحويل أكثرية المراكز للطاقة الشمسية».

غض نظر

ويقول الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم زيادة الرواتب وإعطاء بدل نقل ومساعدات شهرية بالدولار لكن معاشات العسكريين وباقي عناصر الأجهزة الأمنية لا تتجاوز ربع ما كانت عليه، وهو ما دفع كثيرين لمغادرة هذه الأسلاك أو للعمل بعد الدوام وفي أيام العطل في المطاعم، تخليص المعاملات، سائقي تاكسي، وفي كثير من المهن الأخرى»، لافتا إلى أن «قيادة المؤسسة العسكرية تعلم ذلك وتغض النظر لإبقاء العسكريين في السلك»، بعلم من قيادات مؤسساتهم واعتماد سياسة غض النظر.

ويعمل ن. ح (33 عاما) وهو معاون في الجيش اللبناني في أحد المطاعم الشهيرة في بيروت في دوام مسائي منذ أكثر من عامين ونصف بعدما بات راتبه لا يتجاوز الـ7 ملايين ليرة ونصف المليون أي ما يوازي 80 دولارا أميركيا. وهو يتقاضى عن كل يوم عمل كنادل في المطعم نحو 10 دولارات. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لو أنني أتكل حصرا على راتبي في الجيش لكنت مت من الجوع. أنا منهك جسديا ونفسيا لكنني أعلم أن لا خيار آخر لدي للاستمرار وتأمين حاجات أسرتي».

قوى الأمن: الوضع أصعب!

من جهته، لم يفقد ف. ع (28 عاما) وهو أحد عناصر الوحدات الخاصة في قوى الأمن الداخلي الأمل من قبول طلب تسريحه. إذ ورغم الكثير من المساعي التي بذلها، تصر قيادة قوى الأمن الداخلي على رفض طلبه والكثير من الطلبات الأخرى حرصا على المؤسسة واستمراريتها. ويقول الشاب العشريني لـ«الشرق الأوسط»: «منذ فترة تعرفت على فتاة أوروبية أرغب في الارتباط بها والمغادرة للعيش معها في أوروبا لعلمي بأن لا مستقبل لنا اليوم هنا بهذا الراتب الذي نقبضه والذي لا يكفيني كشاب أعزب. فكيف الحال إذا أردت تأسيس أسرة!».

ويعمل هذا الشاب مدربا رياضيا في أيام العطل، وهي مهنة لجأ إليها كثير من العناصر الأمنيين، إضافة إلى أن الكثير منهم وبعضهم ضباط، يعملون ليلا بركن السيارات أمام المطاعم كما في أعمال صيرفة.

ولم يعد خافيا أن أوضاع العناصر الحاليين كما المتقاعدين في قوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية الأخرى أصعب من أحوال العسكريين باعتبار أن هؤلاء ما زالوا يدخلون وعائلاتهم المستشفيات مجانا بخلاف باقي العناصر الأمنيين الذين لم تعد المؤسسة تغطي إلا 5% من الفاتورة الاستشفائية.

ويقول المؤهل أول المتقاعد من قوى الأمن الداخلي جورج الحاج موسى: «عندما كنا في السلك كان الجميع يحسدنا باعتبار أننا كنا نُعد ضامنين لآخرتنا، أي لدينا تعويض محترم واستشفاء مجاني... ليتبين أن المسؤولين (جابولنا آخرتنا). سرقوا أموالنا وأفلسوا البلد». ويضيف الحاج موسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «قلبوا حياتنا رأسا على عقب فمن كان في السلك راتبه ألفي دولار أميركي أصبح اليوم 70 دولارا».

ويشير إلى «أن العناصر كما المتقاعدين والذين من المستحيل أن تغطي رواتبهم فواتير الاستشفاء الباهظة إما يلجأون لسياسيين لمساعدتهم أو يعتمدون على مغتربين من أقاربهم، أما البقية فيلازمون منازلهم ويعضون على الجرح»، مضيفا: «أنا مثلا بحاجة لعملية جراحية لكنني أؤجلها لأن الأولى بالنسبة إلي تأمين تكاليف تعليم ابني... نحن نعيش بمذلة، فقد حرمونا من كل شيء حتى الكميات المحدودة من البنزين المجاني علما أنها حق لنا بالقانون».

وكما الجيش تتلقى باقي الأجهزة الأمنية مساعدات خارجية ولكن ليس بالمقدار عينه ما يبقيها قائمة ومستمرة. ففيما تتمكن قيادة الجيش من خلال المساعدات التي تصلها من تغطية طبابة العسكريين الحاليين والمتقاعدين لا تكفي المساعدات التي تصل لباقي الأجهزة لذلك. وكما العسكريين يحصل عناصر قوى الأمن الداخلي على 100 دولار شهرياً إلى جانب رواتبهم بإطار المساعدات الأميركية للأجهزة الأمنية.



أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
TT

أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)

وصفت حركة «حماس» اللقاء «الأولي» الذي أجراه وفدها، مساء الأربعاء، مع الوسطاء في مصر لمناقشة المقترح الجديد بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأنه كان «إيجابياً».

واطلعت «الشرق الأوسط» على رسالة وجّهتها «حماس» إلى الفصائل الفلسطينية، جاء فيها أنه كان «لقاءً أولياً صريحاً وواضحاً، وموجزاً، بأجواء إيجابية».

ونقلت الرسالة من «حماس» إلى الفصائل أن وفد الحركة أبلغ الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وفريقه، بأنه «لا بد من تنفيذ واضح للمرحلة الأولى قبل الحديث عن المرحلة الثانية»، مذكّرة بأن «هذا الموقف بالأساس تبنته الحركة والفصائل الفلسطينية». ووفقاً للرسالة، فإن «الوسطاء في انتظار رد إسرائيل كي تتضح الخطوات اللاحقة».

محاولة عرقلة إسرائيلية ومقاربات

وأكد مصدر قيادي في «حماس» محتوى الرسالة، وأن «الأجواء كانت إيجابية» خلال لقاءات عُقدت مع الوسطاء، مساء الأربعاء، مشيراً إلى أن لقاء آخر «عُقد في ساعة متأخرة من ذات المساء مع ملادينوف وشخصيات أخرى».

وبحسب المصدر، فإن ملادينوف الذي وصل إلى القاهرة من إسرائيل، ظهر الثلاثاء، كان يحمل موقفاً إسرائيلياً من الورقة المقدمة مؤخراً والمحدّثة فيما يتعلق بالمرحلتين الأولى والثانية، مشيراً إلى أن لقاءات أخرى ستُعقد الخميس.

فلسطينيون نازحون يودّعون جثامين 4 أشخاص قُتلوا بغارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وعبّر المصدر عن اعتقاده بأن «إسرائيل ما زالت تحاول عرقلة الاتفاق من خلال محاولة فرض بعض الشروط المتعلقة بربط أي تقدم في الاتفاق بنزع السلاح، والحصول على موافقة موقّعة من (حماس) والفصائل على ذلك، وهو أمر ترفضه الفصائل جميعها المشاركة في الحوارات بالقاهرة».

وبيّن المصدر أن «هناك محاولات من الوسطاء وملادينوف من أجل إيجاد مقاربات، وهو أمر قد يتحقق من خلال اللقاءات التي ستستمر حتى الجمعة، وفق الجدول المفترض لذلك».

ملاحظات من فصائل اليسار

ورغم «الإيجابية» التي تتحدث عنها «حماس» مع مطالباتها بوضع جدول زمني واضح للتنفيذ ووجود ضمانات حقيقية؛ فإن بعض الفصائل، وخاصةً من اليسار الفلسطيني المنضوية تحت «منظمة التحرير»، قدمت خلال لقاءات مع وفد الحركة سلسلة من الملاحظات المتعلقة بورقة الوسطاء الأخيرة، والتي كانت «الشرق الأوسط» كشفت تفاصيلها.

ووفقاً لمصدر قيادي من فصائل اليسار، فإن ملاحظاتها ركزت على «غياب جدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي، مع وجود آلية رقابة واضحة، وإعداد جدول واضح للمرحلة الثانية، وتقليص الدور الوطني الفلسطيني لصالح إدارة دولية، والغموض في آليات تنفيذ المرحلة الأولى، وربط الإعمار بنزع السلاح، وإغفال المناطق الواقعة خلف (الخط الأصفر) في خطط الإعمار».

واقترحت فصائل اليسار الفلسطيني أن يكون «حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية وفق الشرعية الدولية، وأن تباشر اللجنة الإدارية للقطاع مهامها منذ المرحلة الأولى، وأن يتم تحييد السلاح باتفاق وطني في إطار ترتيبات أمنية، وبإشراف الدول الضامنة، وخاصةً مصر، واعتباره وديعة لديها».

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وطرحت الفصائل اليسارية كذلك أن «يتزامن تحييد السلاح مع انسحاب إسرائيلي كامل، ونزع سلاح العصابات المسلحة المرتبطة به، وانتشار القوات الدولية بدءاً من (الخط الأصفر) واستكماله بعد الانسحاب، وتوفير ضمانات دولية لتنفيذ الانسحاب والإعمار، مع ضمان بدء الإعمار في كل المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية بشكل كامل، بما فيها خلف (الخط الأصفر)، وإطلاق خطة التعافي المبكّر مع بداية تنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى».

وشدد المقترح على «ضمان حرية العمل السياسي والمدني وفق القوانين الوطنية، وأي ترتيبات في غزة يجب ألا تتعارض مع قوانين السلطة الفلسطينية، وتعزيز التوافق الوطني، ومعالجة ملف العصابات المسلحة عبر مسار خاص، مع إمكانية دمجها بالأجهزة الرسمية، وإيجاد حل شامل لملف الأسرى، خاصةً ممن هم من سكان قطاع غزة، وربط أي ترتيبات لتحييد السلاح بحل هذا الملف».

وقال المصدر من «حماس» إن الملاحظات التي قدمتها الفصائل تم الأخذ بها ونقلها للوسطاء وملادينوف، مشيراً إلى أن هناك بعض البنود بالأساس متفق عليها، مثل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة في المرحلة الأولى في أقرب وقت.

ورجّح أن يتم السماح بدخول أعضاء اللجنة خلال الفترة القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن هناك بوادر إيجابية في هذا الشأن ضمن الردود الإسرائيلية المتاحة لذلك.


إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب من شأنها أن تفاقم الضغوط الداخلية على الدولة اللبنانية، وذلك رغم «أفكار» لبنانية وأممية نُقلت إلى إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، ولا يبدو أنها أعطت نتائج حتى الآن، باستثناء تحييد منشآت الدولة اللبنانية.

وأطلعت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جنين-هينيس بلاسخارت، الرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، على نتائج الاتصالات التي أجرتها في إسرائيل في إطار العمل لتثبيت وقف إطلاق النار والحد من التصعيد.

كانت بلاسخارت قد زارت إسرائيل يوم الأحد، والتقت مسؤولين إسرائيليين، في مسعى لتثبيت وقف إطلاق النار الذي تزداد خروقاته يومياً.

يهود متشددون يقفون على الجانب الإسرائيلي من الحدود وينظرون إلى البلدات الحدودية بالتوازي مع عمليات عسكرية للجيش الإسرائيلي (رويترز)

وإذ تؤكد مصادر متقاطعة أن الزيارة لم تحمل أي مبادرة، بل تمثل حراكاً لتثبيت الهدنة، قالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «أفكاراً وتصورات» حُملت إلى تل أبيب تتمحور حول كيفية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن تبلور المفاوضات تمهيداً لها، في إشارة إلى انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

وقالت المصادر إن الحراك «عبارة عن أفكار» و«تصور» كانت تتحدث عنه بلاسخارت، ونقلته إلى الجانب الإسرائيلي.

لكنّ إمكانية الاختراق في الأزمة لم تظهر على الفور، بل ذهبت تل أبيب إلى تصعيد ميداني، تمثَّل في إنذارات إخلاء أصدرها الجيش الإسرائيلي لبلدات تبعد نحو 25 كيلومتراً عن الحدود في قضاءي صور والنبطية.

خفض تصعيد... وليس هدنة

ويصر الجانب الإسرائيلي على أن عملياته تستهدف «حزب الله» ولا تستهدف أصول الدولة اللبنانية. وتنظر مصادر لبنانية إلى ما يجري على أنه «توسعة لمروحة الضغط على الدولة نفسها»، من خلال إنذارات الإخلاء والقصف الذي يدفع عشرات الآلاف إلى النزوح، ويُبقي نازحين آخرين في مواقعهم بعيداً عن بلداتهم، وهو ما يزيد الضغوط على الدولة التي تلتزم بالتفاوض المباشر لحل المشكلة، رغم اعتراضات ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل».

نازح لبناني... من بلدة كفركلا الحدودية في الجنوب إلى خيمة في وسط بيروت (رويترز)

إزاء هذا الواقع، لا يرى مسؤولون لبنانيون أن الاتفاق الممدد لمدة ثلاثة أسابيع، هو «اتفاق هدنة» أو «وقف لإطلاق النار»، بل يُوصف في بيروت بأنه «خفض تصعيد»، حيث انحسرت الضربات في بيروت وضاحيتها الجنوبية، قبل أن تتوسع مرة أخرى تدريجياً إلى عمق يصل إلى 30 كيلومتراً بعيداً عن الحدود.

تحرير الأسرى

في المقابل، يضغط الرئيس عون عبر مروحة اتصالات دبلوماسية، لإلزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار الذي مدَّده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ثلاثة أسابيع إضافية، كما يضغط لإطلاق الأسرى وتأمين الانسحاب الإسرائيلي. وشدد خلال استقباله وفد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر برئاسة نائب الأمين العام للاتحاد للتطوير والعمليات والتنسيق، خافيير كاستيلانوس، على ضرورة الضغط على إسرائيل كي تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية والكف عن استهداف المدنيين والمسعفين والدفاع المدني والهيئات الإنسانية الصحية والإغاثية.

وحسب الرئاسة اللبنانية، «أبلغ الرئيس عون الوفد بأن الانتهاكات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب رغم إعلان وقف إطلاق النار، وكذلك هدم المنازل وأماكن العبادة وجرفها، فيما أعداد الضحايا والجرحى ترتفع يوماً بعد يوم». وقال: «رغم كل الدعوات التي وُجِّهت كي تتوقف إسرائيل عن ممارساتها العدائية، فإن الاعتداءات مستمرة، وهي لا تستثني المسعفين والمتطوعين الذين سقط منهم حتى الآن نحو 17 مسعفاً من الصليب الأحمر اللبناني وهيئات إنسانية أخرى، فضلاً عن استهداف الإعلاميين».

وبينما نوَّه الرئيس عون بالتنسيق القائم والدعم الذي يقدمه الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر للجنة اللبنانية للصليب الأحمر، جدد الدعوة إلى مساعدة لبنان على معرفة مصير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية التي ترفض إسرائيل حتى الآن السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالتواصل معهم والاطمئنان على صحتهم وطمأنة ذويهم والدولة اللبنانية.

بري يطالب بوقف الحرب

يأتي ذلك في ظل تباينات بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، خرجت إلى العلن، الأربعاء، حول ملف التفاوض المباشر. وقال وزير الاتصالات شارل الحاج: «لا يوجد أي خلاف في الأهداف بين رئيس الجمهورية وأي مسؤول في الدولة اللبنانية، لا سيما الرئيس نبيه بري، والهدف الأساسي هو وقف الدمار والقتل». وأضاف: «ليس هناك أي لبناني يثق بإسرائيل، لذلك نحن بحاجة إلى ضمانات دولية لا سيما أميركية وعربية على رأسها المملكة العربية السعودية لوقف إطلاق النار وتثبيته».

صورة جوية تُظهر الدمار اللاحق ببلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

ويواظب بري على المطالبة بوقف الحرب، وقال في تصريح بمناسبة عيد العمال: «إن الأول من مايو (أيار) هذا العام بكل ما يحمله من ألم ووجع، يجب أن يكون دعوة وطنية مفتوحة للدولة بكل سلطاتها، وللمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والعدلية للتحرك لإلزام إسرائيل بوقف عدوانها فوراً قبل أي شيء آخر، والإسراع لتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية حول الجرائم التي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذها وتوثيقها بالصوت والصورة على نحو ممنهج بحق العمال وأماكن عملهم، لا سيما المزارعين منهم في المناطق الحدودية الجنوبية وجنوب نهر الليطاني».

«حزب الله» يصعِّد ضد عون

في المقابل، صعّد «حزب الله» حدة هجومه على عون، على خلفية المفاوضات المباشرة، ورأى عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب علي فياض، أن موقف رئيس الجمهورية «يدعو فعلاً إلى مزيد من القلق، لأنه حاول أن يسوِّق المذكرة الأميركية، بدل التبرؤ منها»، مضيفاً أن «الأمر الأكثر خطورة، أنه يوافق عليها دون أن يسجل اعتراضاً واضحاً على مبدأ حرية الحركة للإسرائيليين، رغم مطالبته بوقف إطلاق النار».

وخلال تصريح إذاعي تساءل فياض: «كيف يستقيم إعلان انتظار تحديد موعد للجلسة المقبلة من المفاوضات في ظل استمرار الاعتداءات وارتفاع التصعيد الإسرائيلي واستكمال حملات إبادة القرى؟».

وإذ رأى فياض أن «ثمة ارتباكاً واضحاً في الموقف الرسمي اللبناني وغياباً للشفافية والوضوح»، أضاف: «يبقى الأكثر خطورة أن التفاهم الأميركي ـ الإسرائيلي الجانبي غير المعلن الذي أعطى الإسرائيلي الضوء الأخضر للقيام بما أصطُلح عليها بـ(حرية الحركة تجاه التهديدات المحتملة) بات جزءاً من المذكرة الأميركية التي يوحي كلام فخامة الرئيس بالموافقة عليها».


تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
TT

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)

تتسارع المشاورات السياسية في العراق لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المكلف علي الزيدي، وسط انقسام داخلي وتقاطعات إقليمية ودولية، في وقت أثارت فيه مواقف كل من الولايات المتحدة وإيران تساؤلات بشأن طبيعة دعمهما للعملية السياسية. فقد اعتُبرت رسالة التأييد الأميركية المقتضبة للزيدي بمنزلة إشارة غير حاسمة؛ إذ رأى مراقبون أنها تحمل «رسائل مشفرة» بشأن حدود هذا الدعم.

في المقابل، يلف الغموض الموقف الإيراني، رغم ما وُصف بشبه إجماع داخل القوى الشيعية، خاصة بعد زيارة إسماعيل قاآني إلى العراق قبل يومين من إعلان التكليف.

على الصعيد الداخلي، كثّف الزيدي لقاءاته مع قادة الكتل السياسية، بالتوازي مع استكمال تشكيل مكتبه، مستفيداً من مهلة دستورية تمتد 30 يوماً لتقديم حكومته إلى البرلمان.

وبينما تشير تقديرات إلى إمكانية إنجاز التشكيلة قبل انتهاء المهلة، تتصدر المنافسة على الحقائب الوزارية أولويات الكتل، في ظل غياب مؤشرات على تشكّل معارضة برلمانية واضحة.

وتخضع عملية توزيع الوزارات لنظام معقد يجمع بين مبدأ التوافق الطائفي (الشيعة والسنة والأكراد) والأوزان الانتخابية. وفي هذا السياق، تبدو وزارتا الدفاع والداخلية شبه محسومتين للسُّنة والشيعة على التوالي، في حين برزت وزارة الخارجية كساحة تنافس مبكر، بعد أن احتفظ بها الأكراد لفترات طويلة منذ عام 2003، باستثناء فترتَي الوزيرين السابقين إبراهيم الجعفري ومحمد علي الحكيم.

ويتمسك «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني بالوزارة، التي شغلها سابقاً كل من هوشيار زيباري وفؤاد حسين، في حين تطرح أطراف شيعية وسنية فكرة نقلها إلى العرب مقابل منح الأكراد حقائب سيادية أخرى مثل «المالية» أو «النفط» أو «التخطيط».

تأييد أميركي غير صريح

وفي قراءة للموقف الأميركي، قال قصي محبوبة، من ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، إن التأييد الصادر حتى الآن جاء من البعثة الدبلوماسية وليس من الإدارة الأميركية، معتبراً أن ذلك «لا يعني دعماً كاملاً»، بل غياب اعتراض. ولم يستبعد صدور مواقف لاحقة من واشنطن تتضمن شروطاً لدعم الحكومة الجديدة.

من جهته، اعتبر الباحث السياسي عباس عبود أن الترقب للموقف الأميركي يعكس استمرار تأثير واشنطن في القرار العراقي، مضيفاً أن الرسالة الأميركية ركزت على «التضامن مع الشعب العراقي» دون الإشارة المباشرة للحكومة أو رئيسها المكلف، وهو ما فسره على أنه تجنب لدعم الطبقة السياسية بشكل صريح، مع الإبقاء على النفوذ الأميركي في البلاد.

وفيما يتعلق بإيران، أشار عبود إلى أن أدوار التأثير تبدو وكأنها شهدت تحولاً، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها طهران صاحبة الدور الأبرز في تشكيل الحكومات.

على صعيد الفصائل المسلحة، لم تصدر «كتائب حزب الله» موقفاً حتى الآن، في حين دعت «كتائب سيد الشهداء»، بزعامة «أبو آلاء الولائي»، الحكومة المقبلة إلى تحقيق «السيادة الكاملة» للعراق. وشدد المتحدث باسمها، كاظم حبيب، على ضرورة تضمين البرنامج الحكومي أهدافاً تتعلق بالسيادة.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

صراع الحقائب

في موازاة ذلك، تتصاعد المطالبات داخل الكتل السياسية بحصص وزارية تعكس ثقلها الانتخابي. وفي هذا السياق، صرح النائب عباس حيال عن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بأن الائتلاف، باعتباره الكتلة الكبرى في البرلمان بعد انتخابات 2025، يسعى للحصول على ما لا يقل عن خمس وزارات، بينها حقيبة سيادية.

ووفق تسريبات أولية لخريطة توزيع الوزارات، يتجه الائتلاف ذاته للحصول على خمس حقائب، من بينها «المالية»، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، في حين قد تحصل قوى أخرى على وزارات رئيسية، مثل «النفط» لـ«دولة القانون»، و«الداخلية» لـ«منظمة بدر»، و«التخطيط» لـ«تيار الحكمة»، و«الدفاع» لتحالف «العزم»، و«الخارجية» و«العدل» لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مع تزايد حصة حركة «صادقون» من المناصب التنفيذية.

وشهدت العاصمة بغداد سلسلة اجتماعات ومباحثات بين رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وأبرز زعامات «الإطار التنسيقي»، تناولت حصص «الإطار» من الوزارات والهيئات والمناصب، وفق تقارير محلية.

وأفيد بأن «حصة (الإطار التنسيقي) تبلغ 12 وزارة، تقسم حسب الأوزان الانتخابية وعدد المقاعد، وهي تضم وزارات سيادية، مثل (النفط) و(المالية) و(الداخلية)، وربما وزارة الخارجية هذه المرة».

ومنذ أسابيع، تتركز النقاشات حول وزارة النفط، التي تشهد تنازعاً بين تيار الحكيم، وائتلاف نوري المالكي؛ إذ يريد الأخير أن تكون جزءاً من حصته في حكومة الزيدي.

تبدو مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق محكومة بحسابات معقدة، بين ضغوط التوازنات الداخلية وترقب المواقف الخارجية، في وقت يسعى فيه الزيدي إلى تحقيق توافق يضمن تمرير حكومته داخل البرلمان ضمن المهلة الدستورية.